recent
أخبار عاجلة

خطبة الجمعة أثر استقرار الأسرة في بناء الإنسان كامل الدسوقي.

أثر استقرار الأسرة في بناء الإنسان

 


١-الإسلام أساس الاستقرار في بناء الأسرة.

٢-من هو الإنسان الذي أساس الأسرة.

٣-المودة والرحمة أساس استقرار الأسرة.

٤- امرأة تقوم باستقرار وبناء الأسرة.

٥- أسباب عدم استقرار الأسرة.

٦- عناصر استقرار وسعادة الأسرة.

 

الْحَمْدُ للهِ الذِي جَعَلَ الْمَوَدَّةَ وَالرَّحْمَةَ بَيْنَ الأَزْوَاجِ وَرَغَّبَ فِي بِنَاءِ الأُسْرَةِ، أَحْمَدُهُ سُبْحَانَهُ وَأَشْكُرُهُ عَلَى مَا أَسْبَغَ مِنْ خَيْرٍ وَنِعْمَة , وَأَشْهَدُ أَنْ لا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ نَبِيَّنَا مُحَمَّدَاً عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، دَعَا إِلَى اللهِ بِالْحِكْمَةِ، وَكَانَ بِأَفْعَالِهِ وَأَقْوَالِهِ أَفْضَلَ قُدْوَةٍ ،صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وسلم .

الإسلام أساس الاستقرار في بناء الأسرة:

إخوة الإسلام والإيمان:

فَدِينُنَا خَيْرُ الأَدْيَانِ , وَأُمَّتُنَا خَيْرُ الأُمَمِ , وَنَبِيُّنَا أَفْضَلُ الأَنْبِيَاءِ عَلَيْهِمْ جَمِيعاً صَلَوَاتُ رَبِّي وَسَلَامُه , وَنَحْنُ بَيْنَ ذَلِكَ فِي صِحَّةٍ فِي الأَبْدَانِ وَأَمْنٍ فِي الأَوْطَانِ وَرَغَدٍ فِي الْعَيْشِ.

يَشْتَكِي كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ رِجَالاً وَنِسَاءً كِبَارَاً وَصِغَاراً مِنْ فَقْدِ الطُّمَأْنِينَةِ وَالرَّاحَةِ فِي الْبُيُوتِ , وَوُجُودِ مَشَاكِلَ تَكَادُ تَكُونُ دَائِمَةً وَمُزْمِنَةً بَيْنَ أَفْرَادِ الْعَائِلَةِ , حَتَّى نَتَجَتْ مُضَاعَفَاتٌ لِهَذِهِ الأَعْرَاضِ عَصَفَتْ بِالأُسْرَةِ فِي كَثِيرٍ مِنَ الأَحْيَانِ , وَشَتَّتَتِ كثير من الْبَيْوتَ, فَالزَّوْجَةُ مُطَلَّقَةٌ أَوْ تُعَامَلُ مُعَامَلَةً قَاسِيَةً , وَالأَبُ بَعِيدٌ عَنْ أُسْرَتِهِ , إِمَّا يَلْهَثُ وَرَاءَ سَرَابِ الدُّنْيَا الذِي لا يَنْقَطِعُ , أَوْ يَهْرُبُ يَمْنَةً وَيَسْرَةً مَعَ زُمَلاءِ الْعَمَلِ أَوْ أَصْدِقَائِهِ, بَيْنَمَا تَرَكَ زَوْجَتَهُ وَأَوْلادَهُ يُرَبِّيهِمُ الشَّارِعُ وَأَصْحَابُ السُّوء , أَوْ تُرَبِّيهِمْ وَسَائِلُ الإِعْلامِ الْمُغْرِضَةِ , وَالْمَوَاقِعِ الْهَابِطَةِ , وَهَذَا أَدَّى إِلَى ضَيَاع ِالأَوْلادِ وَجَعَلَهُمْ بَيْنَ هَارِبِينَ مِنَ الْمَنْزِلِ , أَوْ تَارِكِينَ لِلدِّرَاسَةِ , أَوْ سَاقِطِينَ فِي أَوْحَالِ الْمَعَاصِي وَبَيْنَ أَحْضَانِ أَصْحَابِ السُّوءِ وَصَاحِبَاتِ السُّوء

إِنَّ الإِسْلامَ أمر بِالْعِنَايَةِ بِالأُسْرَةِ مِنْ أَوَّلِ خُطُوَاتِ بِنَائِهَا , وَجَاءَ بِإِصْلاحِهِا فِي جَمِيعِ مَنَاحِي حَيَاتِهَا ! فَالنَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَمَرَ مَنْ أَرَادَ أَنْ يَتَزَوَّجَ أَنْ يَخْتَارَ ذَاتَ الدِّينِ , لِأَنَّهَا هِيَ الصَّالِحَةُ وَهِيَ الْمُصْلِحَةُ وَهِيَ نِعْمَ الرَّفِيقُ وَخَيْرُ الْعَوِينِ , فَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ , عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ (تُنْكَحُ الْمَرْأَةُ لِأَرْبَعٍ : لِمَالِهَا , وَلِحَسَبِهَا , وَلِجَمَالِهَا , وَلِدِينِهَا , فَاظْفَرْ بِذَاتِ الدِّينِ تَرِبَتْ يَدَاكَ) مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.

إِنَّ مُعَامَلَةَ الزَّوْجَةِ الْمُعَامَلَةَ الطَّيَّبَةَ وَإِعْطَاءَهَا حَقَّهَا وَحُسْنَ مُعَاشَرَتِهَا مِمَّا يَجْعَلُ الأُسْرَةَ تَسْتَقِرُّ بِإِذْنِ اللهِ , فَعَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهَا قَالَتْ : قَالَ النَّبِىُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (خَيْرُكُمْ خَيْرُكُمْ لأَهْلِهِ , وَأَنَا خَيْرُكُمْ لأَهْلِى) (رَوَاهُ ابْنُ مَاجَه).

