أَثَرُ اسْتِقْرَارِ الْأُسْرَةِ فِي بِنَاءِ الْإِنْسَانِ
(دِرَاسَةٌ تَأْصِيلِيَّةٌ بَيْنَ الْهَدْيِ الْقُرْآنِيِّ وَالْمَنْهَجِ النَّبَوِيِّ وَالْفِقْهِ النَّفْسِيِّ وَالِاجْتِمَاعِيِّ)
▪️الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى،
وَقَدَّرَ فَهَدَى، وَجَعَلَ مِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَنَا مِنْ أَنْفُسِنَا أَزْوَاجًا
لِنَسْكُنَ إِلَيْهَا، وَجَعَلَ بَيْنَنَا مَوَدَّةً وَرَحْمَةً، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا
إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنْ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ
وَرَسُولُهُ، الْقَائِلُ: «خَيْرُكُمْ خَيْرُكُمْ لِأَهْلِهِ، وَأَنَا خَيْرُكُمْ لِأَهْلِي»،
صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ، وَمَنِ اهْتَدَى بِهَدْيِهِ، وَاتَّبَعَ
سُنَّتَهُ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ، وَسَلَّمَ تَسْلِيمًا كَثِيرًا.
أَمَّا بَعْدُ :
حَدِيثُنَا الْيَوْمَ يَمَسُّ صَرْحًا عَظِيمًا
وَجِدَارًا مَتِينًا، إِنْ تَزَعْزَعَ تَزَعْزَعَ مَعَهُ الْمُجْتَمَعُ كُلُّهُ، وَإِنْ
ثَبَتَ كَانَ حِصْنًا لِلدِّينِ وَالْعِرْضِ وَالْوَطَنِ؛ أَلَا وَهُوَ "الْأُسْرَةُ"،
تِلْكَ الْمُؤَسَّسَةُ الرَّبَّانِيَّةُ وَالْمَصْنَعُ الْإِنْسَانِيُّ الْأَوَّلُ
الَّذِي يُخَرِّجُ الرِّجَالَ وَالنِّسَاءَ، إِمَّا مُشَكَّلِينَ عَلَى هُدَى اللَّهِ،
وَإِمَّا مُشَوَّهِينَ بِفِعْلِ الْأَهْوَاءِ؛ فَبِنَاءُ الْإِنْسَانِ الصَّحِيحِ لَا
يَتَحَقَّقُ بِمُجَرَّدِ تَوْفِيرِ الطَّعَامِ وَالشَّرَابِ، وَإِنَّمَا بِيئَةٌ يَسُودُهَا
الْحُبُّ وَالرَّحْمَةُ لِيَتَعَلَّمَ الْأَبْنَاءُ مَعَانِيَ الْإِيمَانِ وَالْمَسْؤُولِيَّةِ،
وَلِذَا كَانَتِ الْعِنَايَةُ بِاسْتِقْرَارِهَا مِنْ أَعْظَمِ مَقَاصِدِ الشَّرِيعَةِ
الْإِسْلَامِيَّةِ لِبِنَاءِ الْفَرْدِ الصَّالِحِ وَالْمُجْتَمَعِ الْمُتَمَاسِكِ.
الْأُسْرَةُ.. مَصْنَعُ الْوُجُودِ الْإِنْسَانِيِّ
الْأَوَّلِ
.
إِنَّ الْمُتَأَمِّلَ فِي الْوَحْيَيْنِ
لَيَجِدُ أَنَّ الْأُسْرَةَ تَحْتَلُّ مَكَانَةً مَرْكَزِيَّةً؛ فَهِيَ لَيْسَتْ عَلَاقَةً
عَابِرَةً أَوْ إِطَارًا شَكْلِيًّا لِتَمْرِيرِ الْجِينَاتِ (الْعَوَامِلِ الْوِرَاثِيَّةِ)
وَاسْتِمْرَارِ النَّوْعِ، بَلْ هِيَ الْمَحْضَنُ الْوُجُودِيُّ الْأَوَّلُ الَّذِي
تَتَشَكَّلُ فِيهِ ذَاتُ الْإِنْسَانِ وَتَنْصَهِرُ فِيهِ شَخْصِيَّتُهُ، وَتَتَحَدَّدُ
بُوصَلَةُ سُلُوكِهِ؛ إِنَّهَا الْمَصْنَعُ الْحَقِيقِيُّ لِلْمَادَّةِ الْبَشَرِيَّةِ
إِمَّا صَلَاحًا أَوْ تَشْوِيهًا يَحْتَاجُ سِنِينَ مِنَ التَّرْمِيمِ. وَلَقَدْ رَبَطَ
الْقُرْآنُ بَيْنَ الْحَيَاةِ الزَّوْجِيَّةِ وَالسَّكَنِ النَّفْسِيِّ؛ فَقَالَ تَعَالَى:
﴿وَمِنۡ ءَايَٰتِهِۦٓ أَنۡ خَلَقَ لَكُم مِّنۡ أَنفُسِكُمۡ أَزۡوَٰجٗا لِّتَسۡكُنُوٓاْ
إِلَيۡهَا وَجَعَلَ بَيۡنَكُم مَّوَدَّةٗ وَرَحۡمَةًۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَأٓيَٰتٖ
لِّقَوۡمٖ يَتَفَكَّرُونَ﴾ [الروم: 21]، وَتَأَمَّلْ دِقَّةَ الْبَيَانِ إِذْ قَالَ:
﴿لِّتَسۡكُنُوٓاْ إِلَيۡهَا﴾ وَلَمْ يَقُلْ "مَعَهَا"؛ لِأَنَّ السُّكُونَ
(إِلَى) يُفِيدُ الِالْتِجَاءَ وَالِاحْتِمَاءَ وَالِاسْتِقْرَارَ الْوِجْدَانِيَّ
الْعَمِيقَ، فَالزَّوْجَةُ مَلَاذٌ تَهْدَأُ بِهِ النَّفْسُ، بَيْنَمَا السُّكُونُ
(مَعَ) لَا يَتَجَاوَزُ الْمُصَاحَبَةَ الْجَسَدِيَّةَ، وَبِذَلِكَ تَتَجَاوَزُ الْوَظِيفَةَ
الْبِيُولُوجِيَّةَ (الْحَيَوِيَّةَ) إِلَى الرُّوحِيَّةِ، كَمَا قَالَ تَعَالَى:
﴿وَٱللَّهُ جعل لَكُم مِّنۢ بُيُوتِكُمۡ سَكَنٗا﴾ [النحل: 80]، فَالْبَيْتُ حَالَةٌ
نَفْسِيَّةٌ مِنَ الْأَمَانِ يَفِيضُ أَثَرُهَا عَلَى الْأَبْنَاءِ، وَإِنَّ أَزْمَةَ
الْإِنْسَانِ الْمُعَاصِرِ الْيَوْمَ لَيْسَتْ أَزْمَةً مَادِّيَّةً أَوْ تِقْنِيَّةً،
بَلْ هِيَ أَزْمَةُ سَكَنٍ نَفْسِيٍّ مَفْقُودٍ وَتَرْبِيَةٍ رُوحِيَّةٍ فِي زَمَنِ
طُغْيَانِ الْمَادَّةِ؛ وَمِنْ هُنَا تَسْعَى هَذِهِ الْمُحَاضَرَةُ لِتَأْصِيلِ مَفْهُومِ
الِاسْتِقْرَارِ الْأُسْرِيِّ وَبَيَانِ أَثَرِهِ فِي بِنَاءِ الْإِنْسَانِ مِنْ خِلَالِ
الْعَنَاصِرِ الْآتِيَةِ:
الْعُنْصُرُ الْأَوَّلُ: الْأُسْرَةُ فِي
الْمَنْظُورِ الْقُرْآنِيِّ: السَّكَنُ وَالْمَوَدَّةُ وَالرَّحْمَةُ
الْعُنْصُرُ الثَّانِي: رَكَائِزُ اسْتِقْرَارِ
الْأُسْرَةِ فِي ضَوْءِ الْوَحْيَيْنِ
الْعُنْصُرُ الثَّالِثُ: تَحَدِّيَاتٌ مُعَاصِرَةٌ
تُهَدِّدُ اسْتِقْرَارَ الْأُسْرَةِ
الْعُنْصُرُ الرَّابِعُ: أَثَرُ اسْتِقْرَارِ
الْأُسْرَةِ فِي بِنَاءِ الْإِنْسَانِ: رُؤْيَةٌ تَكَامُلِيَّةٌ
الْعُنْصُرُ الْخَامِسُ: قَوَاعِدُ نَفْسِيَّةٌ
وَتَرْبَوِيَّةٌ فِي صِنَاعَةِ الْإِنْسَانِ مِنْ دَاخِلِ الْأُسْرَةِ
الْخَاتِمَةُ: فِي ضَرُورَةِ الْعَوْدَةِ
إِلَى مَنْهَجِ اللَّهِ فِي بِنَاءِ الْأُسْرَةِ
أَسْأَلُ اللَّهَ تَعَالَى أَنْ يَجْعَلَ
هَذَا الْعَمَلَ خَالِصًا لِوَجْهِهِ، وَأَنْ يَنْفَعَ بِهِ كَاتِبَهُ وَقَارِئَهُ
وَسَامِعَهُ، إِنَّهُ وَلِيُّ ذَلِكَ وَالْقَادِرُ عَلَيْهِ.
الْعُنْصُرُ الْأَوَّلُ: الْأُسْرَةُ فِي
الْمَنْظُورِ الْقُرْآنِيِّ.. السَّكَنُ وَالْمَوَدَّةُ وَالرَّحْمَةُ
أَوَّلًا: السَّكَنُ: الْأَمْنُ الْوُجُودِيُّ
لِلْإِنْسَانِ
وَصَفَ اللَّهُ الْعَلَاقَةَ الزَّوْجِيَّةَ
بِالسَّكَنِ، وَهُوَ فِي اللُّغَةِ: الْهُدُوءُ بَعْدَ الْحَرَكَةِ، وَالطُّمَأْنِينَةُ
بَعْدَ الْقَلَقِ، وَالِاسْتِقْرَارُ بَعْدَ الِاضْطِرَابِ، وَقَوْلُهُ تَعَالَى:
﴿لِّتَسۡكُنُوٓاْ إِلَيۡهَا﴾: "جَعَلَ فِي ذَلِكَ التَّزَاوُجِ أُنْسًا بَيْنَ
الزَّوْجَيْنِ وَمَا جَعَلَهُ تَزَاوُجًا عَنِيفًا أَوْ مُهْلِكًا، وَجَعَلَ بَيْنَ
كُلِّ زَوْجَيْنِ مَوَدَّةً وَمُحَبَّةً فَالزَّوْجَانِ يَكُونَانِ مِنْ قَبْلِ التَّزَاوُجِ
مُتَجَاهِلَيْنِ فَيُصْبِحَانِ بَعْدَ التَّزَاوُجِ مُتَحَابَّيْنِ، وَجَعَلَ بَيْنَهُمَا
رَحْمَةً فَهُمَا قَبْلَ التَّزَاوُجِ لَا عَاطِفَةَ بَيْنَهُمَا فَيُصْبِحَانِ بَعْدَ
التَّزَاوُجِ مُتَحَابَّيْنِ، وَجَعَلَ بَيْنَهُمَا رَحْمَةً فَهُمَا قَبْلَ التَّزَاوُجِ
لَا عَاطِفَةَ بَيْنَهُمَا فَيُصْبِحَانِ بَعْدَهُ مُتَرَاحِمَيْنِ كَرَحْمَةِ الْأُبُوَّةِ
وَالْأُمُومَةِ" <التحرير والتنوير، الطاهر بن عاشور>.
