كنْ راضيًا … وإيَّاكَ التباهي
منزلةُ الرضا في الإسلامِ.
نعمةُ الرضا صورٌ مشرقةٌ.
إيَّاكَ التباهي والنظرُ إلى ما
في أيدي الآخرينَ.
الحمدُ للهِ نحمدُهُ ونستعينُهُ ونتوبُ
إليهِ ونستغفرُهُ ونؤمنُ بهِ ونتوكلُ عليهِ ونعوذُ بهِ مِن شرورِ أنفسِنَا وسيئاتِ
أعمالِنَا، ونشهدُ أنْ لا إلهَ إلَّا اللهُ وحدَهُ لا شريكَ له وأنَّ سيِّدَنَا مُحمدًا
عبدُهُ ورسولُهُ ﷺ. أمَّا بعدُ:خطب مكتوبة
أولًا: منزلةُ الرضا في الإسلامِ.
للرضا منزلةٌ كبيرةٌ في الإسلامِ؛ فهو من
أعلى مقاماتِ المقربينَ، والرضا صفةٌ عظيمةٌ بين العبدِ وربهِ؛ فرضا العبدِ عن اللهِ:
بأن لا يكرهَ ما يجري بهِ قضاؤُهُ، ورضا اللهِ عن العبدِ أن يراهُ مؤتمرًا بأمرِهِ
منتهيًا عن نهيِهِ.والرضا خلقٌ كريمٌ تخلقَ بهِ الأنبياءُ والصالحونَ؛ فهذا إسماعيلُ
عليهِ السلامُ قالَ اللهُ فيهِ: {وَكَانَ يَأْمُرُ أَهْلَهُ بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ
وَكَانَ عِنْدَ رَبِّهِ مَرْضِيًّا} (مريم: 55)، وهذا موسى عليهِ السلامُ كانَ يعجلُ
إلى رضا ربِّهِ: {وَعَجِلْتُ إِلَيْكَ رَبِّ لِتَرْضَى} (طه: 84)، وهذا سليمانُ عليهِ
السلامُ قالَ: {رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ
وَعَلَى وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ وَأَدْخِلْنِي بِرَحْمَتِكَ
فِي عِبَادِكَ الصَّالِحِينَ} (النمل: 19)، وهذا زكريا عليهِ السلامُ يدعو ربَّهُ أن
يرزقَهُ ولدًا رضيًّا: {فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا * يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ
آلِ يَعْقُوبَ وَاجْعَلْهُ رَبِّ رَضِيًّا} (مريم: 5-6). والرضا كانَ ديدنَ آلِ إبراهيمَ
عليهِ السلامُ؛ فعن ابنِ عباسٍ رضيَ اللهُ عنهما قالَ: “لما كانَ بينَ إبراهيمَ وبينَ
أهلِهِ ما كانَ؛ خرجَ بإسماعيلَ وأمِّ إسماعيلَ ومعهم شنةٌ فيها ماءٌ؛ فجعلتْ أمُّ
إسماعيلَ تشربُ من الشنةِ فيدرُّ لبنُها على صبيِّها حتى قدمَ مكةَ فوضعَها تحتَ دوحةٍ؛
ثم رجعَ إبراهيمُ إلى أهلِهِ، فاتبعتهُ أمُّ إسماعيلَ؛ حتى لما بلغوا كداءً نادتهُ
من ورائِهِ: يا إبراهيمُ! إلى مَن تتركُنا؟! قالَ: إلى اللهِ. قالتْ: رضيتُ باللهِ”.
(البخاريُّ).الشنةُ: القربةُ الصغيرةُ. والدوحةُ: الشجرةُ الكبيرةُ.
ولقد أوصى الصالحونَ بهذا الخلقِ النبيلِ
في كلِّ زمانٍ ومكانٍ؛ فهذا لقمانُ عليهِ السلامُ يوصي ابنَهُ قائلًا: “أوصيكَ بخصالٍ
تُقرِّبُكَ من اللهِ، وتباعدُكَ من سخطِهِ: أن تعبدَ اللهَ لا تشركَ بهِ شيئًا، وأن
ترضى بقدرِ اللهِ فيما أحببتَ وكرهتَ“. وكتبَ عمرُ بنُ الخطابِ إلى أبي موسى رضيَ اللهُ
عنهما: أما بعدُ: فإنَّ الخيرَ كلَّهُ في الرضا، فإنِ استطعتَ أن ترضى وإلا فاصبرْ.
