recent
أخبار عاجلة

خطبة الجمعة المهاجر من هجر ما نهى الله عنه الشيخ ثروت سويف

 المهاجر من هجر ما نهى الله عنه


 الاعتبار بانقضاء الأعمار

المهاجر من هجر ما نهى الله عنه

 حرمة هجر المسلم. 

 

الحمد لله الملك القدوس السلام، مجري الليالي والأيام، ومجدد الشهور والأعوام، أحمده تعالى وأشكره ان هدانا للإيمان واعزنا بالإسلام

وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له جعل ايام ذي الحجة اخر الايام وجعل شهر المحرم فاتحة شهور العام وجعلهما من اشهر الله الحرام ليعلمنا ان لكل بداية نهاية ولكل بدأ ختام وليبين لنا ان ما احله الله هو الحلال وانه ما حرمه هو الحرام

وأشهد أن نبينا محمدًا عبد الله ورسوله سيد الأنام، وبدر التمام، ومسك الختام ، ورسول الملك العلام ، نصره ربه في الهجرة وشرح له صدره ورفع له ذكره صلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله البررة الكرام ، وصحبه الأئمة الأعلام، والتابعين ومن تبعهم بإحسان ما تعاقب النور والظلام.

اما بعد

  إننا في هذه الأيام نودع عاما هجريا ماضيا شهيدا ،ونستقبل عاما مقبلا جديدا، فليت شعري ماذا أودعنا في عامنا؟ الماضي وماذا نستقبل به العام الجديد؟.

تتجدد الأعوام عاما بعد عام فإذا دخل العام الجديد نظر الإنسان إلى آخره نظر البعيد، ثم تمر به الأيام سراعا فينصرم العام كلمح البصر فإذا هو في آخر العام وهكذا عمر الإنسان يتطلع إلى آخره تطلع البعيد, فإذا به قد هجم عليه الموت يؤمل الإنسان بطول العمر ويتسلى بالأماني فإذا بحبل الأماني قد انصرم وبناء الأماني قد انهدم

أولا : الاعتبار بانقضاء الأعمار

الاعتبار بانقضاء الأعمار بين توديع عام واستقبال آخر

عباد الله : إن هذه الشمس التي تطلع كل يوم من مشرقها وتغرب من مغربها تحمل أعظم الاعتبار ، فطلوعها ثم غيابها إيذان بأن هذه الدنيا ليست دار قرار، وإنما طلوع وزوال

قال أبو الدرداء رضي الله عنه ” يا ابن آدم إنما أنت أيام فإذا ذهب منك يوم ذهب بعضك” أخرجه البيهقي في الشعب

وقال أبو حازم رحمه الله ” عجبا لقوم يعملون لدار يرحلون عنها كل يوم مرحلة ويدعون أن يعملوا لدار يرحلون إليها كل يوم مرحلة ” صفة الصفوة

وهذا السير الحثيث يباعد عن الدنيا، ويقرب من الآخرة يباعد من دار العمل ويقرب من دار الجزاء

قال الحسن البصري رحمه الله تعالى: من يوم ينشق فجره إلا ويقول: يا ابن آدم أنا ‌يوم ‌جديد ‌وعلى ‌عملك شهيد فاغتنمني فإني لاأعود إلى قيام الساعة.

ابن آدم تذكُّر الموت وساعة الاحتضار : حين يستدبر الإنسان الدنيا، ويستقبل الآخرة، ويتمنى لو مُنح مهلة من الزمن، ليصلح ما أفسد، ويتدارك ما فات، ولكن هيهات هيهات، فقد انتهى زمن العمل وحان زمن الحساب والجزاء. فتذكُّر الإنسان لهذا يجعله حريصاً على اغتنام وقته في مرضاة الله تعالى.

وقال أحد الصالحين لتلاميذه: " إذا خرجتم من المسجد فتفرّقوا لتقرؤوا القرآن، وتسبّحوا الله، فإنكم إذا اجتمعتم في الطريق، تكلمتم وضاعت أوقاتكم ".

وقال شوقي:

دقات قلب المرء قائلة له … إن الحياة دقائق وثوان

  إن الجاني على نفسه هو إنسان ضيع أيامه الخمسة، فالعبد له خمسة أيام يوم مفقود، ويوم مشهود، ويوم مورود، ويوم موعود، ويوم ممدود.