وَإِنَّ التَّعْبِيرَ بِـ ﴿مِنۡ أَنفُسِكُمۡ﴾ يُشِيرُ لِلتَّآلُفِ وَالتَّجَانُسِ
الْخَلْقِيِّ الَّذِي يُهَيِّئُ السَّكَنَ الْمَنْشُودِ.
ثَانِيًا: الْمَوَدَّةُ وَالرَّحْمَةُ:
جَنَاحَا الِاسْتِقْرَارِ الْأُسْرِيِّ
أَرْدَفَ سُبْحَانَهُ السَّكَنَ بِالْمَوَدَّةِ
وَالرَّحْمَةِ؛ فَالْمَوَدَّةُ مَحَبَّةٌ تَظْهَرُ آثَارُهَا فِي السُّلُوكِ، وَالرَّحْمَةُ
شَفَقَةٌ وَعَطْفٌ أَعْمَقُ وَأَبْقَى؛ "
فَالْمَوَدَّةُ تَكُونُ فِي حَالِ الصِّحَّةِ
وَالشَّبَابِ وَالْقُدْرَةِ، وَالرَّحْمَةُ تَكُونُ فِي حَالِ الْكِبَرِ وَالضَّعْفِ
وَالْمَرَضِ، فَإِذَا عَجَزَتِ الْمَوَدَّةُ عَنِ الْقِيَامِ بِحُقُوقِ الزَّوْجِيَّةِ
لِكِبَرٍ أَوْ مَرَضٍ أَوْ عَجْزٍ، قَامَتِ الرَّحْمَةُ مَقَامَهَا، وَلِهَذَا كَانَتِ
الرَّحْمَةُ أَبْقَى وَأَدْوَمَ" <مفاتيح الغيب، الفخر الرازي>. وَهَذَا
التَّدَرُّجُ الثُّلَاثِيُّ يَضْمَنُ صُمُودَ الْأُسْرَةِ أَمَامَ عَوَاصِفِ الْحَيَاةِ.
ثَالِثًا: الْبَيْتُ سَكَنًا: مَفْهُومٌ
قُرْآنِيٌّ
يَقُولُ تَعَالَى: ﴿وَٱللَّهُ جَعَلَ لَكُم
مِّنۢ بُيُوتِكُمۡ سَكَنٗا﴾ [النحل: 80]، وَنِسْبَةُ الْبُيُوتِ لِلْمُخَاطَبِينَ
﴿مِّنۢ بُيُوتِكُمۡ﴾ تُشِيرُ إِلَى أَنَّ الْبَيْتَ لَا يَكُونُ سَكَنًا إِلَّا بِالشُّعُورِ
بِالِانْتِمَاءِ وَالْمِلْكِيَّةِ الْمَعْنَوِيَّةِ، وَإِلَّا صَارَ غُرْبَةً وَسِجْنًا،
وَقَدِ اسْتَنْبَطَ الْعُلَمَاءُ مِنَ الآيَةِ أَنَّ تَحْقِيقَ الْأَمْنِ وَالسَّكِينَةِ
مَقْصِدٌ شَرْعِيٌّ، فَكُلُّ مَا يُخِلُّ بِهِ مَمْنُوعٌ، وَكُلُّ مَا يُحَقِّقُهُ
مَطْلُوبٌ.
الْعُنْصُرُ الثَّانِي: رَكَائِزُ اسْتِقْرَارِ
الْأُسْرَةِ فِي ضَوْءِ الْوَحْيَيْنِ
أَوَّلًا: حُسْنُ اخْتِيَارِ الزَّوْجَيْنِ:
وَجَّهَ الْإِسْلَامُ لِلِاخْتِيَارِ الصَّالِحِ
فِي الزَّوَاجِ؛ فَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «تُنْكَحُ الْمَرْأَةُ لِأَرْبَعٍ:
لِمَالِهَا وَلِحَسَبِهَا وَجَمَالِهَا وَلِدِينِهَا، فَاظْفَرْ بِذَاتِ الدِّينِ،
تَرِبَتْ يَدَاكَ» <متفق عليه>. قَالَ الْإِمَامُ النَّوَوِيُّ فِي شَرْحِهِ:
"الصَّحِيحُ فِي مَعْنَى هَذَا الْحَدِيثِ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَخْبَرَ بِمَا يَفْعَلُهُ النَّاسُ فِي
الْعَادَةِ؛ فَإِنَّهُمْ يَقْصِدُونَ هَذِهِ الْخِصَالَ الْأَرْبَعَ، وَآخِرُهَا عِنْدَهُمْ
'ذَاتُ الدِّينِ'؛ فَاظْفَرْ أَنْتَ أَيُّهَا الْمُسْتَرْشِدُ بِذَاتِ الدِّينِ لِأَنَّهُ
أَمَرَ بِذَلِكَ، وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ الْحَثُّ عَلَى مُصَاحَبَةِ أَهْلِ الدِّينِ
فِي كُلِّ شَيْءٍ؛ لِأَنَّ صَاحِبَهُمْ يَسْتَفِيدُ مِنْ أَخْلَاقِهِمْ وَبَرَكَتِهِمْ
وَحُسْنِ طَرَائِقِهِمْ وَيَأْمَنُ الْمَفْسَدَةَ مِنْ جِهَتِهِمْ" <شرح النووي
على مسلم، الإمام النووي>.
وَقَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ حَجَرٍ
الْعَسْقَلَانِيُّ: "وَالْمَعْنَى أَنَّ اللَّائِقَ بِذِي الدِّينِ وَالْمُرُوءَةِ
أَنْ يَكُونَ الدِّينُ مَطْمَحَ نَظَرِهِ فِي كُلِّ شَيْءٍ، لَا سِيَّمَا فِيمَا تَطُولُ
صُحْبَتُهُ فَأَمَرَهُ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِتَحْصِيلِ
صَاحِبَةِ الدِّينِ الَّذِي هُوَ غَايَةُ الْبُغْيَةِ" <فتح الباري، ابن حجر
العسقلاني>.
وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ
عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «إِذَا جَاءَكُمْ مَنْ تَرْضَوْنَ دِينَهُ
وَخُلُقَهُ فَأَنْكِحُوهُ، إِلَّا تَفْعَلُوا تَكُنْ فِتْنَةٌ فِي الْأَرْضِ وَفَسَادٌ»
<رواه الترمذي>؛ فالدِّينُ وَالْخُلُقُ يَضْمَنَانِ الْبَقَاءَ.
التَّقَارُبُ بَيْنَ الزَّوْجَيْنِ وَأَثَرُهُ
فِي الِاسْتِقْرَارِ:
إِنَّ التَّقَارُبَ الْفِكْرِيَّ وَالثَّقَافِيَّ
وَالْبِيئِيَّ يُسَهِّلُ التَّفَاهُمَ وَيُقَلِّلُ النِّزَاعَ؛ وَلَذَا اعْتَبَرَ الْفُقَهَاءُ
الْكَفَاءَةَ؛ قَالَ الْمَوْصِلِيُّ الْحَنَفِيُّ: "وَالْكَفَاءَةُ تُعْتَبَرُ
فِي النِّكَاحِ فِي النَّسَبِ، وَفِي الدِّينِ وَالتَّقْوَى، وَفِي الصَّنَائِعِ (الْحِرَفِ
وَالْمِهَنِ)، وَفِي الْحُرِّيَّةِ، وَفِي الْمَالِ، وَإِذَا تَزَوَّجَتْ غَيْرَ كُفْءٍ
فَلِلْوَلِيِّ أَنْ يُفَرِّقَ بَيْنَهُمَا" <الاختيار لتعليل المختار، عبد
الله بن محمود الموصلي>، وَالْمَقْصُودُ بِهِ التَّوَافُقُ الْمَانِعُ لِلشِّقَاقِ.
ثَانِيًا: الْقَوَامَةُ: مَسْؤُولِيَّةٌ
وَتَكْلِيفٌ لَا تَسَلُّطٌ وَتَشْرِيفٌ
بَيَّنَتِ الْآيَةُ: ﴿ٱلرِّجَالُ قَوَّٰمُونَ
عَلَى ٱلنِّسَاۤءِ بِمَا فَضَّلَ ٱللَّهُ بَعۡضَهُمۡ عَلَىٰ بَعۡضٖ وَبِمَاۤ أَنفَقُواْ
مِنۡ أَمۡوَٰلِهِمۡۚ﴾ [النساء: 34] أَنَّ الْقَوَامَةَ مَسْؤُولِيَّةٌ إِدَارِيَّةٌ
وَلَيْسَتْ تَسَلُّطًا؛ "فَقِيَامُ الرِّجَالِ عَلَى النِّسَاءِ هُوَ قِيَامُ
الْحِفْظِ وَالدِّفَاعِ، وَقِيَامُ الِاكْتِسَابِ وَالْإِنْتَاجِ الْمَالِيِّ"
<التحرير والتنوير، الطاهر بن عاشور>. "وَالرِّجَالُ يَقُومُونَ عَلَى شُئُونِ
النِّسَاءِ بِالْحِفْظِ وَالرِّعَايَةِ وَالنَّفَقَةِ وَالتَّأْدِيبِ، وَغَيْرِ ذَلِكَ
مِمَّا تَقْتَضِيهِ مَصْلَحَتُهُنَّ" <التفسير الوسيط، محمد سيد طنطاوي>.
وَ"الْقَوَامَةُ عَلَى الْأُسْرَةِ
فِي نِظَامِ الْإِسْلَامِ وَشَرْعِهِ، قَوَامَةُ رِعَايَةٍ وَإِدَارَةٍ وَلَيْسَتْ
قَوَامَةَ هَيْمَنَةٍ وَتَسَلُّطٍ.. ثُمَّ إِنَّهَا لَيْسَتْ عُنْوَانًا عَلَى أَفْضَلِيَّةٍ
ذَاتِيَّةٍ عِنْدَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ، يَتَمَيَّزُ بِهَا الْأَمِيرُ أَوِ الْمُدِيرُ،
وَإِنَّمَا يَنْبَغِي أَنْ تَكُونَ عُنْوَانًا عَلَى كَفَاءَةٍ يَتَمَتَّعُ بِهَا الْقَائِمُ
بِأَعْبَاءِ هَذِهِ الْمَسْؤُولِيَّةِ" <المرأة بين طغيان النظام الغربي ولطائف
التشريع الرباني، محمد سعيد رمضان البوطي>. فَهِيَ نِظَامٌ يَقُومُ عَلَى تَقْسِيمِ
الْأَدْوَارِ وَالتَّكَامُلِ.
ثَالِثًا: الْعِشْرَةُ بِالْمَعْرُوفِ:
مَنْهَجٌ نَبَوِيٌّ فِي الْحَيَاةِ الزَّوْجِيَّةِ
قَالَ تَعَالَى: ﴿وَعَاشِرُوهُنَّ بِٱلۡمَعۡرُوفِۚ﴾
[النساء: 19]؛ "وَالْمُعَاشَرَةُ: مُفَاعَلَةٌ مِنَ الْعِشْرَةِ وَهِيَ الْمُخَالَطَةُ
وَالْمُصَاحَبَةُ، أَيْ: وَصَاحِبُوهُنَّ وَعَامِلُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ، أَيْ: بِمَا
حَضَّ عَلَيْهِ الشَّرْعُ وَارْتَضَاهُ الْعَقْلُ مِنَ الْأَفْعَالِ الْحَمِيدَةِ،
وَالْأَقْوَالِ الْحَسَنَةِ" <التفسير الوسيط، محمد سيد طنطاوي>.
