recent
أخبار عاجلة

خطبة الجمعة سلامة الصدور وأثرها في السلم المجتمعي الشيخ أحمد أبو اسلام

سلامة الصدور وأثرها في السلم  المجتمعي  


 سلامة القلب طريقك إلى الجنة

صفات سليم الصدر

 أمثلة ونماذج


إن الحمد لله، نحمَده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، مَن يَهده الله فلا مُضل له، ومن يُضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، أما بعد:

فأُوصيكم ونفسي بوصية الله للأولين والآخرين: ﴿ وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنِ اتَّقُوا اللَّهَ ﴾ [النساء: 131].

سلامة القلب طريقك إلى الجنة

عباد الله

لو سألتُ كلَّ واحدٍ منكم معاشر الحضورِ الكرام: ما هي قائمةُ أمنياتِك وغايةُ مطامعِك؟

لا شك أن الإجاباتِ ستختلف، فكلٌّ منا له أحلامُه وآمالُه.

إلا أن ثمَّةَ أمنيةً لا بد أننا سنجدها متكررةً في كل الإجابات، بل إننا سنجدُها في أعلى القوائم.

لعلكم عرفتُم ما هي؟

إنها دخولُ الجنة.

الجنةُ! وما أدراك ما الجنة؟!

تلك الدار التي جمعت كلَّ صنوفِ المتع، وكَمُلَت فيها كلُّ لذائذ النعيم.

تلك الدار التي ما إن تضع رجلَك فيها حتى ينسيك نعيمُها كلَّ بؤس، وتُغَيِّبُ بهجتُها كلَّ تعبٍ وكلَّ كدر.

(إِنَّ أَصْحَابَ الْجَنَّةِ الْيَوْمَ فِي شُغُلٍ فَاكِهُونَ (55) هُمْ وَأَزْوَاجُهُمْ فِي ظِلَالٍ عَلَى الْأَرَائِكِ مُتَّكِئُونَ (56) لَهُمْ فِيهَا فَاكِهَةٌ وَلَهُم مَّا يَدَّعُونَ (57) سَلَامٌ قَوْلًا مِّن رَّبٍّ رَّحِيمٍ).

اللهم اجعلنا من سكانها وأهلِ الدرجاتِ العلى فيها.

عباد الله

حديثنا ليس عن الجنة، بل عن الطرقِ الموصلةِ إليها، وبالأصح سنتحدثُ عن أقصرِ الطرقِ إليها.

حديثنا عن طريقٍ إلى الجنة، لا تحتاجُ فيه إلى عظيمِ اجتهاد، ولا طولِ ترحال، ولا كثيرِ حرمانٍ من المحابِّ والشهوات. فهو طريقٌ يوصلك إلى أعظمِ أمانيك وأغلى أحلامك، بأقلِّ الجهود، وأيسرِ السبل.

يقول الأكفانيُّ رحمه الله: "أقصر طرق الجنَّة سَلَامة الصَّدر".

وقال سفيان بن دينار: قلت لأبي بَشِير: أخبرني عن أعمالِ من كان قَبْلنا؟ قال: كانوا يعملون يسيرًا، ويُؤْجَرون كثيرًا. قلت: ولم ذاك؟ قال: لسَلَامة صدورهم.

وقد يظنُّ الظانُّ أنهم حين يدخلون الجنةَ فلن يكونوا من خيارِ أهلِها وذلك ليُسْرِ عملهم. ولكن الحقيقةَ أنهم يتربعون على عرشِ الأفضليةِ بين الناس بشهادةِ رسولِ الله صلى الله عليه وسلم.

