أثر استقرار الأسرة في بناء الإنسان
٢- أسس بناء الأسرة وعوامل استقرارها .
٣- " كُلُّكُمْ رَاعٍ وَمَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ " .
(١)- الحمد لله حمدًا كثيرًا طيبًا مباركًا فيه،
كما يحب ربنا ويرضى، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده
ورسوله، وصفيه وخليله وخيرته من خلقه، صلى الله وسلم وبارك عليه، وعلى آله وصحبه أجمعين،
ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين
.
أما بعد: أَيُّهَا الْمُسْلِمُونَ:
يقول الله تعالي : ﴿ وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ
خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ
مَوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ ﴾ [الروم:
21].
أَيُّهَا الْمُسْلِمُونَ: مِنْ آيَاتِ الزَّوَاجِ
الْعَظِيمَةِ وَمَقَاصِدِهِ الْمُبَارَكَةِ الْكَرِيمَةِ: حُصُولُ السَّكَنِ بَيْنَ
الزَّوْجَيْنِ؛ حَيْثُ جَعَلَ اللهُ الْمَرْأَةَ سَكَنًا لِلرَّجُلِ يَسْكُنُ إِلَيْهَا
قَلْبُهُ، وَيَهْنَأُ بِهَا بَالُهُ، وَالرَّجُلُ كَذَلِكَ، وَجَعَلَ بَيْنَهُمَا خَالِصَ
الْحُبِّ، وَهُوَ الْمَوَدَّةُ الْمُقْتَرِنَةُ بِالرَّحْمَةِ .
وَفِيِ قَوْلِهِ: (لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا)
بَيَانٌ لِلْعِلَّةِ مِنْ خَلْقِهِمْ عَلَى هَذِهِ الطَّرِيقَةِ؛ أَي: أَنَّ اللهَ
خَلَقَ لَهُمْ مِنْ جِنْسِهِمْ أَزْوَاجًا، لِيَسْكُنُوا إِلَيْهَا، وَيَمِيلَ بَعْضُكُمْ
إِلَى بَعْضٍ، وَمِنْ رَحْمَتِهِ -سُبْحَانَهُ- أَنْ جَعَلَ فِي كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا
فَرَاغًا وَافْتِقَارًا وَحَاجَةً إِلَى الطَّرَفِ الآخَرِ؛ كَمَا قَالَ فِي الآيَةِ
الأُخْرَى: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ
نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا لِيَسْكُنَ إِلَيْهَا﴾ [الأعراف: 189].
وَقَوْلُهُ: (لِيَسْكُنَ إِلَيْهَا)؛ لِيَأْنَسَ
بِهَا وَتَأْنَسَ بِهِ، وَيَأْوِيَ إِلَيْهَا وَتَأْوِيَ إِلَيْهِ؛ وَهَذَا مِنْ طَبِيعَةِ
الإِنْسَانِ، وَفِطْرَتِهِ السَّوِيَّةِ أَنَّهُ يُحِبُّ أَجْوَاءَ الْهُدُوءِ النَّفْسِيِّ،
وَالطُّمَأْنِينَةِ الرُّوحِيَّةِ، وَالاِسْتِقْرَارِ الْغَرِيزِيِّ، وَالْهُدُوءِ
الْعَاطِفِيِّ.
فالزواج سكن ومودة ، وسبب لتحقيق السعادة
المطلوبة؛ قال رسول الله -ﷺ- : " أربع من السعادة: المرأة الصالحة،
والمَسكَن الواسع، والجار الصالح، والمركَب الهنيء، وأربع من الشقاوة: الجار السوء،
والمرأة السوء، والمسكن الضيق، والمركب السوء" [صحيح ابن حبان].
