recent
أخبار عاجلة

خطبة الجمعة: دروس وعبر من هجرة سيد البشر ﷺ

دروس وعبر من هجرة سيد البشر


الحمد لله رب العالمين، حمداً يوافي نعمه ويكافئ مزيده، اللهم لك الحمد كما ينبغي لجلال وجهك وعظيم سلطانك. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، إله الأولين والآخرين، وقيوم السموات والأرضين. وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، وحبيبه وخليله، الصادق الأمين، بعثه الله رحمة للعالمين، فبلغ الرسالة، وأدى الأمانة، ونصح الأمة، وجاهد في الله حق جهاده، حتى أتاه اليقين.

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران: 102].

أما بعد: عباد الله، أوصيكم ونفسي بتقوى الله، فهي الزاد الباقي، والعروة الوثقى، والسبيل إلى كل خير. اتقوا الله حق التقوى، وراقبوه في السر والنجوى، واستعدوا ليوم لا ينفع مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم.

أيها المؤمنون، ما أجمل أن نستقبل جمعة اليوم بقلوب نابضة بحب النبي ، وعقول متأملة في سيرته العطرة، نستخرج منها الدروس والعبر، لا لنتلوه كتاريخ فحسب، بل لنحوله إلى منهاج حياة. وإن من أعظم محطات سيرته وأكثرها دروساً وأبهاها عبراً **هجرة الحبيب **، تلك الرحلة المباركة التي غيَّرت مجرى التاريخ، وأسست لدولة الإسلام، وعلّمت البشرية كيف يُصنع النصر من رحم الشدة، وكيف يُبنى المستقبل على أكتاب الصبر والثقة بالله.

فلنقف معاً اليوم وقفات متأملة مع هذه الهجرة العظمى، نستنبط منها كنوزاً من الحكم والنور.

 ثانياً: الخطبة الأولى

 1. تعريف الهجرة وأهميتها

عباد الله، الهجرة في اللغة: الترك والانتقال، وفي الشرع: انتقال المسلم من دار الكفر إلى دار الإسلام خوفاً على دينه، أو إقامة لشعائر الله. وهجرة النبي من مكة إلى المدينة لم تكن مجرد انتقال جغرافي، بل كانت تحولاً استراتيجياً فكرياً واجتماعياً وسياسياً، جعل منها الله فاتحة للتقويم الإسلامي، وجعلها علامة فارقة بين مرحلتي الضعف والقوة، والسرية والعلانية.

 2. الإعداد السري للهجرة: دروس في التخطيط

لننظر كيف أعدَّ النبي لهذه الرحلة العظيمة، فهو لم يتوكل توكل الكسلان، بل جمع بين التوكل على الله والأخذ بالأسباب:

أولاً: البحث عن النصير:** قبل الهجرة بسنتين، خرج النبي إلى الطائف يدعو، فلم يجد إلا الأذى والحجارة، لكنه لم ييأس. ثم في مواسم الحج، كان يعرض نفسه على القبائل قائلاً: "من يؤويني؟". فكانت ثمرة هذا البحث الدؤوب أن لقي نفراً من يثرب فآمنوا به، فكان ذلك بذرة الأنصار.

ثانياً: البيعة الكبرى:** في بيعة العقبة الثانية، بايع الأنصار النبي على السمع والطاعة والنصرة، فكان هذا العقد السياسي والعسكري الذي مهَّد لدولة الإسلام.

ثالثاً: التخطيط العملياتي:** اختار النبي عليّاً رضي الله عنه لينام في فراشه، ودفع الودائع التي عنده إلى علي ليردها لأصحابها. واستأجر عبد الله بن أريقط - وهو مشرك لكنه كان خبيراً بالطرق - ليكون دليلاً له. واتخذ طريقاً غير مألوف (من الخلف عبر جبل ثور)، ودفن المال في الغار، وأمر عامر بن فهيرة بالإغفاء في الطريق حتى لا تُعرف الآثار.

لدروس المستفادة:**

الإيمان لا يمنع الأخذ بالأسباب،

والتخطيط الدقيق لا ينافي التوكل على الله.

 فكم من مسلم اليوم يظن أن الدعاء وحده يكفي دون عمل! وكم من شاب يعطل نفسه بحجة "التوكل"! التوكل الصادق هو إلقاء النفس في الأسباب مع قطع النظر عن المسببات إلى الله.

3. مشهد الغار: أعلى مراتب التوكل

نصل إلى أعظم دروس الهجرة: لحظة دخول النبي وصاحبه أبي بكر إلى غار ثور، والمشركون يطاردونهم، حتى وصلوا فم الغار.

يقف أبو بكر خائفاً ليس على نفسه، بل على النبي : "يا نبي الله، لو أن أحدهم نظر إلى قدميه لأبصرنا". فجاء الرد الإلهي على لسان النبي : **"مَا ظَنُّكَ يَا أَبَا بَكْرٍ بِاثْنَيْنِ اللَّهُ ثَالِثُهُمَا"** (متفق عليه).

ثم نزلت السكينة، وأرسل الله الحمامة والنساجة فنسجتا على الغار، وغطت الحمامة ببيضها، فظن المشركون أنه لا أحد فيه.