"وَقَوْلُهُ: ﴿وَعَاشِرُوهُنَّ بِٱلۡمَعۡرُوفِۚ﴾
أَيْ: طَيِّبُوا أَقْوَالَكُمْ لَهُنَّ، وَحَسِّنُوا أَفْعَالَكُمْ وَهَيْئَاتِكُمْ
بِحَسَبِ قُدْرَتِكُمْ، كَمَا تُحِبُّ ذَلِكَ مِنْهَا؛ فَافْعَلْ أَنْتَ بِهَا مِثْلَهُ،
كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [البقرة:228]
وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «خَيْرُكُمْ خَيْرُكُمْ لِأَهْلِهِ، وَأَنَا
خَيْرُكُمْ لِأَهْلِي»، وَكَانَ مِنْ أَخْلَاقِهِ ﷺ: أَنَّهُ جَمِيلُ الْعِشْرَةِ، دَائِمُ
الْبِشْرِ، يُدَاعِبُ أَهْلَهُ، وَيَتَلَطَّفُ بِهِمْ، وَيُوسِعُهُمْ نَفَقَتَهُ، وَيُضَاحِكُ
نِسَاءَهُ، وَكَانَ إِذَا صَلَّى الْعِشَاءَ يَدْخُلُ مَنْزِلَهُ يَسْمُرُ مَعَ أَهْلِهِ
قَلِيلًا قَبْلَ أَنْ يَنَامَ، يُؤَانِسُهُمْ بِذَلِكَ ﷺ، وَقَدْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿لَقَدْ
كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾" [الأحزاب: 21] <تفسير
القرآن العظيم، ابن كثير>.
وَسِيرَتُهُ ﷺ تَفِيضُ بِالرِّفْقِ؛ كَحَمْلِهِ لِصَفِيَّةَ
رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا: "قَدِمَ النَّبِيُّ ﷺ خَيْبَرَ؛ فَلَمَّا فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْهِ
الْحِصْنَ... خَرَجْنَا إِلَى الْمَدِينَةِ، قَالَ: فَرَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يُحَوِّي لَهَا وَرَاءَهُ بِعَبَاءَةٍ،
ثُمَّ يَجْلِسُ عِنْدَ بَعِيرِهِ فَيَضَعُ رُكْبَتَهُ؛ فَتَضَعُ صَفِيَّةُ رِجْلَهَا
عَلَى رُكْبَتِهِ حَتَّى تَرْكَبَ" <رواه البخاري>.
وَقَوْلُهُ: «إِنَّ الرَّجُلَ إِذَا سَقَى
امْرَأَتَهُ الْمَاءَ أُجِرَ» <رواه ابن أبي شيبة>، وَوَصْفُ عَائِشَةَ لَهُ:
"كَانَ أَلْيَنَ النَّاسِ وَأَكْرَمَ النَّاسِ، كَانَ رَجُلًا مِنْ رِجَالِكُمْ
إِلَّا أَنَّهُ كَانَ ضَحَّاكًا بَسَّامًا" <رواه إسحاق بن راهويه>.
وَقَوْلُهُ لَهَا عَنْ حُبِّهِ: «كَعُقْدَةِ
الْحَبْلِ» وَيُؤَكِّدُ بَقَاءَهَا: «عَلَى حَالِهَا» <رواه أحمد في فضائل الصحابة>،
وَإِعْلَانُهُ حُبَّهَا: «عَائِشَةُ..»
<رواه أحمد في فضائل الصحابة>،
وَقَوْلُهُ: «إِذَا أَرَادَ اللَّهُ عَزَّ
وَجَلَّ بِأَهْلِ بَيْتٍ خَيْرًا أَدْخَلَ عَلَيْهِمُ الِّرفْقَ» <رواه أحمد>،
وَ «مَا رُزِقَ أَهْلُ بَيْتٍ الرِّفْقَ
إِلَّا نَفَعَهُمْ وَلَا صُرِفَ عَنْهُمْ إِلَّا ضَرَّهُمْ» <رواه البيهقي في شعب
الإيمان>. وَمَسْحُهُ دُمُوعَ صَفِيَّةَ إِذْ بَكَتْ: "فَجَعَلَ رَسُولُ اللَّهِ
ﷺ يَمْسَحُ بِيَدَيْهِ عَيْنَيْهَا وَيُسْكِتُهَا"
<رواه النسائي>،
وَمُسَابَقَتُهُ لِعَائِشَةَ وَقَوْلُهُ:
«هَذِهِ بِتِلْكَ السَّبْقَةِ» <رواه أبو داود>.
رَابِعًا: التَّغَافُلُ وَالتَّغَافُرُ:
خُلُقُ الْعُظَمَاءِ فِي الْبُيُوتِ
التَّغَافُلُ هُوَ التَّظَاهُرُ بِعَدَمِ
رُؤْيَةِ الْخَطَأِ صَوْنًا لِلْمَوَدَّةِ؛ وَعَنْ عُثْمَانَ بْنِ زَائِدَةَ قَالَ:
"الْعَافِيَةُ عَشَرَةُ أَجْزَاءٍ تِسْعَةٌ مِنْهَا فِي التَّغَافُلِ"، فَحَكَاهَا
لِأَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ فَقَالَ: "الْعَافِيَةُ عَشَرَةُ أَجْزَاءٍ كُلُّهَا
فِي التَّغَافُلِ" <رواه البيهقي>. وَكَمَا قَالَ الشَّاعِرُ:
لَيْسَ الْغَبِيُّ بِسَيِّدٍ فِي قَوْمِهِ
*** لَكِنَّ سَيِّدَ قَوْمِهِ الْمُتَغَابِي (الْمُتَغَافِلُ ذُو الذَّكَاءِ)
وَيَتَكَامَلُ التَّغَافُلُ مَعَ التَّغَافُرِ؛
قَالَ تَعَالَى: ﴿وَأَن تَعۡفُوٓاْ أَقۡرَبُ لِلتَّقۡوَىٰۚ وَلَا تَنسَوُاْ ٱلۡفَضۡلَ
بَيۡنَكُمۡۚ﴾ [البقرة: 237].
خَامِسًا: غَرْسُ الْقِيَمِ الدِّينِيَّةِ
فِي نُفُوسِ الْأَبْنَاءِ: الِاسْتِثْمَارُ الْأَبْقَى
الْأَبْنَاءُ صَفْحَةٌ بَيْضَاءُ؛ وَلَقَدْ
ضَرَبَ الْقُرْآنُ نُمُوذَجًا بِلُقْمَانَ إِذْ قَالَ: ﴿يَٰبُنَيَّ لَا تُشۡرِكۡ بِٱللَّهِۖ
إِنَّ ٱلشِّرۡكَ لَظُلۡمٌ عَظِيمٞ﴾ [لقمان: 13]، وَ ﴿يَٰبُنَيَّ أَقِمِ ٱلصَّلَوٰةَ
وَأۡمُرۡ بِٱلۡمَعۡرُوفِ وَٱنۡهَ عَنِ ٱلۡمُنكَرِ وَٱصۡبِرۡ عَلَىٰ مَاۤ أَصَابَكَۖ
إِنَّ ذَٰلِكَ مِنْ عَزۡمِ ٱلۡأُمُورِ﴾ [لقمان: 17]. فَسَيِّدُنَا لُقْمَانُ
"وَصَّى ابْنَهُ بِأَعْظَمِ الطَّاعَاتِ وَهِيَ الصَّلَاةُ وَالْأَمْرُ بِالْمَعْرُوفِ
وَالنَّهْيُ عَنِ الْمُنْكَرِ، وَهَذَا إِنَّمَا يُرِيدُ بِهِ بَعْدَ أَنْ يَمْتَثِلَ
ذَلِكَ هُوَ فِي نَفْسِهِ وَيَزْدَجِرَ عَنِ الْمُنْكَرِ، وَهُنَا هِيَ الطَّاعَاتُ
وَالْفَضَائِلُ أَجْمَعُ... قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿إِنَّ ذَٰلِكَ مِنْ عَزۡمِ ٱلۡأُمُورِ﴾
قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: مِنْ حَقِيقَةِ الْإِيمَانِ الصَّبْرُ عَلَى الْمَكَارِهِ، وَقِيلَ:
إِنَّ إِقَامَةَ الصَّلَاةِ وَالْأَمْرُ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيُ عَنِ الْمُنْكَرِ
مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ، أَيْ مِمَّا عَزَمَهُ اللَّهُ وَأَمَرَ بِهِ" <الجامع
لأحكام القرآن، القرطبي>.
وَكَانَ السَّلَفُ يَسْتَحْضِرُونَ الْمَسْؤُولِيَّةَ:
«كُلُّكُمْ رَاعٍ وَكُلُّكُمْ مَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ...» <متفق عليه>، وَكَانَ
ابْنُ الْمُسَيِّبِ يَزِيدُ فِي صَلَاتِهِ لِيُحْفَظَ وَلَدُهُ مُسْتَدِلًّا بِآيَةِ:
﴿وَكَانَ أَبُوهُمَا صَٰلِحٗا﴾ [الكهف: 82] <تفسير ابن رجب>.
الْعُنْصُرُ الثَّالِثُ: تَحَدِّيَاتٌ مُعَاصِرَةٌ
تُهَدِّدُ اسْتِقْرَارَ الْأُسْرَةِ
أَوَّلًا: وَسَائِلُ التَّوَاصُلِ الِاجْتِمَاعِيِّ
وَوَهْمُ الْمُقَارَنَاتِ الْمُسْتَمِرَّةِ
* تَعْرِضُ الشَّاشَاتُ صُوَرًا مُنْتَقَاةً
تُزَعْزِعُ الرِّضَا؛ وَهُنَا يُعِيدُ التَّوْجِيهُ النَّبَوِيُّ التَّوَازُنَ قَالَ
صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «انْظُرُوا إِلَى مَنْ هُوَ أَسْفَلَ مِنْكُمْ،
وَلَا تَنْظُرُوا إِلَى مَنْ فَوْقَكُمْ، فَإِنَّهُ أَجْدَرُ أَنْ لَا تَزْدَرُوا
(لَا تَحْتَقِرُوا) نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ» <رواه الترمذي>. وَحَذَّرَ
الْقُرْآنُ مِنْ ذَلِكَ فَقَالَ: ﴿وَلَا تَمُدَّنَّ عَيۡنَيۡكَ إِلَىٰ مَا مَتَّعۡنَا
بِهِۦٓ أَزۡوَٰجٗا مِّنۡهُمۡ زَهۡرَةَ ٱلۡحَيَوٰةِ ٱلدُّنْيَا﴾ [طه: 131]،
وَأَوْصَى النَّبِيُّ ﷺ بِقَوْلِهِ: «وَارْضَ بِمَا قَسَمَ اللَّهُ
لَكَ تَكُنْ أَغْنَى النَّاسِ"( الترمذي ).