قيل لرسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليْهِ وسلَّمَ: أيُّ الناسِ أفضلُ؟

فقال: (كلُّ مخمومِ القلبِ صدوقِ اللسانِ)

قالوا: صدوقُ اللسانِ نعرفُه فما مخمومُ القلبِ؟

قال: (هو التقيُّ النقيُّ لا إثمَ فيه ولا بغيَ ولا غِلَّ ولا حسدَ). ( رواه ابن ماجة )

عباد الرحمن

 عبادةٌ من أسباب دخول الجنة، لا تُكلف مالًا، وهي من أسباب العافية والصحة في الأبدان، وتُحببك إلى الناس، وتُكسبك مكارم الأخلاق، وتَجلب للنفس الراحة والسعادة وتُبعِد عنها الشقاء والعناء، عبادة تحفَظ لك حسناتك، وتحفَظك عن أعراض العباد، إنها سلامة الصدر؛ أخرج أحمد والنسائي - وقال ابن كثير إسناده صحيح على شرط الصحيحين - عن أنس رضي الله عنه قال: كنَّا جُلوسًا مع رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليْهِ وسلَّمَ فقالَ: يطلُعُ عليكُم الآنَ رجلٌ من أهلِ الجنَّةِ، فطلعَ رجلٌ من الأنصارِ تَنطَفُ لحيتُهُ من وَضوئِه، قد تعلَّقَ نَعليهِ بيدِه الشِّمالِ، فلمَّا كانَ الغَدُ قالَ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليْهِ وسلَّمَ مثلَ ذلكَ، فطلعَ ذلكَ الرَّجلُ مثلَ المرَّةِ الأُولَى، فلمَّا كانَ في اليومِ الثَّالثِ، قالَ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليْهِ وسلَّمَ مثلَ مقالتِهِ أيضًا، فطلعَ ذلكَ الرَّجلُ على مِثلِ حالِه الأُولَى، فلمَّا قامَ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليْهِ وسلَّمَ تبِعَه عَبدُ اللهِ بنِ عمرو بنِ العاصِ، فقالَ: إنِّي لاحَيتُ أبي فأقسَمتُ ألا أدخُلَ عليهِ ثلاثًا، فإن رأيتَ أن تُؤويَني إليك حتَّى تمضِيَ فَعلتُ، قالَ: نعَم، قال أنَسٌ: فكانَ عبدُ اللهِ يحدِّثُ أنَّه باتَ معهُ تلكَ الثَّلاثِ اللَّيالِي، فلم يرَهُ يقومُ من اللَّيلِ شيئًا، غيرَ أنَّه إذا تعارَّ وتقلَّبَ على فِراشِه ذكرَ اللهَ وكبَّرَ حتَّى يَقومَ لصلاةِ الفَجرِ، قالَ عبدُ اللهِ: غيرَ أنِّي لَم أسمَعْه يقولُ إلَّا خيرًا، فلمَّا مَضتِ الثَّلاثُ ليالٍ وكِدتُ أن أحتقرَ عَملَه قُلتُ: يا عبدَ اللهِ لَم يكُنْ بيني وبينَ أبي غَضبٌ ولا هَجرٌ، ولكنْ سمِعتُ رسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليْهِ وسلَّمَ يقولُ لكَ ثَلاثَ مرارٍ: يطلعُ عليكم الآنَ رجلٌ من أهلِ الجنَّةِ، فطلعتَ أنتَ الثَّلاثَ المِرارَ، فأردتُ أن آوِيَ إليك لأنظرَ ما عَملُكَ فأقتدِيَ بهِ، فلم أرَكَ تعمَلُ كثيرَ عملٍ، فما الَّذي بلغَ بكَ ما قالَ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليْهِ وسلَّمَ؟ قالَ: ما هوَ إلَّا ما رأيتَ، فلمَّا ولَّيتُ دعانِي فقالَ: ما هوَ إلَّا ما رأيتَ غيرَ أنِّي لا أجِدُ في نَفسي لأحَدٍ من المسلمينَ غِشًّا، ولا أحسُدُ أحدًا على خَيرٍ أعطَاه اللهُ إيَّاهُ، قالَ عبدُ اللهِ: هذهِ الَّتي بلغَتْ بكَ وهيَ الَّتي لا تُطاقُ"، وفي رواية عند غيرهما: "ما هو إلا ما رأيتَ يا بن أخي، إلا أني لم أبت ضاغنًا على مسلم"؛ (أخرَجه البزار).