يا عباد الله:** هذا هو التوكل الحقيقي! ليس السلبية والقعود، بل بذل السبب كله، ثم التسليم لله تماماً. المشهد يعلمنا: حين تكون مع الله، يكفيك أمر دنياك وآخرتك. لم يكن مع النبي جيش ولا سلاح، كان معه فقط: يقين لا يتزعزع، وقلب مطمئن بالله، وصاحب وفي لا يضاهى.

كم منا اليوم يضيق صدره إذا تأخر رزقه، أو خانه صديق، أو عوى عالٍ؟ هل نحن على يقين بأن الله معنا كما كان مع نبيه في أحرج لحظات التاريخ؟

 4. مواقف في الطريق: القدوة والوفاء

على طول طريق الهجرة (نحو 500 كم)، سطَّر الصحابة والسيرة مواقف خالدة:

قصة سراقة بن مالك:** لحق بالنبي يريد الجائزة، ففي كل مرة يقترب، تغوص قوائم فرسه في الأرض حتى يقع. سأل: "ادع الله أن ينجيني، ولك الأمان". فدعا له النبي ، ثم طلب سراقة كتاب أمان، فكتب له. بعد فتح مكة، جاء مسلماً فذكره النبي بما كان، فأقره على إمارة من قومه. الدرس: الأمان مع العدو إذا أمكن دفع شرهم، وحسن الظن بإسلامهم.

- **قصة أم معبد الخزاعية:** مرَّ النبي وأصحابه على خيمتها، فلم تجد طعاماً لهم إلا شاة هزيلة. فأخذ النبي فحلبها حتى رووا كلهم، ثم حلبها مرة أخرى. قالت: "لقد رأيت رجلاً ظاهر الوضاءة، حسن الخلق، إذا صمت فعليه الوقار، وإذا تكلم سما به العلا". الدرس: المسلم في سفره وحله يتخلق بالأخلاق العالية، فيكون دعوة بغير كلام.

 5. الوصول إلى المدينة: التأسيس الحضاري

عند وصوله إلى قباء، بنى مسجد قباء أول مسجد في الإسلام. ثم دخل المدينة فاستقبله الأنصار بالترحاب والأناشيد:

*طلع البدر علينا* ... *من ثنيات الوداع*

هنا بدأت مرحلة جديدة:

 أولاً: المؤاخاة بين المهاجرين والأنصار:** آخى النبي بين الأوس والخزرج والمهاجرين، وحوَّل العداوة القديمة إلى محبة إيمانية، وانتقل المجتمع من العصبية القبلية إلى الأخوة الإيمانية.

 ثانياً: بناء المسجد النبوي:** مركز القيادة، ومدرسة التربية، ومجلس الشورى، وملتقى الأمة.

 ثالثاً: كتابة وثيقة المدينة:** أول دستور سياسي في التاريخ ينظم العلاقة بين المسلمين واليهود والمشركين، ويؤسس لدولة القانون والعدل.

 الدرس:  الهجرة ليست هروباً من مشكلة، بل بحث عن أرض خصبة لبناء الحضارة. الهجرة الناجحة هي التي تتحول إلى مشروع نهضة.

 6. تطبيقات معاصرة

أيها المسلمون، هجرة النبي تهمنا اليوم لأننا نعيش أزمات مشابهة:

- **هجرة العقول والأبدان:** كثير من المسلمين يهاجرون بحثاً عن الرزق أو العلم، لكن الهجرة الحقيقية هي أن تهاجر من المعصية إلى الطاعة، ومن الكسل إلى العمل، ومن الفتنة إلى العفاف، كما قال : "والمهاجر من هجر ما نهى الله عنه" (البخاري).

- **الهجرة الفكرية:** في زمن الأفكار الهدامة، نحن بحاجة إلى هجرة فكرية نحو الوسطية والاعتدال، وترك التطرف والغلو.

- **نصرة المستضعفين:** من درس الهجرة أن المؤمنين يتحركون لإغاثة إخوانهم المستضعفين في أي مكان، كما حرر النبي المستضعفين بمكة بعد الهجرة.

 7. الختام مع وقفة

وأخيراً عباد الله، الهجرة قصة حب ويقين وتضحية. إنها تقول لكل من يحارب الإسلام: مهما اشتد الإيذاء، ومهما تعاظمت قوى الباطل، فإن دين الله سينتصر، والنبي سيكمل رسالته، والصديق سيكون معه، والله ثالثهما.

**لنختم الخطبة الأولى بنداء:** هل نحن على استعداد اليوم لهجرة كل ما يبغضه الله؟ هل نستطيع أن نترك ولو ذنباً واحداً لأجله؟ هل نصدق مع الله كما صدق أصحاب الهجرة؟

 

 ثالثاً: الاستراحة بين الخطبتين (دقيقتان)

(يجلس الخطيب قليلاً، ثم يقول)

أستغفر الله لي ولكم ولسائر المسلمين من كل ذنب، فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم. اللهم صل على محمد وعلى آل محمد كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد.