وَجَاءَ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَا يَدُلُّ عَلَى رَفِيعِ مُعَامَلَةِ الزَّوْجَةِ خِلافاً لِأَهْلِ الْجَفَاءِ وَالْغِلْظَةِ , حَتَّى أَثَّرَتْ مُعَامَلَتُهُمُ الْقَاسِيَةُ عَلَى نَفْسِيَّاتِ أَوْلادِهِمْ , وَظَهَرَتِ النُّفْرَةُ مِنَ الأَبِ وَالْبَيْتِ لِمَا يَرَوْنَ مِنْ سُوءِ مُعَامَلَةِ أَبِيهِمْ لِأُمِّهِمْ , وَهَذَا خِلافُ الْهَدْيِ النَّبَوِيِّ , فعَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهَا قَالَتْ : خَرَجْتُ مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي بَعْضِ أَسْفَارِهِ , وَأَنَا جَارِيَةٌ لَمْ أَحْمِلِ اللَّحْمَ وَلَمْ أَبْدُنْ , فَقَالَ لِلنَّاسِ (تَقَدَّمُوا) فَتَقَدَّمُوا , ثُمَّ قَالَ (لِي تَعَالَيْ حَتَّى أُسَابِقَكِ) فَسَابَقْتُهُ فَسَبَقْتُهُ , فَسَكَتَ عَنِّي , حَتَّى إِذَا حَمَلْتُ اللَّحْمَ وَبَدُنْتُ وَنَسِيتُ , خَرَجْتُ مَعَهُ فِي بَعْضِ أَسْفَارِهِ , فَقَالَ لِلنَّاسِ (تَقَدَّمُوا) فَتَقَدَّمُوا , ثُمَّ قَالَ (تَعَالَيْ حَتَّى أُسَابِقَكِ) فَسَابَقْتُهُ فَسَبَقَنِي , فَجَعَلَ يَضْحَكُ وَهُوَ يَقُولُ (هَذِهِ بِتِلْكَ)،(رَوَاهُ أَحْمَدُ).

فَتَأَمَّلُوا _أَيُّهَا الإِخْوَةُ_ هَذِهِ الْمُعَامَلَةَ النَّبَوِّيَةَ وَهَذِهِ الأَخْلاقَ الْمُحَمَّدِيَّةِ مَعَ الزَّوْجَةِ , فَهلْ نَحْنُ بِهِ مُقْتَدُونَ ؟ وَهَلْ نَحْنُ لَهُ مُتَّبِعُونَ؟

(لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا)

فالإسلامُ دينٌ يَحترمُ الإنسان ويدعو لاحترامه وتكريمه وتقديره حتى في دعوته إلى دين الله تعالى لا يُكرِهُ أحداً في الدخول فيه..وقد أكثر الله في القرآن بيانَ ذلك الاحترام، وحثَّ عليه،ورغَّب فيه،والتحلي بزينته..

*الاحترام في الإسلام في المخاطبة مع الغير(وَقُولُواْ لِلنَّاسِ حُسْناً) وفيما بين المؤمنين أنفسهم(وَقُل لِّعِبَادِي يَقُولُواْ الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ)وفي دعوة الناس للإسلام حتى وهم كفار ملحدون،(ادْعُ إِلِى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ)وقال عز وجل(وَلَا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ)وقال تعالى لموسى وهارون -عليهما السلام مع فرعون وهو يدّعي الربوبية (فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَّيِّنًا لَّعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى) وفي الخصومة(ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ)، من هنا لابد أن نبين من هو الإنسان الذي كرمه الله، وأمر باحترامه، وعدم التعدي على حقوقه.

ثانيا:من هو الإنسان الذي أساس الأسرة؟:

١-الإنسان هو الكائن الوحيد الذي لا يندثر

من فوق الأرض إلى قيام الساعة، حيث أن الله استعمر الإنسان في الأرض،قال تعالى:

{أَمَّن یُجِیبُ ٱلۡمُضۡطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَیَكۡشِفُ ٱلسُّوۤءَ وَیَجۡعَلُكُمۡ خُلَفَاۤءَ ٱلۡأَرۡضِۗ أَءِلَـٰه مَّعَ ٱللَّهِۚ قَلِیلا مَّا تَذَكَّرُونَ }،[سُورَةُ النَّمۡلِ: ٦٢].

٢-الإنسان هو الكائن الوحيد الذي جعله الله خليفة في الأرض، قال تعالى:{ وَإِذۡ قَالَ رَبُّكَ لِلۡمَلَـٰۤىِٕكَةِ إِنِّی جَاعِل فِی ٱلۡأَرۡضِ خَلِیفَةࣰۖ قَالُوۤا۟ أَتَجۡعَلُ فِیهَا مَن یُفۡسِدُ فِیهَا وَیَسۡفِكُ ٱلدِّمَاۤءَ وَنَحۡنُ نُسَبِّحُ بِحَمۡدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَۖ قَالَ إِنِّیۤ أَعۡلَمُ مَا لَا تَعۡلَمُونَ }،[سُورَةُ البَقَرَةِ: ٣٠].

٣-الإنسان هو الكائن الوحيد الذي خلقه الله بيديه ونفخ الله فيه الروح، واسجد له ملائكته قال تعالى:{ قَالَ یَـٰۤإِبۡلِیسُ مَا مَنَعَكَ أَن تَسۡجُدَ لِمَا خَلَقۡتُ بِیَدَیَّۖ أَسۡتَكۡبَرۡتَ أَمۡ كُنتَ مِنَ ٱلۡعَالِینَ (٧٥) قَالَ أَنَا۠ خَیۡر مِّنۡهُ خَلَقۡتَنِی مِن نَّار وَخَلَقۡتَهُۥ مِن طِین)،(صٓ: ٧٥-٧٦).

