recent
أخبار عاجلة

خطبة الجمعة ادْخُلُوا مِصْرَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ د. مُحَمَّدُ حَرْزٍ

ادْخُلُوا مِصْرَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ   



  مِصْرُ بَلَدُ الْعَجَائِبِ وَالْبَرَكَاتِ.

 مِصْرُ بَلَدُ الْأَمْنِ وَالْأَمَانِ.

  سَبُّ الدِّينِ كُفْرٌ، وَالْعِيَاذُ بِاللَّهِ!!

الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي مَنَّ عَلَيْنَا بِوَطَنٍ مِنْ خَيْرَةِ الأَوْطَانِ، وَنَشَرَ عَلَيْنَا فِيهِ مَظَلَّةَ الأَمَانِ وَالِاسْتِقْرَارِ، الحَمْدُ لِلَّهِ القَائِلِ فِي مُحْكَمِ التَّنزِيلِ ﴿ادْخُلُوا مِصْرَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ﴾ يُوسف: 99، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَلِيُّ الصَّالِحِينَ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ وَصَفِيُّهُ مِنْ خَلْقِهِ وَخَلِيلُهُ، القَائِلُ (عَيْنَانِ لَا تَمَسُّهُمَا النَّارُ: عَيْنٌ بَكَتْ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ، وَعَيْنٌ بَاتَتْ تَحْرُسُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ) رَوَاهُ التَّرمِذِيُّ، فَاللّهُمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ عَلَى مِسْكِ الختَامِ، وَخَيْرِ مَنْ صَلَّى وَصَامَ، وَتَابَ وَأَنَابَ، وَوَقَفَ بِالْمَشْعَرِ، وَطَافَ بِالْبَيْتِ الحَرَامِ، وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ الْأَعْلَامِ، مَصَابِيحِ الظُّلْمَةِ، خَيْرِ هَذِهِ الأُمَّةِ عَلَى الدَّوَامِ، وَعَلَى التَّابِعِينَ لَهُمْ بِإِحْسَانٍ وَالتِزَامٍ. أمَّا بَعْدُ: فَأَوْصِيَكُمْ وَنَفْسِي أَيُّهَا الْأَخْيَارُ بِتَقْوَى الْعَزِيزِ الْغَفَّارِ {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تَقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ(

 عَبادَ اللهِ: (﴿ادْخُلُوا مِصْرَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِين﴾ عُنْوانُ وَزَارَتِنَا وَعُنْوانُ خُطْبَتِنَا.

 

أَيُّهَا السَّادَةُ: مَا أَحْوَجَنَا فِي هَذِهِ الدَّقَائِقِ المَعْدُودَةِ إِلَى أَنْ يَكُونَ حَدِيثُنَا عَنْ ﴿ادْخُلُوا مِصْرَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِين﴾ ، وَخَاصَّةً وَكُلُّنَا بِلَا استثنَاءِ خَلْف قَادَتِنَا فِي الدِّفاعِ عَنْ وَطَنِنَا مِصْرَ الغَالِيَةِ وَلَوْ فُرِضَ عَلَيْنَا القِتَالُ مَا تَأَخَّرَ وَاحِدٌ مِنَّا، خَاصَّةً فِي تِلْكُم الأَزَمَاتِ الَّتِي يَمُرُّ بِهَا العَالَمُ وَنَحْنُ نَرَى وَنُشَاهِدُ مَا يُحَاكُ لِوَطَنِنَا ((لِمِصْرِنَا الغَالِيَةِ ))مِنَ الدَّاخِلِ وَالخَارِجِ مِمَّن يُرِيدُونَ النَّيْلَ مِنْهَا وَمِنْ أَمْنِهَا وَاسْتِقْرَارِهَا؛ لِتَعُمَّ الفَوْضَى وَالخَرَابُ وَالهَلاَكُ وَالدُّمَارُ، وَلَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ. وَخَاصَّةً وَمِصْرُنَا الغَالِيَةُ المُحْرُوسَةُ بِعِنَايَةِ اللَّهِ وَتَوْفِيقِهِ، نَحْتَفِلُ فِي هَذِهِ الْأَيَّامِ بِذِكْرَى ثَوْرَةِ الثَّلَاثِينَ مِنْ يُونْيُو، الَّتِي تُمَثِّلُ مَحَطَّةً وَطَنِيَّةً بَارِزَةً فِي تَارِيخِ مِصْرَ، وَتُجَسِّدُ إِرَادَةَ الشَّعْبِ فِي صَوْنِ وَطَنِهِ وَرَسْمِ مُسْتَقْبَلِهِ. حَفِظَ اللَّهُ مِصْرَ، وَأَدَامَ عَلَيْهَا نِعْمَةَ الْأَمْنِ وَالِاسْتِقْرَارِ وَالرَّخَاءِ، وَلِلَّهِ الْفَضْلُ وَالْمِنَّةُ.. وَخَاصَّةً وَمِنْ أَوْلَى الواجِبَاتِ وَالْحُقُوقِ فِي هَذِهِ الأَيَّامِ: إدرَاكُ قِيمَةِ الوَطَنِ وَالشُّعُورُ بِمَكانَتِهِ، خَاصَّةً فِي ظِلِّ الظُّرُوفِ وَالتَّحَدِّيَاتِ الَّتِي تَمُرُّ بِهَا مَنْطِقَتُنَا العَرَبِيَّةُ وَخَاصَّةً مِصْرُ الْغَالِيَةُ، لِذَا يَجِبُ عَلَيْنَا أَنْ نَنْشُرَ ثَقَافَةَ الوَلاءِ وَالعَطَاءِ وَالفِدَاءِ بَيْنَ الشَّبَابِ مِنْ خِلَالِ الْمَنَاهِجِ الدِّرَاسِيَّةِ، وَالنَّدَوَاتِ وَالْبَرَامِجِ الإِعْلَامِيَّةِ، فَالْوَطَنُ هُوَ السَّفِينَةُ الَّتِي يَجِبُ عَلَى الْجَمِيعِ الْحِفَاظَ عَلَيْهَا حَتَّى تَنجُوَ وَنَنْجُوا مَعَهَا. فَإِذَا هَلَكَتِ السَّفِينَةُ هَلَكَ الْجَمِيعُ وَإِذَا نَجَتِ السَّفِينَةُ نَجَا الْجَمِيعُ، وَخَاصَّةً وَوَطَنُنَا فِي حَاجَةٍ إِلَى سَـوَاعِدِ الْجَمِيعِ فِي الْبِنَاءِ وَالِاسْتِقْرَارِ وَالتَّنْمِيَةِ وَالتَّقَدُّمِ وَالرَّقِيِّ وَالْازْدِهَارِ كُلٌّ فِي مَجَالِهِ وَتَخَصُّصِهِ، وَخَاصَّةً وَالْحَدِيثُ عَنْ الْأَوْطَانِ شَيِّقٌ وَمُمْتِعٌ وَجَمِيلٌ وَسَأَلُوا مَنْ تَغَرَّبَ فِي بِلَادِ الْغُرْبَةِ عَنْ اشْتِيَاقِهِ وَحُبِّهِ لِوَطَنِهِ.

