recent
أخبار عاجلة

خطبة الجمعة الأُسْـرة التي ينشدُهـا الإســلام للشيخ / محمد عبد التواب سويدان

الأُسْـرة التي ينشدُهـا الإســلام


الحمد لله علي إحسانه والشكر له علي توفيقه وامتنانه وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له تعظيماً لشآنه وأشهد أن سيدنا محمداً عبده ورسوله الداعي إلى رضوانه صل اللهم وسلم وبارك عليه وعلي إخوانه وأزواجه وأصحابه وأتباعه إلي يوم الدين، قال تعالى: ﴿ وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ ﴾ [الروم: 21].

أيها المسلمون، الأسرةُ المسلمة من أفضلِ ما حرص الإسلام على وجودِها ورعايتها والحفاظ عليها؛ لأنَّ المجتمعَ المسلم ما هو إلا جماعُ هذه الأسرةِ، وبناؤه مرهون بوجودِها القوي السليم، المؤدي إلى قوةِ البنيان الاجتماعي وتقدمه.

فالأسرة المسلمة والبيت المسلم هو الدِّعامة الأساس في صرح الأمة، واللبنة الأولى في تكوين المجتمع، وهو المدرسة الحقيقية التي يتخرج منها الأعضاءُ الفاعلون في المجتمع، ساسةٌ وقادة، علماءُ وقضاةٌ، مربونَ ودعاةٌ، وطلاب ومجاهدون، وزوجاتٌ صالحاتٌ، وأمهاتٌ مربياتٌ، وأنه على قدر ما تكون اللبنة قويةً يكون البناء راسخًا منيعًا، وكلما كانت ضعيفة كان البناء واهيًا، آيلاً للانهيار والتصدع..

لأجل ذلك كله سعى الإسلام سعيًا حثيثًا لإصلاح الأسر والبيوت، ووضع لها أسس بنائها، ودعائم قيامها أَوْجَبَ على الإنسان أن يأخُذَها في عين الاعتبار حين قدومه على الزواج.

 فجعل الإسلام أول الأسس التي يقوم عليها البيت المسلم، صلاح أعمدته، وكان في مقدمة ذلك الإختيار وقد وضع الشرع أسسًا ومعايير يبنى عليها اختيار الزوج لزوجته، والزوجة لزوجها، قال الله تعالى: ﴿ وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ إِنْ يَكُونُوا فُقَرَاءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ ﴾ [النور: 32].

اختيار الزوجة ذاتِ ذات دِين وخلُق، عفيفة محتشمة، ذات أخلاق فاضلة: ﴿ فَالصَّالِحَاتُ قَانِتَاتٌ حَافِظَاتٌ لِلْغَيْبِ بِمَا حَفِظَ اللَّهُ ﴾ [النساء: 34]، ﴿ وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ ﴾ [النور: 32]، ﴿ وَلَأَمَةٌ مُؤْمِنَةٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكَةٍ ﴾ [البقرة: 221]

وفي الصحيحين عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ - رضى الله عنه - عَنِ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم  قَالَ: [ تُنْكَحُ الْمَرْأَةُ لأَرْبَعٍ لِمَالِهَا وَلِحَسَبِهَا وَجَمَالِهَا وَلِدِينِهَا، فَاظْفَرْ بِذَاتِ الدِّينِ تَرِبَتْ يَدَاك ]

فالإسلام يأمر الرجل أن يكون هدفه نبيلًا، وغايته شريفة، فيَطلُب المرأة، ويختارها لدينها لا لجسدها، ولوَرَعِها ونُبلها، لا لأموالها.

وعن ثَوبان قال: لَمَّا نزَل في الفضة والذهب ما نزَل، قالوا: فأي المال نتخذُ؟ فقال صلى الله عليه وسلم: ((لِيتخذْ أحدكم قلبًا شاكرًا، ولسانًا ذاكرًا، وزوجةً مؤمنةً تُعينُ أحدَكم على أمرِ الآخرة))؛ رواه ابن ماجه في النكاح، وأحمد والترمذي.