٤-الإنسان هو الكائن الوحيد الذي سخر له أجناس ومكونات الوجود من شمس، وقمر ،ونجوم، وأفلاك ، ومحيطات وبحار وانهار، ونبات وشجر، وجبال، وحيوانات وغيرها، كل ذلك لأجل خدمة الإنسان، قال تعالى: { وَسَخَّرَ لَكُمُ ٱلشَّمۡسَ وَٱلۡقَمَرَ دَاۤىِٕبَیۡنِۖ وَسَخَّرَ لَكُمُ ٱلَّیۡلَ وَٱلنَّهَارَ (٣٣) وَءَاتَىٰكُم مِّن كُلِّ مَا سَأَلۡتُمُوهُۚ وَإِن تَعُدُّوا۟ نِعۡمَتَ ٱللَّهِ لَا تُحۡصُوهَاۤۗ إِنَّ ٱلۡإِنسَـٰنَ لَظَلُوم كَفَّار (٣٤) }[سُورَةُ إِبۡرَاهِيمَ: ٣٣-٣٤].

وقال تعالى:{ هُوَ ٱلَّذِیۤ أَنزَلَ مِنَ ٱلسَّمَاۤءِ مَاۤءࣰۖ لَّكُم مِّنۡهُ شَرَاب وَمِنۡهُ شَجَر فِیهِ تُسِیمُونَ (١٠) یُنۢبِتُ لَكُم بِهِ ٱلزَّرۡعَ وَٱلزَّیۡتُونَ وَٱلنَّخِیلَ وَٱلۡأَعۡنَـٰبَ وَمِن كُلِّ ٱلثَّمَرَ ٰتِۚ إِنَّ فِی ذَ ٰلِكَ لَـَٔایَة لِّقَوۡم یَتَفَكَّرُونَ (١١) وَسَخَّرَ لَكُمُ ٱلَّیۡلَ وَٱلنَّهَارَ وَٱلشَّمۡسَ وَٱلۡقَمَرَۖ وَٱلنُّجُومُ مُسَخَّرَ ٰتُۢ بِأَمۡرِهِۦۤۚ إِنَّ فِی ذَ ٰلِكَ لَـَٔایَـٰت لِّقَوۡم یَعۡقِلُونَ (١٢) وَمَا ذَرَأَ لَكُمۡ فِی ٱلۡأَرۡضِ مُخۡتَلِفًا أَلۡوَ ٰنُهُۥۤۚ إِنَّ فِی ذَ ٰلِكَ لَـَٔایَة لِّقَوۡم یَذَّكَّرُونَ (١٣) وَهُوَ ٱلَّذِی سَخَّرَ ٱلۡبَحۡرَ لِتَأۡكُلُوا۟ مِنۡهُ لَحۡما طَرِیّا وَتَسۡتَخۡرِجُوا۟ مِنۡهُ حِلۡیَة تَلۡبَسُونَهَاۖ وَتَرَى ٱلۡفُلۡكَ مَوَاخِرَ فِیهِ وَلِتَبۡتَغُوا۟ مِن فَضۡلِهِۦ وَلَعَلَّكُمۡ تَشۡكُرُونَ (١٤) }

[سُورَةُ النَّحۡلِ: ١٠-١٤]

كل ذلك سخره الله لخدمة الإنسان، وهذا من أعظم التكريم والتفضيل للإنسان.

٥-الإنسان هو الكائن الوحيد الذي ارسل الله له الأنبياء والرسل، ليخرجوهم من الظلمات إلى النور، ومن عالم الظلم إلى عالم العدل، ومن عالم الكفر والشرك والطغيان إلى عالم الإسلام والإيمان، قال تعالى :

{ وَمَاۤ أَرۡسَلۡنَا مِن رَّسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوۡمِهِۦ لِیُبَیِّنَ لَهُمۡۖ فَیُضِلُّ ٱللَّهُ مَن یَشَاۤءُ وَیَهۡدِی مَن یَشَاۤءُۚ وَهُوَ ٱلۡعَزِیزُ ٱلۡحَكِیمُ }،[ إِبۡرَاهِيمَ. ٤].

وقال تعالى:{ وَمَاۤ أَرۡسَلۡنَا مِن قَبۡلِكَ إِلَّا رِجَالا نُّوحِیۤ إِلَیۡهِمۡۖ فَسۡـَٔلُوۤا۟ أَهۡلَ ٱلذِّكۡرِ إِن كُنتُمۡ لَا تَعۡلَمُونَ (٤٣) بِٱلۡبَیِّنَـٰتِ وَٱلزُّبُرِۗ وَأَنزَلۡنَاۤ إِلَیۡكَ ٱلذِّكۡرَ لِتُبَیِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَیۡهِمۡ وَلَعَلَّهُمۡ یَتَفَكَّرُونَ (٤٤) }،[سُورَةُ النَّحۡلِ: ٤٣-٤٤].

٦-الإنسان هو الكائن الوحيد الذي ميزه الله بالعقل والتفكير والفهم عن جميع المخلوقات، وجاءت الآيات القرآنية تخاطب العقل، حتى يصل إلى الفهم الصحيح لحقائق ومفاهيم الشرع الحنيف والدين القويم، حتى الرسل ايقظت عقول البشرية لتصل لرب السماء والأرض.

وهناك الآيات القرآنية التي تخاطب العقل الإنسانى للتأمل في خلق السماوات والأرض لتصل إلى الصانع والمبدع والمتقن وهو الله عز وجل. أفلا يتدبرون القرآن ام.....

ويقول: وفي انفسكم

٧ -الإنسان هو الكائن الوحيد الذي خاطبه الله بالتقوى في جميع آياته القرآنية، وربما سائل يسأل ويقول أن ربنا خاطب الجن الإنس بالعبودية، قال تعالى: { وَمَا خَلَقۡتُ ٱلۡجِنَّ وَٱلۡإِنسَ إِلَّا لِیَعۡبُدُونِ (٥٦) مَاۤ أُرِیدُ مِنۡهُم مِّن رِّزۡق وَمَاۤ أُرِیدُ أَن یُطۡعِمُونِ (٥٧) إِنَّ ٱللَّهَ هُوَ ٱلرَّزَّاقُ ذُو ٱلۡقُوَّةِ ٱلۡمَتِینُ (٥٨) }[الذَّارِيَاتِ].