مِصْرُ الكِنَانَةُ مَا هَانَتْ عَلَى أَحَدٍ *** اللّهُ يَحْرُسُهَا عَطْفًا وَيَرْعَاهَا

نَدْعُوكَ يَا رَبِّ أَنْ تَحْمِي مَرَابِعَهَا *** فَالشَّمْسُ عَيْنٌ لَهَا وَالَّليلُ نَجْوَاهَا

  أوَّلًا:  مِصْرُ بَلَدُ الْعَجَائِبِ وَالْبَرَكَاتِ.

أَيُّهَا السَّادَةُ : حَبَا اللَّهُ جَلَّ وَعَلَا مِصْرَنَا الْغَالِيَةَ بِكَثِيرٍ مِنَ النِّعَمِ وَالْخَيْرَاتِ وَ الْعَجَائِبِ وَالْبَرَكَاتِ ، فَهِيَ أَرْضٌ مُبَارَكَةٌ، ذَاتُ تَارِيخٍ عَرِيقٍ، وَحَضَارَةٍ ضَارِبَةٍ فِي الْقِدَمِ، وَقَدْ ذَكَرَهَا اللَّهُ تَعَالَى فِي الْقُرْآنِ الْكَرِيمِ، وَذَكَرَهَا النَّبِيُّ الْأَمِينُ فِي سُنَّتِهِ الشَّرِيفَةِ الْمُطَهَّرَةِ، وَأَوْصَى بِأَهْلِهَا خَيْرًا، فَقَالَ : «إِنَّكُمْ سَتَفْتَحُونَ مِصْرَ، وَهِيَ أَرْضٌ يُسَمَّى فِيهَا الْقِيرَاطُ، فَإِذَا فَتَحْتُمُوهَا فَأَحْسِنُوا إِلَى أَهْلِهَا؛ فَإِنَّ لَهُمْ ذِمَّةً وَرَحِمًا». رواه صحيح مسلم)) ،وَجَعَلَهَا مَوْطِنًا لِعَدَدٍ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ وَالصَّالِحِينَ.

فَأَرْضُ سِينَاءَ جُزْءٌ مِنْ أَرْضِ مِصْرَ الْغَالِيَةِ، وَلَهَا مَكَانَةٌ عَظِيمَةٌ وَمُمَيَّزَةٌ فِي الْقُرْآنِ الْكَرِيمِ، حَيْثُ وَصَفَهَا اللَّهُ جَلَّ وَعَلَا فِي قُرْآنِهِ بِأَوْصَافٍ عَدِيدَةٍ وَكَثِيرَةٍ تَدُلُّ عَلَى فَضْلِهَا وَمَكَانَتِهَا: فَهِيَ الْبُقْعَةُ الْمُبَارَكَةُ، قَالَ جَلَّ وَعَلَا فِي قِصَّةِ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ: (فَلَمَّا أَتَاهَا نُودِي مِنْ شَاطِئِ الْوَادِي الأَيْمَنِ فِي الْبُقْعَةِ الْمُبَارَكَةِ مِنَ الشَّجَرَةِ) [القصص: 30]. وَوَصَفَهَا اللَّهُ جَلَّ وَعَلَا بِالأَرْضِ الْمُقَدَّسَةِ، قَالَ جَلَّ وَعَلَا: (فَلَمَّا أَتَاهَا نُودِي يَا مُوسَى * إِنِّي أَنَا رَبُّكَ فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ إِنَّكَ بِالْوَادِ الْمُقَدَّسِ طُوًى * وَأَنَا اخْتَرْتُكَ فَاسْتَمِعْ لِمَا يُوحَى * إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدْنِي وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي) [طه: 11-14].) وَسِينَاءُ أَرْضٌ أَقْسَمَ اللَّهُ بِهَا فِي الْقُرْآنِ، فَقَالَ جَلَّ وَعَلَا: ﴿وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ * وَطُورِ سِينِينَ * وَهَذَا الْبَلَدِ الأَمِينِ﴾ [التين: 1-3]. وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ أَيْ: الْمَسْجِدُ الأَقْصَى، وَطُورِ سِينِينَ أَيْ: جَبَلُ الطُّورِ بِسِينَاءَ، وَهَذَا الْبَلَدِ الأَمِينِ أَيْ: مَكَّةُ الْمُكَرَّمَةُ. وَرَبَطَ اللَّهُ جَلَّ وَعَلَا بَيْنَ جَبَلِ الطُّورِ وَالْكَعْبَةِ فِي قُرْآنِهِ: (وَالطُّورِ * وَكِتَابٍ مَسْطُورٍ * فِي رَقٍّ مَنْشُورٍ * وَالْبَيْتِ الْمَعْمُورِ) [الطور: 1-4]، وَالطُّورُ جَاءَ قَبْلَ الْكَعْبَةِ، وَيُشِيرُ إِلَى أَنَّ الطُّورَ شَهِدَ نُزُولَ التَّوْرَاةِ لِلنَّبِيِّ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ، وَبَعْدَ ذَلِكَ شَهِدَتْ مَكَّةُ نُزُولَ الْقُرْآنِ الْكَرِيمِ عَلَى قَلْبِ النَّبِيِّ .

وَفِيهَا شَجَرَةٌ مُبَارَكَةٌ تَحَدَّثَ عَنْهَا الْقُرْآنُ: ﴿وَشَجَرَةً تَخْرُجُ مِنْ طُورِ سَيْنَاءَ تَنْبُتُ بِالدُّهْنِ وَصِبْغٍ لِلْآكِلِينَ﴾. وَأَرْضُ مِصرَ وَطِئَهَا الأَنْبِيَاءُ وَالْمُرْسَلُونَ وَالصَّحَابَةُ وَالصَّالِحُونَ وَالأَخْيَارُ وَالأَبْرَارُ، فَهَذَا هُوَ أَبُو الأَنْبِيَاءِ إِبْرَاهِيمُ عَلَيْهِ السَّلَامُ وَطِئَ أَرْضَهَا الْمُبَارَكَةَ، وَتَزَوَّجَ هَاجَرَ الْمِصْرِيَّةَ أُمَّ إِسْمَاعِيلَ عَلَيْهِ وَعَلَى نَبِيِّنَا أَفْضَلُ الصَّلَاةِ وَالسَّلَامِ، وَنَزَلَ عَلَيْهِ الْوَحْيُ، وَرَفَعَ لِوَاءَ التَّوْحِيدِ فِي مُوَاجَهَةِ الشِّرْكِ وَعِبَادَةِ الأَصْنَامِ. كَمَا وَطِئَ أَرْضَهَا كُلٌّ مِنْ يُوسُفَ الصِّدِّيقِ وَأَبِيهِ النَّبِيِّ يَعْقُوبَ عَلَيْهِمَا السَّلَامُ وَإِخْوَتِهِ أَسْبَاطِ بَنِي إِسْرَائِيلَ، حَيْثُ كَانَ فِي هَذِهِ الْمِنْطِقَةِ عُبُورُهُمْ وَذَهَابُهُمْ وَمَجِيئُهُمْ وَرَوَاحُهُمْ، حَيْثُ تَمَّ لِقَاءُ سَيِّدِنَا يُوسُفَ بِأَبِيهِ سَيِّدِنَا يَعْقُوبَ، فَعَلَى أَرْضِهَا الْتَأَمَ شَمْلُهُمَا وَالْتَقَيَا بَعْدَ سَنَوَاتٍ مِنَ الْعَذَابِ وَالْغُرْبَةِ وَالْحِرْمَانِ.

