recent
أخبار عاجلة

خطبة الجمعة أثر استقرار الأسرة في بناء الإنسان - خُطُورَةُ غِيَابِ التَّوَاصُلِ بَيْنَ الْآبَاءِ وَالْأَبْنَاءِ الشيخ عبدالناصربليح

  أَثَرُ اسْتِقْرَارِ الْأُسْرَةِ فِي بِنَاءِ الْإِنْسَانِ


أسباب استقرارالأسرة

القيم الإسلامية والحضارية التي تستقر عليها الأسرة

خُطُورَةُ غِيَابِ التَّوَاصُلِ بَيْنَ الْآبَاءِ وَالْأَبْنَاءِ

 ​الحمد لله الذي جعل البيوت سكنًا، والتقوى لها حصنًا، وجعل المودة والرحمة بين الزوجين آيةً وبرهانًا . وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، وأشهد أن سيدنا ونبينا ومولانا محمدًا عبد الله ورسوله،  صلى الله عليه وعلى آله وصحبه، ومن سار على نهجه واهتدى بهديه إلى يوم الدين ... ​أما بعد.. فياعباد الله 

يقول الله تعالي:"وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِّتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً ۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ "(الروم/21).

عباد الله :"حديثنا إليكم اليوم عن أثر استقرار الأسرة في بناء الإنسان وهذا الموضوع يندرج تحته عناوين كثيرة وأمور كثيرة لو أردنا أن نتحدث عنها ماكفانا وقت ولكن نتناول ثلاث نقاط فقط حتي لايضيع الوقت من بين أيدينا أسباب الاستقرار والقيم الأسلامية والحضارية التي تستقر عليها الأسرة وخطورة غياب التواصل بين الأباء والأبناء وتعالوا بنا نتعرف علي

أولاً أسباب استقرارالأسرة

عباد الله :"  تستقر الأسرة وتتحقق سعادتها وتماسكها بوجود مجموعة من الدعائم الأساسية المتكاملة، أبرزها:

حسن الاختيار

اختيار الزوج الصالح والزوجة الصالحة 

عباد الله :" من أسباب استقرار الأسر  حسن الاختيار للزوج والزوجة

معايير اختيار الزوج الصالــح:" يُبنى الاختيار الناجح للزوج على مقياسين رئيسيين وضحهما النبي صلي الله عليه وسلم  بقوله:"إِذَا أَتَاكُمْ مَنْ تَرْضَوْنَ خُلُقَهُ وَدِينَهُ فَزَوِّجُوهُ"

:الدين والتقوى: الأساس في الرجل أن يخاف الله في أهله، فلا يؤذيهم إن غضب، ويُحسن عشرتهم.

حسن الخُلُق: أن يتسم بالصدق، والأمانة، وتحمل المسؤولية، واللين في التعامل مع زوجته وأهل بيته.

القدرة على الإنفاق: أن يكون قادراً على توفير الكفاف لأهل بيته بما يعفهم عن السؤال.

الكفاءة والتوافق: التقارب في المستوى الفكري والاجتماعي لضمان الانسجام.

معايير اختيار الزوجة الصالـحـة:"أوصى النبي صلي الله عليه وسلم بالظفر بذات الدين، موضحاً أن المرأة الصالحة هي السكن والقرار للرجل، وتتمثل صفاتها في الآتي:

طاعة الله وحفظ العرض: كما وصفها الله تعالى: "فَالصَّالِحَاتُ قَانِتَاتٌ حَافِظَاتٌ لِلْغَيْبِ بِمَا حَفِظَ اللَّهُ"(النساء: 34).

حُسْن التبعُّل (العشرة): أن تكون ودودة، تتقن إدارة البيت، وترعى زوجها في حضوره وغيابه.

الأصل والخلق: اختيار صاحبة الأصل الطيب والخلق القويم، لقوله صلي الله عليه وسلم : "تُنكحُ المرأةُ لأربعٍ: لمالِها ولحسَبِها ولجمالِها ولدينِها، فاظفَرْ بذاتِ الدِّينِ تَرِبَتْ يداكَ"

خطوات عملية لضمان الاختيار الصحيح :"قبل اتخاذ القرار، يُنصح بالآتي:

الاستخارة والدعاء: اللجوء إلى الله بـ صلاة الاستخارة لطلب التوفيق والخير في هذا القرار.

الرؤية الشرعية: التعرف المتبادل بين الطرفين خلال الرؤية الشرعية، للتأكد من وجود القبول والارتياح النفسي.