ليلة هانئة وعيشة راضية:
يحدثنا التاريخ أن شريحاً قابل الشعبي يومياً
فسأله الشعبي عن حاله في بيته فقال له شريح: منذ عشرين عاماً لم أر ما يغضبني من أهلي،
قال له وكيف ذلك قال شريح:
من أول ليلة دخلت على امرأتي ورأيت فيها
حسناً فاتنا وجمالاً نادراً، قلت في نفسي اصلي ركعتين شكراً لله عز وجل.
فلما سلمت وجدت زوجتي تصلي بصلاتي وتسلم
بسلامي.
فلما خلا البيت من الأصحاب والأصدقاء قمت
إليها فمددت يدي نحوها فقالت: على رسلك يا أبا أمية كما أنت ثم قالت:
إن الحمد لله أحمده واستعينه وأصلي على
محمد وآله وبعد. فإني امرأة غريبة، لا علم لي بأخلاقك، فبين لي ما تحب فآتيه، وبين
لي ما تكره فأتركه، ثم قالت: فلقد كان في قومك من هي كفء لك، ولقد كان في قومي من هو
كفء لي، ولكن إذا قضى الله أمراً كان مفعولاً، وقد ملكت فاصنع ما أمرك الله به، فإمساك
بمعروف، أو تسريح بإحسان.
أقول قولي هذا واستغفر الله لي ولك.
من منا سمع مثل هذا الكلام ليلة عرسه؟
قال شريح: فأحوجتني والله يا شعبي إلى الخطبة
في ذلك الموضوع، فقلت: أحمد الله واستعينه وأصلي وأسلم على النبي وآله وبعد فإنك قلت
كلاماً إن ثبت عليه يكن ذلك حظك، وإن تدعيه يكن حجة عليك، فإني أحب كذا وكذا، وأكره
كذا وكذا، وما رأيت من حسنة فانشريها، وما رأيت من سيئة فاستريها، فقالت: كيف محبتك
لزيارة أهلي؟
قلت: ما أحب أن يملن أصهاري.
فقالت: فمن تحب من جيرانك أن يدخل دارك
فآذن له ومن تكره فأكره.
قلت: بنو فلان قوم صالحون وبنو فلان قوم
سوء.
قال شريح فبت معها بأنعم ليلة.
فمكثت معي عشرين عاماً لم أعتب عليها في
شيء إلا مرة وكنت لها ظالماً.
يا لـهـا مــن حـيـاة هـانـيـة وعـيـشـة
راضـيــة
وهذه وصية أم لابنتها عند الزواج :
خلت الأم الصالحة العاقلة البليغة أمامة
بنت الحارث خلت بابنتها في ليلة زفافها وأهدت إليها هذه الوصية الغالية: وانتبهن أيتها
الأخوات الفضليات والأمهات الكريمات.
قالت الأم لابنتا: أي بنية إن الوصية لو
تركت لفضل أدب لتركت ذلك لك ولكنها تذكرة للغافلة ومعونة للعاقلة.
أي بنية: لو أن امرأة استغنت عن الزوج،
لغنى أبويها وشدة حاجتهما إليهما، لكنت أغنى الناس عنه، ولكن النساء للرجال خلقن، ولهن
خلق الرجال، فخذي وصيتي فإن فيها تنبياً الغافل ومعون للعاقل.
أي بنية: إنك فارقت الجو الذي منه خرجت،
وخلق=فت العيش الذي فيه درجت، إلى وكر لم تعرفيه، وقرين لم تأليفه، فأصبح بملكه عليه
رقيباً ومليكاً، فكوني له أمة يكن لك عبداً.
واحفظي له خصالاً عشراً تكن لك ذخراً.
أما الأولى والثاني: فالخضوع له بالقناعة،
وحسن السمع له والطاعة.
وأما الثالثة والرابعة: فالتفقد لمواضع
عينه وأنفه، فلا تقع عينه منك على قبيح، ولا يشم منك إلا طيب ريح.
وأما الخامسة والسادسة: فالتفقد لوقت منامه
وطعامه. فإن تواتر الجوع ملهبة، وتنغيص النوم مغضبة.