 

 رابعاً: الخطبة الثانية

 1. حمد الله والصلاة على النبي (دقيقتان)

الحمد لله حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه، ملء السموات وملء الأرض وملء ما بينهما وملء ما شاء بعد. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، وسلم تسليماً.

 2. الهجرة الداخلية: هجرة القلب والجوارح (5 دقائق)

عباد الله، بعد أن تحدثنا عن الهجرة الخارجية في الخطبة الأولى، حان وقت الحديث عن الهجرة الأعمق والألزم لكل واحد منا: **هجرة القلب عن التعلق بغير الله، وهجرة الجوارح عن معاصيه**.

قال الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا﴾ [العنكبوت: 69]. والجهاد الأكبر هو جهاد النفس.

 درجات الهجرة الداخلية:**

1. الهجرة من الشرك إلى التوحيد:** أن تخلص العبادة لله وحده، وتخرج من قلبك كل خوف من مخلوق ورجاء لغيره.

2. الهجرة من البدعة إلى السنة:** أن تهجر كل قول وفعل لم يشرعه الله، وتلتمس هدي النبي في كل صغيرة وكبيرة.

3.  الهجرة من المعصية إلى الطاعة:** لا تجالس أهل الغيبة والنميمة، ولا تتابع الحرام في هاتفك، ولا تجالس السوء.

4. **الهجرة من الكبر إلى التواضع:** أن تهجر إعجابك بنفسك واحتقارك للآخرين، وتعرف أنك عبد مذنب محتاج لرحمة ربه.

 تأملوا معي:** كان الصحابة يهاجرون من ديارهم وأموالهم، واليوم يهاجر أحدنا من رفاهية زائدة إلى غرفة يصلي فيها الفجر، ويعجز! أين نحن من صدقهم؟

 3. عوائق الهجرة اليوم وكيف نتجاوزها

ما الذي يمنعنا من الهجرة الحقيقية؟

 حب الدنيا والتعلق بها:** قال : "تُعْرَضُ الْفِتَنُ عَلَى الْقُلُوبِ كَالْحَصِيرِ عُودًا عُودًا" (مسلم). كل معصية تعقد في القلب نقطة سوداء، حتى يصبح القلب أسوداً لا يعرف معروفاً ولا ينكر منكراً.

 رفقة السوء:** من يجالسك على المعصية ويقلل من شأنها، أو يضحك عليك إن تبت.

 الغرور بالأماني:** "سأتوب غداً"، "سأهجر هذا الذنب بعد شهر"، وما يشعر العبد بأجل قد ينقضي قبل الغد.

 كيف نبدأ؟**

1. قرار صادق الآن وهذه اللحظة: "اللهم إني أهجر ذنب كذا لأجلك".

2. تغيير البيئة إن أمكن: مقاطع سيئة، أماكن مشبوهة، رفقاء سوء.

3. الدعاء: كان النبي يقول: "اللهم إني أسألك الهدى والتقى والعفاف والغنى" (مسلم).

4. الصحبة الصالحة: من يعينك على الخير ويذكرك بالله.

 5. الدعاء للمسلمين

اللهم صل على محمد وعلى آل محمد كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد.

اللهم أعز الإسلام والمسلمين، وأذل الشرك والمشركين، ودمر أعداء الدين، واجعل هذا البلد آمناً مطمئناً، وسائر بلاد المسلمين.

اللهم أصلح أحوالنا، واغفر ذنوبنا، واهدِ قلوبنا، ويسر أمورنا.

اللهم فرج هم المهمومين من المسلمين، ونفس كرب المكروبين، واقض الدين عن المدينين، واشف مرضانا ومرضى المسلمين.

اللهم انصر إخواننا المستضعفين في كل مكان، اللهم كن معهم ناصراً ومعيناً، اللهم أبدل خوفهم أمناً، وفقرهم غنى، وضعفهم قوة.

اللهم اجعل الهجرة إلينا هجرة إلى طاعتك، واجعل ديارنا أوطاناً للخير والتقوى.

6. الخاتمة والذكر بفضل صلاة الجمعة

عباد الله، إن هذا اليوم الذي اجتمعنا فيه هو خير يوم طلعت عليه الشمس، يوم الجمعة، جعله الله عيداً للمسلمين، وأسبوعياً يتزودون فيه من الذكر والدعاء والاجتماع.

فأكثروا فيه من الصلاة علي ، ومن قراءة سورة الكهف، ومن الدعاء، فإن فيه ساعة لا يرد فيها سائل.

واختموا جمعتكم بصدقة ولو يسيرة، وصلة رحم، وإصلاح ذات بين، وكف أذى عن جار أو مسلم.

واعلموا أن الله أمركم بأمر عظيم، أمركم بالصلاة والسلام على نبيه الكريم، فقال: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً﴾ [الأحزاب: 56].

اللهم صلِّ على محمد، وعلى آل محمد، كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم، وبارك على محمد، وعلى آل محمد، كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم، في العالمين إنك حميد مجيد.

والحمد لله رب العالمين، وأقم الصلاة.

 

google-playkhamsatmostaqltradent