الخطبة :"

الخطبة (بكسر الخاء) هي الوعد بالزواج، وتُعد مقدمة هامة تسبق العقد. وضع الإسلام لها آداباً وضوابط دقيقة شرعها لحفظ الأعراض، وبناء المودة، وتجنب الخلافات المستقبلية، وتتلخص في النقاط التالية:

1. آداب قبل الخطبةالاستخارة والاستشارة: يُسن للخاطب بعد اختيار الزوجة الصالحة وذات الدين أن يستخير الله ويستشير أهل الرأي والثقة من أهله.

تحري الصدق والوضوح: أن يعرض الخاطب رغبته بوضوح دون مواربة، مع بيان جديته في الزواج والتزامه بتعاليم الإسلام.

2. آداب الرؤية الشرعيةرخصة شرعية تسمح للخاطب برؤية مخطوبته لتكون الخطوة على أساس صحيح:

مقدار ما ينظر إليه: يجوز النظر إلى الوجه والكفين، فهما ما يعطي الانطباع بالموافقة.

المستحب أن يرى المرأة إذا تيسر، هذا من الآداب، ومن أسباب التوفيق أن يجتهد في رؤيتها قبل أن يعقد عليها بالطرق الشرعية، إما بالاستئذان من أهلها حتى يراها، أو بأن يجلس في مجلس يمكن أن يراها ولو بغير إذنها، ولو بغير إذن أهلها أيضًا، فيكون في محل يمكنه أن يراها من دون علمها، من طريق جيرانها أو غير ذلك على وجه ليس فيه خلوة، إنما من بعيد إلى بعيد، وإن استأذنهم واجتمع بها ورآها وكلمها وكلمته فلا بأس؛ لأن الرسول ﷺ أمر الخاطب أن ينظر قال: إذا خطب أحدكم المرأة فإن استطاع أن ينظر منها إلى ما يدعوه إلى نكاحها فليفعل، وجاءه رجل ﷺ فذكر له أنه خطب امرأة، فقال: أنظرت إليها؟ قال: لا. قال: فاذهب فانظر إليها رواه مسلم .

فالسنة أن ينظر إذا تيسر لكن من دون خلوة، بل بحضرة أبيها أو أخيها أو أمها، أو جماعات آخرين، المقصود لا يخلو بها، أو ينظرها من بعيد من دون علمها أو من دون علم أهلها لا بأس بذلك؛ لأن هذا من أسباب التوفيق إذا رآها واقتنع بها، فإن لم يتيسر ذلك شرع له أن يبعث إليها من ينظرها من النساء الثقات ويعطيه خبرها

شرط الخلوة: تتم الرؤية بحضور أحد محارمها (كالأب، أو الأخ، أو الأم)، ولا يجوز الخلوة بها أبداً.

3. ضوابط فترة الخطبة (قبل العقد)المخطوبة أجنبية: تظل الفتاة أجنبية عن الخاطب حتى يتم العقد الشرعي.

اللمس والمصافحة: لا يجوز للخاطب لمس المخطوبة أو مصافحتها أو الخلوة بها.

الحديث والكلام: يباح التحدث معها في أمور الزواج وتفاصيله بما يحقق الألفة، بشرط ألا يتجاوز قدر الحاجة.

4. آداب ومستحقات الاتفاقح فظ الحقوق والاتفاق على التفاصيل: يُستحب بعد الموافقة الاتفاق بوضوح على المهر، وتكاليف الزواج، ووقته لتجنب أي خلافات لاحقة.صون الأعراض: يُحرم على المسلم أن يخطب على خطبة أخيه إذا حصل الركون والتراضي بين الخاطب الأول والمخطوبة.

المودة والرحمة: الزواج آية من آيات الله وقد جعله الله مظهراً من مظاهر القدرة الإلهية،وأسّس  العلاقة الزوجية على ركنين عظيمين: فقال سبحانه:"وَمِنْ آياتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْواجاً لِتَسْكُنُوا إِلَيْهاوَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً"(الروم:21). 

فـ (السكن) يتضمن الطمأنينة النفسية، والاستقرار العاطفي؛ تفصيل ذلك: 

(المودة) الحب الظاهر والتعبير عنه. و(الرحمة) الإحسان عند التقصير، والصبر عند الشدائد. فحين يضعف أحد الزوجين أو يمرض، تظهر الرحمة في الرعاية والتضحية، وهي التي تحفظ استمرار العلاقة.