وأما السابعة والثامنة : فالاحتراس لماله
والإرعاء على حشمه وعياله ، وملاك الأمر في المال حسن التدبير وفي العيال حسن التقدير .
وأما التاسعة والعاشرة: فلا تعصي له أمراً،
ولا تفشي له سراً فإنك إن خالفت أمره أو غرت صدره، وإن أفشيت سره لم تأمني غدره.
ثم إياك والفرح بين يديه إن كان مغتماً،
والكآبة بين يديه إن كان فرحاً.
هذه هي أخلاق المرأة المسلمة، ومن كانت
هذه أخلاقها فهي من أهل الجنة.
يقول النبي -ﷺ-
قال: " نساؤكم من أهل الجنة الودود الولود العؤود على زوجها (أي بالنفع
والخير) التي إذا غضب زوجها جاءت حتى تضع يدها في يد زوجها وتقول لا أذوق غمضاً (أي
نوماً) حتى ترضى" [رواه الطبراني].
(٢)- أيها المؤمنون: لكي تتحقق المودة والرحمة
بين الزوجين يتحقق الإستقرار الأسري لابد أن يقوم الزواج على حسن الاختيار ومن معايير
حسن الاختيار في الإسلام
:
- الاختيار على أساس الدين: قال رسول الله
-ﷺ- : " تنكح المرأة لأربع: لمالها،
ولحسبها، ولجمالها، ولدينها؛ فأظفر بذات الدين تربت يداك " (متفق عليه).
كما أرشد النبي -ﷺ- أولياء المخطوبة إلى أن يبحثوا عن الزوج
صاحب الدين والخلق الكريم، فقال -ﷺ- :
" إذا جاءكم من ترضون دينه وخلقه فزوجوه، إلا تفعلوا تكن فتنة في الأرض
وفساد عريض " (رواه الترمذي).
- وأن يعرف كلا من الزوجين ما له وما عليه
من حقوق وواجبات
فمن حق الزوج على الزوجة:
أن تطيعه، وتحفظه في نفسها وماله، ولا تخرج
من بيته إلا بإذنه. قال رسول الله -ﷺ-:
" ما استفاد المؤمن بعد تقوى الله خيراً له من زوجة صالح؛ إن أمرها أطاعته،
وإن نظر إليها سرته، وإن أقسم عليها أبرته، وإن غاب عنها حفظته في نفسها وماله
" [ رواه ابن ماجه].
ومن حق الزوجة على الزوج:
المعاشرة بالمعروف، والنفقة والكسوة. سُئل
رسول الله -ﷺ- عن حق الزوجة فقال: " أن تطعمها
إذا طعمت، وتكسوها إذا اكتسيت، ولا تضرب الوجه ولا تقبح، ولا تهجر إلا في البيت
" [رواه أبو داود].
- ومن عوامل الاستقرار الأسري :
حسن العشرة بين الزوجين:
فقد أوصانا ربنا سبحانه بوصية جامعة، بها
تنصلح البيوتات، وتدوم الألفة بين الزوجين؛ فقال جل في علاه: ﴿ وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ
فَإِنْ كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ
خَيْرًا كَثِيرًا ﴾ [النساء: 19]؛ أي: طيِّبوا أقوالكم لهن، وحسنوا أفعالكم وهيئاتكم
بحسب قدرتكم، كما تحب ذلك منها، فافعل أنت بها مثله؛ كما قال تعالى: ﴿ وَلَهُنَّ مِثْلُ
الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ ﴾ [البقرة: 228] .