إخوة الإيمان، القلب محل نظرٍ للرب جل وعلا، ففي صحيح مسلم يقول النبي صلى الله عليه وسلم: "إنَّ اللَّهَ لا يَنْظُرُ إلى صُوَرِكُمْ وأَمْوالِكُمْ، ولَكِنْ يَنْظُرُ إلى قُلُوبِكُمْ وأَعْمالِكُمْ"، وفي الصحيحين يقول النبي صلى الله عليه وسلم: "ألَا وإنَّ في الجَسَدِ مُضْغَةً: إذَا صَلَحَتْ صَلَحَ الجَسَدُ كُلُّهُ، وإذَا فَسَدَتْ فَسَدَ الجَسَدُ كُلُّهُ، ألَا وهي القَلْبُ".

صفات سليم الصدر


وسليمُ الصدرِ يا عباد الله له صفاتٌ يتحلى بها، وسماتٌ يتزين بها:

فمن ذلك أنه كثيرُ الصفح، عظيمُ العفو، يعفو عن زوجِه وأولادِه، يعفو عن خدمِه وعمّالِه، يعفو عن رئيسِه ومرؤوسيه، يعفو عن أساتذتِه وطلابِه، بل يعفو حتى عن ألدِّ أعدائِه وخُصمائِه.

هو كثيرُ الصفح فيصفحُ المرةَ تلوَ المرة، لا يكلُّ ولا يملُّ. جاء رجلٌ إلى النبيِّ صلى الله عليه وسلم، فقال: يا رسولَ اللهِ، كم نعفو عن الخادمِ؟ فصمَتَ، ثم أعادَ عليه الكلامَ، فصَمَتَ، فلما كان في الثالثةِ قال: (اعفُوا عنه في كل يومٍ سبعين مرةً) ( رواه أبو داوود) .

هو عظيمُ العفو، فيعفو ولو كَبُرَ الخطأ، ويعفو ولو عَظُمَ الأذى. قدوته في ذلك سادةُ الخلقِ من الأنبياءِ والصالحين.

هذا سيدنا يوسفُ عليه السلام!

رماه إخوانُه وأقربُ الناس إليه في البئر. بسببِهم انتقلَ من الحرية إلى العبودية، بسببِهم ابتليَ فلبث في السجن بضعَ سنين، بسببهم تغرَّبَ عن أمه وأبيه السنينَ الطوال، فلما لقيهم بعد كلِّ تلك المآسي والمعاناة، إذا به يتكلم بالعجبِ العجاب، وينطقُ بالعذبِ الزُّلال (قَالَ لَا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ ۖ يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ ۖ وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ).

وهذا سيدنا  محمدٌ صلى الله عليه وسلم!

تقول له عائشة: هلْ أتَى عَلَيْكَ يَوْمٌ كانَ أشَدَّ مِن يَومِ أُحُدٍ؟

فقالَ: (لقَدْ لَقِيتُ مِن قَوْمِكِ ما لَقِيتُ، وكانَ أشَدَّ ما لَقِيتُ منهمْ يَومَ العَقَبَةِ، إذْ عَرَضْتُ نَفْسِي علَى ابْنِ عبدِ يالِيلَ بنِ عبدِ كُلالٍ، فَلَمْ يُجِبْنِي إلى ما أرَدْتُ، فانْطَلَقْتُ وأنا مَهْمُومٌ علَى وجْهِي، فَلَمْ أسْتَفِقْ إلَّا وأنا بقَرْنِ الثَّعالِبِ، فَرَفَعْتُ رَأْسِي، فإذا أنا بسَحابَةٍ قدْ أظَلَّتْنِي.

فَنَظَرْتُ فإذا فيها جِبْرِيلُ، فَنادانِي فقالَ: إنَّ اللَّهَ قدْ سَمِعَ قَوْلَ قَوْمِكَ لَكَ، وما رَدُّوا عَلَيْكَ، وقدْ بَعَثَ إلَيْكَ مَلَكَ الجِبالِ لِتَأْمُرَهُ بما شِئْتَ فيهم.

فَنادانِي مَلَكُ الجِبالِ فَسَلَّمَ عَلَيَّ، ثُمَّ قالَ: يا مُحَمَّدُ، إنْ شِئْتَ أنْ أُطْبِقَ عليهمُ الأخْشَبَيْنِ.