وَعَلَى أَرْضِ الْعَرِيشِ فُصِلَتِ الْعِيرُ، وَمِنْ أَرْضِهَا انْطَلَقَتْ رَائِحَةُ قَمِيصِ يُوسُفَ حَتَّى وَصَلَتْ إِلَى فِلَسْطِينَ لِيَشُمَّهَا يَعْقُوبُ عَلَيْهِ السَّلَامُ وَيَقُولُ قَوْلَتَهُ الْمَأْثُورَةَ: إِنِّي لَأَجِدُ رِيحَ يُوسُفَ، وَهَذَا مَا جَاءَ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: (وَلَمَّا فَصَلَتِ الْعِيرُ قَالَ أَبُوهُمْ إِنِّي لَأَجِدُ رِيحَ يُوسُفَ لَوْلَا أَنْ تُفَنِّدُونِ) [يوسف]. وَتَنَزَّلَ الْوَحْيُ عَلَيْهِ عَلَى أَرْضِ مِصْرَ، وَقَدْ قِيلَ: إِنَّ دُخُولَهُمْ كَانَ عَنْ طَرِيقِ سِينَاءَ، وَمَا جَاءَ عَلَى لِسَانِ سَيِّدِنَا يُوسُفَ (عَلَيْهِ السَّلَامُ): {ادْخُلُوا مِصْرَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ} [يوسف: 99] كَانَ هَذَا مِنْ خِلَالِ سِينَاءَ. وَعَلَى أَرْضِهَا دَارَتْ قِصَّةُ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ فِي أَغْلَبِ أَحْدَاثِهَا، فَعِنْدَمَا عَادَ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ إِلَى سِينَاءَ قَاصِدًا مِصْرَ، وَلَكِنَّهُ ضَلَّ الطَّرِيقَ، كَانَ لِقَاؤُهُ مَعَ رَبِّهِ عَلَى جَبَلِ مُوسَى فِي مِنْطِقَةِ الطُّورِ، حَيْثُ أَمَرَهُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ أَنْ يَتَلَقَّى رِسَالَتَهُ لِلْإِنْسَانِيَّةِ فِي تِلْكَ الأَرْضِ الَّتِي بَارَكَهَا اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ، حَيْثُ تَجَلَّتِ الْقُدْرَةُ الإِلَهِيَّةُ، وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى عَلَى أَرْضِهَا مُبَاشَرَةً بِلَا وَحْيٍ، وَتَجَلَّى رَبُّنَا عَلَى الْجَبَلِ تَجَلِّيًا يَلِيقُ بِكَمَالِهِ وَذَاتِهِ جَلَّ جَلَالُهُ. وَصَوَّرَ لَنَا الْقُرْآنُ هَذِهِ الأَحْدَاثَ فِي أَكْثَرَ مِنْ مَوْضِعٍ وَسُورَةٍ، فَقَالَ جَلَّ وَعَلَا عَنْ أَوَّلِ حِوَارٍ بَيْنَ رَبِّ الْعِزَّةِ وَمُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ: (فَلَمَّا قَضَى مُوسَى الأَجَلَ وَسَارَ بِأَهْلِهِ آنَسَ مِنْ جَانِبِ الطُّورِ نَارًا قَالَ لِأَهْلِهِ امْكُثُوا إِنِّي آنَسْتُ نَارًا لَعَلِّي آتِيكُمْ مِنْهَا بِخَبَرٍ أَوْ جَذْوَةٍ مِنَ النَّارِ لَعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ * فَلَمَّا أَتَاهَا نُودِي مِنْ شَاطِئِ الْوَادِي الأَيْمَنِ فِي الْبُقْعَةِ الْمُبَارَكَةِ مِنَ الشَّجَرَةِ أَنْ يَا مُوسَى إِنِّي أَنَا اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ) [القصص: 29-30]. وجَبَلُ الطُّورِ جُزْءٌ مِنْ أَرْضِ مِصْرَ الْغَالِيَةِ، وَمَا أَدْرَاكَ مَا جَبَلُ الطُّورِ؟

إِنَّهُ الْجَبَلُ الَّذِي شَهِدَ ظَاهِرَةً فَرِيدَةً لَمْ تَجْرِ أَحْدَاثُهَا فَوْقَ أَيِّ أَرْضٍ إِلَّا عَلَى أَرْضِ مِصْرَ فِي جَبَلِ الطُّورِ بِسِينَاءَ الْحَبِيبَةِ، حَيْثُ تَجَلَّى اللَّهُ تَعَالَى لِلْجَبَلِ فَجَعَلَهُ دَكًّا، وَخَرَّ سَيِّدُنَا مُوسَى (عَلَيْهِ السَّلَامُ) صَعِقًا، قَالَ تَعَالَى: {وَلَمَّا جَاءَ مُوسَى لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ قَالَ رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ قَالَ لَنْ تَرَانِي وَلَكِنِ انْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا وَخَرَّ مُوسَى صَعِقًا فَلَمَّا أَفَاقَ قَالَ سُبْحَانَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ} [الأعراف: 143]. إِنَّهُ الْجَبَلُ الَّذِي شَهِدَ نُزُولَ الأَلْوَاحِ أَوْ كِتَابَ التَّوْرَاةِ، قَالَ جَلَّ وَعَلَا: {وَلَمَّا سَكَتَ عَنْ مُوسَى الْغَضَبُ أَخَذَ الأَلْوَاحَ وَفِي نُسْخَتِهَا هُدًى وَرَحْمَةٌ لِلَّذِينَ هُمْ لِرَبِّهِمْ يَرْهَبُونَ} [الأعراف: 154]. إِنَّهُ الْجَبَلُ الَّذِي أَقْسَمَ اللَّهُ (عَزَّ وَجَلَّ) بِهِ مَعَ الْبِقَاعِ الْمُقَدَّسَةِ الَّتِي شَرَّفَهَا اللَّهُ تَعَالَى بِالْوَحْيِ وَالرِّسَالَاتِ السَّمَاوِيَّةِ، قَالَ تَعَالَى: {وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ * وَطُورِ سِينِينَ * وَهَذَا الْبَلَدِ الأَمِينِ} [التين: 1-3].