وقالَ ابنُ مسعودٍ رضيَ اللهُ عنهُ: “اليقينُ ألَّا ترضيَ الناسَ بسخطِ اللهِ، ولا
تحسدَ أحدًا على رزقِ اللهِ، ولا تَلُمْ أحدًا على ما لم يؤتِكَ اللهُ؛ فإنَّ الرزقَ
لا يسوقُهُ حرصُ حريصٍ، ولا يردُّهُ كراهةُ كارهٍ؛ فإنَّ اللهَ تباركَ وتعالى بقسطِهِ
وعلمِهِ وحكمتِهِ جعلَ الروحَ والفرحَ في اليقينِ والرضا، وجعلَ الهمَّ والحزنَ في
الشكِّ والسخطِ“.
وعن عمرَ بنِ الخطابِ رضيَ اللهُ عنهُ أنَّهُ
قالَ: ما ابتُليتُ ببليةٍ إلا كانَ للهِ عليَّ فيها أربعُ نِعَمٍ: إذ لم تكنْ في ديني،
وإذ لم أُحرمِ الرضا، وإذ لم تكنْ أعظمَ منها، وإذ رجوتُ الثوابَ عليها.
فالسلفُ الصالحُ قد تأكدَ لديهم أنَّ الطمعَ
متى تمكنَ من القلبِ واستبدَّ بهِ، أصابَ النفسَ الجشعُ وملأها الغِلُّ، وكرهتِ الخيرَ
الذي يأتي الناسَ، فتحسدُهم وتتمنى زوالَهُ، وهذهِ النفسُ في حقيقتِها لا تشبعُ من
كثيرٍ، ولا تقنعُ بقليلٍ، بل تظلُّ عيناها متطلعتينِ إلى ما عندَ الغيرِ.
وهكذا حثتِ النصوصُ والأحاديثُ والآثارُ
على نعمةِ الرضا والقناعةِ، وبيَّنتْ منزلتَها في الإسلامِ.
ثانيًا: نعمةُ الرضا صورٌ مشرقةٌ.
هناكَ صورٌ مشرقةٌ لسلفِنا الصالحِ في الرضا
بالبلاءِ والمصائبِ؛ لنأخذَ منها العظةَ والعبرةَ، ونطبقَها على أرضِ الواقعِ.
“فعن الأحنفِ بنِ قيسٍ قالَ: شكوتُ إلى عمي
صعصعةَ بنِ معاويةَ وجعًا في بطني، فنهرني ثم قالَ: يا ابنَ أخي، إذا نزلَ بكَ شيءٌ
فلا تشكهُ إلى أحدٍ، فإنما الناسُ رجلانِ، صديقٌ تسوؤهُ، وعدوٌّ تسرهُ، والذي بكَ لا
تشكهُ إلى مخلوقٍ مثلِكَ لا يقدرُ على دفعِ مثلِهِ عن نفسِهِ، ولكنْ إلى من ابتلاكَ
بهِ، وهو قادرٌ على أن يفرجَ عنكَ.
يا ابنَ أخي، إحدى عينيَّ هاتينِ ما أبصرُ
بها سهلًا ولا جبلًا من أربعينَ سنةً، وما اطلعتُ على ذلكَ امرأتي ولا أحدٌ من أهلي”.
(ربيعُ الأبرارِ للزمخشريِّ).
