الهجرة النبوية دروس وعبر محمد أبوالنصر
️الحمد لله الذي جعل الليل والنهار خلفة
لمن أراد أن يذّكر أو أراد شكورًا، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، جعل
من كل ضيق مخرجًا، ومن كل هم فرجًا، وأشهد أن سيدنا ونبينا محمدًا عبد الله ورسوله،
أخرجه قومه من أحب البلاد إليه فآواه الله وأيده ونصره، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه،
صلاة دائمة ممتدة إلى يوم الدين.
أما بعد، إن تقلب الليالي والأيام يحمل
في طياته من سنن الله الكونية ما يجعل العاقل يعيش بعين البصيرة، فليس الخبر كالمعاينة،
وإن في قصص الأولين لعبرة للمتقين.
أيها الكرام، نقف اليوم على أعتاب ذكرى عظيمة، ليست مجرد حدث
تأريخي نستهلكه في خطبة أو محاضرة، بل هي دروس متجددة، ومشاهد متدفقة بالهدايات، إنها
ذكرى الهجرة النبوية، تلك الرحلة المباركة التي لم تكن مجرد انتقال في المكان، بل كانت
تحولاً في الزمان، ونقلة نوعية في مسار الدعوة، وإيذانًا بميلاد أمة، وإقامة دولة،
وتثبيت دعائم دين خاتم إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها.
لقد كانت الهجرة النبوية -يا عباد الله-
حدثًا فاصلًا بين عهدين: عهد الضعف والاستضعاف، وعهد القوة والتمكين، حدثًا أظهر الله
فيه جلال قدرته، وبديع حكمته، ولطيف عنايته بنبيه -صلى الله عليه وسلم- وعباده المؤمنين.
ويأتي كلامنا تحت المباحث التالية .
المبحث الأول: مقاصد الهجرة وأسرارها الخفية..
لماذا كانت الهجرة؟
إن الناظر في هذا الحدث العظيم لا بد أن
يتساءل: لماذا كانت الهجرة؟ وما هي الحكمة الإلهية من وراء هذا الانتقال الشاق من البلد
الحرام، بلد الأهل والعشيرة، إلى بلد جديد غريب؟ وللإجابة عن هذا السؤال، لا بد لنا
من تأمل مقاصد هذه الهجرة المباركة وأسرارها الخفية، والتي يمكن إجمالها في مقاصد عظام:
المقصد الأول: حفظ العقيدة وصيانة الدين
من الفتنة: لقد اشتد البلاء على المؤمنين في مكة حتى بلغ السيل الزبى، فلم يعد الكثير
منهم قادرين على إقامة دينهم في أمن وأمان، بل إن بعضهم فُتن في دينه وأُوذي في الله،
فهاجر بعضهم إلى الحبشة فرارًا بدينهم. ثم لما تكاثر إسلام الأنصار في المدينة، وبويع
النبي -صلى الله عليه وسلم- على النصرة والإيواء، صارت الهجرة إلى المدينة واجبة على
من يستطيع من المسلمين؛ وذلك لإقامة الدين، وحفظ النفس من الفتنة. يقول الله -تبارك
وتعالى- مخاطبًا عباده المؤمنين محذرًا من فتنة الكفار: (إِنَّ ٱلَّذِينَ تَوَفَّىٰهُمُ
ٱلۡمَلَـٰٓئِكَةُ ظَالِمِىٓ أَنفُسِهِمۡ قَالُواْ فِيمَ كُنتُمۡۖ قَالُواْ كُنَّا مُسۡتَضۡعَفِينَ
فِى ٱلۡأَرۡضِۚ قَالُوٓاْ أَلَمۡ تَكُنۡ أَرۡضُ ٱللَّهِ وَٰسِعَةٗ فَتُهَاجِرُواْ فِيهَاۚ
فَأُوْلَـٰٓئِكَ مَأۡوَىٰهُمۡ جَهَنَّمُۖ وَسَآءَتۡ مَصِيرًا) [النِّسَاء: 97]. قال
الإمام ابن كثير -رحمه الله- في تفسيره: "وهذه الآية عامة في كل من أقام بين ظهراني
المشركين وهو قادر على الهجرة، وليس متمكنًا من إقامة الدين، فهو ظالم لنفسه مرتكب
حرامًا بالإجماع...". فالهجرة إذن كانت -في أصلها- وسيلة لحفظ الدين والفرار به
من الفتن، حتى لا يُفتن العبد في عقيدته، أو يُضطر إلى التنازل عن شيء من دينه.