وعن عبدالله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((الدنيا متاع، وخيرُ متاعها المرأةُ الصالحة))؛ رواه مسلم.

وعن سعد بن أبي وقَّاص رضي الله عنه أنَّ النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((أربع من السعادة: المرأةُ الصالحة، والمسكنُ الواسع، والجارُ الصالح، والمركبُ الهنيء، وأربع من الشقاء: الجارُ السوء، والمرأةُ السوء، والمركبُ السوء، والمسكنُ الضيِّق))؛ رواه ابن حبان وأحمد، وذكره الألباني في السلسة الصحيحة.

وإذا كان اختيارُ الزوجة الصالحة ضروريًّا وهامًّا؛ لأنها المدرسة الأولى للنشء، فإِن اختيار الزوج لا يقلُّ عن ذلك في الأهميةِ؛ لأنَّ الزوجَ هو ربُّ الأسرة، وهو القدوة للزوجة وللأبناء معًا، وهو قائدُ السفينة في بحر الحياة المتلاطم الأمواج.

فأرشدَ الإسلام أولياءَ المرأة إلى اختيار الزوج الصالح، ذي الخُلقِ القويم، والدين المستقيم؛ قال - صلى الله عليه وسلم: [إِذَا أَتَاكُمْ مَنْ تَرْضَوْنَ خُلُقَهُ وَدِينَهُ فَزَوِّجُوهُ إِلاَّ تَفْعَلُوا تَكُنْ فِتْنَةٌ فِى الأَرْضِ وَفَسَادٌ عَرِيضٌ](رواه ابن ماجه).

وجاء رجل إلى الحسن بن علي يسأله قائلاً، خطب ابنتي جماعة، فمَن أزوِّجها، قال، زوِّجها من التَّقي، فإنه إنْ أحبَّها أكرمها، وإن أبغضها لم يظلمها)أخرجه النسائي، وحسنه الألباني

وهكذا نرى أنَ الإسلام بَيَّن للرجالِ طريقةَ الاختيار، ووضع منظومة كاملة ينبغي للإنسان أَنْ يُراعيها عند اختياره، وكذا بين لولي أمر المرأة طريقة إختيار الزوج. وهذا كله من دعائم استقرار الأسرة وأحرى لدوام هُدوئِها واستمرارِ معيشتها.

وباجتماع الزوج الصالح، والزوجة الصالحة، يُبنى البيتُ الصالح بإذن الله تعالى: {وَالْبَلَدُ الطَّيِّبُ يَخْرُجُ نَبَاتُهُ بِإِذْنِ رَبِّهِ وَالَّذِي خَبُثَ لَا يَخْرُجُ إِلَّا نَكِدًا كَذَلِكَ نُصَرِّفُ الْآَيَاتِ لِقَوْمٍ يَشْكُرُونَ}(الأعراف: 58)

وبالمثال يتضح المقال : 

لما خطب علي بن أبي طالب فاطمة: ماذا عندك؟ قال: عندي درعي التي أجاهد بها، وثمانية دراهم، قال: زوجتك فاطمة ، ثم التفت عليه الصلاة والسلام فرأى قطيفة في بيته من خديجة رضي الله عنها، فأعطاها البنت، وقال : هذه القطيفة هي الزفة، بنت أكرم الخلق محمد صلى الله عليه وسلم تزوج بدرع حربي، وقطيفة قديمة.

فماذا أنتج هذا الزواج؟ أنتج الحسن والحسين ريحانتي رسول الله صلى الله عليه وسلم، وسيدي شباب أهل الجنة.