ثَانِيًا: إِفْشَاءُ الْأَسْرَارِ الزَّوْجِيَّةِ: خِيَانَةُ الْأَمَانَةِ
الْكُبْرَى
شَدَّدَ الْإِسْلَامُ عَلَى كِتْمَانِ خُصُوصِيَّةِ الْبُيُوتِ؛ فَعَنْ
أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «إِنَّ مِنْ أَشَرِّ النَّاسِ عِنْدَ
اللَّهِ مَنْزِلَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ، الرَّجُلَ يُفْضِي (يَصِلُ بِجِمَاعِهِ وَأَسْرَارِهِ)
إِلَى امْرَأَتِهِ، وَتُفْضِي إِلَيْهِ، ثُمَّ يَنْشُرُ سِرَّهَا» <رواه مسلم>.
وَفِي رِوَايَةٍ: «إِنَّ أَعْظَمَ الْأَمَانَةِ عِنْدَ اللَّهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ،
الرَّجُلَ يُفْضِي إِلَى امْرَأَتِهِ وَتُفْضِي إِلَيْهِ، ثُمَّ يَنْشُرُ سِرَّهَا»
<رواه أبو داود>.
ثَالِثًا: تَدَخُّلُ الْأَطْرَافِ الْخَارِجِيَّةِ فِي الْخِلَافَاتِ
الزَّوْجِيَّةِ
تَدَخُّلُ الْأَهْلِ فِي صَغَائِرِ الْأُمُورِ يُؤَجِّجُ النِّزَاعَ؛
إِلَّا عِنْدَ الضَّرُورَةِ الْقُصْوَى كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَإِنۡ خِفۡتُمۡ شِقَاقَ
بَيۡنِهِمَا فَٱبۡعَثُواْ حَكَمٗا مِّنۡ أَهْلِهِۦ وَحَكَمٗا مِّنۡ أَهْلِهَاۤ إِن
يُرِيدَاۤ إِصۡلَٰحٗا يُوَفِّقِ ٱللَّهُ بَيۡنَهُمَاۤ﴾ [النساء: 35]. وَكَانَ هَدْيُهُ
ﷺ تَلْطِيفَ الْأَجْوَاءِ دُونَ تَفْتِيشٍ؛
كَمَا فَعَلَ مَعَ عَلِيٍّ وَفَاطِمَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا حِينَ وَجَدَ عَلِيًّا
مُضْطَجِعًا بِالْمَسْجِدِ غَضْبَانَ فَنَفَضَ التُّرَابَ عَنْهُ وَقَالَ: «قُمْ أَبَا
تُرَابٍ، قُمْ أَبَا تُرَابٍ» <رواه البخاري ومسلم>.
رَابِعًا: الْحَيَاةُ الْخَيَالِيَّةُ وَوَهْمُ الْكَمَالِ
بِنَاءُ التَّوَقُّعَاتِ عَلَى أَوْهَامِ
الرِّوَايَاتِ وَالشُّعَرَاءِ يُفْسِدُ الْوَاقِعَ؛ وَلِذَا قَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ
رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: "أَقَلُّ الْبُيُوتِ الْبَيْتُ الَّذِي يُبْنَى عَلَى
الْحُبِّ، وَلَكِنَّ النَّاسَ يَتَعَاشَرُونَ بِالْإِسْلَامِ وَالْإِحْسَانِ"،
وَقَالَ لِرَجُلٍ اسْتَشَارَهُ فِي طَلَاقِ زَوْجَتِهِ لِأَنَّهُ لَا
يُحِبُّهَا: "لَا تَفْعَلْ، قَالَ: إِنِّي لَا يُحِبُّهَا، قَالَ عُمَرُ رَضِيَ
اللَّهُ عَنْهُ: وَيْحَكَ، أَقَلُّ الْبُيُوتِ، الْبُيُوتُ الَّتِي تُبْنَى عَلَى الْحُبِّ،
النَّاسَ يَتَعَاشَرُونَ بِالْإِسْلَامِ وَالْإِحْسَانِ، أَيْنَ الرِّعَايَةُ؟ وَأَيْنَ
التَّذَمُّمُ (التَّحَرُّجُ مِنَ الذَّمِّ وَالْمَسْؤُولِيَّةُ نَحْوَ الْأَوْلَادِ)؟".
خَامِسًا: ضَعْفُ الْقَوَامَةِ وَفِقْدَانُ الْمَسْؤُولِيَّةُ
إِنَّ عَجْزَ الرَّجُلِ عَنْ تَوْجِيهِ
أَهْلِ بَيْتِهِ وَإِقْرَارِهِمْ عَلَى الْمُخَالَفَاتِ الشَّرْعِيَّةِ ضَعْفٌ مَمْقُوتٌ
يُنَافِي قَوْلَهُ ﷺ: «الرَّجُلُ رَاعٍ فِي أَهْلِهِ وَهُوَ
مَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ» <متفق عليه>.
الْعُنْصُرُ الرَّابِعُ: أَثَرُ اسْتِقْرَارِ
الْأُسْرَةِ فِي بِنَاءِ الْإِنْسَانِ.. رُؤْيَةٌ تَكَامُلِيَّةٌ
أَوَّلًا: بِنَاءُ الشَّخْصِيَّةِ النَّفْسِيَّةِ
الْمُتَوَازِنَةِ
السَّكِينَةُ الْأُسْرِيَّةُ تَنْعَكِسُ
طَمْأنينَةً وَاسْتِقَامَةً؛ تَحْقِيقًا لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿لِّتَسۡكُنُوٓاْ إِلَيۡهَا
وَجَعَلَ بَيۡنَكُم مَّوَدَّةٗ وَرَحۡمَةًۚ﴾ [الروم: 21]؛ فَالطِّفْلُ فِي الْبَيْتِ
الْمُسْتَقِرِّ يَنْمُو سَوِيًّا وَاثِقًا، بِخِلَافِ مَنْ يَنْشَأُ وَسَطَ الصُّرَاخِ
وَالِاضْطِرَابِ.
ثَانِيًا: غَرْسُ الْقِيَمِ وَالْأَخْلَاقِ الْفَاضِلَةِ
الْأُسْرَةُ مَدْرَسَةُ الْأَخْلَاقِ بِالْقُدْوَةِ؛ قَالَ ﷺ: «مَا نَحَلَ (مَا أَعْطَى وَوَهَبَ) وَالِدٌ
وَلَدَهُ أَفْضَلَ مِنْ أَدَبٍ حَسَنٍ» <رواه أحمد>.
ثَالِثًا: بِنَاءُ رُوحِ الْمَسْؤُولِيَّةِ وَالِانْضِبَاطِ الذَّاتِيِّ
تُعَوِّدُ الْأُسْرَةُ الْوَاعِيَةُ أَبْنَاءَهَا عَلَى الْاِلْتِزَامِ؛
قَالَ تَعَالَى: ﴿وَأۡمُرۡ أَهۡلَكَ بِٱلصَّلَوٰةِ وَٱصۡطَبِرۡ عَلَيۡهَاۖ﴾ [طه:
132]، فَالتَّرْبِيَةُ الْمُسْتَمِرَّةُ تَبْنِي شَخْصِيَّةً جَادَّةً تَتَحَمَّلُ
الْمَسْؤُولِيَّةَ.
رَابِعًا: التَّحْصِيلُ الْعِلْمِيُّ وَالنَّجَاحُ الْعَمَلِيُّ
الْبَيْتُ الْهَادِئُ يُوَفِّرُ بِيئَةً مُنَاسِبَةً لِلْإِبْدَاعِ وَالتَّرْكِيزِ،
بَيْنَمَا تَسْتَهْلِكُ الصِّرَاعَاتُ طَاقَةَ الْأَبْنَاءِ؛ فَالِاسْتِقْرَارُ ضَرُورَةٌ
لِلتَّفَوُّقِ وَالنَّجَاحِ وَلَيْسَ رَفَاهِيَةً.
خَامِسًا: حِمَايَةُ الْأَبْنَاءِ مِنَ الِانْحِرَافَاتِ السُّلُوكِيَّةِ
الْحِوَارُ الْبَنَّاءُ يُشْبِعُ عَوَاطِفَ الْأَبْنَاءِ فَلَا يَسْتَدْرِجُهُمْ
رُفَقَاءُ السُّوءِ؛ وَحَذَّرَ النَّبِيُّ ﷺ مِنَ التَّقْصِيرِ: «مَا مِنْ عَبْدٍ يَسْتَرْعِيهِ
اللَّهُ رَعِيَّةً يَمُوتُ يَوْمَ يَمُوتُ وَهُوَ غَاشٌّ لِرَعِيَّتِهِ إِلَّا حَرَّمَ
اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ» <رواه مسلم>.
سَادِسًا: بِنَاءُ الْمُجْتَمَعِ وَتَمَاسُكُهُ
صَلَاحُ الْمُجْتَمَعِ ثَمَرَةٌ لِصَلَاحِ
الْأُسْرَةِ؛ وَكَانَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ إِذَا دَخَلَ بَيْتَهُ تَرَكَ
هُمُومَ الْحُكْمِ وَأَقْبَلَ عَلَى أَهْلِهِ بِوَجْهٍ طَلْقٍ <سيرة عمر بن عبد
العزيز لابن عبد الحكم>؛ إِدْرَاكًا مِنْهُ أَنَّ بِنَاءَ الْأُمَّةِ يَبْدَأُ مِنْ
بُيُوتِهَا.
الْعُنْصُرُ الْخَامِسُ: قَوَاعِدُ نَفْسِيَّةٌ
وَتَرْبَوِيَّةٌ فِي صِنَاعَةِ الْإِنْسَانِ مِنْ دَاخِلِ الْأُسْرَةِ .
وَالْآنَ، بَعْدَ هَذَا التَّأْصِيلِ الشَّرْعِيِّ، تَعَالَوْا لِنَدْخُلَ
إِلَى أَعْمَاقِ النَّفْسِ الْبَشَرِيَّةِ، وَنَسْتَعْرِضَ عِشْرِينَ قَاعِدَةً مِنْ
قَوَانِينِ التَّرْبِيَةِ الْأُسْرِيَّةِ، نَسْتَلْهِمُهَا مِنَ الْقُرْآنِ الْكَرِيمِ
وَالْهَدْيِ النَّبَوِيِّ
وَهَذِهِ الْقَوَاعِدُ تَجْمَعُ بَيْنَ التَّنْظِيرِ النَّفْسِيِّ وَالتَّأْصِيلِ
الشَّرْعِيِّ، تُبَيِّنُ كَيْفَ تَصْنَعُ الْأُسْرَةُ الْمُسْتَقِرَّةُ الْإِنْسَانَ
مِنَ الدَّاخِلِ، وَتُوَضِّحُ الْآلِيَّاتِ النَّفْسِيَّةَ الَّتِي تَعْمَلُ فِي بِيئَةِ
الْأُسْرَةِ لِتَشْكِيلِ شَخْصِيَّةِ الْأَبْنَاءِ:
الْقَاعِدَةُ الْأُولَى: رَادَارُ الطِّفْلِ
الْخَفِيُّ
الطِّفْلُ يَمْتَلِكُ رَادَارًا فِطْرِيًّا
يَلْتَقِطُ التَّوَتُّرَ الصَّامِتَ بَيْنَ الْأَبَوَيْنِ حَتَّى لَوْ لَمْ يَتَشَاجَرَا
أَمَامَهُ، وَهَذَا التَّوَتُّرُ الْمَكْتُومُ يَجْعَلُهُ فِي حَالَةِ قَلَقٍ دَائِمٍ
دُونَ أَنْ يَعْرِفَ السَّبَبَ.