*فالإنسانُ بطبيعته وفطرته مخلوقٌ محترم يُحبُّ الاحترام ويجب أن يُحترمَ ولا يرضى الإهانة ويأباها مهما كانت..

ثالثا:المودةوالرحمةأساس استقرار الأسرة:

لقد أسس الله الزواج على قاعدتين اساسيتين تسميان:مودة ورحمة،(ومن آياته أن خلق لكم من أنفسكم ازواجا لتسكنوا إليها وجعل بينكم مودة ورحمة).

فالزواج آية، ومعنى آية: يعني معجزة، والمعجزة أمر خارق للعقل البشري، واى معجزة في الزواج؟، المعجزة في الخلق

حيث أن الله خلق الإنسان من تراب

خلق الإنسان من ماء

خلق الإنسان من طين

خلق الإنسان من صلصال كالفخار

وهذه العناصر تحققت في سيدنا آدم- عليه

السلام- ثم خلق له زوجته من ضلعه الأيسر

القريب من القلب، ثم تناسلت منهما الذرية،

فخلق الإنسان من نطفة، ثم من علقة، ثم من مضغة، ثم من عظام، ثم كسا العظام لحما بقدرته، فكل هذا كان معجزة، وإذا كان الإنسان معجزة، فالمعجزة لابد أن تكرم وتحترم لأجل الخالق الذي خلقها وانشأها،

ولذلك ربنا قال: ولقد كرمنا.......

فالزواج آية من آيات الله -عز وجل-.

بل الزواج سكن، ومعنى سكن فهو من السكينة والطمأنينة، والله جعل الزوجة هي

السكن "لتسكنوا إليها"، لم يقل لتدخلوا بها أو عليها، لم يقل لتتزوجوها، إنما قال: "لتسكنوا إليها"، ليقول لك أن الزوجة سكن

والسكن يحتاج إلى تأسيس، ويحتاج إلى اختيار ،ويحتاج إلى إهتمام، ويحتاج إلى

إصلاح، ويحتاج إلى رعاية بجميع مقوماته،

وأنت الساكن، والساكن إن لم يجد الراحة النفسية والعاطفية والطمأنينة القلبية، فلا

يستطيع أن يسكن فيه.

وجعل بينكم مودة ورحمة، فالله أسس هذا

السكن على قاعدتين اساسيتين تسميان

(مودة ورحمة )

فالأسرة هي أساس المجتمع، وهي الحضن الذي يتخرج فيه العظماء والمستقيمون،

وهي رابطة اجتماعية تتكون من زوج وزوجة وأولادهما، وتشمل الجدود والأحفاد، وبعض الأقارب، على أن يكونوا في معيشة واحدة، يعيشون في بيئة واحدة

إن بناء الأسرة خير وسيلة لتهذيب النفوس وتنمية الفضائل التي تؤدي إلى قيام الحياة على التعاطف والتراحم والإيثار؛ حيث يتعوَّد أفرادها على تحمُّل المسؤوليات، والتعاون في أداء الواجبات، ومن خلال تحقيق هذه الأهداف الكبرى، يمكن أن تحقق هناك أهداف أخرى في ظلال الأسرة؛ مثل: إقامة شرع الله، وتحقيق مرضاته؛ لأن البيت المسلم ينبني على تحقيق العبودية لله تعالى.

كما أن الأسرة تحقق حفظ النوع الإنساني بإنجاب النسل، ثم تتحمل المسؤولية بتربيتهم وتوجيههم، بما يُسهم في بناء شخصيتهم السوية؛ لأن الإسلام جعل الأسرة هي الحضن الطبيعي الذي يقوم على رعاية الطفل، واعتبر كل انحراف يصيب الناشئة مصدره الأول الأبوان؛ لأنه يولد صافي السريرة، سليم الفطرة؛ قال عليه الصلاة والسلام:(ما من مولود إلا يُولد على الفطرة، فأبواه يُهوِّدانه أو يُنصِّرانه أو يُمجِّسانه، كما تُنتج البهيمةُ بهيمةً جمعاءَ، هل تحسون فيها من جدعاء؟!).

فالأسرة هي البيئة الأولى التي ينشأ فيها الأطفال الصالحون، كما أنها المجال الفريد لغرس عواطف حب الله ورسوله، وحب المسلمين، الذي تزول معه كل عوامل الشحناء والصراعات المختلفة، فيخرجون إلى الحياة رجالًا عاملين نافعين، يكونون لَبِناتٍ صالحة للمجتمع.

إنّ الحياة الزوجية هي انسجام وتكامل.. وهذا الانسجام يكون في جوّ من المودة والرحمة، أي في مناخ صحّي يؤمن الحياة الهادئة المستقرة للأُسرة. والمودة والرحمة عنصران أساسيان للتفاهم فيما بين الزوجين، ذلك أنّ الحياة اليومية لا تخلوا من مشاكل كبيرة أو صغيرة، ولا تخلوا من منغِّصات. ومن هنا وضع الفكر الإسلامي قاعدة أساسية للتفاهم والتعامل بين الزوجين، وهي المودة والرحمة، والمودة تعني المحبة والألفة وصفاء السريرة والتفاهم بالتي هي أحسن، فإذا توفّرت هذه العناصر الخيِّرة التي تجمعها كلمة المودة، فإنّ العلاقة الزوجية تكون سعادة وهناء. فالإسلام يريد للزواج أن يكون سكناً للإنسان وليس حالة من الاضطراب والقلق، يقول تعالى: ﴿وَمِنْ آَيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجاً لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ (الروم/ 21)