فاليوم المفقود هو اليوم الذي ضاع منك ومضى

 واليوم المشهود هو اليوم الذي تعيش فيه حاضراً، نسأل الله أن يجعل يومنا أفضل من أمسنا، وأن يجعل غدنا خيراً من يومنا، وأن يحول حالنا إلى أحسن حال

واليوم المورود هو يوم غد لا تدري ما الله قاض فيه

واليوم الموعود عند مجيء ملك الموت فيقفل الحساب قال تعالي  {إِنَّمَا نَعُدُّ لَهُمْ عَدًّا } مريم 84

ويم ممدود وهو يوم القيامة قال تعالي (فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ (4) المعارج

وَقَالَ عَلِيٌّ بن أبي طالب رضي الله عنه ” ارْتَحَلَتِ الدُّنْيَا مُدْبِرَةً، وَارْتَحَلَتِ الْآخِرَةُ مُقْبِلَةً، وَلِكُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا بَنُونَ، فَكُونُوا مِنْ أَبْنَاءِ الْآخِرَةِ، وَلَا تَكُونُوا مِنْ أَبْنَاءِ الدُّنْيَا، فَإِنَّ الْيَوْمَ عَمَلٌ وَلَا حِسَابَ، ‌وَغَدًا ‌حِسَابٌ وَلَا عَمَلَ ” أخرجه البخاري

ذكر ابن الجوزي في التبصرة

نسير إلى الآجال في كل ساعةٍ     وأيامنا تُطْوَى وهُــنَّ مَـراحـلُ

وما أقبحَ التفريطَ في زمن الصِّبَا   فكيف به والشَّيْب في الرأس شاملُ

تَرحَّلْ من الدنيا بزادٍ من التُّقَى      فعُمـرك أيامٌ وهــنَّ قـلائلُ

ثانياً: والمهاجر من هجر ما نهى عنه

فكم من عام مضى ونحن نتذكر فيه هجرة النبي صلى الله عليه وسلم وما تحمله من معان ودلالات؛ فهل تغيرت نفوسنا واستقامت على طاعة الله ورسوله، وهجرت مالا يُرضِي اللهَ ورسولَه؟. وتلك هي الهجرة إلى الله ورسوله، عمل بالطاعات والقربات، وهجر للمعاصي والسيئات.

روى البخاري ومسلم عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه، يقول: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «إنما الأعمال بالنية، وإنما لامرئ ما نوى، فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله، فهجرته إلى الله ورسوله، ومن كانت هجرته إلى دنيا يصيبها أو امرأة يتزوجها، فهجرته إلى ما هاجر إليه».

عباد الله المهاجر إلى الله ورسوله: هو الذي استطاع أن يحمل نفسه على هجر الذنوب والمعاصي.

روى البخاري في صحيح عن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده، والمهاجر من هجر ما نهى الله عنه»

وعن فَضَالَةَ بْنِ عُبَيْدٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ: "أَلا أُخْبِرُكُمْ بِالْمُؤْمِنِ؟! مَنْ أَمِنَهُ النَّاسُ عَلَى أَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ" وفي رواية: "ودمائهم" "وَالْمُسْلِمُ مَنْ سَلِمَ النَّاسُ مِنْ لِسَانِهِ وَيَدِهِ، وَالْمُجَاهِدُ مَنْ جَاهَدَ نَفْسَهُ فِي طَاعَةِ اللهِ، وَالْمُهَاجِرُ مَنْ هَجَرَ الْخَطَايَا وَالذَّنُوبَ" [مسند أحمد،

أخي الكريم؛ لئن فاتك ثواب الهجرة إلى الله ورسوله في زمن النبوة‏، فقد شرع الله لك هجرة لا تنقطع ما دمت في الدنيا‏،‏ فيها الثواب العظيم‏، والأجر الكبير: فاهجر المعصية إلى الطاعة‏، واهجر التفريط إلى الاستقامة‏، واهجر الكسل والخمول إلى الجد والعمل والاجتهاد فيما يرضي الله‏ سبحانه، وهاجر بقلبك من الركون إلى الدنيا والاطمئنان إليها إلى الدار الآخرة والرغبة فيها

عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا- قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: "لاَ هِجْرَةَ بَعْدَ الفَتْحِ، وَلَكِنْ جِهَادٌ وَنِيَّةٌ، وَإِذَا اسْتُنْفِرْتُمْ فَانْفِرُوا" [صحيح البخاري (2783)، ومسلم (1353)].

عَنْ مُعَاوِيَةَ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- يَقُولُ: "لا تَنْقَطِعُ الْهِجْرَةُ حَتَّى تَنْقَطِعَ التَّوْبَةُ، وَلا تَنْقَطِعُ التَّوْبَةُ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ مِنْ مَغْرِبِهَا" [سنن أبي داود‏...