فالزواج ليس مجرد عقدٍ مدني، بل آيةٌ ربانية تُظهر حكمة الخالق في تحقيق السكن النفسي والروحي. ووصف القرآن الزواج بأنه: "مِيثَاقًا غَلِيظًا"(النساء:21). وهو وصف يدل على عظم شأنه، وأنه ليس علاقة عابرة، بل عهدٌ موثّق قائم على المسؤولية. 

الركيزة العاطفية التي تربط بين الزوجين، وتضمن استمرار العلاقة بالصبر والتضحية عند الضعف أو الشدائد.

التفاهم والحوار: 

عباد الله :" ومن أسباب استقرار الأسرة فتح قنوات اتصال مستمرة وفعالة لحل المشكلات بطرق هادئة وبناءة دون اللجوء للصدام.وقد وضح لنا المولي عزوجل كيف تحل المشاكل بين الزوجين قال تعالي:" الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ فَالصَّالِحَاتُ قَانِتَاتٌ حَافِظَاتٌ لِلْغَيْبِ بِمَا حَفِظَ اللَّهُ وَاللَّاتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلَا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلًا إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيًّا كَبِيرًا"(النساء: 34).

 فيجب التعامل مع المشاكل بنضج، لضمان سير العلاقة الزوجية بطريقة صحيّة وسليمة.

الإصلاح عند النزاع

قال تعالى:"وَإِنْ خِفْتُمْ شِقاقَ بَيْنِهِما فَابْعَثُوا حَكَماً مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَماً مِنْ أَهْلِها إِنْ يُرِيدا إِصْلاحاً يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُما"(النساء:35). وهذا يدل على أهمية التدخل للإصلاح بين الزوجين قبل تفاقم الخلاف. وآليات الإصلاح عن طريق: الحوار، والتحكيم، والتدرج في الحلول.

العدل والإنصاف: التوازن في أداء الحقوق والواجبات بين الزوجين وبين الأبناء، وتجنب تفضيل أو ظلم أي طرف.العدل قيمة مركزية في العلاقات الأسرية، قال تعالى: "فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً"(النساء:3).

 وقال عز وجل: "وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ"(البقرة:228). وقال سبحانه:"وَلَنْ تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّساءِ وَلَوْ حَرَصْتُمْ فَلا تَمِيلُوا كُلَّ الْمَيْلِ فَتَذَرُوها كَالْمُعَلَّقَةِ وَإِنْ تُصْلِحُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ اللَّهَ كانَ غَفُوراً رَحِيماً"(النساء:129).

 وهذه قواعد عظيمة تؤسس للتوازن في الحقوق والواجبات. فحق الزوجة في النفقة مقابل حسن المعاشرة. وحق الزوج في الطاعة في المعروف مقابل الرعاية والعدل. والقرآن لا يكتفي بالأمر بالعدل، بل يربطه بالواقع العملي، ويضع ضوابط تمنع الظلم داخل الأسرة.

الاحترام المتبادل وحسن العشرة؛: أساس التعامل اليومي بين أفراد الأسرة، وحفظ كرامة كل فرد وتقدير دوره ومكانته.و حسن العشرة بين الأزواح من أعظم أسباب استقرار الحياة الزوجية؛ قال تعالى: "وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ"(النساء:19). 

والمعروف يشمل: الكلمة الطيبة، والمعاملة الحسنة، والتغاضي عن الزلات والهفوات. وعن عائشة رضي الله عنها قالت: "كان النبى صلي الله عليه وسلم  في مهنة أهله فإذا حضرت الصلاة خرج إلى الصلاة"( البخارى).

لقد كان سيدنا رسول الله  صلي الله عليه وسلم   أعظم من يحتذى به فى المعاشرة بالمعروف مع أهله كيف لا، وهو القائل:"خيركم خيركم لأهله، وأنا خيركم لأهلي"( الترمذى).

