من غار ثور إلى لجان الامتحانات
الحَمدُ للهِ الذي جَعَلَ الأَمَانَةَ مِعْيَاراً
لِلإِيمَان، والصِّدْقَ سَبِيلاً لِلرِّضْوَان،
وأَشهَدُ أن لا إلَهَ إلا اللهُ وحدَهُ لا شَريكَ لَه، يَعْلَمُ السِّرَّ وأَخْفَى،
وأَشهَدُ أنَّ سَيِّدَنَا ومَولانَا مُحمَّداً عَبدُ اللهِ ورَسُولُه، صَاحِبُ الهِجْرَةِ
المَجِيدَة، والنَّفَسِ الأَبِيَّةِ السَّدِيدَة، صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وعلى آلِهِ
وصَحبِهِ، ومَنْ تَبِعَهُم بِإحسَانٍ إلَى يَومِ الدِّين... أَمَّا بَعدُ..
أيها المسلمون..
أريد من كل واحد منكم الآن أن يفصل عقله
عن صخب الدنيا، ليعيش معي هذا المشهد التاريخي الصامت:
مكة في غسق الليل.. المؤامرة بلغت ذروتها،
والسيوف تحيط ببيت النبي ﷺ تترقب خروجه لتمزق جسده الشريف.
رحلة هجرة مصيرية، الخروج فيها يعني الحياة
أو الموت .
ولكن، قبل أن يضع النبي ﷺ قدمه الشريفة في ركاب السفر، يترك عليَّ
بن أبي طالب رضي الله عنه بمكة ليؤدي الأمانات والودائع التي كانت عنده لأهلها.
قفوا هنا وتأملوا..
أمانات مَنْ؟ وودائع مَنْ؟
إنها أموال وأمانات صناديد كفار قريش!
نفس الرجال الذين حاصروه، وشتموه، وطردوه،
وصادروا أموال أصحابه!
يا لله! أمةٌ تُطرد من ديارها، وتبدأ هجرتها
الكبرى بحراسة أمانة أعدائها!
لقد خلّد القرآن جلال تلك الصاحبية وتلك السكينة
في الغار فقال تعالى: { إِلَّا تَنصُرُوهُ فَقَدۡ نَصَرَهُ ٱللَّهُ إِذۡ أَخۡرَجَهُ
ٱلَّذِینَ كَفَرُوا۟ ثَانِیَ ٱثۡنَیۡنِ إِذۡ هُمَا فِی ٱلۡغَارِ إِذۡ یَقُولُ لِصَـٰحِبِهِۦ
لَا تَحۡزَنۡ إِنَّ ٱللَّهَ مَعَنَاۖ فَأَنزَلَ ٱللَّهُ سَكِینَتَهُۥ عَلَیۡهِ وَأَیَّدَهُۥ
بِجُنُودࣲ لَّمۡ تَرَوۡهَا وَجَعَلَ كَلِمَةَ ٱلَّذِینَ
كَفَرُوا۟ ٱلسُّفۡلَىٰۗ وَكَلِمَةُ ٱللَّهِ هِیَ ٱلۡعُلۡیَاۗ وَٱللَّهُ عَزِیزٌ حَكِیمٌ }.
هكذا تأسست دولة الإسلام من عتمة غار ثور؛ لم
تتأسس على شعارات جوفاء، بل تأسست على معدن الأمانة الصلب الذي لا يلين ولا يتغير،
لا مع صديق ولا مع عدو، لأن الله جعل الأمانة رأس الأمر وعِماد مِلة الإسلام فقال:
{ إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤَدُّوا
الْأَمَانَاتِ إِلَىٰ أَهْلِهَا }.
ومن
عتمة الغار ، نعود سريعاً إلى واقعنا لننزع
قناع المجاملة ونسأل السؤال الذي يوقظ الضمائر النائمة:
كيف لأمة بُنيت لبنتها الأولى على رد أمانات
الكفار في أشد لحظات الخطر.. أن يقف أبناؤها اليوم، في وضح النهار، ليخونوا الأمانة
ويسرقوا المجهودات داخل لجان الامتحانات، بل وبمباركة وتواطؤ من آبائهم وأمهاتهم؟!
أيها الأحبة الكرام..