المقصد الثاني: التمكين للدين وإقامة دولته:
لقد كانت الدعوة الإسلامية في مكة تركز على بناء العقيدة وتزكية النفوس، ولكن لما ضاقت
مكة بأهلها، وأصر كبراؤها على الكفر والعناد، أراد الله -عز وجل- أن ينقل الدعوة إلى
طور جديد، طور التمكين وإقامة الدولة التي تحمي الدين، وتنشر العدل، وتطبق الشريعة.
فالرسالة الخاتمة لا بد لها من أرض تنطلق منها، وقوة تحميها، ومجتمع يحتضنها، وهذا
ما لم يكن متوفرًا في مكة، بل كان متوفرًا في المدينة المنورة.
وهكذا شاءت حكمة الله أن تكون الهجرة هي
البداية الحقيقية لإقامة المجتمع المسلم الذي تسوده شريعة الإسلام، لتكون نواة لانطلاق
الفتوحات، وهداية الأمم، وإخراج الناس من الظلمات إلى النور.
المقصد الثالث: تمحيص الصف المؤمن وإظهار
المعدن الأصيل: الهجرة بمعناها الانتقالي من أرض الكفر إلى أرض الإسلام، هي اختبار
حقيقي للإيمان، وامتحان صعب للصدق. فليس كل من يدعي الإيمان يقوى على ترك الأهل والمال
والوطن في سبيل الله. إنها عملية فرز وتمحيص، تظهر من خلالها المعادن النفيسة من المعادن
الخسيسة، وتميز الصادق المتيقن من المنافق المتشكك.
لقد ترك المهاجرون الأولون كل غال ونفيس
طواعية، طلبًا لرضوان الله، وتصديقًا لما جاء به رسوله، وهذا ما أهَّلهم ليكونوا الرعيل
الأول، الذين حملوا على عواتقهم بناء صرح الإسلام الشامخ. وهذا المعنى يتجلى بوضوح
فيما جاء في الحديث عن عبدالله بن مسعود -رضي الله عنه- حين قال: "أراد رجل أن
يخطب امرأة في المدينة -وهو طبعًا في مكة قبل أن يهاجر- فاشترطت عليه أن يهاجر فهاجر
وتزوجها، فكنا نسميه مهاجر أم قيس". استهزاءً به وإنكارا لفعله واستخفافا لهذا
الفعل. ذلك أن الروح العامة آنذاك كانت الأفعال والتصرفات والأقوال يبتغى بها وجه الله
وحده، فيا لله ما أعظم هذا المعيار!
وخلاصة القول هنا، أن الهجرة لم تكن هزيمة
ولا فرارًا جبانًا، بل كانت خطة إلهية محكمة، وتكتيكًا نبويًا عظيمًا، قاده سيد المرسلين
-صلى الله عليه وسلم- بإحكام وتوكل على رب العالمين، لتكون درسًا خالدًا للأمة من بعده:
أن الباطل مهما طغى وتجبر، فإن العاقبة للحق؛ وأن الضعف والاستضعاف إنما هو مرحلة عابرة
ما ثبت أهله على الحق؛ وأن الله لا يضيع أجر من أحسن عملًا. فلم تكن الهجرة مجرد انتقال،
بل كانت إرهاصًا لبناء صرح شامخ، وتمهيدًا لنصر مؤزر، وانبثاق فجر جديد، أضاء الدنيا
بنور الوحدانية والإسلام.
المبحث الثاني: أحداث الهجرة ودروسها الثرية..
كيف تحقق النصر في أحرج اللحظات؟
معاشر المؤمنين: بعد أن تأملنا المقاصد
العظام للهجرة، آن لنا أن نقف على أبرز محطاتها، ونتأمل كيف تحقق النصر الإلهي في أحرج
اللحظات وأصعب المواقف.
إن المتتبع لأحداث الهجرة النبوية، يرى
عيانًا كيف أن الله -عز وجل- قد أحاط نبيه -صلى الله عليه وسلم- وصاحبه أبا بكر الصديق
-رضي الله عنه- بسياج من الحفظ والرعاية، وكيف أن الأخذ بالأسباب المادية لم يتعارض
البتة مع التوكل الصادق على رب الأرباب. إنها دروس عملية ومشاهد عظيمة، تعلمنا كيف
نواجه الأزمات، وكيف نتعامل مع المحن، وكيف ننتقل من دائرة الضيق إلى ساحة السعة والتمكين.