  مراعاة المشاعر؛ لقد كان من مراعاة سيدنا رسول الله   صلي الله عليه وسلم  لمشاعر أزواجه أنه كان يشاورهنّ، ويهتم بآرائهنّ، ومن ذلك مُشاورته أُم سلمة رضي الله عنها في صُلح الحُديبية عندما أمر الصحابةَ بالتحلُّل من إحرامهم، فلم يقم أحدٌ منهم، فاستشار أُم سلمة في ذلك، فقالت له: "اخْرُجْ ثُمَّ لا تُكَلِّمْ أحَدًا منهمْ كَلِمَةً، حتَّى تَنْحَرَ بُدْنَكَ، وتَدْعُوَ حَالِقَكَ فَيَحْلِقَكَ، فَخَرَجَ فَلَمْ يُكَلِّمْ أحَدًا منهمْ حتَّى فَعَلَ ذلكَ نَحَرَ بُدْنَهُ، ودَعَا حَالِقَهُ فَحَلَقَهُ، فَلَمَّا رَأَوْا ذلكَ قَامُوا، فَنَحَرُوا وجَعَلَ بَعْضُهُمْ يَحْلِقُ بَعْضًا"(البخارى).

  عدم نشر أسرار الحياة الزوجية؛ فلا شك أن ما يحدث بين الزوجين من أمور الاستمتاع، هو من الأمانة التي يجب حفظها ويحرم إفشاؤها؛ فعن أبي سَعِيدٍ الْخُدْرِىَّ أن رسول الله  صلي الله عليه وسلم قال:"إِنَّ مِنْ أَشَرِّ النَّاسِ عِنْدَ اللَّهِ مَنْزِلَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ الرَّجُلَ يُفْضِى إِلَى امْرَأَتِهِ وَتُفْضِى إِلَيْهِ ثُمَّ يَنْشُرُسِرَّهَا"(مسلم).

لذلك يجب علينا جميعاً العمل على تطوير العلاقات الأسرية وتعزيزها وذلك ببناء الثقة والاحترام المتبادل، وتقدير الرأي الآخر والاستماع لمشاكل الآخرين والتحدث بشكل مفتوح وصريح.

 التربية والتعليم

اهتم القرآن بتربية الأبناء على الإيمان والعمل الصالح. وقد عرض القرآن نموذجاً متكاملاً في وصايا لقمان:"يَا بُنَيَّ أَقِمِ الصَّلاةَ وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَاصْبِرْ عَلى مَا أَصابَكَ"(لقمان:17). 

وتشمل مجالات التربية: العقيدة، والعبادة، والأخلاق (كالصدق، والصبر، والتواضع). فالتربية ليست مجرد رعاية جسدية، بل هي بناء عقدي وأخلاقي متكامل.

تحمل المسؤولية: وعي الجميع بأن الأسرة أمانة مشتركة، حيث يلتزم كل فرد

 بمسؤولياته تجاه الآخرين.

الأسس المالية المنضبطة: التخطيط الاقتصادي السليم، والإنفاق المعتدل، والتفاهم حول إدارة الموارد المالية للبيت.

ثانياً:"القيم الإسلامية والحضارية 

عباد الله: إذا أردنا استقرار الحياة الزوجية والأسرية فعلينا أن نتمسك بالقيم الإسلامية والحضارية التى شرعها ديننا الحنيف من أجل استقرار الأسرة من ذلك؛

 الزواج من أجل النعم التي أنعم الله بها على خلقه؛ وإذا كانت نِعَمَ الله عز وجل علي الناس كثيرةٌ ومتتابعة بتتابُع الليل والنهار؛ قَالَ تَعَالَى: ﴿وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ﴾(إبراهيم: ٣٤)، فإن الزواج من أهم هذه النِّعَم العظيمة الجليلة.

  الزواج آيةٌ من آيات ربنا جل وعلا؛ قَالَ تَعَالَى:"وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ"(الروم: ٢١)،

 الزواج من سنن الأنبياء والمرسلين؛ قَالَ تَعَالَى:"وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلًا مِنْ قَبْلِكَ وَجَعَلْنَا لَهُمْ أَزْوَاجًا وَذُرِّيَّةً"(الرعد: ٣٨)،

 وَعن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: جاء ثلاثةُ رهطٍ إلى بيوتِ أزواجِ النَّبيِّ صلي الله عليه وسلم  يسأَلون عن عبادةِ النَّبيِّ  صلي الله عليه وسلم  فلمَّا أُخبِروا كأنَّهم تقالُّوها فقالوا: وأينَ نحنُ مِن النَّبيِّ   صلي الله عليه وسلم  قد غُفِر له ما تقدَّم مِن ذنبِه وما تأخَّر؟! قال أحدُهم: أمَّا أنا فإنِّي أُصلِّي اللَّيلَ أبدًا وقال الآخَرُ: أنا أصومُ الدَّهرَ ولا أُفطِرُ وقال الآخَرُ: أنا أعتزِلُ النِّساءَ ولا أتزوَّجُ أبدًا فجاء رسولُ اللهِ  صلي الله عليه وسلم فقال: «أنتم الَّذي قُلْتُم كذا وكذا ؟ أمَا واللهِ إنِّي لأخشاكم للهِ وأتقاكم له لكنِّي أصومُ وأُفطِرُ وأُصلِّي وأرقُدُ وأتزوَّجُ النِّساءَ فمَن رغِب عن سنَّتي فليس منِّي"(ابن حبان).

