recent
أخبار عاجلة

خطبة الجمعة أثر استقرار الأسرة فى بناء الإنسان الشيخ ايمن حمدي الحداد

أثر استقرار الأسرة فى بناء الإنسان

 

الحمد لله رب العالمين الذى خلق الزوجين الذكر والأنثى، من نطفة إذا تمنى، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الحمد في الآخرة والأولى، وأشهد أن سيدنا محمداً عبدالله الله ورسوله،

اللهم صلِّ وسلم وبارك عليه حق قدره ومقداره العظيم، وعلى آله الطيبين الطاهرين وأصحابه الغر الميامين ومن أتبع هداهم بإحسان إلى يوم الدين أما بعد؛ فيا أيها المسلمون: إن استقرار الأسرة له بالغ الأثر فى بناء الإنسان الصالح والنافع لمجتمعه ووطنه؛ لذلك كان بناء الأسرة أعظم بناء فى هذه الحياة، وكان عقد الزواج من أوثق العقود التى يجب أن تصان وتحترم؛ قال تعالى: ﴿وَأَخَذْنَ مِنكُم مِّيثَاقًا غَلِيظًا﴾(النساء: ٢١)، وعن أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها قالت: قال رسول الله : «النِّكَاحُ من سُنَّتِي فمَنْ لمْ يَعْمَلْ بِسُنَّتِي فَليسَ مِنِّي» رواه ابن ماجه.

لكن أصبح من المؤسف ما نسمع به من كثرة حالات  الطلاق والتفكك الأسرى؛ لقد أصبح الطلاق من أسهل ما يكون مع علمنا يقيناً بعواقبه السلبية على الأسرة والمجتمع!!

عباد الله: إذا أردنا استقرار الحياة الزوجية والأسرية

فعلينا أن نتمسك بالقيم الإسلامية والحضارية التى شرعها ديننا الحنيف من أجل استقرار الأسرة من ذلك؛

 الزواج من أجل النعم التي أنعم الله بها على خلقه؛ وإذا كانت نِعَمَ الله عز وجل علي الناس كثيرةٌ ومتتابعة بتتابُع الليل والنهار؛ قَالَ تَعَالَى: ﴿وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ﴾(إبراهيم: ٣٤)، فإن الزواج من أهم هذه النِّعَم العظيمة الجليلة.

  الزواج آيةٌ من آيات ربنا جل وعلا؛ قَالَ تَعَالَى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾(الروم: ٢١)،

 الزواج من سنن الأنبياء والمرسلين؛ قَالَ تَعَالَى: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلًا مِنْ قَبْلِكَ وَجَعَلْنَا لَهُمْ أَزْوَاجًا وَذُرِّيَّةً﴾(الرعد: ٣٨)، وَعن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: جاء ثلاثةُ رهطٍ إلى بيوتِ أزواجِ النَّبيِّ يسأَلون عن عبادةِ النَّبيِّ فلمَّا أُخبِروا كأنَّهم تقالُّوها فقالوا: وأينَ نحنُ مِن النَّبيِّ قد غُفِر له ما تقدَّم مِن ذنبِه وما تأخَّر؟! قال أحدُهم: أمَّا أنا فإنِّي أُصلِّي اللَّيلَ أبدًا وقال الآخَرُ: أنا أصومُ الدَّهرَ ولا أُفطِرُ وقال الآخَرُ: أنا أعتزِلُ النِّساءَ ولا أتزوَّجُ أبدًا فجاء رسولُ اللهِ فقال: «أنتم الَّذي قُلْتُم كذا وكذا ؟ أمَا واللهِ إنِّي لأخشاكم للهِ وأتقاكم له لكنِّي أصومُ وأُفطِرُ وأُصلِّي وأرقُدُ وأتزوَّجُ النِّساءَ فمَن رغِب عن سنَّتي فليس منِّي» رواه بن حبان.

  الزواج ستر للزوجين، ووقاية، وحصن لكل منهما من الوقوع فيما حرَّم الله عز وجل؛ قَالَ تَعَالَى:

﴿هُنَّ لِبَاسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَهُنَّ﴾(البقرة: ١٨٧)، وقَالَ تَعَالَى: ﴿وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَا إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلًا﴾(الإسراء: ٣٢)، وعن ابنِ مَسعُودٍ رضي اللهُ عنه: أَنَّ النَّبِيَّ قَالَ: «يَا مَعْشَرَ الشَّبَابِ، مَنِ اسْتَطَاعَ الْبَاءَةَ فَلْيَتَزَوَّجْ؛ فَإِنَّهُ أَغَضُّ لِلْبَصَرِ وَأَحْصَنُ لِلْفَرْجِ» رواه البخاري ومسلم.