قالَ أحدُهم:
إذا اشتدتِ البلوى تخففْ بالرضا *** عنِ
اللهِ قد فازَ الرضيُّ المراقبُ
وكم نعمةٍ مقرونةٌ ببليةٍ *** على الناسِ
تخفى والبلايا مواهبُ
“ورويَ أن عمرانَ بنَ الحصينِ قد استسقى
بطنُهُ، فبقيَ ملقىً على ظهرِهِ ثلاثينَ سنةً، لا يقومُ ولا يقعدُ، قد نُقبَ لهُ في
سريرٍ من جريدٍ كانَ عليهِ موضعٌ لقضاءِ حاجتِهِ. فدخلَ عليهِ مطرفٌ وأخوهُ العلاءُ،
فجعلَ يبكي لما يراهُ من حالِهِ فقالَ: لم تبكِ؟ قالَ: لأني أراكَ على هذهِ الحالةِ
العظيمةِ. قالَ: لا تبكِ، فإن أحبَّهُ إلى اللهِ تعالى، أحبُّهُ إليَّ. ثم قالَ: أحدثُكَ
حديثًا لعلَّ اللهَ أن ينفعَ بهِ، واكتمْ عليَّ حتى أموتَ، إن الملائكةَ تزورُني فآنسُ
بها، وتسلمُ عليَّ فأسمعُ تسليمَها، فأعلمُ بذلكَ أن هذا البلاءَ ليسَ بعقوبةٍ، إذ
هو سببُ هذهِ النعمةِ الجسيمةِ، فمن يشاهدُ هذا في بلائِهِ، كيفَ لا يكونُ راضيًا بهِ؟”
(الإحياءُ للغزاليِّ).
“ورويَ أن سعدَ بنَ أبي وقاصٍ قدمَ إلى مكةَ
وقد كفَّ بصرُهُ؛ فجعلَ الناسُ يهرعونَ إليهِ ليدعوَ لهم، فجعلَ يدعو لهم؛ وكانَ مجابَ
الدعوةِ. قالَ عبداللهُ بنُ السائبِ: فأتيتُهُ وأنا غلامٌ فتعرفتُ إليهِ فعرفني، فقلتُ:
يا عمِّ، أنتَ تدعو للناسِ فيُشفونَ؛ فلو دعوتَ لنفسِكَ لردَّ اللهُ عليكَ بصرَكَ!!
فتبسمَ ثم قالَ: يا بنيَّ، قضاءُ اللهِ أحبُّ إليَّ من بصري”. (مدارجُ السالكينَ لابنِ
القيمِ).
“ويُروى أن عيسى عليهِ السلامُ مرَّ برجلٍ
أعمى أبرصَ مقعدٍ، وقد تناثرَ لحمُهُ من الجذامِ، وهو يقولُ: الحمدُ للهِ الذي عافاني
مما ابتلى بهِ كثيرًا من خلقِهِ. فقالَ لهُ عيسى: يا هذا، أيُّ شيءٍ من البلاءِ أراهُ
مصروفًا عنكَ؟ فقالَ: يا روحَ اللهِ، أنا خيرٌ ممن لم يجعلِ اللهُ في قلبِهِ ما جعلَ
في قلبي من معرفتِهِ. فقالَ لهُ: صدقتَ، هاتِ يدَكَ. فناولهُ يدَهُ، فإذا هو أحسنُ
الناسِ وجهًا وأفضلُهم هيئةً! وقد أذهبَ اللهُ عنهُ ما كانَ بهِ، فصحبَ عيسى عليهِ
السلامُ وتعبدَ معهُ”. (الإحياءُ).
وهناكَ قصصٌ ومواقفُ كثيرةٌ للرضا بنوائبِ
الدهرِ لا يتسعُ المقامُ لذكرِها!! وقارنْ بينَ ذلكَ وبينَ ما نحنُ فيهِ!!
نخلصُ من ذلكَ إلى أن الحياةَ ابتلاءٌ واختبارٌ،
وينبغي على العبدِ أن يرضى حتى يرضى عنهُ مولاهُ. فعن أنسِ بنِ مالكٍ رضيَ اللهُ عنهُ،
عن النبيِّ ﷺ قالَ: «إنَّ عِظَمَ الجزاءِ معَ عِظَمِ
البلاءِ، وإنَّ اللهَ إذا أحبَّ قومًا ابتلاهم، فمن رضيَ فلهُ الرضا، ومن سخطَ فلهُ
السخطُ». (الترمذيُّ).
ثالثًا: إيَّاكَ التباهي والنظرُ إلى ما
في أيدي الآخرينَ.