وَسِيرَةُ نَبِيِّنَا -عَلَيْهِ الصَّلاَةُ
وَالسَّلاَمُ- زَاخِرَةٌ عَطِرَةٌ بِالْمَوَاقِفِ الْحَسَنَةِ وَالطَّيِّبَةِ مَعَ
أَهْلِ بَيْتِهِ ، وَهُوَ الْقَائِلُ: "اسْتَوْصُوا بِالنِّسَاءِ خَيْرًا"(متفق
عليه)، وقال رسول الله -ﷺ- : " خيركم خيركم لأهله، وأنا خيركم
لأهلي " ، وفِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ عَنْ جَابِرٍ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- أَنَّ النَّبِيَّ
-ﷺ- قَالَ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ:
"فَاتَّقُوا اللَّهَ فِي النِّسَاءِ، فَإِنَّكُمْ أَخَذْتُمُوهُنَّ بِأَمَانِ
اللَّهِ، وَاسْتَحْلَلْتُمْ فُرُوجَهُنَّ بِكَلِمَةِ اللَّهِ"(رواه مسلم).
كان من أخلاقه -ﷺ-
أنه جميل العشرة، دائم البشر، يداعب أهله، ويتلطف بهم، ويوسعهم نفقته، ويضاحك
نساءه، حتى إنه كان يسابق عائشة أم المؤمنين يتودد إليها بذلك؛ قالت: " سابقني
رسول الله -ﷺ- فسبقته، وذلك قبل أن أحمل اللحم، ثم سابقته
بعد ما حملت اللحم فسبقني، فقال: هذه بتلك "
وتَقُولُ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا-: قَالَ
لِي رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ -: "إِنِّي لَأَعْلَمُ إِذَا كُنْتِ
عَنِّي رَاضِيَةً، وَإِذَا كُنْتِ عَلَيَّ غَضْبَى"؛ قَالَتْ: فَقُلْتُ: مِنْ
أَيْنَ تَعْرِفُ ذَلِكَ؟ فَقَالَ: "أَمَّا إِذَا كُنْتِ عَنِّي رَاضِيَةً، فَإِنَّكِ
تَقُولِينَ: لاَ وَرَبِّ مُحَمَّدٍ، وَإِذَا كُنْتِ عَلَيَّ غَضْبَى، قُلْتِ: لاَ وَرَبِّ
إِبْرَاهِيمَ"؛ قَالَتْ: قُلْتُ: أَجَلْ وَاللَّهِ يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَا أَهْجُرُ
إِلَّا اسْمَكَ (متفق عليه).
يقول الله تعالى: ﴿ لَقَدْ كَانَ لَكُمْ
فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ ﴾ [الأحزاب: 21] .
أقُولُ قَوْلي هَذَا وَأسْتغْفِرُ اللهَ
العَظِيمَ لي وَلَكُمْ، فَاسْتغْفِرُوهُ يَغْفِرْ لَكُمْ إِنهُ هُوَ الغَفُورُ الرَّحِيمُ.
الخطبة الثانية:
(٣)- الْحَمْدُ لِلَّهِ عَلَى إِحْسَانِهِ، وَالشُّكْرُ
لَهُ عَلَى عِظَمِ نِعَمِهِ وَاِمْتِنَانِهِ، وَأَشْهَدُ أَنَّ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ،
وَحْدَهُ لَا شريكَ لَهُ، تَعْظِيمًا لِشَأْنِهِ، وَأَشَهَدُ أَنَّ مُحَمَّدَاً عَبْدَهُ
وَرَسُولُهُ، وَخَلِيلَهُ، صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ ،وَمَنْ
تَبِعَهُمْ بِإِحْسَانٍ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ، وَسَلَّمَ تَسْلِيمَاً كَثِيرَاً.