لَقَدْ رَاعَى النَّبِيُّ ﷺ هَذَا الرَّادَارَ النَّفْسِيَّ الدَّقِيقَ،
فَكَانَ يَقْرَأُ وُجُوهَ الْأَطْفَالِ وَيَحْتَوِي مَشَاعِرَهُمْ، فَهَذَا طِفْلٌ
صَغِيرٌ حَزِينٌ لِمَوْتِ عُصْفُورِهِ، لَمْ يَتَجَاهَلْهُ النَّبِيُّ ﷺ بَلْ وَاسَاهُ قَائِلًا: «يَا أَبَا عُمَيْرٍ،
مَا فَعَلَ النُّغَيْرُ؟» <البخاري، الجامع الصحيح، كتاب الأدب، حديث رقم
6129>. إِنَّ مُجَرَّدَ شُعُورِ الطِّفْلِ بِأَنَّ حُزْنَهُ الصَّغِيرَ مَحَلُّ
اهْتِمَامٍ، يَمْنَحُهُ أَمَانًا نَفْسِيًّا عَظِيمًا.
الْقَاعِدَةُ الثَّانِيَةُ: دِمَاغُ النَّجَاةِ
وَدِمَاغُ التَّعَلُّمِ
عِلْمِيًّا، حِينَ يَكْثُرُ الصُّرَاخُ
فِي الْبَيْتِ، يُفْرِزُ دِمَاغُ الطِّفْلِ هُرْمُونَاتِ الْخَطَرِ، فَيَتَوَقَّفُ
عَقْلُهُ عَنِ التَّعَلُّمِ وَيَتَحَوَّلُ إِلَى وَضْعِ النَّجَاةِ، فَلَا يَسْتَوْعِبُ
تَوْجِيهًا وَلَا يُبْدِعُ فِكْرًا. وَهَذَا مَا لَخَّصَهُ النَّبِيُّ ﷺ فِي قَاعِدَةٍ تَرْبَوِيَّةٍ ذَهَبِيَّةٍ
حِينَ قَالَ: «إِنَّ الرِّفْقَ لَا يَكُونُ فِي شَيْءٍ إِلَّا زَانَهُ، وَلَا يُنْزَعُ
مِنْ شَيْءٍ إِلَّا شَانَهُ» <مسلم، الجامع الصحيح, كتاب البر والصلة والآداب، حديث
رقم 2594>. اِجْعَلُوا بُيُوتَكُمْ وَاحَةَ رِفْقٍ، لَا سَاحَاتِ قِتَالٍ.
الْقَاعِدَةُ الثَّالِثَةُ: صِنَاعَةُ الْمَنَاعَةِ
الْعَاطِفِيَّةِ
الطِّفْلُ الَّذِي يَشْبَعُ مِنَ الْحُبِّ
وَالِاحْتِضَانِ دَاخِلَ بَيْتِهِ، يَخْرُجُ لِلشَّارِعِ بِمَنَاعَةٍ قَوِيَّةٍ، وَلَنْ
يَكُونَ صَيْدًا سَهْلًا لِأَصْدِقَاءِ السُّوءِ لِأَنَّهُ بِبَسَاطَةٍ شَبْعَانُ عَاطِفِيًّا
مِنَ الدَّاخِلِ. رَأَى الْأَقْرَعُ بْنُ حَابِسٍ النَّبِيَّ ﷺ يُقَبِّلُ الْحَسَنَ بْنَ عَلِيٍّ، فَتَعَجَّبَ
وَقَالَ: إِنَّ لِي عَشَرَةً مِنَ الْوَلَدِ مَا قَبَّلْتُ مِنْهُمْ أَحَدًا! فَقَالَ
النَّبِيُّ ﷺ بِحَزْمٍ: «مَنْ لَا يَرْحَمْ لَا يُرْحَمْ»
<البخاري، الجامع الصحيح، كتاب الأدب، حديث رقم 5997>. فَالتَّقْبِيلُ وَالِاحْتِضَانُ
لَيْسَا رَفَاهِيَةً، بَلْ بِنَاءٌ لِمَنَاعَةِ أَبْنَائِكُمُ النَّفْسِيَّةِ.
الْقَاعِدَةُ الرَّابِعَةُ: مَسَاحَةٌ آمِنَةٌ
لِلْخَطَأِ
الْبِيئَةُ الَّتِي تُعَاقِبُ بِقَسْوَةٍ
عَلَى كُلِّ زَلَّةٍ تَصْنَعُ طِفْلًا كَذَّابًا يَخْشَى الْمُبَادَرَةَ وَيَعِيشُ
فِي رُعْبٍ مِنَ الْفَشَلِ. الْأَمَانُ الْحَقِيقِيُّ هُوَ أَنْ يُخْطِئَ الطِّفْلُ
فَيَلْجَأَ لِأَبِيهِ لِيَحْتَمِيَ بِهِ، لَا أَنْ يَهْرُبَ مِنْهُ. تَأَمَّلْ كَيْفَ
وَفَّرَّ النَّبِيُّ ﷺ هَذِهِ الْمَسَاحَةَ الْآمِنَةَ لِلشَّابِّ
الَّذِي اسْتَأْذَنَهُ فِي الزِّنَا، لَمْ يَطْرُدْهُ أَوْ يَشْتِمْهُ، بَلْ قَرَّبَهُ،
وَحَاوَرَهُ بِهُدُوءٍ حَتَّى اقْتَنَعَ، ثُمَّ مَسَحَ عَلَى صَدْرِهِ وَدَعَا لَهُ
<أحمد، المسند، مسند الأنصار، حديث رقم 22211>. هَذَا هُوَ الْأُبُوَّةُ الْحَقَّةُ.
الْقَاعِدَةُ الْخَامِسَةُ: بُوصَلَةُ التَّوَافُقِ
الزَّوْجِيِّ
عِنْدَمَا يَضَعُ الْأَبُ قَاعِدَةً وَتَهْدِمُهَا
الْأُمُّ، أَوْ الْعَكْسُ، يَتَمَزَّقُ عَقْلُ الطِّفْلِ وَتَضِيعُ بُوصَلَتُهُ الْأَخْلَاقِيَّةُ.
التَّوَافُقُ بَيْنَ الزَّوْجَيْنِ يَمْنَحُ الطِّفْلُ وُضُوحًا نَفْسِيًّا يُرِيحُهُ
مِنَ الْحَيْرَةِ وَالتَّذَبْذُبِ. لَقَدْ جَعَلَ الْقُرْآنُ التَّشَاوُرَ وَالتَّرَاضِيَ
أَسَاسًا حَتَّى فِي أَبْسَطِ أُمُورِ الطِّفْلِ كَالْفِطَامِ: ﴿فَإِنۡ أَرَادَا فِصَالًا
عَن تَرَاضٖ مِّنۡهُمَا وَتَشَاوُرٖ فَلَا جُنَاحَ عَلَيۡهِمَا﴾ [البقرة: 233].
الْقَاعِدَةُ السَّادِسَةُ: وَهْمُ التَّعْوِيضِ
الْمَادِّيِّ
* يَظُنُّ بَعْضُ الْآبَاءِ أَنَّ شِرَاءَ
الْأَلْعَابِ الْغَالِيَةِ يُعَوِّضُ الطِّفْلَ عَنْ غِيَابِ الدِّفْءِ الْأُسْرِيِّ،
وَالْحَقِيقَةُ أَنَّ غُرَفًا مَلِيئَةً بِالْأَلْعَابِ فِي بَيْتٍ بَارِدٍ عَاطِفِيًّا
لَيْسَتْ إِلَّا سِجْنًا مُزَخْرَفًا.
السَّيِّدَةُ فَاطِمَةُ كَانَتْ أَحَبَّ النَّاسِ لِلنَّبِيِّ ﷺ، وَلَمْ يَكُنْ يُعَوِّضُهَا بِالْمَالِ،
بَلْ بِفَيْضِ الِاهْتِمَامِ، كَانَ إِذَا دَخَلَتْ عَلَيْهِ قَامَ إِلَيْهَا، فَأَخَذَ
بِيَدِهَا، وَقَبَّلَهَا، وَأَجْلَسَهَا فِي مَجْلِسِهِ <أبو داود، السنن، كتاب
الأدب، حديث رقم 5217>. الْوَقْتُ وَالِاهْتِمَامُ أَغْلَى مَا تُقَدِّمُونَهُ لِأَوْلَادِكُمْ.
الْقَاعِدَةُ السَّابِعَةُ: عَدْوَى الطِّبَاعِ
نَحْنُ نُورِثُ أَبْنَاءَنَا طِبَاعَنَا
بِالْعَدْوَى لَا بِالتَّلْقِينِ؛ اِسْتِقْرَارُكَ النَّفْسِيُّ كَأَبٍ أَوْ أُمٍّ،
وَقُدْرَتُكَ عَلَى ضَبْطِ انْفِعَالَاتِكَ، هُوَ أَعْظَمُ دَرْسٍ عَمَلِيٍّ تُقَدِّمُهُ
لِأَطْفَالِكَ. هَذَا الْمَعْنَى هُوَ مَا قَرَّرَهُ النَّبِيُّ ﷺ بِقَوْلِهِ: «كُلُّ مَوْلُودٍ يُولَدُ
عَلَى الْفِطْرَةِ، فَأَبَوَاهُ يُهَوِّدَانِهِ، أَوْ يُنَصِّرَانِهِ، أَوْ يُمَجِّسَانِهِ»
<البخاري، الجامع الصحيح، كتاب الجنائز، حديث رقم 1358>. فَالطِّفْلُ يَتَشَكَّلُ
بِسُلُوكِكُمْ قَبْلَ كَلَامِكُمْ.
الْقَاعِدَةُ الثَّامِنَةُ: السَّكَنُ كَعِلَاجٍ
وِقَائِيٍّ
السَّكَنُ يَعْنِي أَنْ تَتَوَقَّفَ مَعَارِكُ
الْحَيَاةِ عِنْدَ عَتَبَةِ الْبَابِ؛ هَذَا السَّكَنُ الرُّوحِيُّ بَيْنَ الزَّوْجَيْنِ
هُوَ الْجِدَارُ الْعَازِلُ الَّذِي يَحْمِي نَفْسِيَّةَ الطِّفْلِ مِنَ التَّشَوُّهِ.
تَجَلَّى هَذَا السَّكَنُ فِي أَرْوَعِ صُوَرِهِ حِينَ عَادَ النَّبِيُّ ﷺ مِنْ غَارِ حِرَاءٍ فَزِعًا يَرْتَجِفُ،
فَلَمْ تُقَابِلْهُ خَدِيجَةُ بِاللَّوْمِ أَوِ الصُّرَاخِ، بَلِ احْتَوَتْهُ وَسَكَّنَتْ
رَوْعَهُ بِقَوْلِهَا الْمُطْمَئِنِّ: «كَلَّا وَاللَّهِ مَا يُخْزِيكَ اللَّهُ أَبَدًا» البخاري، الجامع الصحيح، كتاب بدء الوحي، حديث رقم 3>.