الناس يظنون أن الهجرة رحلة عبر الحدود
والمطارات، ولكن المعلم الأول ﷺ يغير هذا المفهوم السطحي ويغوص في أعماق
النفس البشرية فيقول في الحديث الصحيح: «وَالْمُهَاجِرُ مَنْ هَجَرَ مَا نَهَى اللَّهُ
عَنْهُ» .
الهجرة الحقيقية هي هجرة الضمير؛ هي أن تفر بقلبك
من وحل الحرام والزيف، إلى قمة الطهر والصدق، امتثالاً لأمر الله: { وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ }.
دعونا ننتقل من تاريخ الصحراء إلى واقعنا
الحي، ولندخل معاً خلف جدران إحدى لجان الامتحانات هذه الأيام:
طالب يجلس، يده ترتجف فوق ورقة الأسئلة
الصعبة، الوقت يداهمه، والمراقب غفل عنه للحظات.. وفجأة، تُعرض عليه الإجابات الجاهزة
على طبق من ذهب! والشيطان يهمس في أذنه: التفت يميناً.. لمحة واحدة وتضمن كلية القمة،
وتفرح قلب والديك، الكل يفعل ذلك! .
تتحرك عيناه، وتتسارع دقات قلبه..
⚠️ وفي تلك اللحظة الحرجة بالذات.. اللحظة
التي ينهار فيها حصن الأخلاق أو يرتفع.. يتذكر هذا الشاب أن الله مطلع عليه، مطلع على
نواياه، كما قال سبحانه: { يَعْلَمُ خَائِنَةَ الْأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ }.
ويتذكر أن النبي ﷺ يتبرأ من أهل الخداع.. فيطأطأ رأسه فوق
ورقته قائلاً بلسان العزة: "معاذ الله! أرسُب بكرامتي، ولا أنجح بخيانتي !".
هذا الطالب الصغير، في تلك اللحظة الصامتة،
هو المهاجر الحقيقي في زماننا!
لقد هاجرت عينه عن الخيانة، وفرّ قلبه إلى
مالك الملك، ووقف مرابطاً على ثغرة الأمانة كأبطال الغزوات!
أيها المسلمون.. تعالوا ننزع القناع عن
مشهد آخر مؤلم، نراه رأي العين أمام المدارس..
مشهد أبٍ يصلي في الصف الأول، يجمع المال
من حلال، وأمٍّ تذوب رقة ودعاء.. ولكن، ما إن تدق ساعة الامتحانات، حتى تتبخر المبادئ!
تجدهم يقفون عند البوابات، عيونهم شاخصة،
يتلهفون على تسريب، أو يبحثون عن واسطة لتهريب الغش لأولادهم.. وإذا عاتبتهم قالوا:
نحن نؤمن مستقبلهم! .
نقول لهم : تباً لمستقبلٍ يُبنى على ذبح الأمانة
في نفوس الأبناء!
إنكم في تلك اللحظة لا تمنحونهم نجاحاً،
بل تسقونهم سمّ الخنوع ، تزرعون في أعماقهم عقيدة مرعبة: أن الكد والعرق بضاعة الخاسرين،
وأن الخديعة والتزوير وسرقة جهود الآخرين هي الذكاء والشطارة!.
انظروا بعين البصيرة إلى ما وراء جدران
اللجان..
كيف ينهار المجتمع بسبب هذا الذكاء المشوه؟
إن ذلك الطالب الذي يغش اليوم، غداً يجلس
طبيباً بين أيدي الناس، فيُخطئ في تشخيص مرض أو وصف دواء؛ لأنه يومًا ما اعتاد أن يسرق
النجاح ولا يتعب له."
وغداً يوقع مهندساً على رخصة بناء، فيسقط
السقف فوق رؤوس الأبرياء.. لأنه يوماً ما نجح بالخداع!
وغداً يجلس خلف المكاتب مسؤولاً يمتص دماء
الضعفاء بالرشوة.. لأن أباه وأمه علماه يوماً أن أخذ ما ليس له هو حق مشروع!
أين هذا المسلك المظلم من هدي المهاجر الأعظم
ﷺ؟
يمشي النبي ﷺ في السوق، فيرى كومة طعام حسنة المظهر،
تسر الناظرين. لكنه ﷺ لم يكن يكتفي بالظاهر الخادع، بل أدخل
يده الشريفة في عُمق الطعام فنالت أصابعه الشريفة بللاً!