"وذُكر أن عمر بن الخطاب رضى الله عنه نهى في خلافته عن مذق اللبن بالماء (أي مزجه به) فخرج ذات ليلة في حواشي المدينة، فإذا بامرأة تقول لابنةٍ لها : ألا تمذقين لبنك فقد أصبحت ؟ فقالت الجارية : كيف أمذق، وقد نهى أمير المؤمنين عن المذق ؟ فقالت : قد مذق الناس فامذقي، فما يدري أمير المؤمنين، فقالت : إن كان عمر لا يعلم، فإله عمر يعلم، ما كنت لأفعله وقد نهى عنه. فوقعت مقالتها من عمر، فلما أصبح دعا عاصمًا ابنه فقال : يا بني اذهب إلى موضع كذا وكذا، فاسأل عن الجارية - ووصفها له - فذهب عاصم، فإذا هي جارية من بني هلال، فقال له عمر: اذهب يا بني فتزوجها، فما أحراها أن تأتي بفارس يسود العرب، فتزوجها عاصم بن عمر فولدت له له هذه الفتاة فتاة أسموها ليلى وكنوها بـ أم عاصم، فتزوجت أم عاصم هذه رجلاً من خيار بني أمية يقال له: عبد العزيز بن مروان بن الحكم، وكان من خيار أمراء بني أمية، شجاعًا كريمًا، فضلاً عن التزامه وحرصه عل تحصيل العلم واهتمامه بالحديث النبوي الشريف، فتزوجها عبد العزيز بن مروان بن الحكم، فأتت ثمرة هذا الزواج، بذلكم الشاب التقي النقي الزاهد العابد، عمر بن عبد العزيز، الخليفة التي لا تعرف الإنسانية له نظيراً في عدالته، وزهادته، وسعادة رعاياه به،