ينبغي على العبدِ أن يبتعدَ كلَّ البعدِ
عن التباهي والمظاهرِ الخداعةِ أو النظرِ إلى ما في أيدي الآخرينَ، وخاصةَ النظرَ إلى
من هو فوقَه في أمورِ الدنيا، فعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ؛ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَالَ: “إِذَا نَظَرَ أَحَدُكُمْ إِلَى
مَنْ فُضِّلَ عَلَيْهِ فِي الْمَالِ وَالْخَلْقِ فَلْيَنْظُرْ إِلَى مَنْ هُوَ أَسْفَلَ
مِنْهُ”. (متفقٌ عليهِ)؛ وفي روايةِ مسلمٍ: “انْظُرُوا إِلَى مَنْ هُوَ أَسْفَلَ مِنْكُمْ،
وَلاَ تَنْظُرُوا إِلَى مَنْ هُوَ فَوْقَكُمْ، فَإِنَّهُ أَجْدَرُ أَنْ لاَ تَزْدَرُوا
نِعْمَةَ اللَّهِ”. قالَ المباركفوريُّ: “إنَّ المرءَ إذا نظرَ إلى من فُضِّلَ عليهِ
في الدنيا، استصغرَ ما عندَه من نعمِ اللهِ، فكانَ سببًا لمقتِهِ، وإذا نظرَ للدونِ،
شكرَ النعمةَ، وتواضعَ وحمدَ“.
فكلما نظرتَ إلى من هو أقلُّ منكَ ازددتَ
رضًا وقناعةً؛ فإنْ كنتَ فقيرًا ففي الناسِ من هو أفقرُ منكَ! وإنْ كنتَ مريضًا ففي
الناسِ من هو أشدُّ منكَ مرضًا؛ وإنْ كنتَ ضعيفًا ففي الناسِ من هو أشدُّ منكَ ضعفًا..
فلماذا ترفعُ رأسَكَ لتنظرَ إلى من هو فوقَكَ، ولا تخفضُهُ لتبصرَ من هو تحتَكَ؟!
وأذكرُ هذهِ القصةَ لرجلٍ كانَ دائمًا ينظرُ
إلى من هو أعلى منهُ في الدنيا وكثرةِ المالِ والخدمِ؛ وكيفَ كانتْ نهايتُهُ؟! فقد
رُويَ أنَّ ابنَ الراونديِّ الضالَّ جلسَ على جسرِ بغدادَ يسألُ الناسَ فمرتْ خيلٌ؛
فقالَ: لمن؟ قالوا: لعليِّ بنِ بلتقَ غلامِ الخليفةِ؛ ثم مرتْ جوارٍ فقالَ: لمن؟ قالوا:
لعليِّ بنِ بلتقَ؛ ثم مرَّ بهِ غلامٌ أشفقَ عليهِ فأعطاهُ رغيفًا. فقالَ ابنُ الراونديِّ
الضالُّ: لعليِّ بنِ بلتقَ خيلٌ وجوارٍ وأنا أتسولُ رغيفًا!! فرماهُ وظلَّ يومَهُ جائعًا”.
(صيدِ الخاطرِ لابنِ الجوزيِّ).
فانظرْ: قد اجتمعتْ فيهِ خصالُ الحسدِ والغلِّ
وعدمُ الرضا بما قسمَهُ اللهُ فختمَ اللهُ على قلبِهِ؛ فبعدَ أنْ كانَ من أهلِ السنةِ؛
انتقلَ إلى المعتزلةِ؛ ثم صارَ رافضيًّا؛ ثم صارَ ملحدًا؛ وماتَ على ذلكَ – كما ذكرتْ
كتبُ التاريخِ – وهذهِ نهايةُ السخطِ وعدمِ الرضا!!
إنَّ ما تعانيهِ الأمةُ الإسلاميةُ اليومَ
من عدمِ الرضا يصدقُ فيهِ قولُ الحسنِ البصريِّ رحمهُ اللهُ حينما سُئلَ: من أينَ أُتيَ
هذا الخلقُ؟ قالَ: من قلةِ الرضا عن اللهِ، قيلَ لهُ: ومن أُتيَ قلةَ الرضا عن اللهِ؟
قالَ: من قلةِ المعرفةِ باللهِ. (روضةِ العقلاءِ). فالكلُّ ساخطٌ على السلبِ والعطاءِ؛
والكلُّ غيرُ راضٍ بمرِّ القضاءِ؛ والكلُّ – إلا من رحمَ اللهُ – أهملَ الأوامرَ الإلهيةَ
في كلِّ صباحٍ ومساءٍ؛ والكلُّ يحملُ نعمًا تساوي قصورًا شاهقةً وهو ساخطٌ على النعماءِ!!