  الزواج سكن ومودة؛ فكما أن الإنسان يتَّخذ المسكن، ليستتر به، ويتَّقي به من الحرَّ والبرد وغير ذلك، فإن المرأة تكون سكناً لزوجها، يطمئن إليها، ويجد في قُرْبها الأُنْسَ والراحة، وكذلك فإن الرجل يكون سكناً للمرأة؛ قَالَ تَعَالَى: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا لِيَسْكُنَ إِلَيْهَا﴾ (الأعراف: ١٨٩)،

  الزواج سبب للسعادة والإعانة على الطاعة؛ فعن  سَعْدٍ رضي اللهُ عنه: أَنَّ النَّبِيَّ قَالَ: «أَرْبَعٌ مِنَ السَّعَادَةِ: الْمَرْأَةُ الصَّالِحَةُ، وَالْمَسْكَنُ الْوَاسِعُ، وَالْجَارُ الصَّالِحُ، وَالْمَرْكَبُ الْهَنِيءُ» رواه بن حبان.

وعن عَبدِاللهِ بنِ عَمرو بنِ العَاصِ رضي اللهُ عنهما: أَنَّ النَّبِيَّ قَالَ: «الدُّنْيَا مَتَاعٌ، وَخَيْرُ مَتَاعِ الدُّنْيَا الْمَرْأَةُ الصَّالِحَةُ» رواه مسلم.

  الزواج من أعظم ثماره إنجاب الذرية الصالحة؛ قال تعالى عن زكريا عليه السلام: ﴿قَالَ رَبِّ هَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً إِنَّكَ سَمِيعُ الدُّعَاءِ﴾(آل عمران: ٣٨)، وعن أَبِي هُرَيرَةَ رضي اللهُ عنه: أَنَّ النَّبِيَّ ُ قَالَ: «إِذَا مَاتَ الْإِنْسَانُ انْقَطَعَ عَنْهُ عَمَلُهُ، إِلَّا مِنْ ثَلَاثَةٍ: إِلَّا مِنْ صَدَقَةٍ جَارِيَةٍ، أَوْ عِلْمٍ يُنْتَفَعُ بِهِ، أَوْ وَلَدٍ صَالِحٍ يَدْعُو لَهُ» رواه مسلم.

 أسباب استقرار الأسرة

حسن العشرة؛ إن حسن العشرة بين الأزواح من أعظم أسباب استقرار الحياة الزوجية؛ قال تعالى: "وَعَاشِرُوهُنَّ بِٱلۡمَعۡرُوفِۚ فَإِن كَرِهۡتُمُوهُنَّ فَعَسَىٰۤ أَن تَكۡرَهُوا۟ شَیۡـٔا وَیَجۡعَلَ ٱللَّهُ فِیهِ خَیۡرا كَثِیرا﴾(النساء: ١٩)، وعن عائشة رضي الله عنها قالت: «كان النبى في مهنة أهله فإذا حضرت الصلاة خرج إلى الصلاة» رواه البخارى.

لقد كان سيدنا رسول الله أعظم من يحتذى به فى المعاشرة بالمعروف مع أهله كيف لا، وهو القائل: «خيركم خيركم لأهله، وأنا خيركم لأهلي» رواه الترمذى.

  مراعاة المشاعر؛ لقد كان من مراعاة سيدنا رسول الله لمشاعر أزواجه أنه كان يشاورهنّ، ويهتم بآرائهنّ، ومن ذلك مُشاورته أُم سلمة رضي الله عنها في صُلح الحُديبية عندما أمر الصحابةَ بالتحلُّل من إحرامهم، فلم يقم أحدٌ منهم، فاستشار أُم سلمة في ذلك، فقالت له: «اخْرُجْ ثُمَّ لا تُكَلِّمْ أحَدًا منهمْ كَلِمَةً، حتَّى تَنْحَرَ بُدْنَكَ، وتَدْعُوَ حَالِقَكَ فَيَحْلِقَكَ، فَخَرَجَ فَلَمْ يُكَلِّمْ أحَدًا منهمْ حتَّى فَعَلَ ذلكَ نَحَرَ بُدْنَهُ، ودَعَا حَالِقَهُ فَحَلَقَهُ، فَلَمَّا رَأَوْا ذلكَ قَامُوا، فَنَحَرُوا وجَعَلَ بَعْضُهُمْ يَحْلِقُ بَعْضًا» رواه البخارى.

  عدم نشر أسرار الحياة الزوجية؛ فلا شك أن ما يحدث بين الزوجين من أمور الاستمتاع، هو من الأمانة التي يجب حفظها ويحرم إفشاؤها؛ فعن أبي سَعِيدٍ الْخُدْرِىَّ أن رسول الله قال: «إِنَّ مِنْ أَشَرِّ النَّاسِ عِنْدَ اللَّهِ مَنْزِلَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ الرَّجُلَ يُفْضِى إِلَى امْرَأَتِهِ وَتُفْضِى إِلَيْهِ ثُمَّ يَنْشُرُسِرَّهَا» رواه مسلم.