  الزواج ستر للزوجين، ووقاية، وحصن لكل منهما من الوقوع فيما حرَّم الله عز وجل؛ قَالَ تَعَالَى:"هُنَّ لِبَاسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَهُنَّ"(البقرة: ١٨٧)، 

وقَالَ تَعَالَى:"وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَا إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلًا"(الإسراء: ٣٢)،

وعن ابنِ مَسعُودٍ رضي اللهُ عنه: أَنَّ النَّبِيَّ صلي الله عليه وسلم قَالَ:"يَا مَعْشَرَ الشَّبَابِ، مَنِ اسْتَطَاعَ الْبَاءَةَ فَلْيَتَزَوَّجْ؛ فَإِنَّهُ أَغَضُّ لِلْبَصَرِ وَأَحْصَنُ لِلْفَرْجِ"( البخاري ومسلم).

  الزواج سكن ومودة؛ فكما أن الإنسان يتَّخذ المسكن، ليستتر به، ويتَّقي به من الحرَّ والبرد وغير ذلك، فإن المرأة تكون سكناً لزوجها، يطمئن إليها، ويجد في قُرْبها الأُنْسَ والراحة، وكذلك فإن الرجل يكون سكناً للمرأة؛ قَالَ تَعَالَى:"هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا لِيَسْكُنَ إِلَيْهَا"(الأعراف: ١٨٩)،

  الزواج سبب للسعادة والإعانة على الطاعة؛ فعن  سَعْدٍ رضي اللهُ عنه: أَنَّ النَّبِيَّ صلي الله عليه وسلم قَالَ:"أَرْبَعٌ مِنَ السَّعَادَةِ: الْمَرْأَةُ الصَّالِحَةُ، وَالْمَسْكَنُ الْوَاسِعُ، وَالْجَارُ الصَّالِحُ، وَالْمَرْكَبُ الْهَنِيءُ"( بن حبان).

وعن عَبدِاللهِ بنِ عَمرو بنِ العَاصِ رضي اللهُ عنهما: أَنَّ النَّبِيَّ  صلي الله عليه وسلم قَالَ:"الدُّنْيَا مَتَاعٌ، وَخَيْرُ مَتَاعِ الدُّنْيَا الْمَرْأَةُ الصَّالِحَةُ"(مسلم).

  الزواج من أعظم ثماره إنجاب الذرية الصالحة؛ قال تعالى عن زكريا عليه السلام:"قَالَ رَبِّ هَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً إِنَّكَ سَمِيعُ الدُّعَاءِ"(آل عمران: ٣٨)، وعن أَبِي هُرَيرَةَ رضي اللهُ عنه: أَنَّ النَّبِيَّ  صلي الله عليه وسلم قَالَ:"إِذَا مَاتَ الْإِنْسَانُ انْقَطَعَ عَنْهُ عَمَلُهُ، إِلَّا مِنْ ثَلَاثَةٍ: إِلَّا مِنْ صَدَقَةٍ جَارِيَةٍ، أَوْ عِلْمٍ يُنْتَفَعُ بِهِ، أَوْ وَلَدٍ صَالِحٍ يَدْعُو لَهُ"(مسلم).

البرُّ والإحسان إلى الوالدين

يعدّ برّ الوالدين من أعظم القيم الأسرية، قال تعالى:"وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا"(الإسراء:23). وقد قرن الله بين حقه وحق الوالدين، ما يدل على عظيم منزلتهما. ومن مظاهر ذلك: خفض الجناح لهما، والدعاء لهما، وصلة وُدِّ أبيه وأمه.

 الطاعة في المعروف

نظَّم القرآن العلاقة بين أفراد الأسرة على أساس الطاعة المنضبطة، لا الطاعة المطلقة، قال تعالى:"وَإِنْ جاهَداكَ لِتُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلا تُطِعْهُما"(العنكبوت:8). 