إذن الزوجة هي السكن، والزوج يسكن لدى الزوجة. الزوج هو ساكن وليس صاحب السكن حتى وإن كان يمتلكه، السكن شيء أبعد وأعمق من هذا. فالسكن هو سكينة النفس وطمأنينتها واستقرارها؛ السكن هو الحماية والأمن والسلام والراحة والظل والارتواء والشبع والسرور، السكن قيمة معنوية وليس قيمة مادية. ولأنّ السكن قيمة معنوية فإنّ الزوج يجب أن يدفع فيه أشياء معنوية، وهو أن يتبادل المودة والرحمة مع الزوجة. فهذا السكن يُقام على المودة والرحمة؛ فالمودة والرحمة هما الأساس والهيكل والمحتوى، وبغياب المودة والرحمة ينهار السكن. وجاء السكن سابقاً على المودة والرحمة، إذ لابدّ للإنسان أن يسكن أوّلاً،

والكلمات الربانية البليغة تقول: (وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ)، أي أنّ الله هو الذي جعل؛ أي لابدّ أن يكون. فطالما أنّه زواج فلابدّ أن يستمر على المودة والرحمة، هذا ضمان من الله لكلِّ مَن أراد الزواج، فإذا أردت أن تسكن فلابدّ أن تتزوج. وإذا تزوجت فلابدّ أن تنعم بالمودة والرحمة. وبالتالي تصبح الزوجة هي أصل المودة وهي أصل الرحمة؛ لأنّها التي وفرّت السكن، فلا دعامة لهذا السكن إلّا بالمودة والرحمة. ووفق منهج القرآن وشريعته ومفاهيمه التي تحدَّثت عن الزوجية والزواج وبناء الأسرة، فإنّ القرآن يعتبر الأسرة هي وحدة البناء الأساسية في هيكلية المجتمع وبنائه،

وفي حال انهيارها سينهار المجتمع، وتعم

الفوضى، وتنشأ الخلافات الزوجية والأسرية

وتضطرب الحياة وبذلك سينهار السكن،

فتختفي المودة وتنعدم الرحمة.

وقد دعا القرآن الكريم والرسول العظيم محمّد -صلى الله عليه وآله وسلم- إلى الزواج وتأسيس وبناء الأسرة، وشرَّعت الرسالة الإسلامية القوانين والأحكام وقيم الأخلاق لتنظيم الأسرة وبنائها والحفاظ على سلامتها على أساس ميثاق وعهد شرعي مقدس: ﴿وَإِنْ أَرَدْتُمُ اسْتِبْدَالَ زَوْجٍ مَكَانَ زَوْجٍ وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنْطَارًا فَلا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئًا أَتَأْخُذُونَهُ بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا * وَكَيْفَ تَأْخُذُونَهُ وَقَدْ أَفْضَى بَعْضُكُمْ إِلَى بَعْضٍ وَأَخَذْنَ مِنْكُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا﴾ (النِّساء/ 20-21).

وبهذا يوجب القرآن أن تكون أجواء الأسرة والحياة فيها ما تقّر به الأعيُن، وما يحقق الود والسعادة والراحة النفسية، وإنّ أفضل صيغ التعامل مع الزوجة وتثبيت حقوقها هو قوله تعالى: ﴿وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ (النِّساء/ 19)، ﴿وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ﴾ (البقرة/ 228). وبالمقابل فقد ثبّت القرآن حقوق الزوج على زوجته بالعدل والإحسان، ومن هذا المنطلق أوجب الإسلام العناية بالأبناء والرعاية المادّية والنفسية والعاطفية لهم، من الإنفاق المادي المتيسر، ومن الحبّ والاحترام والرعاية العاطفية، والتربية الصالحة والتعليم وغيره.

رابعًا:امرأة تقوم باستقرار وبناء الأسرة:

 

من هذه المرأة التي استطاعت أن تقوم

باستقرار وبناء الأسرة؟.

هي امرأة صاحبة فضل ممتد على سائر المسلمين من الرجال والنساء، حيث أراد الله سبحانه وتعالى أن تكون سببا في حكم شرعي مهم للغاية لكل النساء، كما هو مهم للرجال الذين يتسرعون وتصدر عنهم أقوال يحرمها الشرع لما تحمل من ظلم للمرأة .لقد سمعها السميع البصير بكل عباده وهي تشكو حالها إلى النبي الكريم ، بعد أن تقدم بها العمر وتولى عنها قطار الشباب وقد كانت طوال حياتها مثالاً للزوجة الوفية المخلصة، ترعى شؤون بيتها وتؤدي واجبها تجاه زوجها وتبذل قصارى جهدها من أجل تربية أبنائها، وبعد هذا كله ينتهي الحال بها إلى تحريمها على زوجها في لحظة غضب وبكلمات غير مسؤولة .

إنها خولة بنت ثعلبة التي تزوجت من ابن عمها أوس بن الصامت، فكانت له نعم الزوجة، وكانت ككل الصحابيات الكريمات نموذجا للزوجة المسلمة المؤمنة البارة بزوجها، وكانت تحسن إليه وتحنو عليه وتجود عليه بالكثير من مالها ولا تدخر وسعا في إسعاده وإدخال السرور عليه ولا تقصر في حقه عليها، وكانت تحبه وتطيعه في غير معصية الله عز وجل على ما فيه من شدة في معاملتها في كثير من الأحيان. وقد كان لهذه الصحابية الجليلة شأن عظيم عند الله عز وجل وعند رسوله وعند أصحابه المقربين رضي الله عنهم أجمعين .