فعلينا: أن نهجر ما نهانا الله عنه، فمن ترك شيئا لله، عوضه الله خيرا منه، عاجلا أو آجلا ولكنكم تستعجلون.

ويجب علينا: أن نهجرَ الصفاتِ الذميمةَ، والأخلاقَ الرذيلةَ، فقد حذرنا نبينا -صلى الله عليه وسلم- من أمثال هذه الصفات؛ فعن عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرٍو، عَنِ النَّبِيِّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- قَالَ: "إِيَّاكُمْ وَالظُّلْمَ، فَإِنَّ الظُّلْمَ ظُلُمَاتٌ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَإِيَّاكُمْ وَالْفُحْشَ، فَإِنَّ اللهَ لا يُحِبُّ الْفُحْشَ وَلا التَّفَحُّشَ، وَإِيَّاكُمْ وَالشُّحَّ، فَإِنَّهُ أَهْلَكَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ، أَمَرَهُمْ بِالْقَطِيعَةِ فَقَطَعُوا، وَبِالْبُخْلِ فَبَخِلُوا، وَبِالْفُجُورِ فَفَجَرُوا

قالَ: فَقَامَ رَجُلٌ، فَقَالَ: "يَا رَسُولَ اللهِ، أَيُّ الإِسْلامِ أَفْضَلُ؟" قال: "أَنْ يَسْلَمَ الْمُسْلِمُونَ مِنْ لِسَانِكَ وَيَدِكَ"، قَالَ: ذَلِكَ الرَّجُلُ أَوْ رَجُلٌ آخَرُ: "يَا رَسُولَ اللهِ! فَأَيُّ الْهِجْرَةِ أَفْضَلُ؟" قَالَ: "أَنْ تَهْجُرَ مَا كَرِهَ اللهُ، وَالْهِجْرَةُ هِجْرَتَانِ: هِجْرَةُ الْحَاضِرِ وَالْبَادِي، فَأَمَّا الْبَادِي فَإِنَّهُ يُطِيعُ إِذَا أُمِرَ، وَيُجِيبُ إِذَا دُعِيَ، وَأَمَّا الْحَاضِرُ فَأَعْظَمُهُمَا بَلِيَّةً، وَأَعْظَمُهُمَا أَجْرًا" [مسند أحمد، واللفظ له، ط الرسالة (11/ 428) (6837)، رواه أبو داود مختصرا، والحاكم، وقال: "صحيح على شرط مسلم

فالمسلم في هجرة دائمة؛ هَجْرٌ للشركِ والكفر والمعاصي، والذنوب والخطايا، قال سبحانه: (وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ) [المدثر: 5].

أي: اترك كل قبيح مُسْتَقذَر من سَيّءِ الأقوال والأفعال والأخلاق.

فما من قبيح من الأفعال أو الأقوال أو الأخلاق إلا وقد نهى الله عنه ورسوله؛ قال سبحانه: ﴿ قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ ﴾ [الأعراف: 33].

وعن عبد الله بن عمرو، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: «إياكم والظلم فإن الظلم ظلمات يوم القيامة، وإياكم والفحش، فإن الله لا يحب الفحش، ولا التفحش، وإياكم والشح، فإنما أهلك من كان قبلكم الشح، أمرهم بالقطيعة، فقطعوا أرحامهم، وأمرهم بالفجور، ففجروا، وأمرهم بالبخل، فبخلوا»، فقال رجل: يا رسول الله، وأي الإسلام أفضل؟ قال: «أن يسلم المسلمون من لسانك، ويدك»، قال: يا رسول الله، فأي الهجرة أفضل، قال: «أن تهجر ما كره ربك»، قال: وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «الهجرة هجرتان، هجرة الحاضر، وهجرة البادي، أما البادي، فيجيب إذا دعي، ويطيع إذا أمر، وأما الحاضر، فهو أعظمهما بلية، وأعظمهما أجرا» أخرجه الإمام أحمد وابن حبان، والبخاري في الأدب المفرد،

إخوتي الكرام؛ كيف يهون على النفس هجر الذنوب والآثام؟ الجواب من عند العالم الصالح: إبراهيم بن أدهم رحمه الله؛ فقد جاء رجل إلى إبراهيم بن أدهم رحمه الله تعالى فقال له: يا إبراهيم! إني مسرف على نفسي، فاعرض علي ما يكون لها زاجرا. فقال له إبراهيم: تذكر خمساً، فإن عملت بها لن تقع في معصية الله، وإن زلت قدمك سرعان ما ستتوب إلى الله جل وعلا. قال: هاتها يا إبراهيم.