الْقَاعِدَةُ التَّاسِعَةُ: عَبْقَرِيَّةُ
الِاحْتِوَاءِ
الْغِيَابُ التَّامُّ لِلتَّعْنِيفِ الْمُسْتَمِرِّ
وَاللَّوْمِ اللَّاذِعِ هُوَ الَّذِي يُفَجِّرُ طَاقَاتِ الطِّفْلِ وَيَجْعَلُهُ سَوِيًّا؛
الْهُدُوءُ يَصْنَعُ الْعُظَمَاءَ، وَالصُّرَاخُ يَصْنَعُ الْمُشَوَّهِينَ. يَقُولُ
أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وَاصِفًا الْمَحْضَنَ النَّبَوِيَّ: «خَدَمْتُ
النَّبِيَّ ﷺ عَشْرَ سِنِينَ، فَمَا قَالَ لِي أُفٍّ
قَطُّ، وَمَا قَالَ لِشَيْءٍ صَنَعْتُهُ: لِمَ صَنَعْتَهُ؟ وَلَا لِشَيْءٍ تَرَكْتُهُ:
لِمَ تَرَكْتَهُ؟» <البخاري، الجامع الصحيح، كتاب الأدب، حديث رقم 6038>.
الْقَاعِدَةُ الْعَاشِرَةُ: الِاسْتِثْمَارُ
الَّذِي لَا يَبُورُ
الطِّفْلُ السَّوِيُّ نَفْسِيًّا هُوَ صَدَقَتُكَ
الْجَارِيَةُ الَّتِي لَا تَنْقَطِعُ.
اِسْتِقْرَارُ بَيْتِكَ الْيَوْمَ هُوَ
الَّذِي سَيُحَدِّدُ شَكْلَ الْمُجْتَمَعِ غَدًا، وَهُوَ الَّذِي سَيَحْمِلُ اسْمَكَ
بِالدُّعَاءِ بَعْدَ رَحِيلِكَ. هَذَا هُوَ وَعْدُ السَّمَاءِ الَّذِي لَخَّصَهُ النَّبِيُّ
ﷺ: «إِذَا مَاتَ ابْنُ آدَمَ انْقَطَعَ عَمَلُهُ
إِلَّا مِنْ ثَلَاثٍ: صَدَقَةٍ جَارِيَةٍ، أَوْ عِلْمٍ يُنْتَفَعُ بِهِ، أَوْ وَلَدٍ
صَالِحٍ يَدْعُو لَهُ» <مسلم، الجامع الصحيح، كتاب الوصية، حديث رقم 1631>.
الْقَاعِدَةُ الْحَادِيَةَ عَشْرَةَ: هَنْدَسَةُ
الْعَدْلِ الدَّاخِلِيِّ
التَّمْيِيزُ بَيْنَ الْأَبْنَاءِ يَزْرَعُ
بُذُورَ الْغَيْرَةِ وَالِانْتِقَامِ، وَيُدَمِّرُ اسْتِقْرَارَ الْأُسْرَةِ مِنَ الدَّاخِلِ؛
الطِّفْلُ الَّذِي يَشْعُرُ بِالظُّلْمِ دَاخِلَ بَيْتِهِ سَيُمَارِسُ الْعُدْوَانِيَّةَ
خَارِجَهُ. حِينَ أَرَادَ النُّعْمَانُ بْنُ بَشِيرٍ أَنْ يَخُصَّ ابْنَهُ بِهِبَةٍ
دُونَ إِخْوَتِهِ، رَفَضَ النَّبِيُّ ﷺ أَنْ يَشْهَدَ عَلَى ذَلِكَ، وَقَالَ كَلِمَتَهُ
الْفَصْلَ: «اتَّقُوا اللَّهَ وَاعْدِلُوا بَيْنَ أَوْلَادِكُمْ» <البخاري، الجامع
الصحيح، كتاب الهبات، حديث رقم 2587>.
الْقَاعِدَةُ الثَّانِيَةَ عَشْرَةَ: الِاسْتِمَاعُ
كَاعْتِرَافٍ بِالْوُجُودِ
.
تَهْمِيشُ رَأْيِ الطِّفْلِ بِحُجَّةِ صِغَرِ
سِنِّهِ يَقْتُلُ ثِقَتَهُ بِنَفْسِهِ؛ الِاسْتِمَاعُ الْحَقِيقِيُّ لَهُ يَمْنَحُهُ
الِاعْتِرَافَ الْوُجُودِيَّ بِأَنَّهُ كَائِنٌ لَهُ قِيمَةٌ. أُتِيَ النَّبِيُّ ﷺ بِشَرَابٍ، وَعَنْ يَمِينِهِ طِفْلٌ هُوَ
ابْنُ عَبَّاسٍ، وَعَنْ يَسَارِهِ شُيُوخٌ كِبَارٌ، فَاسْتَأْذَنَ الْغُلَامَ قَائِلًا:
«أَتَأْذَنُ لِي أَنْ أُعْطِيَ هَؤُلَاءِ؟» فَرَفَضَ الطِّفْلُ أَنْ يُعْطِيَ حَقَّهُ
لِأَحَدٍ، فَاحْتَرَمَ النَّبِيُّ ﷺ رَأْيَهُ وَأَعْطَاهُ إِيَّاهُ <البخاري،
الجامع الصحيح، كتاب الأشربة، حديث رقم 5620>. إِنَّهُ دَرْسٌ عَظِيمٌ فِي بِنَاءِ
شَخْصِيَّةٍ قِيَادِيَّةٍ
الْقَاعِدَةُ الثَّالِثَةَ عَشْرَةَ: النَّمْذَجَةُ
فِي احْتِرَامِ الشَّرِيكِ
الطَّرِيقَةُ الَّتِي يُعَامِلُ بِهَا الْأَبُ
الْأُمَّ أَمَامَ الْأَبْنَاءِ هِيَ الْكَتَالُوجُ الَّذِي سَيَتَعَلَّمُ مِنْهُ الِابْنُ
كَيْفَ يُعَامِلُ زَوْجَتَهُ مُسْتَقْبَلًا، وَتَتَعَلَّمُ مِنْهُ الْبِنْتُ كَيْفَ
تُقَيِّمُ ذَاتَهَا وَكَيْفَ تَنْتَظِرُ مُعَامَلَةً كَرِيمَةً. تَجَلَّى هَذَا فِي
حُبِّ النَّبِيِّ ﷺ إِذْ سَأَلَهُ عَمْرُو بْنُ الْعَاصِ أَمَامَ
النَّاسِ: أَيُّ النَّاسِ أَحَبُّ إِلَيْكَ؟ فَلَمْ يُخْفِ أَوْ يَتَلَعْثَمْ، بَلْ
قَالَ بِوُضُوحٍ وَاعْتِزَازٍ: «عَائِشَةُ» <البخاري، الجامع الصحيح، كتاب المغازي،
حديث رقم 4358>. عَلِّمُوا أَوْلَادَكُمُ احْتِرَامَ شَرِيكِ الْحَيَاةِ بِالْقُدْوَةِ
لَا بِالنُّصْحِ الْمُجَرَّدِ.
الْقَاعِدَةُ الرَّابِعَةَ عَشْرَةَ: حِمَايَةُ
الطُّفُولَةِ مِنْ هُمُومِ الْكِبَارِ
إِقْحَامُ الطِّفْلِ فِي الْمَشَاكِلِ الْمَالِيَّةِ
أَوِ الشَّكْوَى لَهُ مِنَ الطَّرَفِ الْآخَرِ يُحَمِّلُهُ أَعْبَاءً نَفْسِيَّةً تَفُوقُ
قُدْرَةَ دِمَاغِهِ، وَيَحْرِمُهُ مِنْ حَقِّهِ فِي طُفُولَةٍ آمِنَةً. الشَّرِيعَةُ
الْإِسْلَامِيَّةُ حَمَتْ هَذِهِ الْمَرْحَلَةَ بِقَرَارٍ إِلَهِيٍّ قَاطِعٍ، فَأَسْقَطَتْ
عَنِ الطِّفْلِ أَعْظَمَ هُمُومِ الْكِبَارِ وَهِيَ التَّكْلِيفُ وَالْمُحَاسَبَةُ.
قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «رُفِعَ الْقَلَمُ عَنْ ثَلَاثَةٍ: عَنِ
النَّائِمِ حَتَّى يَسْتَيْقِظَ، وَعَنِ الصَّبِيِّ حَتَّى يَحْتَلِمَ، وَعَنِ الْمَجْنُونِ
حَتَّى يَعْقِلَ» <أبو داود، السنن، كتاب الحدود، حديث رقم 4403>. دَعُوا الْأَطْفَالَ
يَعِيشُوا طُفُولَتَهُمْ
الْقَاعِدَةُ الْخَامِسَةَ عَشْرَةَ: خُطُورَةُ
الْبَرْمَجَةِ اللَّفْظِيَّةِ
الْكَلِمَاتُ السَّلْبِيَّةُ وَالشَّتَائِمُ
الْمُسْتَمِرَّةُ تَتَحَوَّلُ فِي عَقْلِ الطِّفْلِ إِلَى نُبُوءَةٍ يُصَدِّقُهَا وَيُنَفِّذُهَا
لَا شُعُورِيًّا؛ الْكَلِمَةُ تَبْنِي مَسَارًا عَصَبِيًّا فِي الدِّمَاغِ إِمَّا لِلنَّجَاحِ
أَوْ لِلْفَشَلِ. وَقَدْ أَدْرَكَ النَّبِيُّ ﷺ هَذَا الْأَثَرَ النَّفْسِيَّ الْعَمِيقَ
لِلْكَلِمَةِ، فَكَانَ يُمَارِسُ الْبَرْمَجَةَ اللَّفْظِيَّةَ الْإِيجَابِيَّةَ، يُغَيِّرُ
الْأَسْمَاءَ السَّلْبِيَّةَ الَّتِي تَكْسِرُ النَّفْسَ إِلَى أَسْمَاءٍ تَبْنِيهَا.
غَيَّرَ اسْمَ فَتَاةٍ مِنْ عَاصِيَةٍ إِلَى «جَمِيلَةُ» <مسلم، الجامع الصحيح،
كتاب الآداب، حديث رقم 2139>،
وَجَاءَهُ رَجُلٌ اسْمُهُ حَزْنٌ (يَعْنِي
الشِّدَّةَ وَالْقَسْوَةَ) فَقَالَ لَهُ: «أَنْتَ سَهْلٌ» <البخاري، الجامع الصحيح،
كتاب الأدب، حديث رقم 6190>. فَانْتَقُوا أَلْفَاظَكُمْ، فَإِنَّهَا تَنْحِتُ شَخْصِيَّاتِ
أَبْنَائِكُمْ.