وَعَلَى أَرْضِهَا دَارَ حِوَارُ الْحُبِّ وَالأُلْفَةِ بَيْنَ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ وَرَبِّهِ عِنْدَمَا سَأَلَهُ الْمَلِكُ جَلَّ جَلَالُهُ وَهُوَ أَعْلَمُ: {وَمَا تِلْكَ بِيَمِينِكَ يَا مُوسَى * قَالَ هِيَ عَصَايَ أَتَوَكَّأُ عَلَيْهَا وَأَهُشُّ بِهَا عَلَى غَنَمِي وَلِيَ فِيهَا مَآرِبُ أُخْرَى } [طه: 17]. وَعَلَى أَرْضِ مِصْرَ تَعَانَقَتِ الْقُلُوبُ وَتَسَامَحَتْ، وَتَصَافَحَ الْمُحِبُّ وَالْمَحْبُوبُ، وَالْتَقَى يُوسُفُ عَلَيْهِ السَّلَامُ بِأَبِيهِ يَعْقُوبَ عَلَيْهِ السَّلَامُ، وَظَهَرَ مَدَدُ السَّابِقِ لِلَّاحِقِ، وَتَعَطَّرَتْ أَرْجَاءُ الْبِلَادِ بِخَيْرِ الْعُلَمَاءِ وَالزُّهَّادِ. قَالَ جَلَّ وَعَلَا: ﴿وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى الْعَرْشِ وَخَرُّوا لَهُ سُجَّدًا﴾ [يُوسُفَ: 100].

وَعَلَى أَرْضِهَا احْتَضَنَتِ السَّيِّدَةُ مَرْيَمُ الْعَذْرَاءُ النَّبِيَّ عِيسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ، يُرَافِقُهُمَا ابْنُ عَمِّهَا يُوسُفُ النَّجَّارُ الَ -جَلَّ وَعَلَا-: (وَجَعَلْنَا ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ آيَةً وَآوَيْنَاهُمَا إِلَى رَبْوَةٍ ذَاتِ قَرَارٍ وَمَعِينٍ) [المؤْمِنُونَ: 50].وَعَلَى أَرْضِ مِصْرَ نَزَلَ جَمْعٌ مِنْ آلِ بَيْتِ النَّبِيِّ ، وَدَخَلَهَا كَثِيرٌ مِنَ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ رِضْوَانُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ، فَنَشَرُوا فِيهَا الْعِلْمَ وَالدَّعْوَةَ، وَكَانَ لَهُمْ أَثَرٌ عَظِيمٌ فِي تَرْسِيخِ الْإِسْلَامِ وَتَعْلِيمِ النَّاسِ أُمُورَ دِينِهِمْ. قَالَتْ سَيِّدَتُنَا زَيْنَبُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا وَأَرْضَاهَا يَا أَهْلَ مِصْرَ، نَصَرْتُمُونَا نَصَرَكُمُ اللَّهُ، وَآوَيْتُمُونَا آوَاكُمُ اللَّهُ". وَعَلَى أَرْضِ مِصْرَ يَجْرِي نَهْرُ النِّيلِ الْمُبَارَكُ، شِرْيَانُ الْحَيَاةِ وَمَصْدَرُ الْخَيْرِ وَالرِّزْقِ، يَسْقِي الزُّرُوعَ وَيَخْدِمُ الْعِبَادَ، فَتَحْيَا بِهِ الْأَرْضُ بَعْدَ جَدْبِهَا، وَتَزْدَهِرُ بِهِ الْحَيَاةُ فِي أَرْجَائِهَا. وَلَمْ يَذْكُرِ اللَّهُ -تَعَالَى- قِصَّةَ نَهْرٍ فِي الْقُرْآنِ إِلَّا نَهْرَ النِّيِلِ، قَالَ -جَلَّ وَعَلَا-: ((وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى أَنْ أَرْضِعِيهِ فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ) ((الْقَصَصِ: 7).​

وَبِأَرْضِ مِصْرَ الْمُبَارَكَةِ مَجْمَعُ الْبَحْرَيْنِ، وَهُوَ الْبَرْزَخُ الَّذِي قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ يَلْتَقِيَانِ ۝١٩ بَيْنَهُمَا بَرْزَخٌ لَا يَبْغِيَانِ﴾ [الرَّحْمَن: ١٩ - ٢٠]. لِذَا كَانَتْ مِصْرُ الْغَالِيَةُ صَخْرَةَ الإِسْلَامِ الْعَاتِيَةَ، مِصْرُ الَّتِي نُحِبُّهَا وَنَعْشَقُهَا، مِصْرُ الَّتِي ذَكَرَهَا اللَّهُ -عَزَّ وَجَلَّ- فِي الْقُرْآنِ مِرَارًا وَتِكْرَارًا، قَالَ رَبُّنَا: ﴿ادْخُلُوا مِصْرَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ﴾ [يوسف: 99]،وَ إنَّ مِصْرَ هِيَ خَزَائِنُ الأَرْضِ، بِشَهَادَةِ رَبِّنَا –جَلَّ وَعَلَا- لَمَّا قَالَ عَنْ يُوسُفَ -عَلَيْهِ السَّلَامُ-: (قَالَ اجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِنِ الأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ) [يُوسفَ: 55].أَنَّهَا مِصْرُ يَا سَادَةُ: قَالَ عَنْهَا سَيِّدُنَا عَمْرُو بْنُ الْعَاصِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وَأَرْضَاهُ وِلَايةَ مِصْرَ جَامِعَةً تَعْدُلُ الْخِلَافَةَ، يَعْنِي: وِلَايَةُ كُلِّ بِلَادِ الْإِسْلَامِ فِي كِفَّةٍ، وَوِلَايَةُ مِصْرَ فِي كِفَّةٍ. وَقَالَ الْجَاحِظُ: إنَّ أَهْلَ مِصْرَ يَسْتَغْنُونَ بِمَا فِيهَا مِنْ خَيْرَاتٍ عَنْ كُلِّ بَلَدٍ، حَتَّى لَوْ ضُرِبَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ بِلَادِ الدُّنْيَا بِسُورٍ مَا ضَرَّهَا. اللَّهُ أَكْبَرُ فَمِصْرُ هِيَ أُمُّ الْبِلَادِ، وَهِيَ مَوْطِنُ الْمُجَاهِدِينَ وَالْعُبَّادِ، قَهَرَتْ قَاهِرَتُهَا الْأُمَمَ، وَوَصَلَتْ بَرَكَاتُهَا إِلَى الْعَرَبِ وَالْعَجَمِ سَكَنَهَا الْأَنْبِيَاءُ وَالصَّحَابَةُ وَالْعُلَمَاءُ.

وَلِلَّهِ دَرُّ القَائِلِ:

مَـن شَاهَدَ الأَرْضَ وأَقْطَارَها *** وَالنَّاسَ أَنْوَاعًا وأَجْنَاسًا

وَلَا رَأَى مِصْرَ وَلَا أَهْلَهَا *** فَمَا رَأَى الدُّنْيَا وَلَا النَّاسَ

  ثَانِيًا: مِصْرُ بَلَدُ الْأَمْنِ وَالْأَمَانِ.