نظر إلى صاحب الطعام نظرة هزت وجدانه، وسأله
بحسم: «مَا هَذَا يَا صَاحِبَ الطَّعَامِ؟» قال: أصابته السماء (المطر) يا رسول الله.
فنطق صاحب الصدق : «أَفَلَا جَعَلْتَهُ فَوْقَ الطَّعَامِ كَيْ يَرَاهُ النَّاسُ؟ مَنْ
غَشَّ فَلَيْسَ مِنِّي» .
تأملوا هذا الطرد النبوي: "ليس مني"!
لقد نفى النبي ﷺ صِلته بالخائن والغاش. فكيف يرجو بركة
في رزق، أو توفيقاً في حياة، أو شفاعة يوم القيامة، رجلٌ تبرأ منه رسول الله ﷺ؟!
أقول قولي هذا، وأستغفر الله العظيم لي ولكم
ولسائر المسلمين، فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.
الخطبة الثانية
الحمد لله وكفى، وصلاة وسلامًا على عباده الذين
اصطفى، لاسيما عبده المصطفى، وعلى آله وصحبه ومن اقتفى.
أما بعد، أيها المسلمون..
اكتبوها في سويداء قلوبكم، وعلموها لأولادكم
في البيوت:
الدرجة المنكسرة التي ينالها ابنك بعرقه
وجهده الصادق، أطهر عند الله من شهادات الدنيا الكرتونية المزورة التي تُجنى بالباطل.
إن الراسب في مادة علمية، يمكنه أن يعوضها في
عام قادم؛ أما الراسب في مادة الأخلاق والأمانة، فقد سقط في هاوية سحيقة لا ترحم.
واعلموا أن الأموال والرواتب التي سيتقاضاها
هذا الغاش في مستقبله بناءً على هذه الشهادة المزورة، هي أموال منزوعة البركة، تذهب
بالأجساد والبيوت إلى الهلاك.. فقد قال النبي ﷺ في الحديث الصحيح: « كلُّ جَسَدٍ نبتَ
مِنْ سُحْتٍ فالنارُ أولَى بِهِ»، فلا تطعموا أولادكم الحرام باسم الحب!
يا معشر الشباب والطلاب.. يا قُرّة الأعين
وصناع الغد:
الامتحان ليس معركة ننتصر فيها بالخديعة،
بل هو محراب لاختبار رجولتكم ونضجكم قبل علمكم.
هاجروا من عجز الكسل، وفرّوا إلى جلال السعي
والتوكل الصادق، واعلموا أن المكر السيئ لا يضر إلا صاحبه، كما قال وعزّ من قائل:
{ وَلَا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلَّا بِأَهْلِهِ } .
تذكروا دائماً.. أن عين المراقب في اللجنة
قد تنام أو تغفل، ولكن عين الله التي ترعاكم لا تنام ولا تغفل أبداً.
أيها المسلمون...
ما بين غار ثور ولجنة الامتحان أكثر من
أربعة عشر قرنًا...
لكن القضية واحدة...
هناك رجل حفظ الأمانة فصنع الله به أمة...
وهنا شباب إذا حفظوا الأمانة أعاد الله
بهم مجد أمة.
فالهجرة لم تنقطع...
الهجرة من الغش إلى الصدق...
ومن الخيانة إلى الأمانة...
ومن المعصية إلى الطاعة...
ومن مراقبة الناس إلى مراقبة رب الناس...
فكونوا من المهاجرين حقًا، يرفع الله قدركم
في الدنيا، ويثقل موازينكم يوم القيامة.
اللهم اجعلنا من المهاجرين إليك بقلوبنا وجوارحنا،
التاركين لكل ما يبغضه جلالك. اللهم بارك في أبنائنا وبناتنا، وافتح عليهم فتوح العارفين،
ورسّخ في قلوبهم الأمانة والصدق.
اللهم كرّه إليهم الغش والخداع والزور، وحبب
إليهم الجد والاجتهاد والتوكل الصادق.
اللهم اكفنا بحلالك عن حرامك، وبطاعتك عن معصيتك،
وأصلح بيوتنا واجعلها قلاعاً للحق والإيمان.
عباد الله، إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء
ذي القربى، وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي، يعظكم لعلكم تذكرون.. فاذكروا الله العظيم
يذكركم، وأقم الصلاة.