لذلك يجب علينا جميعاً العمل على تطوير العلاقات الأسرية وتعزيزها وذلك ببناء الثقة والاحترام المتبادل، وتقدير الرأي الآخر والاستماع لمشاكل الآخرين والتحدث بشكل مفتوح وصريح.

فاتقوا الله عباد الله: واجعلوا علاقاتكم الأسرية قائمة على المودة والرحمة.

أقول قولي هذا واستغفر الله لى ولكم.

الخطبة الثانية

الحمد لله وكفى وصلاة وسلاماً على عباده الذين اصطفى أما بعد؛ فيا عباد الله: إن الأسرة هي حَجرُ الأساسُ في تكوين أى مجتمع ونشأته، فالأسرة بالنسبة للمجتمع  كالخلية داخل الجسم، فينبغى أن يحرص الزوجان على التواصل المستمر بينهما من أجل تعزيز الترابط والتماسك الأسرى، ولحل ما قد تتعرض له الأسرة من مشكلات أو أزمات؛

إن التواصل المستمر بين الزوجين يتخذ عدة أشكال تواصلية، كالحوار والتشاور والتفاهم والإقناع والتوافق والاتفاق والتعاون والتوجيه والمساعدة، لذلك فإن الحوار بين الزوجين عامل أساسى لعلاقات حميمة بعيدة عن التفرق والتقاطع، وكذلك فإنه يُساعد على نشأة الأبناء نشأة سوية صالحة، وله قيمة حضارية للمجتمع بأكمله، لأنه يجعل من الأسرة كالشجرة الصالحة التي لا تثمر إلا ثماراً صالحة طيبة.

وفي حالة الشقاق وهي المرحلة الأخطر من الخلاف بين الزوجين، مع التأكيد على ضرورة عدم نشر النزاعات خارج حدود البيت قدر الإمكان، فإذا وصل الأمر إلى حد لا يمكن معه كتمان الخلافات وجب على الزوجين اللجوء إلى تحكيم حكمين من كلا الطرفين لوضع نهاية للخلافات يخرج معها الجميع بالصلح والصفاء عملاً بما أرشدنا إليه القرآن الكريم من أهمية التواصل والحوار؛ قال تعالى: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَابْعَثُواْ حَكَمًا مِّنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِّنْ أَهْلِهَا إِن يُرِيدَا إِصْلاحًا يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُمَا إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا خَبِيرًا﴾(النساء:٣٥)،

ويجب أن يلتزم كل طرف بمعانى الإخلاص والصدق فى طرح المشكلة، وليكن هدفه هو الوصول إلى حل لا إلى توسيع دائرة الخلافات، والإنتصار لرأيه ونفسه حتى لو كان ذلك من خلال تصدير صورة مشوة عن الطرف الآخر!!

فليتق كل طرف ربه جل وعلا فيما يقول، وليغلب  الإيجابيات لدى الطرف الآخر عملاً بقوله تعالى: ﴿هُنَّ لِبَاسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَهُنَّ﴾(البقرة: ١٨٧)،

وقال تعالى: ﴿وَقَدْ أَفْضَىٰ بَعْضُكُمْ إِلَىٰ بَعْضٍ وَأَخَذْنَ مِنكُم مِّيثَاقًا غَلِيظًا﴾(النساء: ٢١)،

والعجب عندما يمعن البعض فى كشف ما ستره الله عز وجل من أسرار البيوت، فى محاولة للإنتقام للذات ضارباً بالعشرة عرض الحائط!!

ويُعد عدم التعامل بنضج بين الأزواج من أخطر أسباب تضخيم المشاكل، وقد يجعلها تصل إلى طريق مسدود، فقد يتسرع البعض فى إتخاذ قرار الطلاق بيد أنه لو تروى قليلاً ربما حُلت المشكلة. لذلك شدد ديننا الحنيف على أهمية استقرار الأسرة والبعد بها عن كل ما من شأنه أن يؤدى تفككها وإنهيارها بل وحذر من طلب الطلاق بغير وجه حق؛ فعن ثوبان مولى سيدنا رسول الله ، قال رسولُ اللهِ : «أيُّما امرأةٍ سألَتْ زوجَها طلاقَها في غيرِ ما بَأْسٍ؛ حرام عليها رائِحَةُ الجنةِ» رواه أبو دواد.

 فيجب التعامل مع المشاكل بنضج، لضمان سير العلاقة الزوجية بطريقة صحيّة وسليمة.

فاتقوا الله عباد الله: واجعلوا من التواصل والحوار البناء أساساً لقوة وتماسك العلاقات الأسرية لتحافظوا الميثاق الغليظ الذى أخذه الله عز وجل عليكم.

اللهم اجعلنا من الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين..

 

 اً  

google-playkhamsatmostaqltradent