ولنقف معًا على أعظم الدروس المستفادة من هذا الحدث الجليل:
الدرس الأول: كمال التوكل مع تمام الأخذ
بالأسباب. هذا هو الدرس الجوهري الذي ينبغي أن يترسخ في قلب كل مسلم.
إن كثيرًا من الناس يخلطون بين التوكل والتواكل،
فتراهم إما أن يعتمدوا على الأسباب وحدها وينسوا مسببها، فيقعوا في الشرك الخفي، وإما
أن يتركوا الأسباب كلية وينتظروا الفرج من السماء دون عمل، فيخالفوا هدي النبي -صلى
الله عليه وسلم-. أما سيد المتوكلين -صلى الله عليه وسلم-، فقد جمع بين المقامين أكمل
جمع وأتمه: ففي الوقت الذي كان قلبه متوكلاً على ربه، مفوضًا إليه الأمر كله، نراه
يأخذ بكافة أسباب الحيطة والحذر البشرية، في مشهد يدل على عبقرية القيادة، وعظمة النبوة،
ودقة التخطيط. انظر إليه -بأبي هو وأمي- كيف خطط للهجرة تخطيطًا محكمًا:
اختيار الصاحب الأمين: "وقد روى الحاكم:
أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال لجبريل: 'من يهاجر معي؟ قال: أبو بكر الصديق'، وكان
أبو بكر -رضي الله عنه- قد أراد الهجرة قبل ذلك، فاستَبْقاه النبي -صلى الله عليه وسلم-؛
أي: أمره بالبقاء والمكث-؛ ليصحبه في هجرته عندما يُؤذَن له، وظل أبو بكر -رضي الله
عنه- يستعد لذلك اليوم، فاشترى راحلتين وأخذها يعلفها لمدة أربعة أشهر...". إنه
اختيار إلهي قبل أن يكون بشريًا، فالصاحب في مثل هذه الظروف العصيبة لا بد أن يكون
على أعلى درجات الكتمان والوفاء والتضحية، وهذا ما كان عليه الصديق -رضي الله عنه-.
التخطيط للخروج في الوقت المناسب: لقد خرج
النبي -صلى الله عليه وسلم- في وقت لم يكن متوقعًا، بعد أن أحكمت قريش التربص بداره،
وجمعت شبانها للإيقاع به. ولقد أذن الله له بالخروج بعد أن هدأت العيون، وغفت الجفون،
وكان التخطيط الإلهي قد سبق كل تدبيرهم، قال الله -تعالى- مذكرًا إيانا بهذا الحدث:
(وَإِذۡ يَمۡكُرُ بِكَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لِيُثۡبِتُوكَ أَوۡ يَقۡتُلُوكَ أَوۡ يُخۡرِجُوكَۚ
وَيَمۡكُرُونَ وَيَمۡكُرُ ٱللَّهُۖ وَٱللَّهُ خَيۡرُ ٱلۡمَـٰكِرِينَ) [الأنفال:30].
قال ابن عباس -رضي الله عنهما-: "تشاورت قريش ليلة بيدر، فقال بعضهم: أَثْبِتُوهُ
في وِثَاق، وقال بعضهم: اقْتُلُوه، وقال بعضهم: أخْرِجُوه، فَأطْلَعَ اللهُ نَبِيَّهُ
على ذلك، فَخَرَجَ مع عليّ، وفَاتَهُمْ".
استعمال وسائل التمويه وإخفاء الأثر: إن
المتأمل في مسير النبي -صلى الله عليه وسلم- يجد قمة الذكاء في التعامل مع الخطر المحدق.
فلم يخرج من البيت مباشرة نحو المدينة شمالاً، بل خرج في الاتجاه المعاكس جنوبًا نحو
غار ثور، ليضلل المطاردين. واستأجر دليلاً خبيرًا هو عبد الله بن أريقط، على الرغم
من أنه كان مشركًا، ولكن خبرته في الطرق كانت هي المطلوبة. واستخدم عامر بن فهيرة ليغطي
آثار الأقدام بالأغنام.