واﺳﻤﻊ ﻟﻬﺬا اﻟﺤﺪﺙ ﻭﻟﻢ ﻳﻘﻊ ﻓﻲ ﻫﺬا اﻟﺰﻣﻦ، ﻭﺇﻧﻤﺎ ﻭﻗﻊ ﻓﻲ ﺯﻣﻦ ﻣﻀﻰ؛ ﻟﺘﻌﺮﻑ ﺛﻤﺮﺓ الإختيار الصحيح، ﺭﺟﻞ اﺳﻤﻪ ﻧﻮﺡ ﺑﻦ ﻣﺮﻳﻢ ﻛﺎﻥ ﺫا ﻧﻌﻤﺔ ﻭﻣﺎﻝ ﻭﺛﺮاء ﻭﺟﺎﻩ، ﻭﻓﻮﻕ ﺫﻟﻚ ﺻﺎﺣﺐ ﺩﻳﻦ ﻭﺧﻠﻖ، ﻭﻛﺎﻥ ﻟﻪ اﺑﻨﺔ ﺫاﺕ ﻣﻨﺼﺐ ﻭﺟﻤﺎﻝ، ﻭﻓﻮﻕ ﺫﻟﻚ ﺻﺎﺣﺒﺔ ﺩﻳﻦ ﻭﺧﻠﻖ، ﻭﻛﺎﻥ ﻣﻌﻪ ﻋﺒﺪ اﺳﻤﻪ ﻣﺒﺎﺭﻙ ﻻ ﻳﻤﻠﻚ ﻣﻦ اﻟﺪﻧﻴﺎ ﻗﻠﻴﻼ ﻭﻻ ﻛﺜﻴﺮا، ﻭﻟﻜﻨﻪ ﻳﻤﻠﻚ اﻟﺪﻳﻦ ﻭاﻟﺨﻠﻖ. ﺃﺭﺳﻠﻪ ﺳﻴﺪﻩ ﺇﻟﻰ ﺑﺴﺎﺗﻴﻦ ﻟﻪ، ﻭﻗﺎﻝ ﻟﻪ: اﺫﻫﺐ ﺇﻟﻰ ﺗﻠﻚ اﻟﺒﺴﺎﺗﻴﻦ، ﻭاﺣﻔﻆ ﺛﻤﺮﻫﺎ، ﻭﻗﻢ ﻋﻠﻰ ﺧﺪﻣﺘﻬﺎ ﺇﻟﻰ ﺃﻥ ﺁﺗﻴﻚ، ﻓﻤﻀﻰ اﻟﺮﺟﻞ، ﻭﺑﻘﻲ ﻓﻲ اﻟﺒﺴﺎﺗﻴﻦ ﻟﻤﺪﺓ ﺷﻬﺮﻳﻦ، ﻭﺟﺎءﻩ ﺳﻴﺪﻩ، ﻟﻴﺴﺘﺠﻢ ﻓﻲ ﺑﺴﺎﺗﻴﻨﻪ؛ ﻭﻟﻴﺴﺘﺮﻳﺢ ﻓﻲ ﺗﻠﻚ اﻟﺒﺴﺎﺗﻴﻦ. ﺟﻠﺲ ﺗﺤﺖ ﺷﺠﺮﺓ ﻭﻗﺎﻝ: ﻳﺎ ﻣﺒﺎﺭﻙ! اﺋﺘﻨﻲ ﺑﻘﻄﻒ ﻣﻦ ﻋﻨﺐ، ﻓﺠﺎءﻩ ﺑﻘﻄﻒ، ﻓﺈﺫا ﻫﻮ حامض، ﻓﻘﺎﻝ: اﺋﺘﻨﻲ ﺑﻘﻄﻒ ﺁﺧﺮ ﺇﻥ ﻫﺬا حامض، ﻓﺄﺗﺎﻩ ﺑﺂﺧﺮ ﻓﺈﺫا ﻫﻮ حامض، ﻓﻘﺎﻝ: اﺋﺘﻨﻲ ﺑﺂﺧﺮ ﺇﻥ ﻫﺬا حامض، ﻓﺠﺎءﻩ ﺑﺎﻟﺜﺎﻟﺚ ﻓﺈﺫا ﻫﻮ حامض، ﻭﻛﺎﺩ ﺃﻥ ﻳﺴﺘﻮﻟﻲ ﻋﻠﻴﻪ اﻟﻐﻀﺐ، ﻭﻗﺎﻝ: ﻳﺎ ﻣﺒﺎﺭﻙ! ﺃﻃﻠﺐ ﻣﻨﻚ ﻗﻄﻒ ﻋﻨﺐ ﻗﺪ ﻧﻀﺞ، ﻭﺗﺄﺗﻴﻨﻲ ﺑﻘﻄﻒ ﻟﻢ ﻳﻨﻀﺞ، ﺃﻻ ﺗﻌﺮﻑ ﺣﻠﻮﻩ ﻣﻦ ﺣﺎﻣضه؟ ﻗﺎﻝ: ﻭاﻟﻠﻪ! ﻣﺎ ﺃﺭﺳﻠﺘﻨﻲ ﻵﻛﻠﻪ، ﻭﺇﻧﻤﺎ ﺃﺭﺳﻠﺘﻨﻲ ﻷﺣﻔﻈﻪ، ﻭﺃﻗﻮﻡ ﻋﻠﻰ ﺧﺪﻣﺘﻪ، ﻭاﻟﺬﻱ ﻻ ﺇﻟﻪ ﺇﻻ ﻫﻮ! ﻣﺎ ﺫﻗﺖ ﻣﻨﻪ ﻋﻨﺒﺔ ﻭاﺣﺪﺓ، ﻭاﻟﺬﻱ ﻻ ﺇﻟﻪ ﺇﻻ ﻫﻮ! ﻣﺎ ﺭاﻗﺒﺘﻚ ﻭﻻ ﺭاﻗﺒﺖ ﺃﺣﺪا ﻣﻦ اﻟﻜﺎﺋﻨﺎﺕ، ﻭﻟﻜﻨﻲ ﺭاﻗﺒﺖ اﻟﺬﻱ ﻻ ﻳﺨﻔﻰ ﻋﻠﻴﻪ ﺷﺊ ﻓﻲ اﻷﺭﺽ ﻭﻻ ﻓﻲ اﻟﺴﻤﺎء. ﻓﺄﻋﺠﺐ ﺑﻪ، ﻭﺃﻋﺠﺐ ﺑﻮﺭﻋﻪ، ﻭﻗﺎﻝ: اﻵﻥ ﺃﺳﺘﺸﻴﺮﻙ، ﻭاﻟﻤﺴﺘﺸﺎﺭ ﻣﺆﺗﻤﻦ- ﺗﻘﺪﻡ ﻻﺑﻨﺘﻲ ﻓﻼﻥ ﻭﻓﻼﻥ ﻣﻦ ﺃﺻﺤﺎﺏ اﻟﺜﺮاء ﻭاﻟﻤﺎﻝ ﻭاﻟﺠﺎﻩ، ﻓﻤﻦ ﺗﺮﻯ ﺃﻥ ﺃﺯﻭﺝ ﻫﺬﻩ اﻟﺒﻨﺖ؟