“شكا بعضُهم إلى بعضِ أربابِ البصائرِ وأظهرَ
شدةَ اغتمامِهِ. فقالَ لهُ: أيسركَ أنكَ أعمى ولكَ عشرةُ آلافِ درهمٍ؟ فقالَ: لا، فقالَ:
أيسركَ أنكَ أخرسُ ولكَ عشرةُ آلافِ درهمٍ؟ فقالَ: لا، فقالَ: أيسركَ أنْ أقطعَ اليدينِ
والرجلينِ ولكَ عشرونَ ألفًا؟ فقالَ: لا، فقالَ: أيسركَ أنكَ مجنونٌ ولكَ عشرةُ آلافِ
درهمٍ؟ فقالَ: لا، فقالَ: أما تستحي أنْ تشكوَ مولاكَ ولهُ عندكَ عروضٌ بخمسينَ ألفًا!”.
(الإحياءِ للغزاليِّ).
فانظرْ يا عبدَ اللهِ: كم تحملُ من نعمٍ
وأنتَ غيرُ راضٍ!! أما تعلمُ أنَّ نعمَ اللهِ عليكَ مغدقةٌ وأنتَ لا تشعرُ!! أما تعلمُ
أنكَ تملكُ الدنيا وأنتَ لا تشكرُ!! فعَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ مِحْصَنٍ قَالَ: قَالَ
رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «مَنْ أَصْبَحَ مِنْكُمْ آمِنًا فِي سِرْبِهِ،
مُعَافًى فِي جَسَدِهِ، عِنْدَهُ قُوتُ يَوْمِهِ، فَكَأَنَّمَا حِيزَتْ لَهُ الدُّنْيَا».
أخرجهُ الترمذيُّ وابنُ ماجهَ.
هِيَ القناعةُ فالزمْها تَعِـشْ مَلِكاً
*** لـو لم يَكُنْ منك إلا راحةُ البدنِ
وانظر لمن مَلَكَ الدنيـا بأجْمَعِهَا
*** هل راحَ منها بغيرِ القُطْنِ والكَفَنِ
فلماذا التسخطُ؟ ولماذا التشكي؟ وأنتَ آمِنٌ
في نفسِكَ ومالِكَ وأهلِكَ، معافًى في بدنِكَ، عندكَ قوتُ يومِكَ، بل قوتُ عامٍ أو
يزيدُ..
فاحمدْ ربَّكَ على العافيةِ؛ والعيشةِ الكافيةِ؛
والساعةِ الصافيةِ، فكم في الأرضِ من وحيدٍ وطريدٍ وشريدٍ وفقيدٍ، وكم من رجلٍ قد غُلِبَ،
ومن مالُهُ سُلِبَ، وملكُهُ قد نُهِبَ، وكم من مسجونٍ ومغبونٍ ومدينٍ ومفتونٍ ومجنونٍ،
وكم من سقيمٍ وعقيمٍ ويتيمٍ، ومن يلازمُهُ الغريمُ والمرضُ الأليمُ؛ واعلمْ بأنَّ للهمِّ
مفتاحًا وهو السرورُ، وللذنبِ ربٌّ غفورٌ.
رغيفُ خبزٍ يابسٌ تأكلُهُ في عافيةٍ
*** وكوزُ ماءٍ باردٍ تشربُهُ من صافيةٍ
وغرفةٌ ضيقةٌ نفسُكَ فيها راضيةٌ *** ومصحفٌ
تدرسُهُ مستندًا لساريةٍ
خيرٌ من السكنى بأبراجِ القصورِ العاليةِ
*** وبعدَ قصرٍ شاهقٍ تُصلى بنارٍ حاميةٍ
فيا من تشكو من توالي الهمومِ والأحزانِ،
من قلةِ المالِ، من الفقرِ والحاجةِ… كنْ راضيًا صابرًا محتسبًا قنوعًا، ولتكنْ لكَ
في رسولِ اللهِ أسوةٌ حسنةٌ وقدوةٌ طيبةٌ؛ انظرْ إلى طعامِهِ، وانظرْ إلى فراشِهِ ولباسِهِ،
وانظرْ إلى مسكنِهِ.. لتدركَ أنَّكَ في نعمٍ كثيرةٍ وخيراتٍ وافرةٍ.