كل هذه الإجراءات هي من الأخذ بالأسباب
الذي أمر الله به، وفعله رسوله -صلى الله عليه وسلم- ليُعلّم الأمة كيف تخطط، وكيف
تحتاط، وكيف تستفرغ طاقتها في طلب النجاح، ثم بعد ذلك تتوكل على الفتاح.
التخفي والاختباء في غار ثور ثلاثة أيام:
وهو إجراء أمني احترازي عظيم، حتى تهدأ ثورة المشركين، وتفتر حدة البحث. وفي هذا الغار
كانت الذروة في التوكل، والقمة في الثقة بالله، حينما وصل المشركون إلى باب الغار،
ووقفوا على حافته. انظروا إلى هذا المشهد المهول، واسمعوا إلى قول الله -عز وجل- وهو
يصوره لنا: (إِلَّا تَنصُرُوهُ فَقَدۡ نَصَرَهُ ٱللَّهُ إِذۡ أَخۡرَجَهُ ٱلَّذِينَ
كَفَرُواْ ثَانِىَ ٱثۡنَيۡنِ إِذۡ هُمَا فِى ٱلۡغَارِ إِذۡ يَقُولُ لِصَـٰحِبِهِۦ لَا
تَحۡزَنۡ إِنَّ ٱللَّهَ مَعَنَاۖ فَأَنزَلَ ٱللَّهُ سَكِينَتَهُۥ عَلَيۡهِ وَأَيَّدَهُۥ
بِجُنُودٖ لَّمۡ تَرَوۡهَا وَجَعَلَ كَلِمَةَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ ٱلسُّفۡلَىٰۗ وَكَلِمَةُ
ٱللَّهِ هِىَ ٱلۡعُلۡيَاۗ وَٱللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ) [التوبة:40]. قال أبو بكر الصديق
-رضي الله عنه- وهو يروي هذا الموقف العظيم: "قُلْتُ لِلنَّبِيِّ -صَلَّى اللهُ
عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- وَأَنَا فِي الغَارِ: لَوْ أَنَّ أَحَدَهُمْ نَظَرَ تَحْتَ قَدَمَيْهِ
لَأَبْصَرَنَا، فَقَالَ: مَا ظَنُّكَ يَا أَبَا بَكْرٍ بِاثْنَيْنِ اللَّهُ ثَالِثُهُمَا؟"
<متفق عليه>. هنا تجلت حقيقة التوكل الكاملة، حيث يقين النبي -صلى الله عليه
وسلم- أن الله معهما، فلا يمكن أن يخذلهما، ولهذا قال لصاحبه: "لا تحزن إن الله
معنا". إنها جملة تحمل كل معاني السكينة والثقة واليقين، وتكون دستورًا لكل مؤمن
في أوقات الشدة والمحن.
الدرس الثاني: دور الصحبة الصالحة في نصرة
الدين. لم يكن أبو بكر الصديق -رضي الله عنه- مجرد رفيق طريق، بل كان شريكًا في الهم،
ونصيرًا في الشدة، ومثالاً حيًا للتضحية والفداء. لقد عرّض نفسه للخطر وهو يعلم أن
قريشًا قد رصدت مائة ناقة لمن يأتي بهما حيين أو ميتين. لقد قدم ماله كله، بل وهاجر
بأهله وولده. هذا هو شأن الصاحب الصالح، وهذا هو أثر الصحبة الصالحة في تثبيت الداعية
وإعانته على الحق. ولذلك قال النبي -صلى الله عليه وسلم- مبينًا فضل أبي بكر:
"إِنَّ أَمَنَّ النَّاسِ عَلَيْنَا فِي صُحْبَتِهِ وَذَاتِ يَدِهِ أَبُو بَكْرٍ،
وَلَوْ كُنْتُ مُتَّخِذًا مِنْ أُمَّتِي خَلِيلًا لَاتَّخَذْتُ أَبَا بَكْرٍ، وَلَكِنْ
أُخُوَّةُ الْإِسْلَامِ وَمَوَدَّتُهُ". <رواه البخاري>. فياله من درس للشباب
أن يحرصوا على الصحبة الصالحة التي تعينهم على دينهم، وأن يكونوا هم أنفسهم أصحابًا
صالحين لمن حولهم، قادرين على الحماية والنصرة والتضحية.