. الْقَاعِدَةُ السَّادِسَةَ عَشْرَةَ: أَمَانُ
النَّوْمِ فِي الْعُيُونِ (جِسْرُ الثِّقَةِ)
حِنَ يَخْلُدُ الطِّفْلُ إِلَى نَوْمِهِ
وَهُوَ يُشَاهِدُ ابْتِسَامَةَ وَالِدَيْهِ وَيَسْمَعُ صَوْتَهُمَا الْهَادِئَ، يَتَكَوَّنُ
فِي عَقْلِهِ الْبَاطِنِ أَنَّ الْعَالَمَ آمِنٌ وَمُسْتَقِرٌّ. أَمَّا إِنْ كَانَ
مَسْرَحُ نَوْمِهِ هُوَ صُرَاخٌ أَوْ غِيَابُ أَحَدِ الْوَالِدَيْنِ، فَإِنَّهُ يَنْشَأُ
عَلَى فَزَعٍ دَفِينٍ. كَانَ النَّبِيُّ ﷺ إِذَا أَوَى إِلَى فِرَاشِهِ جَمَعَ أَهْلَهُ
وَذَكَرَ اللَّهَ وَدَعَا، كَمَا عَلَّمَ عَلِيًّا وَفَاطِمَةَ أَنْ يُسَبِّحَا وَيَحْمَدَا
وَيُكَبِّرَا قَبْلَ النَّوْمِ، وَكَانَ يَمُرُّ عَلَى أَهْلِهِ وَيَقُولُ لَهُمْ:
«قُومُوا فَصَلُّوا» أَوْ يُوصِيهِمْ، يَدْخُلُ عَلَيْهِمْ بِوَجْهٍ بَشُوشٍ قَبْلَ
نَوْمِهِمْ فَيَغْرِسُ فِيهِمُ السَّكِينَةَ <البخاري ومسلم، بمعناه>. إِنَّ
لَحَظَاتِ مَا قَبْلَ النَّوْمِ هِيَ أَخْصَبُ لَحَظَاتِ بَرْمَجَةِ أَمْنِ الطِّفْلِ
النَّفْسِيِّ.
. الْقَاعِدَةُ السَّابِعَةَ عَشْرَةَ: الِاعْتِرَافُ
بِالْخَطَأِ أَمَامَ الْأَبْنَاء (شَجَاعَةُ الْأَنْبِيَاءِ)
يَظُنُّ بَعْضُ الْآبَاءِ أَنَّ الِاعْتِرَافَ
بِالْخَطَأِ أَمَامَ أَبْنَائِهِ يَهْدِمُ هَيْبَتَهُ، وَالْحَقِيقَةُ أَنَّهُ يَبْنِي
فِيهِمْ احْتِرَامًا عَمِيقًا لِلْحَقِّ وَثِقَةً فِي وَالِدَيْهِمْ. إِنَّ نُمُوذَجَ
الْأَنْبِيَاءِ يُعَلِّمُنَا هَذِهِ الْقِيمَةَ الْعَظِيمَةَ، فَهَذَا أَبُونَا آدَمُ
عَلَيْهِ السَّلَامُ، أَخْطَأَ ثُمَّ تَابَ، قَالَ اللَّهُ عَنْهُ: ﴿فَتَلَقَّىٰٓ ءَادَمُ
مِن رَّبِّهِۦ كَلِمَٰتٖ فَتَابَ عَلَيۡهِۚ﴾ [البقرة: 37]. وَعِنْدَمَا يَعْتَذِرُ
الْأَبُ لِابْنِهِ أَوِ الْأُمُّ لِابْنَتِهَا عَنْ خَطَأٍ صَدَرَ، فَإِنَّهُمْ يَزْرَعُونَ
فِي قُلُوبِهِمْ أَنَّ الْكَمَالَ لِلَّهِ وَحْدَهُ، وَأَنَّ الْعَوْدَةَ إِلَى الْحَقِّ
فَضِيلَةٌ. هَذَا يَجْعَلُ الْأَبْنَاءَ لَا يَشْعُرُونَ بِالِانْهِزَامِ حِينَ يُخْطِئُونَ،
بَلْ يُسَارِعُونَ إِلَى التَّوْبَةِ وَالتَّسَامُحِ.
. الْقَاعِدَةُ الثَّامِنَةَ عَشْرَةَ: مَوَائِدُ
الطَّعَامِ.. مَجَالِسُ التَّرْبِيَةِ الْمَنْسِيَّةُ
الِاجْتِمَاعُ عَلَى مَائِدَةِ الطَّعَامِ
لَيْسَ مُجَرَّدَ عَادَةٍ اجْتِمَاعِيَّةٍ، بَلْ هُوَ مَحْضَنٌ رُوحِيٌّ وَعَاطِفِيٌّ
عَظِيمٌ، فَالِالْتِفَافُ حَوْلَ الطَّعَامِ مَعَ الْأَحَادِيثِ الْهَادِئَةِ، وَالضَّحَكَاتِ
الْبَرِيئَةِ، وَالتَّعْلِيمِ بِالْقُدْوَةِ: (بِسْمِ اللَّهِ، كُلْ مِمَّا يَلِيكَ،
لَعْقُ الْأَصَابِعِ) يَبْنِي مَنْظُومَةً قِيَمِيَّةً مُتَكَامِلَةً. قَالَ النَّبِيُّ
ﷺ مُحَذِّرًا مِنَ التَّفَكُّكِ عَلَى الْمَوَائِدِ:
«كُلُوا جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا، فَإِنَّ الْبَرَكَةَ مَعَ الْجَمَاعَةِ» <رواه
ابن ماجه>. وَقَالَ أَيْضًا لِرَبِيبِهِ عُمَرَ بْنِ أَبِي سَلَمَةَ: «يَا غُلَامُ،
سَمِّ اللَّهَ، وَكُلْ بِيَمِينِكَ، وَكُلْ مِمَّا يَلِيكَ» <متفق عليه>. فَاجْعَلُوا
مَوَائِدَكُمْ مَدَارِسَ لِالتَّرْبِيَةِ، لَا مُجَرَّدَ مَحَطَّاتٍ لِالْتِقَاطِ الطَّعَامِ
فِي صَمْتٍ أَوْ أَمَامَ الشَّاشَاتِ.
الْقَاعِدَةُ التَّاسِعَةَ عَشْرَةَ: خِزَانُ
الذِّكْرَيَاتِ الْإِيجَابِيَّةِ (دِرْعُ الْمُسْتَقْبَلِ)
كُلُّ مَوْقِفٍ سَعِيدٍ، كُلُّ نُزْهَةٍ،
كُلُّ ضَمَّةٍ حَانِيَةٍ، تُخَزَّنُ فِي ذَاكِرَةِ الطِّفْلِ وَتَتَحَوَّلُ إِلَى دِرْعٍ
نَفْسِيٍّ يَحْمِيهِ فِي أَوْقَاتِ الشِّدَّةِ وَالْوَحْدَةِ مُسْتَقْبَلًا. الْأَبْنَاءُ
الَّذِينَ يَمْلِكُونَ رَصِيدًا مِنَ الذِّكْرَيَاتِ الْأُسْرِيَّةِ الْجَمِيلَةِ،
يَسْهُلُ عَلَيْهِمْ تَجَاوُزُ الْأَزَمَاتِ لِأَنَّهُمْ يَشْعُرُونَ أَنَّهُمْ مَحْبُوبُونَ.
وَقَدْ ضَرَبَ النَّبِيُّ ﷺ أَرْوَعَ الْأَمْثِلَةِ فِي صِنَاعَةِ
هَذِهِ الذِّكْرَيَاتِ، فَكَانَ يُرْكِبُ الْحَسَنَ وَالْحُسَيْنَ عَلَى ظَهْرِهِ،
وَيَقُولُ: «نِعْمَ الْجَمَلُ جَمَلُكُمَا» <رواه الطبراني>.
وَكَانَ يُمَازِحُ عَائِشَةَ وَيُسَابِقُهَا،
وَيَغْرِسُ فِي قَلْبِهَا ذِكْرَيَاتِ حُبٍّ لَا تُنْسَى، حَتَّى قَالَتْ لَهُ: كَيْفَ
حُبُّكَ لِي؟ قَالَ: «كَعُقْدَةِ الْحَبْلِ» تَقُولُ: فَكُنْتُ أَقُولُ لَهُ: كَيْفَ
الْعُقْدَةُ؟ فَيَقُولُ: «عَلَى حَالِهَا» <رواه أحمد>. اِصْنَعُوا لِأَوْلَادِكُمْ
لَحَظَاتٍ خَالِدَةً، فَهِيَ زَادُهُمْ فِي رِحْلَةِ الْحَيَاةِ.
الْقَاعِدَةُ الْعِشْرُونَ: الْعِبَادَةُ
الْأُسْرِيَّةُ الْجَمَاعِيَّةُ (أَسْلَمَةُ الْأَجْوَاءِ)
حِينَ يَجْتَمِعُ الْأَبُ وَالْأُمُّ وَالْأُبْنَاءُ
عَلَى سِجَّادَةٍ وَاحِدَةٍ، أَوْ يَتْلُونَ الْقُرْآنَ جَمَاعَةً، أَوْ يَذْكُرُونَ
اللَّهَ بِصَوْتٍ مَسْمُوعٍ، فَإِنَّ الْإِيمَانَ يَنْتَقِلُ مِنْ كَوْنِهِ نَظَرِيَّةً
أَوْ وَاجِبًا فَرْدِيًّا إِلَى كَوْنِهِ هُوِيَّةً عَائِلِيَّةً وَنَمَطَ حَيَاةٍ
دَافِئٍ. قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَأۡمُرۡ أَهۡلَكَ بِٱلصَّلَوٰةِ وَٱصۡطَبِرۡ عَلَيۡهَاۖ﴾
[طه: 132]. وَكَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَقُومُ اللَّيْلَ وَيُوقِظُ أَهْلَهُ،
وَيُصَلِّي فِي بَيْتِهِ النَّوَافِلَ، وَيَقُولُ: «رَحِمَ اللَّهُ رَجُلًا قَامَ مِنَ
اللَّيْلِ فَصَلَّى، وَأَيْقَظَ امْرَأَتَهُ، فَإِنْ أَبَتْ نَضَحَ فِي وَجْهِهَا الْمَاءَ»
<رواه أبو داود>. هَذِهِ الصُّورَةُ مِنَ الْعِبَادَةِ الْمُشْتَرَكَةِ تَجْعَلُ
مِنَ الْبَيْتِ مَسْجِدًا صَغِيرًا، وَتُوَحِّدُ نَبْضَ الْقُلُوبِ عَلَى طَاعَةِ اللَّهِ.
الْخَاتِمَةُ: فِي ضَرُورَةِ الْعَوْدَةِ
إِلَى مَنْهَجِ اللَّهِ فِي بِنَاءِ الْأُسْرَةِ
أَيُّهَا الْآبَاءُ وَالْأُمَّهَاتُ، أَيُّهَا
الشَّبَابُ وَالْفَتَيَاتُ، إِنَّنَا لَا نُرَبِّي أَبْنَاءَنَا بِالتَّوْجِيهَاتِ
وَالْمَوَاعِظِ فَحَسْبُ، بَلْ نُرَبِّيهِمْ بِمَا نَحْنُ عَلَيْهِ فِي حَقِيقَتِنَا.
إِنَّ كُلِّ كَلِمَةٍ، وَكُلِّ نَظْرَةٍ، وَكُلِّ رَدَّةِ فِعْلٍ دَاخِلَ جُدْرَانِ
الْبَيْتِ، إِنَّمَا هِيَ لَبِنَةٌ تُوضَعُ فِي صَرْحِ هَذَا الْإِنْسَانِ الَّذِي
سَيَحْمِلُ اسْمَكَ وَيَمْشِي بِهِ فِي الْأَرْضِ. فَاجْعَلُوا بُيُوتَكُمْ وَاحَاتِ
أَمَانٍ، وَمَصَانِعَ رِجَالٍ، وَمَدَارِسَ فَضِيلَةٍ
أَيُّهَا الْأَحِبَّةُ الْكِرَامُ
قَدِ انْتَهَى بِنَا الْمَطَافُ فِي هَذِهِ
الرِّحْلَةِ الْعِلْمِيَّةِ الْمُبَارَكَةِ، الَّتِي حَاوَلْنَا فِيهَا أَنْ نَسْتَجْلِيَ
حَقِيقَةَ الْأُسْرَةِ فِي الْمَنْظُورِ الْإِسْلَامِيِّ، وَأَثَرَ اسْتِقْرَارِهَا
فِي بِنَاءِ الْإِنْسَانِ بِنَاءً شَامِلًا مُتَكَامِلًا.