أَيُّهَا السَّادَةُ : مِنْ أَجَلِّ النِّعَمِ وَالْمِنَنِ الَّتِي أَنْعَمَ اللَّهُ جَلَّ وَعَلَا بِهَا عَلَى مِصْرَنَا الْحَبِيبَةِ نِعْمَةُ الْأَمْنِ وَالْأَمَانِ، فَالأَمْنُ وَالْأَمَانُ نِعْمَةٌ رَبَّانِيَّةٌ، وَمِنْحَةٌ إِلَهِيَّةٌ، فَبِالْأَمْنِ وَالْأَمَانِ تَتَوَحَّدُ نُفُوسُ الْعِبَادِ، وَتَزْدَهِرُ حَيَاةُ الْخَلْقِ، وَتُغْدِقُ الْأَرْزَاقُ، وَيَتَعَارَفُ النَّاسُ، وَتُتَلَقَّى الْعُلُومُ مِنْ مَنَابِعِهَا الصَّافِيَةِ، وَيَزْدَادُ الْحَبْلُ الْوَثِيقُ بَيْنَ الْأُمَّةِ وَقَادَتِهَا، وَتَتَوَثَّقُ الرَّوَابِطُ بَيْنَ أَفْرَادِ الْمُجْتَمَعِ، فَتَتَوَحَّدُ كَلِمَتُهُمْ، وَيَأْنَسُ جَمِيعُهُمْ، وَيَتَبَادَلُونَ مَنَافِعَهُمْ، وَتُقَامُ شَعَائِرُ دِينِهِمْ بِطُمَأْنِينَةٍ، وَيَعْمُرُونَ الْأَرْضَ، وَيَبْنُونَ الْحَضَارَةَ، وَيَتَوَسَّعُونَ فِي الْعِمْرَانِ، فَيَسْعَدُونَ دُنْيَاهُمْ وَأُخْرَاهُمْ.

وَإِذَا اخْتَلَّ الْأَمْنُ تَبَدَّلَتِ الْأَحْوَالُ، وَلَمْ يَهْنَأْ أَحَدٌ بِرَاحَةِ بَالٍ، فَيَلْحَقُ النَّاسَ الْفَزَعُ فِي عِبَادَتِهِمْ، وَتُهْجَرُ دُورُ الْعِبَادَةِ، وَتَتَقَطَّعُ أَوْصَارُ الْمَوَدَّةِ بَيْنَهُمْ، وَتُعَاقُ نَهْضَتُهُمْ، وَيَنْضُبُ وُصُولُ الْخَيْرِ إِلَى الْآخَرِينَ، وَيَنْقَطِعُ تَحْصِيلُ الْعِلْمِ وَمُلَازَمَةُ الْعُلَمَاءِ، وَلَا تُوصَلُ الْأَرْحَامُ، وَيَئِنُّ الْمَرِيضُ فَلَا دَوَاءَ وَلَا طَبِيبَ، وَتَخْتَلُّ الْمَعَايِشُ، وَتُهْجَرُ الدِّيَارُ، وَتُفَارَقُ الْأَوْطَانُ، وَتَتَفَرَّقُ الْأُسَرُ، وَتَنْتَقِضُ الْعُهُودُ وَالْمَوَاثِيقُ، وَتَبُورُ التِّجَارَةُ، وَيَتَعَسَّرُ طَلَبُ الرِّزْقِ، وَتَتَبَدَّلُ طِبَاعُ الْخَلْقِ، فَيَظْهَرُ الْكَذِبُ وَالشُّحُّ وَالْخِيَانَةُ، فَيَشْقَى الْخَلْقُ دُنْيَا وَآخِرَةً. وَخَاصَّةً كَمْ مِنْ بِلَادٍ تَدَمَّرَتْ بِسَبَبِ زَعْزَعَةِ الْأَمْنِ وَالِاسْتِقْرَارِ فِيهَا، وَكَمْ مِنْ دُوَلٍ تَأَخَّرَتْ بِسَبَبِ فَقْدِ الْأَمْنِ وَالْأَمَانِ! وَكَمْ مِنْ بُيُوتٍ هُدِّمَتْ فَوْقَ سَاكِنِيهَا، وَكَمْ مِنْ مُدُنٍ خَلَتْ مِنْ أَهْلِهَا، وَكَمْ مِنْ أُسَرٍ تَمَزَّقَتْ، وَمُجْتَمَعَاتٍ تَشَتَّتَتْ بِسَبَبِ فَقْدِ الْأَمْنِ وَالْأَمَانِ، وَلَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ الْعَلِيِّ الْعَظِيمِ.

وَكَيْفَ لَا؟ وَالأَمْنُ نِعْمَةٌ عُظْمَى، وَمِنَّةٌ كُبْرَى، وَمَطْلَبٌ شَرْعِيٌّ، وَمَقْصَدٌ وَطَنِيٌّ، وَعَمَلٌ إِنْسَانِيٌّ، وَمَسْؤُولِيَّةٌ مُجْتَمَعِيَّةٌ، وَهُوَ مِنْ مَقَاصِدِ الشَّرِيعَةِ الإِسْلَامِيَّةِ. الْكُلُّ مَطْلُوبٌ بِهِ، وَالْكُلُّ مَسْؤُولٌ عَنْهُ بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ لِمَنْ فَرَّطَ وَأَهْمَلَ وَاسْتَبَاحَ وَزَعْزَعَ الأَمْنَ وَالِاسْتِقْرَارَ. قَالَ رَبُّنَا جَلَّ وَعَلَا: ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلَافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الأَرْضِ ۚ ذَٰلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ [المائدة: 33].فِي رِحَابِ الأَمْنِ وَالأَمَانِ تَحْلُو الْعِبَادَةُ، وَيَصِيرُ اللَّيْلُ لِبَاسًا وَالنَّوْمُ سُبَاتًا، وَالنَّهَارُ مَعَاشًا، وَالطَّعَامُ هَنِيئًا، وَالشَّرَابُ مَرِيئًا.فِي رِحَابِ الأَمْنِ يَأْمَنُ النَّاسُ عَلَى أَمْوَالِهِمْ وَأَعْرَاضِهِمْ وَمُحَارِمِهِمْ، وَيَعْبُدُونَ رَبَّهُمْ وَيُقِيمُونَ شَرِيعَتَهُ وَيَدْعُونَ إِلَى سَبِيلِهِ.وَفِي رِحَابِ الأَمْنِ تَعُمُّ الطُّمَأْنِينَةُ النُّفُوسَ، وَيَسُودُهَا الْهُدُوءُ، وَتَرْفُلُ فِيهَا السَّعَادَةُ، وَتُؤَدَّى الْوَاجِبَاتُ بِاطْمِئْنَانٍ مِنْ غَيْرِ خَوْفٍ وَلَا حِرْمَانٍ. لِذَا وَعَدَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ أَوْلِيَاءَهُ فِي جَنَّتِهِ وَمُسْتَقَرِّ رَحْمَتِهِ بِالأَمْنِ وَالأَمَانِ، لِأَنَّهُ لَوْ فُقِدَ الأَمْنُ لَفُقِدَ النَّعِيمُ.قَالَ جَلَّ وَعَلَا: ﴿ادْخُلُوهَا بِسَلَامٍ آمِنِينَ﴾ [الحجر: 46]. إِنَّهَا نِعْمَةُ الأَمْنِ… وَمَا أَدْرَاكَ مَا نِعْمَةُ الأَمْنِ؟ الَّتِي كَانَتْ أَوَّلَ دَعْوَةٍ لِأَبِينَا إِبْرَاهِيمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ، حِينَ قَالَ: ﴿رَبِّ اجْعَلْ هَٰذَا بَلَدًا آمِنًا وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَرَاتِ﴾ [البقرة: 126].فَقَدَّمَ إِبْرَاهِيمُ عَلَيْهِ السَّلَامُ نِعْمَةَ الأَمْنِ عَلَى نِعْمَةِ الطَّعَامِ وَالرِّزْقِ لِعِظَمِهَا وَخَطَرِ زَوَالِهَا.