الدرس الثالث: أن العاقبة للصابرين، وأن
بعد العسر يسرًا. لقد خرج النبي -صلى الله عليه وسلم- من مكة متخفيًا، خائفًا يترقب،
وحيدًا ليس معه إلا رجل واحد، في مطاردة شرسة من قريش. ولكنه -صلى الله عليه وسلم-
كان على يقين جازم بوعد الله ونصره. وانظروا كيف كانت العاقبة، وكيف أن الله لا يخلف
الميعاد. فلم تمر سوى سنوات قليلة، حتى عاد النبي -صلى الله عليه وسلم- إلى مكة فاتحًا
منتصرًا، على رأس عشرة آلاف مقاتل، بعد أن كان مطاردًا شريدًا. إن هذا المشهد يعلمنا
درسًا جليًا: أن الظلم والاضطهاد والكفر مهما بلغت قوته، فهو إلى زوال. وأن المؤمن
مهما أصابه من ضعف وضيق، فإن الله معه، وناصره ومؤيده، مصداقًا لقوله -تعالى-: (فَإِنَّ
مَعَ ٱلۡعُسۡرِ يُسۡرًا * إِنَّ مَعَ ٱلۡعُسۡرِ يُسۡرٗا) [الشَّرۡح: 5-6]. وصدق الله
وعده لنبيه ومن معه من المؤمنين: (هُوَ ٱلَّذِىٓ أَرۡسَلَ رَسُولَهُۥ بِٱلۡهُدَىٰ وَدِينِ
ٱلۡحَقِّ لِيُظۡهِرَهُۥ عَلَى ٱلدِّينِ كُلِّهِۦۚ وَكَفَىٰ بِٱللَّهِ شَهِيدٗا) [الفَتۡح:
28].
المبحث الثالث: فقه الهجرة ودلالاتها الأصيلة..
الهجرة الحقيقية التي ننشدها
عباد الله: بعد أن استعرضنا مقاصد الهجرة
وأحداثها ودروسها المباشرة، يحسن بنا أن نقف وقفة متأنية مع فقه الهجرة ودلالاتها العميقة.
لقد انتهت الهجرة المكانية من دار الكفر إلى دار الإسلام بعد فتح مكة، حيث قال النبي
-صلى الله عليه وسلم-: "لَا هِجْرَةَ بَعْدَ الفَتْحِ، وَلَكِنْ جِهَادٌ وَنِيَّةٌ،
وَإِذَا اسْتُنْفِرْتُمْ فَانْفِرُوا". <متفق عليه>. ولكن هل يعني انتهاء
الهجرة المكانية أن مفهوم الهجرة بمعناه الشامل قد انتهى؟ كلا والله، بل إن للهجرة
معنى أوسع وأشمل، يمتد ليشمل حياة المسلم كلها في كل زمان ومكان. إنها هجرة السلوك
والقلب، هجرة النية والعمل، الهجرة التي لا تنقطع إلى قيام الساعة. وهذا ما سنبينه
في هذا المبحث إن شاء الله.
المعنى الأول: الهجرة بمعنى هجران المنهيات
والمحرمات. هذا هو جوهر الهجرة ولبها الدائم المستمر. إنه الفهم النبوي العميق الذي
بيّنه رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بقوله الجامع: "المُسْلِمُ مَنْ سَلِمَ
المُسْلِمُونَ مِنْ لِسَانِهِ وَيَدِهِ، وَالمُهَاجِرُ مَنْ هَجَرَ مَا نَهَى اللَّهُ
عَنْهُ". <متفق عليه>. تأملوا معي هذا الحديث العظيم، كيف ربط النبي -صلى
الله عليه وسلم- بين اسم "المهاجر" وحقيقة الهجرة الدائمة. فالمهاجر الحقيقي
هو من هجر ما نهى الله عنه من أقوال وأفعال واعتقادات. إنها هجرة متجددة كل يوم، بل
كل لحظة، يجاهد فيها العبد نفسه الأمارة بالسوء، ويخالف هوى النفس، ويهجر صحبة الأشرار،
ويهجر مجالس اللهو والغيبة والنميمة، ويهجر النظر الحرام، وأكل الحرام، وكل ما يغضب
الله -عز وجل-. هذه هي الهجرة التي لا تنقطع، وهي ميدان السباق إلى رحمة الله ورضوانه.
ومن تأمل هذا الحديث، أدرك أن من أسمى غايات الهجرة النبوية، هو هذا المعنى الباقي؛
فكما هاجر الصحابة من ديار الكفر فرارًا بدينهم، فإن على كل مسلم أن يهاجر بقلبه وجوارحه
من كل ما يسخط الله إليه.