قال إبراهيم: أما الأولى: فإذا أردت أن تعصي الله فلا تأكل من رزقه. قال: كيف ذلك والأرزاق كلها بيد الله؟ قال: فهل يجدُر بك أن تعصي الله وأنت تأكل من رزقه؟ قال: يرحمك الله يا إبراهيم، هات الثانية.

قال: أما الثانية: فإذا أردت أن تعصي الله فابحث عن مكان ليس في مُلكه فاعصه عليه. قال: وكيف ذلك يا إبراهيم؟ والمُلك مُلكه، والأرض أرضه، والسماء سماؤه؟! قال: ألا تستحي أن تعصي الملك في مملكته؟ قال: يرحمك الله، هات الثالثة.

قال: أما الثالثة: فإذا أردت أن تعصي الله فابحث عن مكان لا يراك الله فيه. قال: وكيف ذلك، والله يسمع ويرى؟! قال: ألا تستحي أن تعصي الله وأنت على يقين أنه يراك؟! قال: يرحمك الله، هات الرابعة.

قال: أما الرابعة: فإذا جاءك ملك الموت وأراد أن يقبض روحك، فقل له: أنظِرني ساعة حتى أتوب إلى الله وأدخل في طاعته. قال: كيف ذلك يا إبراهيم؟ والله جل وعلا يقول: ﴿ فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لَا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ ﴾ [الأعراف: 34]؟ قال: فهل يَجدُر بك وأنت تعلم ذلك أن تُسَوّف التوبة وتؤخر عمل الطاعات؟! قال: يرحمك الله هات الخامسة.

قال: أما الخامسة: فإذا جاءتك زبانية جهنم لتأخذك إلى جهنم فإياك أن تذهب معهم.

فبَكى الرجلُ، وعاهَدَ الله عز وجل على الطاعة.

وأنت يا عبد الله؛ أما آنَ لك أن تتخلى عن الذنوب والمعاصي، وتعاهد الله تعالى على الطاعة؟ أما آنَ لك أن تقف مع نفسك لتتذكر ذنوبك وتبكي على خطيئتك، وتعود إلى ربك؟

وقد قيل لرسول الله -صلى الله عليه وسلم-: "ما الإسلام؟!" قال: "إطعام الطعام، وطيب الكلام" قيل: "فما الإيمان؟" قال: "السماحة والصبر" قيل: "فمن أفضل المسلمين إسلاما؟" قال: "من سلم المسلمون من لسانه ويده" قيل: "فمن أفضل المؤمنين إيمانا؟" قال: "أحسنهم خلقا" قيل: "فما أفضل الهجرة؟" قال: "من هجر ما حرم الله عليه" قيل: "أي الصلاة أفضل؟" قال: "طول القنوت" قيل: "أي الصدقة أفضل؟" قال: "جهد مقل" قيل: "أي الجهاد أفضل؟" قال: "أن تجاهد بمالك ونفسك؛ فيعقر جوادك ويراق دمك" قيل: "أي الساعات أفضل؟" قال: "جوف الليل الغابر" [صححه في "تحقيق الإيمان، لابن تيمية ص: 7)].

والعبادة الخالصة لله -تعالى- وقت الفتن والشدائد والمحن تساوي هجرة إلى النبي -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، فهو القائل: "الْعِبَادَةُ فِي الْهَرْجِ كَهِجْرَةٍ إِلَيَّ" [رَوَاهُ مُسلم (2948)].

وفي رواية عند غيره: "الْعِبَادَةُ فِي الْفِتْنَةِ كَهِجْرَةٍ إِلَيَّ" [المعجم الكبير للطبراني (20/ 213) (492)].

عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ السَّعْدِيِّ، رَجُلٍ مِنْ بَنِي مَالِكِ بْنِ حَسَلٍ: أَنَّهُ قَدِمَ عَلَى النَّبِيِّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- فِي نَاسٍ مِنْ أَصْحَابِهِ، فَقَالُوا لَهُ: "احْفَظْ رِحَالَنَا، ثُمَّ تَدْخُلُ" وَكَانَ أَصْغَرَ الْقَوْمِ، فَقَضَى لَهُمْ حَاجَتَهُمْ، ثُمَّ قَالُوا لَهُ: "ادْخُلْ" فَدَخَلَ، فَقَالَ: "حَاجَتُكَ؟" قَالَ: "حَاجَتِي؛ تُحَدِّثُنِي: أَنْقَضَتِ الْهِجْرَةُ؟" فَقَالَ النَّبِيُّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: "حَاجَتُكَ خَيْرٌ مِنْ حَوَائِجِهِمْ، لا تَنْقَطِعُ الْهِجْرَةُ مَا قُوتِلَ الْعَدُوُّ" [مسند أحمد

 فالهجرة خصلتان: هجرة تامة فاضلة لا يساويها ولا يوازيها شيء، وهي الهجرة من مكة وغيرها إلى المدينة، وهذه انقطعت وانتهت بفتح مكة.