((الأخشبان)): الجبلان المحيطان بمكة. والأخشب: هو الجبل الغليظ.

فقالَ النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ: بَلْ أرْجُو أنْ يُخْرِجَ اللَّهُ مِن أصْلابِهِمْ مَن يَعْبُدُ اللَّهَ وحْدَهُ لا يُشْرِكُ به شيئًا) ( متفق عليه) .

إنها الأخلاقُ العاليةُ، والقلوبُ الراقيةُ، والنفوسُ السامية (أُولَٰئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ ۖ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ).

ومن صفاتِ سليمِ الصدر أنه لا يسجّلُ العداوات، ولا يحفظُ السيئات، ولا يُشغِلُ نفسَه بالخصومات. لن تجدَ في قاموسه الحقد ولا التدابر، ولا الهجر ولا التقاطع.

يضع نصبَ عينيه الوصيةَ النبويةَ الغاليةَ حين قال صلى الله عليه وسلم: (لا تَباغَضُوا، ولا تَحاسَدُوا، ولا تَدابَرُوا، وكُونُوا عِبادَ اللَّهِ إخْوانًا، ولا يَحِلُّ لِمُسْلِمٍ أنْ يَهْجُرَ أخاهُ فَوْقَ ثَلاثَةِ أيَّامٍ) ( رواه البخاري)

يفرُّ من البغضاءِ لأنه يعلم أنها الحالقةُ التي تحلقُ الدين الذي طالما عملَ في بنائِه ورَفْعِ عمادِه. ما يلبث أن ينزغَ الشيطان بينه وبين أخيه، حتى يكون هو أسرعَ في الاعتذار، وأسهلَ في تناسي الخصومة.

وهو يخشى طالت الشحناءُ أن يُحرم المغفرة، وأن يباعدَ بينه وبين الجنة. يقول النبي صلى الله عليه وسلم: (تُفْتَحُ أبْوابُ الجَنَّةِ يَومَ الاثْنَيْنِ، ويَومَ الخَمِيسِ، فيُغْفَرُ لِكُلِّ عَبْدٍ لا يُشْرِكُ باللَّهِ شيئًا، إلَّا رَجُلًا كانَتْ بيْنَهُ وبيْنَ أخِيهِ شَحْناءُ، فيُقالُ: أنْظِرُوا هَذَيْنِ حتَّى يَصْطَلِحا، أنْظِرُوا هَذَيْنِ حتَّى يَصْطَلِحا، أنْظِرُوا هَذَيْنِ حتَّى يَصْطَلِحا) ( رواه مسلم) .

ومن صفات سليمِ الصدرِ أنه لا يتَقَصَّى العثرات، ولا يبحثُ عن الزلات، بل يحسنُ الظنَّ في إخوانه، ويلتمسُ لهم الأعذار، ويحملُ أفعالَهم وأقوالَهم على أحسنِ المحامل، ويبتعدُ عن كل ما يفسدُ سلامةَ صدره تجاهَهُم.

يقول النبيُّ صلى الله عليه وسلم: (يا معشرَ من آمنَ بلسانِه ولم يدخلْ الإيمانُ قلبَه، لا تغتابوا المسلمين، ولا تتَّبعوا عوراتِهم، فإنه من اتَّبعَ عوراتِهم يتَّبعُ اللهُ عورتَه، ومن يتَّبعِ اللهُ عورتَه يفضحُه في بيتِه).

قال ابنُ سيرين: إذا بلغكَ عن أخيك شيءٌ فالتمسْ له عذرًا، فإن لم تجد فقل: لعل له عذرًا لا أعرفه.

 ومن صفاتِ سليمِ الصدرِ أنه يحبُّ الخيرَ لإخوانه، ولا يحَسِدُهم على فضلٍ أعطاهم اللهُ إياه، بل يرجو لهم كلَّ خير، ويحبَّ لهم ما يحبُّ لنفسه. قال صلى الله عليه وسلم: (لَا يُؤْمِنُ أحَدُكُمْ، حتَّى يُحِبَّ لأخِيهِ ما يُحِبُّ لِنَفْسِهِ) ( رواه البخاري) .

قال ابن عباس: " "إني لأسمعُ أن الغيثَ قد أصاب بلدًا من بلدان المسلمين فأفرحُ به، ومالي به سائمة".

وكلُّ النفوسِ قد يصيبُها شيءٌ من الحسد، لكنَّ سليمَ الصدرِ إن نما في قلبه شيءٌ من ذلك، كَبَتَ الحسدَ وأخفاه، وطوَّعَ نفسَه لمحبةِ الخيرِ لأخيه، وألزمَها الدعاءَ له سراً وجهراً بأن يباركَ اللهُ له فيما أعطاه. وكما قيل: "مَا خلا جَسَدٌ من حسدٍ، لَكِنَّ اللَّئِيمَ يبديه والكريمَ يخفيه".

ومن صفاتِ سليمِ الصدرِ أنه مرتاحُ البال، بعيدٌ عن الغموم، سليمٌ من الخصومات. فهو بذلك في جنة الدنيا قبل جنة الآخرة، يتنعمُ بجزءٍ من نعيمها قبل أن يكون من أهلها الذين قال اللهُ فيهم يبين عِظَمَ نعيمِهم (وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِم مِّنْ غِلٍّ إِخْوَانًا عَلَىٰ سُرُرٍ مُّتَقَابِلِينَ)، ويقول النبي صلى الله عليه وسلم واصفا حالَهم: (قُلُوبُهُمْ علَى قَلْبِ رَجُلٍ واحِدٍ، لا اخْتِلَافَ بيْنَهُمْ ولَا تَبَاغُضَ) ( رواه البخاري) .

هذا هو سليمُ الصدر، وهذا هو قلبُه المنعم، وروحُه المطمئنة، ونفسُه الهادئة، ووعدُ الصدقِ الذي ينتظره في الآخرة.

فهل اشتقت لتكون أنت ذاك الرجل؟!

(اسْتَعِنْ باللَّهِ وَلَا تَعْجِزْ) (وإنما الحِلمُ بالتَّحلُّمِ، ومن يتحرَّ الخيرَ يُعطَهْ  ومن يتَّقِ الشرَّ يُوَقَه) .

أمثلة ونماذج:

 

عمران بن طلحة بن عبيد الله، دخل على عليبعد وقعة الجمل، وأبوه كان ممن في صف أهل الشام، فرحب به عليوأدناه، وقال إني لأرجو أن يجعلني الله وأباك من الذين قال اللهفيهم: إِخْوَانًا عَلَى سُرُرٍ مُتَقَابِلِينَ [الحجر:47].

وأمر أن ترد ضيعة أبيه (مزرعة)، وقال: ما أخذناها هذه المدة إلا من أجل أن نحفظها؛ لئلا تنتهك، وأمر بأن يعطى ما يكافئ غلتها عبر تلك السنين[الطبقات الكبرى].

بعد معركة يرحب به، ويقول مثل هذا الكلام؟

وجاء رجل وشتم ابن عباس -رضي الله عنهما- فقال ابن عباس: "إنك لتشتمني وفي ثلاث خصال: إني لآتي على الآية من كتاب اللهفلوددت أن جميع الناس يعلمون منها ما أعلم، وإني لأسمع بالحاكم من حكام المسلمين يعدل في حكمه فأفرح به ولعلي لا أقاضي إليه أبدًا".

ليست عندي قضيه عنده، لكن أحب الخير للناس "وإني لأسمع بالغيث قد أصاب البلد من بلاد المسلمين فأفرح ومالي به من سائمة"[المعجم الكبير للطبراني].

هذه محبة النفع للناس، سلامة الصدر لهم.

ولما احترق السوق، وجاء أحد السلف وله ضيعة –دكان- له محل في هذا السوق، فقابله رجل، وقال له: دكانك لم يحترق، فقال: الحمد لله، يقول: أنا استغفر لها منذ كذا وكذا[مجموع رسائل ابن رجب].

يستغفر من هذا الذي قاله حينما قال الحمد لله يقول: كيف إني فرحت بهذا لما لم يحترق دكاني، مع أن محال المسلمين قد احترقت، انظروا القلوب السليمة.

ولما فتح المعتصم عمورية، وكان قد جلد الإمام أحمد وحبسه وآذاه، قال الإمام أحمد: هو في حل من ضربي[ سير أعلام النبلاء]، وقال: كل من ذكرني ففي حل إلا مبتدعًا، وقد جعلت أبا إسحاق في حل -يعني المعتصم- ورأيت الله يقول: وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا [النور:22].

وأمر النبي أبا بكربالعفو في قصة مسطح.

ثم قال الإمام أحمد: وما ينفعك أن يعذب الله أخاك في سبيلك؟[سير أعلام النبلاء].

شيخ الإسلام لما خرج من السجن، وبدأ الناس يتكلمون، وبعضهم يقول: فلان قصر فلان ما قام بالواجب، حينما سجن الشيخ، بعضهم ما كتب، بعضهم ما تكلم بعضهم ما كان له موقف واضح، بعضهم تسبب في أذية الشيخ، ماذا كان يقول -رحمه الله؟

يقول لأصحابه: إني لا أحب أن يؤذى أحد من عموم المسلمين فضلًا عن أصحابنا بشيء أصلًا، لا باطنًا، ولا ظاهرًا، ولا عندي عتب على أحد منهم، ولا لوم أصلًا، بل لهم عندي من الكرامة والإجلال والمحبة والتعظيم أضعاف أضعاف ما كان، كل بحسبه، ولا يخلو الرجل إما أن يكون مجتهدًا مصيبًا أو مخطئًا مذنبًا، فالأول مأجور مشكور، والثاني مع أجره على الاجتهاد فمعفو عنه مغفور، -ما عنده تصفية حسابات- والثالث: فالله يغفر لنا وله ولسائر المسلمين.

يقول: فنطوي بساط الكلام المخالف لهذا الأصل، كقول القائل: فلان قصر، فلان عمل، فلان أوذي الشيخ بسببه، فلان كان سبب هذه القضية، فلان كان يتكلم في كيد فلان، ونحو هذه الكلمات التي فيها مذمة لبعض الأصحاب والإخوان، فإني لا أسامح من أذاهم من هذا الباب، ولا حول ولا قوة إلا بالله[مجموع الفتاوى ].

انظروا إلى النفوس، وقد تكلمت في درس بعنوان: "أخلاق الكبار" عن أمثلة ونماذج فذة من هذا القبيل.

ولما مات ابن مخلوف، يقول ابن القيم: أتينا نبشره بموت ألد أعدائه الذي كفره، وأفتى بقتله، قال: تبشرني بموت رجل من المسلمين، فذهب إلى أولاده واسترجع، وقال: أنا لكم مكانة، لا يكون لكم أمر تحتاجون فيه إلى مساعدة إلا وساعدتكم فيه[مدارج السالكين].

انظر القلوب الكبيرة والنفوس، وسلامة الصدور، مع أن هذا رجل من أهل الأهواء والبدع.

بل كان بعض أصحاب شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله- يقول: وددت أني لأصحابي مثله لأعدائه وخصومه[مدارج السالكين].

يقول ابن القيم: وما رأيته يدعو على أحد منهم قط، وكان يدعو لهم[مدارج السالكين ].

ونحن إذا أساء إلينا أحد دعونا عليه دعاء يكسر الجبال.

على كل حال، هذه بعض الجوانب، وأسأل اللهأن ينفعني وإياكم بما سمعنا، والحديث في هذا الموضوع ذو شجون، وهي قضية نحتاج إليها جميعًا، فأسأل اللهأن يصلح قلوبنا ونفوسنا، وأن يجعلها سليمة لإخواننا المسلمين.

اللهم ارحم موتانا، واشف مرضانا، وعاف مبتلانا، واجعل آخرتنا خيرًا من دنيانا، رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ [الحشر:10]، والله أعلم وصلى الله على محمد وآله وصحبه.  

  

google-playkhamsatmostaqltradent