المعنى الثاني: الهجرة بالقلب إلى الله
ورسوله. وهذا هو الأساس الذي تبنى عليه كل الهجرات، وهو الذي يحدد قيمة العمل وجزاءه
عند الله. إن مدار قبول الأعمال كلها على الإخلاص والنية الصادقة، وفي هذا يقول النبي
-صلى الله عليه وسلم- في الحديث العظيم الذي يفتتح به الإمام البخاري صحيحه:
"إِنَّمَا الأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ، وَإِنَّمَا لِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى،
فَمَنْ كَانَتْ هِجْرَتُهُ إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ، فَهِجْرَتُهُ إِلَى اللَّهِ
وَرَسُولِهِ، وَمَنْ كَانَتْ هِجْرَتُهُ لِدُنْيَا يُصِيبُهَا، أَوِ امْرَأَةٍ يَنْكِحُهَا،
فَهِجْرَتُهُ إِلَى مَا هَاجَرَ إِلَيْهِ". <رواه البخاري ومسلم>. هذا الحديث
أصل عظيم في الإسلام، وهو ميزان الأعمال الباطنة. إنه يفرق بين من هاجر لله، وبين من
هاجر لعرض من الدنيا. فالأول مهاجر إلى الله ورسوله، له من الأجر على قدر نيته، والثاني
لا نصيب له من أجر الهجرة في الآخرة، وإنما جزاؤه ما نواه في الدنيا. فكم من عمل صغير
عظمته النية، وكم من عمل كبير حقرته النية! وكم من صلاة وصيام وصدقة وجهاد، كانت في
الظاهر عظيمة، لكنها في الميزان لا تساوي شيئًا لفساد النية. وهذا ما يجعل المؤمن دائم
التفتيش في سريرته، وتصحيح مقاصده، ومحاسبة نفسه على نيته، لكي يكون دائمًا في هجرة
قلبية إلى ربه، قاصدًا وجهه، مبتغيًا رضوانه.
المعنى الثالث: الهجرة من الظلم والانحراف
إلى العدل والاستقامة. وهذا معنى جامع يشمل التوبة من الذنوب والمعاصي، والانتقال من
حال المعصية إلى حال الطاعة، ومن ظلمات الجهل إلى نور العلم والعرفان.
إنها هجرة نفسية واجتماعية، تعني تغيير
الواقع الفاسد بواقع صالح. "إن إنا لنا
جميعا رجالاً ونساء شيوخًا وشبابًا هجرة من نوع آخر، هي هجرة القلوب من الانحراف إلى
الاستقامة، من الظلم إلى العدل، من الشر إلى الخير، من الضلال إلى الهدى." هذه
هي هجرة الإصلاح الفردي والمجتمعي، حيث يهجر العبد رعونات نفسه، ويخالف شيطانه، ويخالف
العادات القبيحة والتقاليد المنحرفة، ليسمو بنفسه ومجتمعه إلى ما يحبه الله ويرضاه.
ومتى ما تحققت هذه الهجرة في القلوب والنوايا، أعقبها صلاح في الأقوال والأعمال والأحوال،
ونزل النصر والتمكين من الله -عز وجل- كما حدث للمهاجرين الأولين، فلقد صدق القائل:
"ولو أن هجرة المسلمين لم تقم على أساس متين من هجرة القلوب قبل هجرة الأبدان
لما كتب لها الله النصر وتحقيق نواة لدولة إسلامية تمتد ظلالها شرقًا وغربًا وشمالاً
وجنوبًا."
المبحث الرابع: بناء الدولة والمجتمع..
ثمار الهجرة ونتائجها المباركة
لقد كانت الهجرة النبوية، أيها المؤمنون،
نقطة البداية الحقيقية في بناء كيان إسلامي متكامل، كيان يجسّد معاني الأمة الواحدة،
والدولة القوية، والمجتمع المتماسك.
فما إن استقر النبي -صلى الله عليه وسلم-
في المدينة، حتى شرع في إرساء دعائم هذا الكيان من خلال خطوات عملية محكمة، قلبت موازين
التاريخ، وأرست قواعد حضارة إنسانية فريدة. وإن لنا في هذه الخطوات لدروسًا عظيمة،
ينبغي أن نعيها ونستلهمها في واقعنا المعاصر.