*ما قصة هذه المرأة المجادلة؟

خلاف شديد هز أركان البيت ولم يمر كأي خلاف آخر يحدث بين زوجين، فقد تمسك كل منهما برأيه، وعلا صوتهما وكاد الزوج يضرب زوجته، فقد انفعل الزوج وفقد السيطرة على نفسه، عندما ناقشته زوجته في أمر من أمور الحياة، فغضب وثار ونطق بما كان يقال في الجاهلية: “أنت عليّ كظهر أمي”، وهو القسم الذي يعني تحريمها عليه فلا يلمسها ولا يقترب منها كزوجة. ومر الخلاف القاسي إلا أن الزوجة لم تمرر القسم الذي خرج في غمرة انفعاله، فرفضت أن يجامعها بعد ذلك، وقالت له: والله لقد تكلمت بكلام عظيم، ما أدرى مبلغه. وأشارت إلى أنه بذلك تحرم عليه وهو ما يعني فراقهما كزوجين.

فذهبت خولة بنفسها إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأخبرته بالذي حدث، فقال لها رسول الله صلى الله عليه وسلم: (ما أراك إلا قد حرمت عليه) !! فأخبرت رسول الله صلى الله عليه وسلم أن زوجها لم يرد بقوله ذلك طلاقًا ولا فراقًا، فأجابها رسول الله ثانية: (ما أراك إلا قد حرمت عليه)، فلما سمعت جواب رسول الله التجأت إلى الله قائلة: اللهم إليك أشكو حالي وفقري.

ثم أخذت تحاور رسول الله لتقنعه أنها تحب زوجها، ولا تريد فراقه، وأنه يبادلها نفس المشاعر، فما كان من رسول الله إلا أن أجابها ثالثة: (ما أراك إلا قد حرمت عليه)؛ ومع هذا، فإنها لم تيأس من رحمة الله، ومن ثم أخذت من جديد تحاور رسول الله صلى الله عليه وسلم، عن طريق التركيز على الجانب العاطفي والإنساني، لعلها تقنعه بإيجاد مخرج للمأزق الذي هي فيه، فتقول له: فإني وحيدة، ليس لي أهل سواه...إن لي صبية صغارًا، إن ضممتهم إليه ضاعوا، وإن ضممتهم إلي جاعوا، فلا يجد لها رسول الله جوابًا إلا أن يقول لها: (لا أراك إلا قد حرمت)، فلما لم تجد لها جوابًا عند رسول الله، التجأت إلى الله قائلة: اللهم أنزل على لسان نبيك ما يقضي لي في أمري.

سورة المجادلة تنزل في المجادلة:

 

ثم قال النبي لخولة: “أراك قد حرمت عليه”، أو لعله قال: “ما أراك إلا وقد حرمت عليه”، فظلت خولة تراجعه مراراً، ثم قالت: اللهم إني أشكو إليك شدة وجدي وما شق علي من فراقه، اللهم أنزل على لسان نبيك ما يكون لنا فيه فرج، قالت عائشة رضي الله عنها: فلقد بكيت وبكى من كان معنا من أهل البيت وكان النبي في بيت عائشة، وجاء الوحي بالمدد من السماء، تقول خولة: فوالله ما برحت حتى نزل فيّ القرآن فتغشى رسول الله ما كان يتغشاه فقالت عائشة: يا خولة إنه لينزل عليه ما هو إلا فيك فقالت: اللهم خيراً فإني لم أبغ من نبيك إلا خيراً ثم سرى عنه فقال: “يا خولة قد أنزل الله فيك وفيه قرآناً” ثم قرأ عليّ:“قَدۡ سَمِعَ ٱللَّهُ قَوۡلَ ٱلَّتِی تُجَـٰدِلُكَ فِی زَوۡجِهَا وَتَشۡتَكِیۤ إِلَى ٱللَّهِ وَٱللَّهُ یَسۡمَعُ تَحَاوُرَكُمَاۤ إِنَّ ٱللَّهَ سَمِیعُۢ بَصِیرٌ ﴿١﴾ ٱلَّذِینَ یُظَـٰهِرُونَ مِنكُم مِّن نِّسَاۤىِٕهِم مَّا هُنَّ أُمَّهَـٰتِهِمۡۖ إِنۡ أُمَّهَـٰتُهُمۡ إِلَّا ٱلَّـٰۤـِٔی وَلَدۡنَهُمۡۚ وَإِنَّهُمۡ لَیَقُولُونَ مُنكَرا مِّنَ ٱلۡقَوۡلِ وَزُوراۚ وَإِنَّ ٱللَّهَ لَعَفُوٌّ غَفُور ﴿٢﴾ وَٱلَّذِینَ یُظَـٰهِرُونَ مِن نِّسَاۤىِٕهِمۡ ثُمَّ یَعُودُونَ لِمَا قَالُواْ فَتَحۡرِیرُ رَقَبَة مِّن قَبۡلِ أَن یَتَمَاۤسَّاۚ ذَ ٰلِكُمۡ تُوعَظُونَ بِهِۦۚ وَٱللَّهُ بِمَا تَعۡمَلُونَ خَبِیر ﴿٣﴾ فَمَن لَّمۡ یَجِدۡ فَصِیَامُ شَهۡرَیۡنِ مُتَتَابِعَیۡنِ مِن قَبۡلِ أَن یَتَمَاۤسَّاۖ فَمَن لَّمۡ یَسۡتَطِعۡ فَإِطۡعَامُ سِتِّینَ مِسۡكِیناۚ ذَ ٰلِكَ لِتُؤۡمِنُواْ بِٱللَّهِ وَرَسُولِهِۦۚ وَتِلۡكَ حُدُودُ ٱلـلَّـهِۗ وَلِلۡكَـٰفِرِینَ عَذَابٌ أَلِیمٌ” (المجادلة 1-4).

الزوجة التي تقابل “الظهار” بالرحمة:

 

لقد ضربت الصحابية الجليلة خولة رضي الله عنها من خلال قصتها مع زوجها القدوة والمثل في كيفية احترام الزوج، فهي تشكو من سوء معاملته معها، ومع ذلك كانت تحسن عشرته وتعطيه من مالها، ولا تقصر في حقه بأي صورة من الصور، وتطبق ما يأمرها به ما دام في غير معصية الخالق .فخولة رضي الله عنها التي أغضبها زوجها بكلمات “الظهار” والتي ذهبت لتشكو سلوكه القاسي وتجادل رسول الله وتناقشه بل وتشتكي أمرها إلى خالقها أبدت مشاعر العطف والرحمة بزوجها عندما طلب منها النبي أن تخبر زوجها بحدود رب العالمين وتطلب منه أن يعتق رقبة .