ﻓﻘﺎﻝ ﻣﺒﺎﺭﻙ: ﻟﻘﺪ ﻛﺎﻥ ﺃﻫﻞ اﻟﺠﺎﻫﻠﻴﺔ ﻳﺰﻭﺟﻮﻥ ﻟﻷﺻﻞ ﻭاﻟﺤﺴﺐ ﻭاﻟﻨﺴﺐ، ﻭاﻟﻴﻬﻮﺩ ﻳﺰﻭﺟﻮﻥ ﻟﻠﻤﺎﻝ، ﻭاﻟﻨﺼﺎﺭﻯ ﻟﻠﺠﻤﺎﻝ، ﻭﻋﻠﻰ ﻋﻬﺪ ﺭﺳﻮﻝ اﻟﻠﻪ ﺻﻠﻰ اﻟﻠﻪ ﻋﻠﻴﻪ ﻭﺳﻠﻢ ﻳﺰﻭﺟﻮﻥ ﻟﻠﺪﻳﻦ ﻭاﻟﺨﻠﻖ، ﻭﻋﻠﻰ ﻋﻬﺪﻧﺎ ﻫﺬا ﻟﻠﻤﺎﻝ ﻭاﻟﺠﺎﻩ، ﻭاﻟﻤﺮء ﻣﻊ ﻣﻦ ﺃﺣﺐ، ﻭﻣﻦ ﺗﺸﺒﻪ ﺑﻘﻮﻡ ﻓﻬﻮ ﻣﻨﻬﻢ. ﻧﻈﺮ ﻭﻗﺪﺭ ﻭﻓﻜﺮ، ﻭﺗﻤﻠﻰ ﻭﻧﻈﺮ ﻓﻤﺎ ﻭﺟﺪ ﺧﻴﺮا ﻣﻦ ﻣﺒﺎﺭﻙ، ﻗﺎﻝ: ﺃﻧﺖ ﺣﺮ ﻟﻮﺟﻪ اﻟﻠﻪ، ﻓﺄﻋﺘﻘﻪ ﺃﻭﻻ، ﺛﻢ ﻗﺎﻝ: ﻟﻘﺪ ﻗﻠﺒﺖ اﻟﻨﻈﺮ، ﻭﺭﺃﻳﺖ ﺃﻧﻚ ﺧﻴﺮ ﻣﻦ ﻳﺘﺰﻭﺝ ﺑﻬﺬﻩ اﻟﺒﻨﺖ، ﻗﺎﻝ: اﻋﺮﺽ ﻋﻠﻴﻬﺎ، ﻓﺬﻫﺐ ﻓﻌﺮﺽ ﻋﻠﻰ اﻟﺒﻨﺖ، ﻭﻗﺎﻝ ﻟﻬﺎ: ﺇﻧﻲ ﻗﻠﺒﺖ ﻭﻧﻈﺮﺕ ﻭﺣﺼﻞ ﻛﺬا ﻭﻛﺬا، ﻭﺭﺃﻳﺖ ﺃﻥ ﺗﺘﺰﻭﺟﻲ ﺑـ ﻣﺒﺎﺭﻙ، ﻗﺎﻟﺖ : ﺃﺗﺮﺿﺎﻩ ﻟﻲ؟ ﻗﺎﻝ: ﻧﻌﻢ. ﻗﺎﻟﺖ: ﻓﺈﻧﻲ ﺃﺭﺿﺎﻩ ﻣﺮاﻗﺒﺔ ﻟﻠﺬﻱ ﻻ ﻳﺨﻔﻲ ﻋﻠﻴﻪ ﺷﻲء ﻓﻲ اﻷﺭﺽ ﻭﻻ ﻓﻲ اﻟﺴﻤﺎء. ﻓﻜﺎﻥ اﻟﺰﻭاﺝ اﻟﻤﺒﺎﺭﻙ ﻣﻦ ﻣﺒﺎﺭﻙ، ﻓﻤﺎ اﻟﺜﻤﺮﺓ ﻭﻣﺎ اﻟﻨﺘﻴﺠﺔ؟ ﺣﻤﻠﺖ ﻫﺬﻩ اﻟﻤﺮﺃﺓ ﻭﻭﻟﺪﺕ ﻃﻔﻼ ﺃﺳﻤﻴﺎﻩ ﻋﺒﺪ اﻟﻠﻪ، ﻟﻌﻞ اﻟﻜﻞ ﻳﻌﺮﻑ ﻫﺬا اﻟﺮﺟﻞ، ﺇﻧﻪ ﻋﺒﺪ اﻟﻠﻪ ﺑﻦ اﻟﻤﺒﺎﺭﻙ اﻟﻤﺤﺪﺙ اﻟﺰاﻫﺪ اﻟﻌﺎﺑﺪ اﻟﺬﻱ ﻣﺎ ﻣﻦ ﺇﻧﺴﺎﻥ ﻗﻠﺐ ﺻﻔﺤﺔ ﻣﻦ ﻛﺘﺐ اﻟﺘﺎﺭﻳﺦ ﺇﻻ ﻭﻭﺟﺪﻩ ﺣﻴﺎ ﺑﺴﻴﺮﺗﻪ ﻭﺫﻛﺮﻩ اﻟﻄﻴﺐ، ﺇﻥ ﺫﻟﻚ ﺛﻤﺮﺓ هذا الزواج المبارك.