وَكَيْفَ لَا؟ وَمَطْلَبُ الْأَمْنِ يَسْبِقُ طَلَبَ الْغِذَاءِ، فَبِغَيْرِ الْأَمْنِ لَا يُسْتَسَاغُ طَعَامٌ، وَلَا يُهْنَأُ بِعَيْشٍ، وَلَا يَلَذُّ نَوْمٌ، وَلَا تُنَالُ رَاحَةٌ.وَقِيلَ لِحَكِيمٍ مِنَ الْحُكَمَاءِ: أَيْنَ تَجِدُ السُّرُورَ؟ قَالَ: فِي الْأَمْنِ، فَإِنِّي وَجَدْتُ الْخَائِفَ لَا عَيْشَ لَهُ. وَقَدْ سُئِلَ أَحَدُ الْعُلَمَاءِ: الْأَمْنُ أَفْضَلُ أَمِ الصِّحَّةُ؟ فَقَالَ: الْأَمْنُ أَفْضَلُ؛ وَالدَّلِيلُ عَلَى ذَلِكَ أَنَّ شَاةً لَوِ انْكَسَرَتْ رِجْلُهَا ثُمَّ بَرِئَتْ بَعْدَ زَمَانٍ، لَعَادَتْ إِلَى الرَّعْيِ وَالْأَكْلِ، أَمَّا إِذَا وُضِعَتْ فِي مَكَانٍ وَحَوْلَهَا ذِئْبٌ، فَإِنَّهَا تَمْتَنِعُ عَنِ الْأَكْلِ وَالشُّرْبِ حَتَّى تَهْلِكَ، وَذَلِكَ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ ضَرَرَ الْخَوْفِ أَشَدُّ مِنْ ضَرَرِ أَلَمِ الْجَسَدِ.

وَكَيْفَ لَا؟ وَلَقَدِ امْتَنَّ اللَّهُ جَلَّ وَعَلَا عَلَى قُرَيْشٍ بِنِعْمَةِ الأَمْنِ وَالأَمَانِ، فَقَالَ جَلَّ وَعَلَا: ﴿الَّذِي أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ وَآمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ﴾ [قريش: 4].وَجَعَلَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ الأَمْنَ صِفَةً دَائِمَةً لِبَيْتِهِ الْحَرَامِ، فَقَالَ تَعَالَى: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا حَرَمًا آمِنًا وَيُتَخَطَّفُ النَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ﴾ [العنكبوت: 67]، وَقَالَ سُبْحَانَهُ: ﴿أَوَلَمْ نُمَكِّنْ لَهُمْ حَرَمًا آمِنًا يُجْبَىٰ إِلَيْهِ ثَمَرَاتُ كُلِّ شَيْءٍ رِزْقًا مِنْ لَدُنَّا وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [القصص: 57]. بَلْ إِنَّ نِعْمَةَ الأَمْنِ مِنْ أَجَلِّ النِّعَمِ مَعَ الْعَافِيَةِ وَالرِّزْقِ، وَهِيَ الْمُلْكُ الْحَقِيقِيُّ لِلدُّنْيَا. وَعَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ مِحْصَنٍ الأَنْصَارِيِّ، عَنِ النَّبِيِّ قَالَ: «مَنْ أَصْبَحَ مُعَافًى فِي جَسَدِهِ، آمِنًا فِي سِرْبِهِ، عِنْدَهُ قُوتُ يَوْمِهِ، فَكَأَنَّمَا حِيزَتْ لَهُ الدُّنْيَا بِحَذَافِيرِهَا». رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ

وَكَيْفَ لَا، وَقَدْ جَعَلَ اللَّهُ جَلَّ وَعَلَا الأَمْنَ بَعْدَ الْخَوْفِ مِنْ وُعُودِهِ لِعِبَادِهِ الْمُؤْمِنِينَ؟ فَقَالَ سُبْحَانَهُ: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَىٰ لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا ۚ يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا﴾ [النور: 55].

وَكَيْفَ لَا؟ وَقَدْ جَعَلَ اللَّهُ جَلَّ وَعَلَا فَقْدَ الأَمْنِ عُقُوبَةً لِكُفْرَانِ النِّعْمَةِ وَعَدَمِ شُكْرِهَا، فَقَالَ سُبْحَانَهُ: ﴿وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا مِنْ كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ﴾ [النحل: 112]. وَلِلَّهِ دَرُّ الْقَائِلِ:

إِذَا كُنْتَ فِي نِعْمَةٍ فَارْعَهَا******فَإِنَّ الْمَعَاصِيَ تُزِيلُ النِّعَمْ

وَدَاوِمْ عَلَيْهَا بِشُكْرِ الإِلَهِ*****فَإِنَّ شُكْرَ الإِلَهِ يُدِيمُ النِّعَمْ

فَدِينُنَا دِينُ الأَمْنِ وَالأَمَانِ وَالِاسْتِقْرَارِ وَالطُّمَأْنِينَةِ يَا سَادَةُ، وَلَا أَمْنَ وَلَا أَمَانَ إِلَّا بِطَاعَةِ الرَّحْمَنِ وَالْبُعْدِ عَنِ الذُّنُوبِ وَالْمَعَاصِي وَالآثَامِ، فَالأَمْنُ وَالإِيمَانُ قَرِينَانِ، لَا يَتَحَقَّقُ الأَمْنُ إِلَّا بِالإِيمَانِ. قَالَ جَلَّ وَعَلَا: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَٰئِكَ لَهُمُ الأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ﴾ [الأنعام: 82].وَلِلَّهِ دَرُّ الْقَائِلِ:

إِذَا الإِيمَانُ ضَاعَ فَلَا أَمَانٌ*****وَلَا دُنْيَا لِمَنْ لَمْ يُحْيِ دِينَا

وَمَنْ رَضِيَ الْحَيَاةَ بِغَيْرِ دِينٍ******فَقَدْ جَعَلَ الْفَنَاءَ لَهَا قَرِينَا

اللَّهَ اللَّهَ فِي الأَمْنِ، اللَّهَ اللَّهَ فِي الأَمَانِ، اللَّهَ اللَّهَ فِي الِاسْتِقْرَارِ، اللَّهَ اللَّهَ فِي الطُّمَأْنِينَةِ، اللَّهَ اللَّهَ فِي الْمُحَافَظَةِ عَلَى أَوْطَانِنَا، اللَّهَ اللَّهَ فِي مِصْرَ الْغَالِيَةِ أَرْضِ الْكِنَانَةِ.