وهجرة دائمة مستمرة، وهي هجر المنكرات والمعاصي والسيئات، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ، وَمُعَاوِيَةَ بْنِ أَبِي سُفْيَانَ، وَعَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرِو ابْنِ الْعَاصِ: أَنَّ رَسُولَ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- قَالَ: "الْهِجْرَةُ هِجْرَتَانِ: أَحَدُهُمَا أَنْ يَهْجُرَ السَّيِّئَاتِ، وَالأُخْرَى أَنْ يُهَاجِرَ إِلَى اللهِ وَرَسُولِهِ، وَلا تَنْقَطِعُ الْهِجْرَةُ مَا تُقُبِّلَتِ التَّوْبَةُ، وَلا تَزَالُ التَّوْبَةُ مَقْبُولَةً حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ مِنَ المَغْرِبِ، فَإِذَا طَلَعَتْ طُبِع" -وفي رواية: ختم- "عَلَى كُلِّ قَلْبٍ بِمَا فِيهِ، وَكُفِيَ النَّاسُ الْعَمَلَ" [المعجم الكبير

ثالثاً حرمة هجر المسلم فوق ثلاث

اعلموا -عباد الله- أن هجر المسلم أكثر من ثلاث ليال لغير عذر شرعي لا يجوز، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: "لا يَحِلُّ لِمُسْلِمٍ أَنْ يَهْجُرَ أَخَاهُ فَوْقَ ثَلاثٍ، فَمَنْ هَجَرَ فَوْقَ ثَلاثٍ فَمَاتَ دَخَلَ النَّارَ" [سنن أبي داود (4914)، الإرواء (2029)].

وفي رواية: "مَنْ هَجَرَ أَخَاهُ فَوْقَ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ فَهُوَ فِي النَّارِ؛ إِلاَّ أَنْ يَتَدَارَكَهُ اللَّهُ مِنْهُ بِتَوْبَةٍ" [الجامع لابن وهب، ت مصطفى أبو الخير، (ص: 370) (261)].

فكيف بمن هجر أخاه أياما وشهورا؟!

عَنْ أَبِي خِرَاشٍ السُّلَمِيِّ: أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، يَقُولُ: "مَنْ هَجَرَ أَخَاهُ سَنَةً فَهُوَ كَسَفْكِ دَمِهِ" [سنن أبي داود (

فإن كان الهجر لعذر شرعي، هجر لله -تعالى- فلا مانع، وإن طالت المدة إن كان هناك طمع في أن يصلح الحال، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، قَالَ: "تُفْتَحُ أَبْوَابُ الْجَنَّةِ كُلَّ يَوْمِ اثْنَيْنِ، وَخَمِيسٍ فَيُغْفَرُ فِي ذَلِكَ الْيَوْمَيْنِ لِكُلِّ عَبْدٍ لا يُشْرِكُ بِاللَّهِ شَيْئًا؛ إِلاّ مَنْ بَيْنَهُ وَبَيْنَ أَخِيهِ شَحْنَاءُ، فَيُقَالُ: أَنْظِرُوا هَذَيْنِ حَتَّى يَصْطَلِحَا" قَالَ أَبُو دَاوُدَ: النَّبِيُّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- هَجَرَ بَعْضَ نِسَائِهِ أَرْبَعِينَ يَوْمًا، وَابْنُ عُمَرَ هَجَرَ ابْنًا لَهُ إِلَى أَنْ مَاتَ قَالَ أَبُو دَاوُدَ: "إِذَا كَانَتِ الْهِجْرَةُ لِلَّهِ؛ فَلَيْسَ مِنْ هَذَا بِشَيْءٍ" وَإِنَّ عُمَرَ بْنَ عَبْدِ الْعَزِيزِ غَطَّى وَجْهَهُ عَنْ رَجُلٍ" [سنن أبي دهذا وصلوا وسلموا تسليما كثيرا على سيدنا محمد وعلى اله وصحبه اجمعين

 

google-playkhamsatmostaqltradent