أما بعد :
(٣)- قَالَ اللَّهُ تَعَالَى:﴿ يَا أَيُّهَا
الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ
عَلَيْهَا مَلَائِكَةٌ غِلَاظٌ شِدَادٌ لَّا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ
مَا يُؤْمَرُونَ﴾[ سورة التحريم: 6]
وعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ -رضي
الله عنهما- ، أَنَّهُ: سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- يَقُولُ: " كُلُّكُمْ رَاعٍ وَمَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ،
فَالإِمَامُ رَاعٍ وَهُوَ مَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ ، وَالرَّجُلُ فِي أَهْلِهِ رَاعٍ
وَهُوَ مَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ، وَالمَرْأَةُ فِي بَيْتِ زَوْجِهَا رَاعِيَةٌ وَهِيَ
مَسْئُولَةٌ عَنْ رَعِيَّتِهَا،.... فَكُلُّكُمْ رَاعٍ وَكُلُّكُمْ مَسْئُولٌ عَنْ
رَعِيَّتِهِ ".( رواه البخاري (893) ومسلم (1829)
وعَنْ أَنَس بن مالك -رضي الله عنه- ، عَنِ
النَّبِيِّ -ﷺ - قَالَ: " إِنَّ اللهَ سَائِلٌ كُلَّ
رَاعٍ عَمَّا اسْتَرْعَاهُ، أَحَفِظَ ذَلِكَ أَمْ ضَيَّعَ؟ حَتَّى يُسْأَلَ الرَّجُلُ
عَلَى أَهْلِ بَيْتِهِ" .( رواه النسائي : 9129)
الأولاد أمانة عند الوالدين كلفهم الله
بحفظها ورعايتها وهم أولى الناس بالبر وأحقهم بالمعروف ، وقد صرح رسول الله -ﷺ- بأهمية دور الوالدين في تربية الأولاد
، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ -رضي الله عنه- ، قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ -ﷺ- : " كُلُّ مَوْلُودٍ يُولَدُ عَلَى
الفِطْرَةِ، فَأَبَوَاهُ يُهَوِّدَانِهِ، أَوْ يُنَصِّرَانِهِ، أَوْ يُمَجِّسَانِهِ
" .( رواه البخاري (1385) ومسلم (22 )
يقول الغزالي -رحمه الله- : "الصَّبِيُّ
أَمَانَةٌ عِنْدَ وَالِدَيْهِ ، وَقَلْبُهُ الطَّاهِرُ جَوْهَرَةٌ نَفِيسَةٌ سَاذَجَةٌ
خَالِيَةٌ عَنْ كُلِّ نَقْشٍ وَصُورَةٍ، وَهُوَ قَابِلٌ لِكُلِّ مَا نُقِشَ فيه ، فَإِنْ
عُوِّدَ الْخَيْرَ وَعُلِّمَهُ نَشَأَ عَلَيْهِ وَسَعِدَ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ،
وَشَارَكَهُ فِي ثَوَابِهِ أَبَوَاهُ وَكُلُّ مُعَلِّمٍ لَهُ وَمُؤَدِّبٍ، وَإِنْ عُوِّدَ
الشَّرَّ وَأُهْمِلَ إِهْمَالَ الْبَهَائِمِ شَقِيَ وَهَلَكَ، وَكَانَ الْوِزْرُ فِي
رَقَبَةِ الْقَيِّمِ عَلَيْهِ."
- إنها المسؤولية الثقيلة
إن مهمة تربية الأولاد مهمة عظيمة يجب على
الآباء أن يحسبوا لها حسابها ويعدوا العدة لمواجهتها ، خصوصا في هذا الزمان الذي تلاطمت
فيه أمواج الفتن واشتدت غربة الدين وكثرت فيه دواعي الفساد حتى صار الأب مع أولاده
بمثابة راعي الغنم في أرض السباع الضارية إن غفل عنها أكلتها الذئاب. ( تذكير العباد
بحقوق الأولاد (ص: 4)
قَالَ ابْنُ عُمَرَ -رضي الله عنهما- لِرَجُلٍ:
يَا هَذَا أَحْسِنْ أَدَبَ ابْنِكَ فَإِنَّكَ مَسْئُولٌ عن أَدَبِهِ وَتَعْلِيمِهِ وَهُوَ مَسْئُولٌ عَنْ بِرِّكَ وطاعته لك.
فعلى الآباء أن يستشعروا أهمية هذه التربية
المنوطة بهم ، وأنه من الإساءة للأبناء والإخلال بالأمانة التي استودعها الله لهم أن
يتركوهم بدون تربية وتوجيه
.