وقال أيضاً:"وَإِنْ جاهَداكَ عَلى أَنْ تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلا تُطِعْهُما"(لقمان:15). فهذا يرسخ مبدأ أن الطاعة تكون في إطار طاعة الله، لا في معصيته؛ إذ لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق.

فاتقوا الله عباد الله: واجعلوا علاقاتكم الأسرية قائمة على المودة والرحمة.

أقول قولي هذا واستغفر الله لى ولكم.

الخطبة الثانية

الحمد لله والصلاة والسلام علي رسول الله  أما بعد؛ فيا عباد الله:

ثالثاً:"خُطُورَةُ غِيَابِ التَّوَاصُلِ بَيْنَ الْآبَاءِ وَالْأَبْنَاءِ

 عباد الله:" إن الأسرة هي حَجرُ الأساسُ في تكوين أى مجتمع ونشأته، فالأسرة بالنسبة للمجتمع  كالخلية داخل الجسم، فينبغى أن يحرص الزوجان على التواصل المستمر بينهما من أجل تعزيز الترابط والتماسك الأسرى، ولحل ما قد تتعرض له الأسرة من مشكلات أو أزمات؛

إن التواصل المستمر بين الزوجين يتخذ عدة أشكال تواصلية، كالحوار والتشاور والتفاهم والإقناع والتوافق والاتفاق والتعاون والتوجيه والمساعدة، لذلك فإن الحوار بين الزوجين عامل أساسى لعلاقات حميمة بعيدة عن التفرق والتقاطع، وكذلك فإنه يُساعد على نشأة الأبناء نشأة سوية صالحة، وله قيمة حضارية للمجتمع بأكمله، لأنه يجعل من الأسرة كالشجرة الصالحة التي لا تثمر إلا ثماراً صالحة طيبة.

  وفي حالة الشقاق وهي المرحلة الأخطر من الخلاف بين الزوجين، مع التأكيد على ضرورة عدم نشر النزاعات خارج حدود البيت قدر الإمكان، فإذا وصل الأمر إلى حد لا يمكن معه كتمان الخلافات وجب على الزوجين اللجوء إلى تحكيم حكمين من كلا الطرفين لوضع نهاية للخلافات يخرج معها الجميع بالصلح والصفاء عملاً بما أرشدنا إليه القرآن الكريم من أهمية التواصل والحوار؛ قال تعالى:"وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَابْعَثُواْ حَكَمًا مِّنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِّنْ أَهْلِهَا إِن يُرِيدَا إِصْلاحًا يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُمَا إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا خَبِيرًا"(النساء:٣٥)،

ويجب أن يلتزم كل طرف بمعانى الإخلاص والصدق فى طرح المشكلة، وليكن هدفه هو الوصول إلى حل لا إلى توسيع دائرة الخلافات، والإنتصار لرأيه ونفسه حتى لو كان ذلك من خلال تصدير صورة مشوة عن الطرف الآخر!!

فليتق كل طرف ربه جل وعلا فيما يقول، وليغلب  الإيجابيات لدى الطرف الآخر عملاً بقوله تعالى:"هُنَّ لِبَاسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَهُنَّ"(البقرة: ١٨٧)،

وقال تعالى:"وَقَدْ أَفْضَىٰ بَعْضُكُمْ إِلَىٰ بَعْضٍ وَأَخَذْنَ مِنكُم مِّيثَاقًا غَلِيظًا"(النساء: ٢١)،

والعجب عندما يمعن البعض فى كشف ما ستره الله عز وجل من أسرار البيوت، فى محاولة للإنتقام للذات ضارباً بالعشرة عرض الحائط!!

ويُعد عدم التعامل بنضج بين الأزواج من أخطر أسباب تضخيم المشاكل، وقد يجعلها تصل إلى طريق مسدود، فقد يتسرع البعض فى إتخاذ قرار الطلاق بيد أنه لو تروى قليلاً ربما حُلت المشكلة. لذلك شدد ديننا الحنيف على أهمية استقرار الأسرة والبعد بها عن كل ما من شأنه أن يؤدى تفككها وإنهيارها بل وحذر من طلب الطلاق بغير وجه حق؛ فعن ثوبان مولى سيدنا رسول الله صلي الله عليه وسلم ، قال رسولُ اللهِ صلي الله عليه وسلم: "أيُّما امرأةٍ سألَتْ زوجَها طلاقَها في غيرِ ما بَأْسٍ؛ حرام عليها رائِحَةُ الجنةِ"( أبو دواد).


google-playkhamsatmostaqltradent