لَقَدْ تَبَيَّنَ لَنَا – بِمَا لَا يَدَعُ
مَجَالًا لِلشَّكِّ – أَنَّ الْأُسْرَةَ فِي الْإِسْلَامِ لَيْسَتْ مُجَرَّدَ مُؤَسَّسَةٍ
اجْتِمَاعِيَّةٍ، بَلْ هِيَ الْمَحْضَنُ الْوُجُودِيُّ الْأَوَّلُ الَّذِي تَتَشَكَّلُ
فِيهِ مَلَامِحُ الْإِنْسَانِ الْإِيمَانِيَّةُ وَالنَّفْسِيَّةُ وَالْخُلُقِيَّةُ.
وَهِيَ الْآيَةُ الْكَوْنِيَّةُ الدَّالَّةُ عَلَى عَظَمَةِ الْخَالِقِ وَبَدِيعِ صُنْعِهِ،
وَهِيَ السَّكَنُ الَّذِي يَأْوِي إِلَيْهِ الْإِنْسَانُ مِنْ عَنَاءِ الْحَيَاةِ وَهُمُومِهَا.
وَهِيَ الْمَدْرَسَةُ الَّتِي يَتَرَبَّى
فِيهَا النَّشْءُ عَلَى الْقِيَمِ وَالْمَبَادِئِ وَالْأَخْلَاقِ، وَهِيَ الْمَصْنَعُ
الَّذِي تَخْرُجُ مِنْهُ الْأَجْيَالُ الَّتِي تَبْنِي الْمَجْدَ لِلْأُمَّةِ.
وَلَقَدْ رَأَيْنَا كَيْفَ أَنَّ الْقُرْآنَ
الْكَرِيمَ وَالسُّنَّةَ النَّبَوِيَّةَ قَدْ أَسْهَمَا فِي بِنَاءِ نَظَرِيَّةٍ مُتَكَامِلَةٍ
لِلْأُسْرَةِ، تَقُومُ عَلَى رَكَائِزَ ثَابِتَةٍ، مِنْ حُسْنِ الِاخْتِيَارِ، وَالْقَوَامَةِ
الْمَسْؤُولِيَّةِ، وَالْعِشْرَةِ بِالْمَعْرُوفِ، وَالتَّغَافُلِ وَالتَّغَافُرِ،
وَغَرْسِ الْقِيَمِ الدِّينِيَّةِ فِي الْأَبْنَاءِ. وَرَأَيْنَا كَيْفَ أَنَّ هَذِهِ
الرَّكَائِزَ تُوَاجِهُ فِي عَصْرِنَا تَحَدِّيَاتٍ جَسِيمَةً، مِنْ وَسَائِلِ التَّوَاصُلِ
الِاجْتِمَاعِيِّ وَوَهْمِ الْمُقَارَنَاتِ، وَإِفْشَاءِ الْأَسْرَارِ الزَّوْجِيَّةِ،
وَتَدَخُّلِ الْأَطْرَافِ الْخَارِجِيَّةِ، وَالْحَيَاةِ الْخَيَالِيَّةِ وَوَهْمِ
الْكَمَالِ، وَضَعْفِ الْقَوَامَةِ وَفِقْدَانِ الْمَسْؤُولِيَّةِ.
وَرَأَيْنَا أَخِيرًا كَيْفَ أَنَّ هَذِهِ
الْقَوَاعِدَ النَّفْسِيَّةَ وَالتَّرْبَوِيَّةَ الْعِشْرِينَ تُؤَكِّدُ بِمَا لَا
يَدَعُ مَجَالًا لِلشَّكِّ أَنَّ الْأُسْرَةَ هِيَ مَصْنَعُ الْوُجُودِ الْأَوَّلِ،
أَنَّ كُلَّ كَلِمَةٍ، وَكُلَّ نَظْرَةٍ، وَكُلَّ رَدَّةِ فِعْلٍ دَاخِلَ جُدْرَانِ
الْبَيْتِ هِيَ لَبِنَةٌ تُوضَعُ فِي بِنَاءِ هَذَا الْإِنْسَانِ الَّذِي سَيَحْمِلُ
اسْمَ وَالِدَيْهِ وَيَمْشِي بِهِ فِي الْأَرْضِ.
وَخِتَامًا، نَقُولُ لِكُلِّ أَبٍ وَأُمٍّ،
وَلِكُلِّ زَوْجٍ وَزَوْجَةٍ: إِنَّنَا لَا نُرَبِّي أَبْنَاءَنَا بِالتَّوْجِيهَاتِ
وَالْمَوَاعِظِ، بَلْ نُرَبِّيهِمْ بِمَا نَحْنُ عَلَيْهِ فِي حَقِيقَتِنَا. فَاجْعَلْ
بَيْتَكَ وَاحَةً مِنَ السَّكِينَةِ، وَتَذَكَّرْ أَنَّ أَعْظَمَ إِنْجَازٍ تُقَدِّمُهُ
لِلْبَشَرِيَّةِ لَيْسَ ثَرْوَةً مَادِّيَّةً تَتْرُكُهَا، بَلْ إِنْسَانًا سَوِيًّا،
مُشْبَعًا بِالْأَمَانِ، قَادِرًا عَلَى إِعْمَارِ الْأَرْضِ بِرُوحٍ طَيِّبَةٍ وَقَلْبٍ
سَلِيمٍ. اِبْدَأِ الْيَوْمَ، فَتَرْمِيمُ جُدْرَانِ بَيْتِكَ الْعَاطِفِيَّةِ هُوَ
أَعْظَمُ اسْتِثْمَارٍ لِآخِرَتِكَ.
الدُّعَاءُ
اللَّهُمَّ يَا مَنْ جَعَلْتَ مِنْ آيَاتِكَ
أَنْ خَلَقْتَ لَنَا مِنْ أَنْفُسِنَا أَزْوَاجًا لِنَسْكُنَ إِلَيْهَا، وَجَعَلْتَ
بَيْنَنَا مَوَدَّةً وَرَحْمَةً، نَسْأَلُكَ بِأَسْمَائِكَ الْحُسْنَى وَصِفَاتِكَ
الْعُلَى أَنْ تَجْعَلَ بُيُوتَنَا سَكَنًا وَسَكِينَةً، وَأَنْ تَمْلَأَهَا مَوَدَّةً
وَرَحْمَةً، وَأَنْ تَحْفَظَهَا مِنَ الشِّقَاقِ وَالنِّزَاعِ، وَأَنْ تُجَنِّبَهَا
خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ وَكَيْدَهُ، إِنَّكَ سَمِيعُ الدُّعَاءِ.
اللَّهُمَّ أَصْلِحْ لَنَا أَزْوَاجَنَا
وَذُرِّيَّاتِنَا، وَاجْعَلْهُمْ قُرَّةَ عَيْنٍ لَنَا، وَاجْعَلْنَا قُرَّةَ عَيْنٍ
لَهُمْ، وَبَارِكْ لَنَا فِيهِمْ، وَاهْدِهِمْ وَاهْدِنَا، وَيَسِّرْ لَنَا وَلَهُمْ
سُبُلَ الرَّشَادِ وَالْهِدَايَةِ.
اللَّهُمَّ أَلِّفْ بَيْنَ قُلُوبِنَا،
وَأصْلِحْ ذَاتَ بَيْنِنَا، وَاهْدِنَا سُبُلَ السَّلَامِ، وَنَجِّنَا مِنَ الظُّلُمَاتِ
إِلَى النُّورِ، وَجَنِّبْنَا الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ.
اللَّهُمَّ اجْعَلْ بُيُوتَنَا عَامِرَةً
بِطَاعَتِكَ، مُنَوَّرَةً بِذِكْرِكَ، عَامِرَةً بِكِتَابِكَ، وَاجْعَلْهَا رِيَاضًا
مِنْ رِيَاضِ الْجَنَّةِ.
اللَّهُمَّ ارْزُقْنَا الْعِشْرَةَ بِالْمَعْرُوفِ،
وَالصَّبْرَ عَلَى الْمَكَارِهِ، وَالتَّغَافُلَ عَنِ الْهَفَوَاتِ، وَالتَّغَافُرَ
لِلزَّلَّاتِ، وَاجْعَلْنَا مِمَّنْ يُصْلِحُونَ وَلَا يُفْسِدُونَ، وَيَبْنُونَ وَلَا
يَهْدِمُونَ، وَيَجْمَعُونَ وَلَا يُفَرِّقُونَ.
اللَّهُمَّ أَعِنَّا عَلَى تَرْبِيَةِ أَبْنَائِنَا
تَرْبِيَةً صَالِحَةً، وَاغْرِسْ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمَانَ وَالتَّقْوَى، وَحَبِّبْ
إِلَيْهِمُ الصَّلَاةَ وَالْقُرْآنَ، وَجَنِّبْهُمْ رُفَقَاءَ السُّوءِ، وَاحْفَظْهُمْ
مِنْ كُلِّ مَكْرُوهٍ وَسُوءٍ.
اللَّهُمَّ إِنَّا نَعُوذُ بِكَ مِنْ زَوَالِ
نِعْمَتِكَ، وَتَحَوُّلِ عَافِيَتِكَ، وَفُجَاءَةِ نِقْمَتِكَ، وَجَمِيعِ سَخَطِكَ.
اللَّهُمَّ أَدِمْ عَلَيْنَا الْأَمْنَ
وَالْأَمَانَ، وَالِاسْتِقْرَارَ وَالرَّخَاءَ، وَرَغَدَ الْعَيْشِ، وَاجْتِمَاعَ الْكَلِمَةِ،
وَوَحْدَةَ الصَّفِّ، وَاجْعَلْهَا عَوْنًا لَنَا عَلَى طَاعَتِكَ وَمَرْضَاتِكَ، يَا
حَيُّ يَا قَيُّومُ، يَا ذَا الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ.
اللَّهُمَّ مَنْ أَرَادَ بِبُيُوتِنَا وَأُسَرِنَا
وَأُمَّتِنَا سُوءًا فَاشْغَلْهُ فِي نَفْسِهِ، وَاجْعَلْ كَيْدَهُ فِي نَحْرِهِ، وَاجْعَلْ
تَدْبِيرَهُ تَدْمِيرًا عَلَيْهِ، يَا قَوِيُّ يَا عَزِيزُ.
اللَّهُمَّ أَصْلِحْ أَحْوَالَ الْمُسْلِمِينَ
فِي كُلِّ مَكَانٍ، وَهَيِّئْ لَهُمْ مِنْ أَمْرِهِمْ رَشَدًا، وَأَلِّفْ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ،
وَوَحِّدْ صُفُوفَهُمْ، وَانْصُرْهُمْ عَلَى أَعْدَائِكَ وَأَعْدَائِهِمْ.
اللَّهُمَّ اغْفِرْ لَنَا وَلِوَالِدِينَا
وَلِأَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا وَلِجَمِيعِ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ، الْأَحْيَاءِ
مِنْهُمْ وَالْأَمْوَاتِ، بِرَحْمَتِكَ يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ.
رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً
وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ.
سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا
يَصِفُونَ، وَسَلَامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ.