فضل صيام يوم عاشوراء
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام
على البشير النذير السراج المنير الصادق الوعد الأمين وعلى آله وصحبه حق قدره ومقداره
العظيم، أما بعد:
فإن يوم عاشوراء هو اليوم العاشر من شهر
الله المُحرَّم أحد الأشهر الحُرُم التي ذكرها الله -تعالى- في قوله: "إِنَّ عِدَّةَ
الشُّهورِ عِندَ اللَّـهِ اثنا عَشَرَ شَهرًا في كِتابِ اللَّـهِ يَومَ خَلَقَ السَّماواتِ
وَالأَرضَ مِنها أَربَعَةٌ حُرُمٌ". سورة التوبة .
فعندما قدِمَ رسول الله -صلّى الله عليه
وآله وصحبه وسلّم- إلى المدينة المُنوَّرة، وجد اليهود يصومون يوم عاشوراء، وعندما
سألهم عن سبب صيامهم أجابوا إنّه يومٌ نجّى الله -تعالى- فيه موسى -عليه السلام- وقومه
وأغرق فرعون وجنده، وكان موسى -عليه السلام- يصومه؛ شُكراً لله -تعالى-؛ فصامه الرسول
-صلّى الله عليه وآله وصحبه وسلّم-، وأمرَ بصيامه، فقال للصحابة: (أنتُمْ أحَقُّ بمُوسَى
منهمْ فَصُومُوا).
وقد ورد عن ابن عبّاس -رضي الله تعالى عنهما- أنّ النبيّ -عليه الصلاة
والسلام- قال في ذلك: (فأنَا أحَقُّ بمُوسَى مِنكُمْ، فَصَامَهُ، وأَمَرَ بصِيَامِهِ)..
وقد كان هذا الأمر قبل فرض صيام رمضان،
فلما فرض رمضان خيرهم المصطفى صلوات الله وسلامه عليه، فمن شاء صام ومن شاء أفطر، كما
جاء ذلك في صحيح مسلم عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما: أن أهل الجاهلية كانوا يصومون
يوم عاشوراء . وأن رسول الله صلى الله عليه وسلم صامه، والمسلمون . قبل أن يفترض رمضان،
فلما افترض رمضان ، قال رسول الله صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم : " إن عاشوراء
يوم من أيام الله . فمن شاء صامه ومن شاء تركه ".
ما هو فضل صيام يوم عاشوراء؟
المسلم يتحصل على فضائل عظيمة عند صيام يوم عاشوراء، ومنها ما
يلي:
1- تكفير ذنوب السنة الماضية؛ فقد ورد عن أبي
قتادة -رضي الله عنه- عن الرسول -صلّى الله عليه وآله وصحبه وسلّم-، أنّه قال: (سُئِلَ
عن صَوْمِ يَومِ عَاشُورَاءَ؟ فَقالَ: يُكَفِّرُ السَّنَةَ المَاضِيَةَ).
2- . اتِّباع سُنّة رسول الله -صلّى الله عليه
وآله وصحبه وسلّم- ؛ فقد ورد عن ابن عباس -رضي الله عنه- عندما سُئِلَ عن يوم عاشوراء
أنّه قال: (ما عَلِمْتُ أنَّ رَسولَ اللهِ -صَلَّى اللَّهُ عليه وسلَّمَ- صَامَ يَوْمًا
يَطْلُبُ فَضْلَهُ علَى الأيَّامِ إلَّا هذا اليومَ).
فصيام يوم عاشوراء فضيلة عظيمة، لما رواه
أحمد وغيره عن أمنا حفصة: "أن النبي صلى الله عليه وسلم كان لا يدع صيام يوم عاشوراء،
والعشر، وثلاثة أيام من كل شهر".
ولما رواه البخاري والنسائي عن ابن عباس
قال: ما رأيت النبي صلى الله عليه وسلم يتحرى صيام يوم فضله على غيره إلا هذا اليوم،
يوم عاشوراء، وهذا الشهر، يعني شهر رمضان" .
3-
الاقتداء بالأنبياء عليهم السّلام، كنبيّ الله موسى -عليه الصلاة والسلام-،
وتحقيق شُكر الله -تعالى- على نِعمته وفضله بنجاة المؤمنين، وإهلاك الجاحدين في ذلك
اليوم العظيم.. وقد ذُكِرت قصّة نجاة موسى -عليه الصلاة والسلام-، وإغراق فرعون في
القرآن الكريم، في قوله -تعالى-: "فَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنِ اضْرِب بِّعَصَاكَ
الْبَحْرَ فَانفَلَقَ فَكَانَ كُلُّ فِرْقٍ كَالطَّوْدِ الْعَظِيمِ"، وذلك عندما
جَحَد فرعون بالله -تعالى-، وتكبَّر، فقرَّر موسى -عليه السلام- الخروج مع قومه؛ فتبعهم
فرعون إلى أن وصلوا البحرَ؛ فأمر الله تعالى- موسى -عليه السلام- أن يضرب البحرَ بعصاه
لينقسم إلى قسمَين، فيتمكّن موسى وقومه من العبور، إلّا أنّ فرعون لم يَتّعِظ مِمّا
رأى، واستمرّ في تكبُّره، ولَحِقَ هو وجنوده بموسى -عليه السلام-، وقومه، فأغرقه الله
تعالى هو وجنوده، ونجَّى موسى -عليه السلام-، ومَن آمن به..
4- السَّير على نَهج الصحابة -رضوان الله عليهم-
في صيام يوم عاشوراء، وتصويمهم أولادهم فيه؛ فقد ورد عن الربيع بنت عفراء -رضي الله
عنها- أنّها قالت: (أَرْسَلَ رَسولُ اللهِ -صَلَّى اللَّهُ عليه وسلَّمَ- غَدَاةَ عَاشُورَاءَ
إلى قُرَى الأنْصَارِ، الَّتي حَوْلَ المَدِينَةِ: مَن كانَ أَصْبَحَ صَائِمًا، فَلْيُتِمَّ
صَوْمَهُ، وَمَن كانَ أَصْبَحَ مُفْطِرًا، فَلْيُتِمَّ بَقِيَّةَ يَومِهِ. فَكُنَّا،
بَعْدَ ذلكَ نَصُومُهُ، وَنُصَوِّمُ صِبْيَانَنَا الصِّغَارَ منهمْ إنْ شَاءَ اللَّهُ،
وَنَذْهَبُ إلى المَسْجِدِ، فَنَجْعَلُ لهمُ اللُّعْبَةَ مِنَ العِهْنِ، فَإِذَا بَكَى
أَحَدُهُمْ علَى الطَّعَامِ أَعْطَيْنَاهَا إيَّاهُ عِنْدَ الإفْطَارِ).
5 - استحباب مطلق الصيام في المحرم، فقد جاء
الخبر عن الصادق المصدوق صلى الله عليه وسلم أن الله يحب الصوم فيه، بل إنه أحب الصيام
إلى الله بعد الفريضة: فقد روى الترمذي من حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال: أتى النبي
صلى الله عليه وسلم رجل فسأله عن أفضل الصلاة بعد المكتوبة، وأفضل الصيام بعد شهر رمضان،
فقال: أفضل الصلاة بعد المكتوبة الصلاة في جوف الليل وأفضل الصيام بعد شهر رمضان الشهر
الذي يدعونه المحرم"
.
كماحثّ الله عز وجل عباده على الصيام، ووعدهم بالثواب الجزيل والأجر العظيم خاصة حين يكون الصيام
نافلة أي تطوعا، فعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ: (من صامَ يومًا في سبيلِ اللهِ زحزحَ
اللَّهُ وجْهَهُ عنِ النَّارِ بذلِكَ اليومِ سبعينَ خريفًا) .
ويتضاعف الفضل حين يكون الصيام في الأيام
الفاضله لا سيما في الأشهر الحرم، وموعود من فعل ذلك هو أن يباعد الله بينه وبين النار
سبعين خريفا، أي: سبعين سنة؛ لأنه كلما مر خريف انقضت سنة، وهذا يدل على بعد النار
عن المجاهد الصائم، أو الصائم المحتسب لله عز وجل في هذه الأيام المباركات .
حُكم صيام عاشوراء:
يُعَدّ صيام يومَي عاشوراء وتاسوعاء سُنَّة
باتِّفاق الفقهاء؛ فقد قال حضرة النبيّ -صلّى الله عليه وآله وصحبه وسلّم-: (هذا يَوْمُ
عَاشُورَاءَ ولَمْ يَكْتُبِ اللَّهُ علَيْكُم صِيَامَهُ، وأَنَا صَائِمٌ، فمَن شَاءَ،
فَلْيَصُمْ ومَن شَاءَ، فَلْيُفْطِرْ)، وقد
ذهب بعض العلماء إلى أنّ صيام يوم عاشوراء كان فَرضاً في بداية الإسلام، وعندما فُرِضَ
رمضان أصبح صيامه سُنَّة، وقد قال النبيّ -صلّى الله عليه وآله وصحبه وسلّم-:"لَئِنْ
بَقِيتُ إلى قَابِلٍ لَأَصُومَنَّ التَّاسِعَ"؛ دلالة على سُنّية صيام التاسع مع العاشر، ويجوز إفراد صيام يوم عاشوراء دون تاسوعاء.
وتجدر الإشارة إلى أنّه يُستحَبّ لِمَن
يصوم عاشوراء أن يصوم معه التاسع من مُحرَّم، أو الحادي عشر منه؛ وذلك لمُخالفة اليهود؛
لأنّهم كانوا يصومون العاشر وحده، كما أنّ صيام يوم قَبله، أو يوم بَعده يضمن للصائم
الاحتراز من الوقوع في الخطأ الذي يمكن أن يحدث عند تحديد أوّل الشهر القمريّ.
والخلاصة: العمل الصالح في هذه الأيام يزداد
أجره وثوابه؛ فليغتنم المسلم تلك الفرصة ويكثر من الصيام والطاعات والقربات، وكذلك
الذنب يزداد وزره وعقابه، فليتق العبد ربه ويجتنب فعل المنكرات والمنهيات.
وفي الختام نسأل الله تعالى أن يحفظ مصر
وأهلها وأن يجعلها في أمانه وضمانه وكفالته واحة للأمن والأمان والاستقرار .
كل عام وأنتم بخير وصحة وسعادة.
تقبل الله منا ومنكم صالح الاعمال.