ثم أنتقلُ إلى هذا الموقفِ :

كانت أمُّ حسان من السَّلفِ - رحمها الله - وكانت زاهدةً عابدة، دخل عليها سفيانُ الثوري - رحمه الله - وهو من أئمَّةِ المسلمين وساداتِهم في زمانه، فلم يرَ في بيتِها غير قطعة حصير، فقال لها: لو كتبتِ رقعةً إلى بعضِ بني أعمامِك ليغيروا من سوءِ حالك، فقالت: يا سفيان، لقد كنتَ في عيني أعظمَ وفي قلبي أكبر من ساعتِك هذه، أمَّا إنِّي لم أسأل الدُّنيا من يملكُها فكيف أسألُ من لا يملكها، يا سفيان، واللهِ ما أحبُّ أن يأتيَ عليَّ وقتٌ وأنا متشاغلة فيه عن اللهِ بغير الله، فبكى سفيان. فهذه - يا رجال - امرأةٌ لا كنساءِ اليوم، فلم تكن تعرفُ الجلوسَ أمام الفضائياتِ ساعات، أو الحديثَ بالهاتفِ طول الأوقات، ولا سماعَ أغاني ماجنة تثقل الميزان بالسَّيئات، أو التجولَ في الأسواق لقتلِ الأوقات، أو الجلوسَ في مجالسَ لتأكلَ فيها لحومَ البشر، كلا، ما كان هذا حالها، بل لم تكن ترضى بأن ينشغلَ وقتُها بشيءٍ غير ذكر الله، فرحمها الله من زاهدةٍ عابدة. أقول ما تسمعون وأستغفر الله لي ولكم.