إِلَهِي لَا تُعَذِّبْنِي فَإِنِّي*****مُقِرٌّ بِالَّذِي قَدْ كَانَ مِنِّي

فَكَمْ مِنْ زَلَّةٍ لِي فِي الْبَرَايَا*****وَأَنْتَ عَلَيَّ ذُو فَضْلٍ وَمَنِّ

يَظُنُّ النَّاسُ بِي خَيْرًا وَإِنِّي*****لَشَرُّ النَّاسِ إِنْ لَمْ تَعْفُ عَنِّي

أَقُولُ مَا تَسْمَعُونَ، وَأَسْتَغْفِرُ اللَّهَ الْعَظِيمَ لِي وَلَكُمْ مِنْ كُلِّ ذَنْبٍ، فَاسْتَغْفِرُوهُ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ. الْخُطْبَةُ الثَّانِيَةُ: الْحَمْدُ لِلَّهِ وَلَا حَمْدَ إِلَّا لَهُ، وَبِسْمِ اللَّهِ وَلَا يُسْتَعَانُ إِلَّا بِهِ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ… وَبَعْدُ

  ثَالِثًا وَأَخِيرًا: سَبُّ الدِّينِ كُفْرٌ، وَالْعِيَاذُ بِاللَّهِ!!

أَيُّهَا السَّادَةُ الأَخْيَارُ: إِنَّ مِنَ الظَّوَاهِرِ السَّلْبِيَّةِ السَّيِّئَةِ الَّتِي انْتَشَرَتْ فِي بَعْضِ مُجْتَمَعَاتِ الْمُسْلِمِينَ، وَبِكُلِّ أَسَفٍ، ظَاهِرَةَ سَبِّ الدِّينِ بِحُجَّةِ الْغَضَبِ وَالِانْفِعَالِ. وَهَذَا فِيهِ خَطَرٌ عَظِيمٌ وَإِثْمٌ كَبِيرٌ، يَبْلُغُ أَنْ يَكُونَ مِنَ الْكُفْرِ وَالْعِيَاذُ بِاللَّهِ، إِذَا صَدَرَ عَنْ اعْتِقَادٍ أَوِ اسْتِخْفَافٍ. وَالْمُؤْسِفُ أَنَّ بَعْضَ النَّاسِ قَدْ لَا يَجْتَرِئُ فِي غَضَبِهِ أَنْ يَنَالَ مِنْ شَخْصٍ ذِي مَنْزِلَةٍ أَوْ مَقَامٍ، وَلَكِنَّهُ يَتَجَاوَزُ فِي حَقِّ الدِّينِ، فَيَسْتَهِينُ بِهِ وَيَتَطَاوَلُ عَلَى حُرْمَتِهِ، وَهُوَ مِمَّا يَدُلُّ عَلَى خَطَرِ ضَعْفِ التَّعْظِيمِ لِلَّهِ وَلِدِينِهِ. ﴿ذَٰلِكَۖ وَمَن یُعَظِّمۡ حُرُمَٰتِ ٱللَّهِ فَهُوَ خَیۡر لَّهُۥ عِندَ رَبِّهِۦۗ﴾ [الحج: ٣٠]، وَإِنَّ مِمَّا يُدْمِي الْقُلُوبَ وَيُدْمِعُ الْعُيُونَ، وَيُنْذِرُ بِخَطَرٍ عَظِيمٍ، أَنْ نَسْمَعَ فِي هَذِهِ الأَيَّامِ فِي بَعْضِ الْبِلَادِ مَنْ يَسُبُّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ وَدِينَهُ. أَمَا عَلِمَ أُولَئِكَ الْجُهَّالُ قَدْرَ اللَّهِ وَعَظَمَتَهُ؟! أَمَا يَخْشَوْنَ أَنْ يُخْرِسَ اللَّهُ أَلْسِنَتَهُمْ أَوْ يُعْمِيَ أَبْصَارَهُمْ أَوْ يَقْبِضَ أَرْوَاحَهُمْ عَلَى هَذِهِ الْكَبِيرَةِ الْعَظِيمَةِ؟!وَاللَّهِ لَوْ أَنَّ إِنْسَانًا قَدَّمَ مَعْرُوفًا لِأَحَدِنَا لَمَا نَسِينَا فَضْلَهُ وَلَشَكَرْنَاهُ وَأَثْنَيْنَا عَلَيْهِ، فَكَيْفَ لَا نُعَظِّمُ اللَّهَ ذَا الْجَلَالِ وَالإِكْرَامِ، الَّذِي خَلَقَنَا فَأَحْسَنَ خَلْقَنَا، وَأَنْعَمَ عَلَيْنَا وَإِنْ قَصَّرْنَا وَعَصَيْنَا؟ وَاللَّهِ لَا أَدْرِي كَيْفَ يَجْتَمِعُ فِي الْمَرْءِ أَنْ يُقِيمَ الصَّلَاةَ وَيَصُومَ، ثُمَّ يَسُبَّ مَنْ شَرَعَ الصَّلَاةَ وَالصِّيَامَ، وَيَتَطَاوَلَ عَلَى دِينِهِ الَّذِي رَضِيَهُ لِنَفْسِهِ؟! أَيُّ تَنَاقُضٍ أَعْجَبُ مِنْ هَذَا التَّنَاقُضِ؟! ﴿ذَٰلِكَۖ وَمَن یُعَظِّمۡ شَعَٰۤئِرَ ٱللَّهِ فَإِنَّهَا مِن تَقۡوَى ٱلۡقُلُوبِ﴾ [الحج: ٣٢].