يقول الشاعر
:
ليس اليتيمُ مَن انتهى أبواه مِنْ ..
.. هَـمِّ الحياةِ وخلَّـفاه ذلـيلا
إنَّ اليــتــيمَ الــذي تَـلْــقَى لــه ..
.. أُمَّاً تَخَلَّتْ أو أَبًا مَشْغُولا
أحمد شوقي، انظر: الشوقيات، 1/ 183.
أيها المؤمنون : إن من الركائز العظيمة
في تأديب الأبناء وتربيتهم
:
تخصيص وقت يومي للجلوس والتواصل معهم ومشاركتهم
اهتماماتهم .والاستماع لهم دون مقاطعة ، والنزول إلى مستواهم العمري. والرفق بهم ومعاملتهم
بالرحمة واللطف والإحسان ، والبعد عن الغلظة
والشدة والجفاء ؛ فإن الرفق ما دخل في شيء إلا زانه ولا نُزع من شيء إلا شانه ، وتبدأ
هذه الرحمة وهذا التلطف وهذا الرفق مع الأولاد منذ صغرهم ونعومة أظفارهم ، وتمضي معهم
دائمةً مستمرة رفقًا وحنوًّا وعطفًا من الآباء على أبنائهم ، وقد جاء في الصحيحين من
حديث أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قبَّل الحسن ابن علي ، والأقرع بن حابس
جالسٌ عنده فقال : «إِنَّ لِي عَشَرَةً مِنَ الوَلَدِ مَا قَبَّلْتُ مِنْهُمْ أَحَدًا»،
فَنَظَرَ إِلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- وقَالَ: " مَنْ لاَ يَرْحَمُ لاَ
يُرْحَمُ " ، وفي الصحيحين من حديث أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها قالت : جاء
أعرابي إلى رسول الله -ﷺ-
وقال : تُقَبِّلُونَ الصِّبْيَانَ؟ فَمَا نُقَبِّلُهُمْ» ، فَقَالَ النَّبِيُّ
صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " أَوَأَمْلِكُ لَكَ أَنْ نَزَعَ اللَّهُ مِنْ
قَلْبِكَ الرَّحْمَةَ " ، فإن هذه الرحمة يا معاشر المؤمنين والرفق بالأبناء سببٌ
لقرب الأبناء من آبائهم ومحبتهم لهم ؛ فإذا وُجد هذا القرب ووُجدت هذه المحبة تمكن
الأب من التوجيه والنصح والبيان مع تقبُّلٍ تام من الأبناء واهتمامٍ بتوجيهات الآباء .
فاتقوا الله أيها المسلمون، والتزموا بآداب
دينكم وحافظوا على بيوتكم
.
يقول الله تعالى : ﴿ إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ
يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا
تَسْلِيماً ﴾ [الأحزاب:56].
اللهم صل وسلم وبارك على عبدك ورسولك محمد
نبي الرحمة والهدى، وعلى آله الطيبين الطاهرين، وارض اللهم عن الخلفاء الأربعة الراشدين .
اللهُمَّ أَصْلِحْ لَنَا دِينَنَا الَّذِي
هُوَ عِصْمَةُ أَمْرِنَا، وَأَصْلِحْ لَنَا دُنْيَانَا الَّتِي فِيهَا مَعَاشُنَا،
وَأَصْلِحْ لَنَا آخِرَتَنَا الَّتِي فِيهَا مَعَادُنَا، وَاجْعَلِ الْحَيَاةَ زِيَادَةً
لَنَا فِي كُلِّ خَيْرٍ، وَاجْعَلِ الْمَوْتَ رَاحَةً لَنَا مِنْ كُلِّ شَرٍّ.
سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ العزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ، وَسَلَامٌ عَلَى المُرْسَلِينَ، وَالحَمْدُ للهِ رَبِّ العَالَمِينَ .