قالت: يا رسول الله ما عنده ما يعتق به رقبة فهو رجل فقير .

قال رسول الله : “فليصم شهرين متتابعين” .

قالت: يا رسول الله: إنه شيخ كبير لا طاقة له على الصوم .

قال رسول الله : “فليطعم ستين مسكيناً” .

قالت: يا رسول الله ما ذاك عنده .

قال رسول الله : “إنا سنعينك بعزق من تمر” .

قالت: يا رسول الله وأنا سأعينه بعزق آخر .

قال : “قد أصبت وأحسنت فاذهبي فتصدقي به عنه . ثم استوصي بابن عمك خيراً” .

قالت: قد فعلت .

وهكذا أنزل الله في خولة ولها ولكل نساء المسلمين قرآنا خالدا قضى على آفة كانت سائدة ومنتشرة في المجتمع العربي الجاهلي، وفي بدايات الإسلام الأولى وهي آفة الظهار، التي كانت وليدة تحكم الرجل في المرأة واستبداده بها وتعامله معها وكأنها من متاع البيت. وكانت هذه الآفة سببا في خراب البيوت، وفي ترمل النساء وأزواجهن على قيد الحياة، وفي ضياع الأبناء وآباؤهم يتمتعون بحياتهم ويقضون شهواتهم، وكان يكفي أن يقول الرجل لزوجته “أنت عليّ كظهر أمي” حتى تحرم عليه فلا يقربها مدى الحياة، ولا يكون أمامها سوى أن تعود إلى بيت أهلها، فاستطاعت خولة أن تقيم أركان

وبناء الأسرة التي أوشكت على الانهيار.

فهل نجد الآن في بيوت المسلمين امرأة

مثل خولة بنت ثعلبة، تحافظ على أركان

بيتها، وتقوم ببناء الأسرة المسلمة.

*إخوة الإسلام والإيمان، استغفروا الله، يغفر الله لي ولكم.

الخطبة الثانية:

خامسًا:أسباب عدم استقرار الأسرة:

 

فإن المشكلات الأسرية في بيوتنا أمر طبيعي جدًّا، ولا يوجد أسرة في هذا الكون لا تعاني من المشاكل الأسرية، والخلافات الزوجية، فلا يمكن العَيشُ ضمن حياة طبيعية وسعيدة فقط، بل يوجد بعض الاختلافات بين أفراد الأسرة، خاصة بين الزوجين، ويعود السبب في ذلك إلى أن كل فرد في هذا العالم يمتلك شخصيةً وطبعًا معينين، من الممكن ألَّا يتوافق مع الطرف الآخر في أمر ما؛ قال صلى الله عليه وسلم: ((استوصوا بالنساء خيرًا؛ فهُنَّ خُلِقْنَ من ضلع، وإن أعوج ما في الضلع أعلاه، فإن ذهبتَ تُقيمه كسرتَه، وإن تركتَه لم يزلْ أعوجَ؛ فاستوصوا بالنساء خيرًا))؛ [أخرجه البخاري].

*إخوة الإسلام والإيمان:

إن الخلافات الزوجية والأسرية تصبح زائدة عن حدِّها، إذا تم رفض الزوج للزوجة، أو العكس، أو القيام بالتعنيف والسلوكيات غير الأخلاقية، والصراخ المستمر، والجو المليء بالتوتر، وخاصة أمام الأولاد، فبعض الأُسَرِ تضع أطفالها في غرفة خاصة، ومن ثَمَّ يبدؤون بالمشاكل ظنًّا منهم أن الأطفال لن يسمعوهم أو يراقبوهم، ولكن يحدث العكس دائمًا، فالطفل يتأثر كونه رقيقًا جدًّا، ولا يدرك حقيقة الخلاف الموجود بين والديه، فيبدأ بالبكاء والتوتر والقلق، ويُصاب ببعض الاضطرابات إذا استمرت هذه المشاكل أمام عينيه، وللأسف فهذه المشاحنات تؤثر تأثيرًا سلبيًّا شديدًا على أكثر الأطفال، وقد يمتد هذا التأثير، ويستمر مع الطفل في حياته المستقبلية، ومن هذه الآثار:

* نوبات التوتر والقلق: فعندما ينشأ الأولاد في بيئة جدلية مُحَاطة بالمشاكل بين الأبوين، فإنه من الممكن أن يُصاب بحالة من الاضطراب العاطفي، وتبدأ العديد من الأسئلة بالتلاعب بعقل الطفل حول إذا ما كان والداه يحبَّانِه، أو إن كانا سينفصلان، وماذا سيكون مصيرهم؟

* تأخر الأداء المدرسي عند الأولاد: التوتر العاطفي الذي يُصاب به الأولاد، نتيجة المشاكل بين أبويهم، يجعلهم مُشَتَّتِي الانتباه؛ نتيجة تفكيرهم في تَبِعات المشاكل الموجودة بالمنزل.

* المشاكل النفسية: فعندما تكون النزاعات شائعةً في المنزل، سواء كان ذلك ما بين الزوجين، أو بين الأهل والأولاد، أو مزيجًا من النوعين، فكثيرًا ما يصاب الأطفال بالمشاكل النفسية.

فالأولاد الذين ينشؤون بين مشاكل الأبوين المتكررة، من المحتمل أن يتأثروا في مرحلة البلوغ، ويكونوا أكثر عُرْضَةً لخطر الاكتئاب، وتعاطي المخدِّرات والكحول، والقيام بالسلوكيات المعادية للمجتمع، مع مخاطر الفشل في العلاقات الشخصية والحياة المهنية، حتى بعد تخطِّي سِنِّ المراهقة.