سَبُّ الدِّينِ آفَةٌ مُهْلِكَةٌ، وَكَبِيرَةٌ لِلْعَمَلِ مُحْبِطَةٌ، وَعَنِ الإِسْلَامِ مُخْرِجَةٌ، وَلِغَضَبِ اللَّهِ وَسَخَطِهِ جَالِبَةٌ، وَلِرَحْمَتِهِ وَرِضْوَانِهِ مُبْعِدَةٌ. أَلَا يَعْلَمُ هَؤُلَاءِ أَنَّ سَبَّ اللَّهِ وَدِينِهِ مِنْ أَعْظَمِ الْكَبَائِرِ وَأَشْنَعِ الْجَرَائِمِ؟!كَيْفَ تَجَرَّأَ هَؤُلَاءِ عَلَى سَبِّ رَبِّهِمْ وَخَالِقِهِمْ وَوَلِيِّ نِعْمَتِهِمْ؟! أَنَسُوا أَنَّهُمْ كَانُوا نُطْفَةً مِنْ مَنِيٍّ يُمْنَى، فَخَلَقَهُمُ اللَّهُ فَأَحْسَنَ خَلْقَهُمْ وَصَوَّرَهُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَهُمْ؟ قَالَ تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا الإِنسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ ۝ الَّذِي خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ فَعَدَلَكَ﴾ [الانفطار: 6-7]. أَيْ: مَا الَّذِي جَرَّأَكَ عَلَى مُخَالَفَةِ أَوَامِرِ خَالِقِكَ؟ أَتَهَاوُنًا بِحَقِّهِ، أَمِ اسْتِخْفَافًا بِعِقَابِهِ، أَمْ إِنْكَارًا لِجَزَائِهِ؟ وَاللَّهِ إِنَّ مِنْ أَعْظَمِ الْمَصَائِبِ أَنْ نَرَى فِي هَذَا الزَّمَانِ مَنْ يَدَّعِي الإِسْلَامَ ثُمَّ يَسُبُّ الإِسْلَامَ وَمَنْ شَرَعَهُ، فِي حِينِ أَنَّ غَيْرَ الْمُسْلِمِينَ قَدْ يَنْزِعُونَ إِلَى التَّعْظِيمِ وَالتَّوْقِيرِ لِمَا يَنْتَسِبُونَ إِلَيْهِ مِنْ دِينٍ. قَالَ تَعَالَى: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ﴾ [المائدة: 18].يَا مَنْ تَدَّعِي الإِسْلَامَ وَتَسُبُّ خَالِقَكَ، أَمَا تَسْتَحِي مِنْ رَبِّكَ وَمِنْ جَهْلِكَ بِقَدْرِهِ؟! وَقَدْ بَيَّنَ النَّبِيُّ عَظَمَةَ اللَّهِ تَعَالَى، فَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: جَاءَ حَبْرٌ مِنَ الأَحْبَارِ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ، إِنَّا نَجِدُ أَنَّ اللَّهَ يَجْعَلُ السَّمَاوَاتِ عَلَى إِصْبَعٍ، وَالأَرَضِينَ عَلَى إِصْبَعٍ، وَالشَّجَرَ عَلَى إِصْبَعٍ، وَالْمَاءَ وَالثَّرَى عَلَى إِصْبَعٍ، وَسَائِرَ الْخَلَائِقِ عَلَى إِصْبَعٍ، فَيَقُولُ: أَنَا الْمَلِكُ. فَضَحِكَ النَّبِيُّ حَتَّى بَدَتْ نَوَاجِذُهُ تَصْدِيقًا لِقَوْلِ الْحَبْرِ، ثُمَّ قَرَأَ: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [الزمر: 67]. ومَنْ سَبَّ الله تعالى كَفَرَ، سواء كان مازحًا أو جادًّا، وكذلك من استهزأ بالله تعالى، أو بآياتِهِ أو بِرُسُلِهِ، أو كُتُبِهِ؛ قال الله تعالى: ﴿ وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ * لَا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ ﴾ [التوبة: 65، 66]والذي يَسُبُّ اللهَ عز وجل أو دِينَهُ، لا تجوز مُجَالَسَتُهُ، ولا مُآكَلَتُهُ، ولا تَزْوِيجُهُ، حتى يتوبَ إلى الله I من هذه الكبيرة، قال تعالى: ﴿ وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آيَاتِ اللَّهِ يُكْفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلَا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ إِنَّكُمْ إِذًا مِثْلُهُمْ إِنَّ اللَّهَ جَامِعُ الْمُنَافِقِينَ وَالْكَافِرِينَ فِي جَهَنَّمَ جَمِيعًا ﴾ [النساء: 140].

وإذا مات مَنْ سَبَّ اللهَ عز وجل أو دِينَهُ وَلَمْ يَتُبْ: فلا يُغَسَّلُ، ولا يُكَفَّنُ، ولا يُصَلَّى عليه، ولا يُدْعَى له بالرحمة، ولا يُدْفَنُ في مقابر المسلمين، قال تعالى: ﴿ وَلَا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا وَلَا تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ إِنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَمَاتُوا وَهُمْ فَاسِقُونَ ﴾ [التوبة: 84].

فَمِنَ الْمَفَاهِيمِ وَالتَّصَوُّرَاتِ الْخَاطِئَةِ عِنْدَ بَعْضِ النَّاسِ أَنَّهُمْ يَظُنُّونَ أَنَّ أَلْفَاظَ التَّطَاوُلِ عَلَى الدِّينِ بِالسَّبِّ أَوِ الشَّتْمِ فِي أَوْقَاتِ الْغَضَبِ أَوِ الْمُشَاجَرَاتِ يُعْفَى عَنْهَا إِذَا صَدَرَتْ فِي حَالِ الِانْفِعَالِ أَوِ الِاسْتِفْزَازِ. وَالْحَقُّ أَنَّ الْمُسْلِمَ مَأْمُورٌ بِحِفْظِ لِسَانِهِ فِي جَمِيعِ أَحْوَالِهِ.قَالَ النَّبِيُّ : «إِنَّ الْعَبْدَ لَيَتَكَلَّمُ بِالْكَلِمَةِ مِنْ سَخَطِ اللَّهِ لَا يُلْقِي لَهَا بَالًا، يَهْوِي بِهَا فِي جَهَنَّمَ» [رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ]. واعْلَمُوا أَيُّهَا الأَخْيَارُ أَنَّنَا مَسْؤُولُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَمَّا نَقُولُ وَنَفْعَلُ وَنَعْتَقِدُ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَأَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [النور: 24]. وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ ۚ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَٰئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْؤُولًا﴾ [الإسراء: 36].وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ : «مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ فَلْيَقُلْ خَيْرًا أَوْ لِيَصْمُتْ» [مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ].فَالْغَضَبُ لَا يُبِيحُ الْمُحَرَّمَاتِ، وَلَا يَجْعَلُ الِاسْتِفْزَازَ مُبَرِّرًا لِلسُّخْرِيَةِ بِالدِّينِ أَوِ الِاسْتِهْزَاءِ بِهِ. وَمَنْ وَقَعَ فِي ذَلِكَ فَعَلَيْهِ أَنْ يُبَادِرَ بِالتَّوْبَةِ الصَّادِقَةِ وَالنَّدَمِ، وَأَنْ يُجَاهِدَ نَفْسَهُ عَلَى حِفْظِ لِسَانِهِ وَتَزْكِيَةِ قَلْبِهِ، حَتَّى لَا يَعُودَ إِلَى مِثْلِ ذَلِكَ.  وفى الصحيحين عَنْ أَبي مُوسَى قَال: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أيُّ المُسْلِمِينَ أفْضَلُ؟ قَالَ: ((مَنْ سَلِمَ المُسْلِمُونَ مِن لِسَانِهِ وَيَدِهِ)) لِذَا قَالَ رَسُولُ اللَّهِ : «وَهَلْ يَكُبُّ النَّاسَ فِي النَّارِ عَلَى وُجُوهِهِمْ أَوْ عَلَى مَنَاخِرِهِمْ إِلَّا حَصَائِدُ أَلْسِنَتِهِمْ».

احْفَظْ لِسَانَكَ أَيُّهَا الإِنْسَانُ******لَا يَلْدَغَنَّكَ إِنَّهُ ثُعْبَانُ

كَمْ فِي الْمَقَابِرِ مِنْ قَتِيلٍ لِسَانُهُ******كَانَتْ تَهَابُ لِقَاءَهُ الشُّجْعَانُ

حَفِظَ اللهُ مِصْرَ قِيَادَةً وَشَعْبًا مِنْ كَيْدِ الْكَائِدِينَ، وَشَرِّ الْفَاسِدِينَ وَحِقْدِ الْحَاقِدِينَ، وَمَكْرِ الْمَاكِرِينَ، وَاعْتِدَاءِ الْمُعْتَدِينَ، وَإِرْجَافِ الْمُرْجِفِينَ، وَخِيَانَةِ الْخَائِنِينَ.

 

google-playkhamsatmostaqltradent