الخطبة الثانية:

الحمد لله وكفي وصلاة وسلاما علي عباده الذين اصطفى وبعد، أيها الأحبة الكرام، ومن ثمار وآثار زواج الصالحات حفظ ورعاية الأبناء في حياة الأب وبعد مماته، وإليك نماذج تبين دور المرأة المسلمة في تربية قادة الأمة وعلمائها وعظمائها :

الإمام الثقة الثبت، أمام أهل الشام وفقيههم: أبو عمرو الأوزاعي - رحمه الله - قال عنه النووي : وقد أجمع العلماء على إمامة الأوزاعي، وجلالته وعلو مرتبته، وكمال فضله، وأقاويل السلف -رحمهم الله- كثيرة مشهورة، مصرحة بورعه وزهده وعبادته وقيامه بالحق وكثرة حديثه وغزارة فقهه، وشدة تمسكه بالسنة، وبراعته في الفصاحة، وإجلال أعيان أئمة عصره من الأقطار له واعترافهم بمرتبته اهـ .

ذلك الحبر البحر كان أيضًا ثمرة أم عظيمة !! هي التي رعته وربته بعد وفاة والده.

وهذا ربيعة الرأي -رحمه الله- شيخ الإمام مالك بن أنس -رحمه الله- سافر أبوه للغزو والجهاد في سبيل الله، وهو جنين في بطن أمه، ثم غاب ولم يعد، وترك عند زوجته ثلاثين ألف دينار، فأنفقتها تلك الأم الفاضلة في تعليم ولدها وتفقيهه في دينه، حتى صار ذلك الابن ربيعة الرأي شيخ أهل المدينة، وعالمها المقدم ومفتيها وفقيهها !!

وهذا الإمام مالك بن أنس -رحمه الله- إمام دار الهجرة، وصاحب الكتاب العظيم [الموطأ] وهو الذي كانت تشد له المطايا من أقطار الدنيا، طلبًا لعلمه وفتواه، وهو كانت تهابه الملوك والسلاطين !!

هذا الإمام الجليل، كان ثمرة أم فاضلة، يسرت له سبل طلب العلم، وحثته عليه، وربته على تحصيله، واسمع إلى الإمام مالك وهو يحكي ذلك فيقول: قلت لأمي : أذهب فأكتب العلم ؟ فقالت لي : تعال فالبس ثياب العلم !! قال : فألبستني مسمرة ! ووضعت الطويلة على رأسي، وعممتني فوقها، ثم قالت لي : اذهب فاكتب العلم الآن !! وكانت تقول لي: اذهب إلى ربيعة الرأي، فتعلم من أدبه قبل علمه !! .

وهذا الإمام الشافعي محمد بن إدريس - رحمه الله - كان ثمرة مباركة لأم صالحة عظيمة، فقد مات أبوه، وهو جنين أو رضيع فتولته أمه بعنايتها، وأشرفت عليه بحكمتها، وكانت امرأة عاقلة فاضلة، من فضليات عقائل الأزد، وكانت -رحمها الله-، باتفاق النقلة من العابدات القانتات، ومن أزكى الخلق فطرة..فما أحرانا أن نقتديَ بالسَّلفِ - رضوانُ الله عليهم - في هذه الأوقاتِ التي تمرُّ بها أمتُنا الإسلامية؛ من التفرُّقِ والتأخُّرِ والانحطاطِ، لتكون سيرُهم نبراسًا يضيء لنا طريقَ الهدى والصَّلاحِ والخير والسَّعادة في الدُّنيا والآخرة. أسأل الله العظيم رب العرش العظيم ان يردنا إلي دينه وان يؤلف بين قلوبنا. وأقم الصلاة 

google-playkhamsatmostaqltradent