أيها الإخوةُ المؤمنونَ: هناكَ ظاهرةٌ خطيرةٌ
ومدمرةٌ للمجتمعِ ألا وهي: (خطرُ إدمانِ السوشيالِ ميديا وأثرُهُ على الأسرةِ)، ضمنَ
مبادرةِ (صححْ مفاهيمَكَ)، فمنَ المعلومِ أنَّ الاستخدامَ الأسوأَ لوسائلِ التواصلِ
الاجتماعيِّ لهُ آثارُهُ السيئةُ على الفردِ والمجتمعِ، فتشيرُ دراساتٌ تربويةٌ ونفسيةٌ
إلى أنَّ الإفراطَ في الجلوسِ أمامَ أجهزةِ الحاسوبِ والتصفحِ المستمرِّ لشبكةِ الإنترنتِ،
خصوصًا لدى الأطفالِ والشبابِ، قد يتركُ آثارًا سلبيةً على تكوينِ الشخصيةِ؛ إذ يُضعفُ
روحَ المبادرةِ، ويعززُ الميلَ إلى العزلةِ والانطواءِ، وينمِّي الاعتماديةَ والسلبيةَ،
مما ينعكسُ على مستوى الهمةِ والإنتاجيةِ والقدرةِ على المثابرةِ وتحملِ المسؤوليةِ.
إنَّ من أخطرِ الآثارِ السلبيةِ لسوءِ استخدامِ
الإنترنتِ ما ينعكسُ على الحياةِ الزوجيةِ من اضطراباتٍ ومشكلاتٍ قد تهددُ استقرارَ
الأسرةِ وتماسكَها، فبعضُ الممارساتِ المحرمةِ عبرَ الشبكةِ، كالمحادثاتِ الخاصةِ المشبوهةِ،
أو إقامةِ العلاقاتِ العاطفيةِ غيرِ المشروعةِ، أو متابعةِ المحتوياتِ الإباحيةِ، تؤدي
إلى زعزعةِ الثقةِ بينَ الزوجينِ وإثارةِ الشكوكِ والريبةِ، مما يفتحُ أبوابَ الخلافِ
والنزاعِ داخلَ البيتِ، ناهيكَ عن الضررِ الذي يلحقُ بالأسرِ ويدمرُها.
لذلكَ حذرَنا الشرعُ الحكيمُ من ذلكَ. فعنِ
ابنِ عباسٍ رضي اللهُ عنهما قالَ: قالَ رسولُ اللهِ ﷺ: «لا ضررَ ولا ضرارَ». [رواهُ ابنُ ماجهَ].
كذلكَ من أهمِّ هذه المخاطرِ: نشرُ ثقافةِ
المقارناتِ والتفاخرِ، فالمتابعةُ المستمرةُ لما يعرضُهُ الآخرونَ من مظاهرِ الرفاهيةِ
والنجاحِ قد تولِّدُ الشعورَ بعدمِ الرضا والحسدِ والتنافسِ غيرِ المحمودِ.
لذلكَ ينبغي علينا الاستخدامُ الأمثلُ لوسائلِ
التواصلِ الاجتماعيِّ، من أجلِ صلاحِ الأسرِ والبلادِ والعبادِ.
فعليكم بمتابعةِ أولادِكم، ولا تتركوهم
في براثنِ الفسادِ والعفنِ، فأنتم مسؤولونَ عنهم أمامَ اللهِ. يقولُ ﷺ: «إِنَّ اللهَ سَائِلٌ كُلَّ رَاعٍ عَمَّا
اسْتَرْعَاهُ، أَحَفِظَ ذَلِكَ أَمْ ضَيَّعَ؟ حَتَّى يُسْأَلَ الرَّجُلُ عَنْ أَهْلِ
بَيْتِهِ». (النسائيُّ وابنُ حبانَ بسندٍ صحيحٍ).
نسألُ اللهَ أنْ يرزقَنا الرضا والقناعةَ، وأنْ يحفظَ أسرَنا وبلادَنا مِنْ كلِّ مكروهٍ وسوءٍ.