*التعرف على رفقاء السوء: ففي حال استمر النزاع بين الأبوين فترة طويلة، قد يندفع الشاب أو الفتاة لمغادرة المنزل لأوقات طويلة، والتعرف على أصدقاء السوء.

*الفشل العاطفي: حيث يكون الشاب قد كوَّن فكرة خاطئة عن الزواج وعن الحب، وربما يكون رافضًا لفكرة الزواج تمامًا، وهذا سيؤثر على حياته العاطفية، ويُشْعِره بالنقص؛ بسبب العُقَدِ النفسية التي تشكَّلت لديه حول هذا الموضوع.

*الفشل الأسري: ففي حال تزوَّج الشاب أو الفتاة، فلن يكون لديه خبرة سابقة عن كيفية تشكيل وإنشاء عائلة سليمة وصحية، وخالية من المشاكل، وقد يمارس نفس التصرفات المغلوطة التي قد تعلمها من أهله في أسرته، ثم يقودها للدمار.

سادسًا:عناصر استقرار وسعادة الاسرة :

 

فالأسرة السعيدة هي الأسرة التي يكون بين أفرادها التعاون والحب والتفاهم، وهي التي تكون كالجسد الواحد، وهي نواة المجتمع، وهي التي تقوم بغرس الأخلاق والقيم في نفوس أطفالها، والأسرة السعيدة هي اللبنة الأساسية لبناء مجتمع متماسك وسليم يخلو من العقد النفسية والجرائم.

إنَّ خير البيوت ما عُمِّر بحُسْن العشرة والمحبة والأُلْفة، وإن حسن العشرة سبب للسعادة والرحمة، وراحة البال والصحة، والهناء والفرحة، ولكي نحقق السعادة في بيوتنا علينا بالتالي:

أولًا: اختيار الزوجة الصالحة والزوج الصالح، كما في حديث أبي هريرة -رضي الله عنه- عن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: «تُنكَح المرأة لأربعٍ: لمالها، ولحسبها، وجمالها، ولدينها، فاظفر بذات الدين ترِبَتْ يداك»؛ رواه البخاري، وقال صلى الله عليه وسلم للأسرة عندما يتقدم الخاطب لابنتهم: «إذا خطب إليكم من ترضون دينه وخُلُقه فزوِّجوه، إلا تفعلوا تكن فتنة في الأرض وفساد عريض»؛ رواه الترمذي.

زوجة تعلم زوجها طريق السعادة:

 

يذكر أن زوجاً قال لزوجته بغضب: لأشقينَّك. فقالت الزوجة في هدوء وإيمان وعزة: لا تستطيع أن تشقيني كما لا تستطيع أن تسعدني، فقال الزوج في غضب : وكيف لا أستطيع؟ فقالت الزوجة في ثقة: لو كانت السعادة في راتبك لقطعته عني، أو زينة من الذهب والفضة لحرمتني منها، ولكنها في شيء لا تملكه أنت ولا الناس أجمعون! فقال الزوج في دهشة: وما هو؟ فقالت الزوجة في يقين: إني أجد سعادتي في كتاب ربي وفي إيماني، وإيماني في قلبي، وقلبي لا يملكه إلا ربي.

فالسعادة التامة الكاملة هي في تحقيق العبودية لله، والنجاة من النار في الآخرة، ودخول الجنة، قال - تعالى-: ﴿ يَوْمَ يَأْتِ لَا تَكَلَّمُ نَفْسٌ إِلَّا بِإِذْنِهِ فَمِنْهُمْ شَقِيٌّ وَسَعِيدٌ * فَأَمَّا الَّذِينَ شَقُوا فَفِي النَّارِ لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ وَشَهِيقٌ * خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ * وَأَمَّا الَّذِينَ سُعِدُوا فَفِي الْجَنَّةِ خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ عَطَاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ ﴾ [هود: ١٠٥ - ١٠٨].

ثانيًا: المعاشرة بالمعروف؛ بالكلمة الطيبة والصحبة الجميلة، وكف الأذى، وحسن المعاملة؛ قال تعالى: ﴿ وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ ﴾ [النساء: 19]، ويقول سبحانه: ﴿ وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ ﴾ [البقرة: 228].

ثالثًا: الاحترام المتبادل بين الزوجين، فيجب على الزوجة احترام زوجها، حتى لا تهتزُّ صورته أمام أولاده، وكذلك الزوج يجب عليه احترام زوجته، ومعاملتها معاملة حسنة أمام الجميع، قال تعالى: ﴿ وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ ﴾ [الروم: 21]، فالمودةُ والرحمةُ هما المعنى الحقيقي للاحترام المتبادل بين الزوجين.

رابعًا: الاهتمام بالعلاقة الحميمية بين الزوجين؛ لأن إهمالها يؤدي إلى الكدر والتعاسة والاضطراب النفسي، عن جابر بن عبدالله قال: «تزوَّجت امرأة فأتيت النبي -صلى الله عليه وسلم- فقال: أتزوَّجت يا جابر؟ فقلت: نعم فقال: بكرًا أم ثيبًا؟ قلت: لا بل ثيبًا، فقال: هلا جارية تلاعِبُها وتلاعِبُك؟!».

خامسًا: يا عباد الله، الحرص على تعليم الأسرة حُبَّ الخير وأحكام الشرع؛ من الصلاة والصدقة وصلة الرحم والعمل الصالح؛ قال تعالى: ﴿ يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلَائِكَةٌ غِلَاظٌ شِدَادٌ لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ ﴾ [التحريم: 6].

سادسًا: التغافل عن الأخطاء، والمقابلة بالحلم والتسامح والعفو، يقول الحسن البصري رحمه الله: (ما زال التغافل من فعل الكِرام)، ويقول الإمام أحمد رحمه الله: (تسعة أعشار حسن الخلق في التغافل).

الدعاء:

 

 

google-playkhamsatmostaqltradent