● اللبنة الأولى: بناء المسجد. إن أول عمل
قام به النبي -صلى الله عليه وسلم- عند وصوله المدينة هو بناء المسجد النبوي. لم تكن
الخطوة الأولى بناء قصر للحكم، ولا ثكنة للجيش، بل كانت بناء بيت الله، الذي هو مكان
العبادة، والتلاقي، والتشاور، والتعليم، والتربية، والانطلاق. لقد كان المسجد هو مركز
الإشعاع الأول في الدولة الإسلامية، فهو الجامعة التي يتخرج فيها الرجال، وهو البرلمان
الذي تناقش فيه شؤون الأمة، وهو المحكمة التي يفصل فيها في الخصومات، وهو دار القيادة
التي تخطط منها الغزوات والسرايا. قال الله -تعالى- في مدح عُمّار المساجد: (فِى بُيُوتٍ
أَذِنَ ٱللَّهُ أَن تُرۡفَعَ وَيُذۡكَرَ فِيهَا ٱسۡمُهُۥ يُسَبِّحُ لَهُۥ فِيهَا بِٱلۡغُدُوِّ
وَٱلۡأٓصَالِ * رِجَالٞ لَّا تُلۡهِيهِمۡ تِجَـٰرَةٞ وَلَا بَيۡعٌ عَن ذِكۡرِ ٱللَّهِ
وَإِقَامِ ٱلصَّلَوٰةِ وَإِيتَآءِ ٱلزَّكَوٰةِۚ يَخَافُونَ يَوۡمٗا تَتَقَلَّبُ فِيهِ
ٱلۡقُلُوبُ وَٱلۡأَبۡصَـٰرُ) [النور:36-37]. إن هذا يعلمنا أن أي نهضة حقيقية للأمة
لا بد أن تبدأ من المسجد، من خلال إحياء دوره الحقيقي، ليكون منارة للهدى، ومصنعًا
للرجال، لا مجرد مكان لأداء شعائر شكلية.
● اللبنة الثانية: المؤاخاة بين المهاجرين
والأنصار. بعد بناء المسجد، أقام النبي -صلى الله عليه وسلم- نظام المؤاخاة، الذي هو
أروع مثال للتكافل الاجتماعي والتلاحم الإنساني في التاريخ. لقد آخى بين المهاجرين
الذين تركوا أموالهم وديارهم، والأنصار الذين استقبلوهم بصدور مفتوحة وقلوب عامرة بالإيمان.
لم تكن هذه المؤاخاة مجرد كلمات تقال، بل كانت واقعًا حيًا، تجسد في أروع صوره حين
عرض سعد بن الربيع على عبد الرحمن بن عوف -رضي الله عنهما- أن يناصفه أهله وماله! هذا
الإيثار العجيب، الذي سجله القرآن الكريم بآيات خالدات، هو سر تماسك المجتمع المسلم
وقوته. يقول الله -تعالى- مثنيًا على الأنصار بهذا الموقف الفريد: (وَٱلَّذِينَ تَبَوَّءُو
ٱلدَّارَ وَٱلۡإِيمَـٰنَ مِن قَبۡلِهِمۡ يُحِبُّونَ مَنۡ هَاجَرَ إِلَيۡهِمۡ وَلَا
يَجِدُونَ فِى صُدُورِهِمۡ حَاجَةٗ مِّمَّآ أُوتُواْ وَيُؤۡثِرُونَ عَلَىٰٓ أَنفُسِهِمۡ
وَلَوۡ كَانَ بِهِمۡ خَصَاصَةٞۚ وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفۡسِهِۦ فَأُوْلَـٰٓئِكَ هُمُ
ٱلۡمُفۡلِحُونَ) [الحَشر:9]. لقد وصفهم الله بأنهم يحبون إخوانهم، ولا يحسدونهم، ويقدمونهم
على أنفسهم مع حاجتهم. إنها روح التضحية والفداء التي ينبغي أن تسود بين المسلمين اليوم،
بدلًا من الأثرة والأنانية وحب الذات الذي فرق جمعهم وأوهن قوتهم.
اللبنة الثالثة: المعاهدة مع غير المسلمين
(وثيقة المدينة). ولإرساء قواعد التعايش السلمي وتنظيم العلاقات في المجتمع الجديد،
وضع النبي -صلى الله عليه وسلم- وثيقة دستورية، نظمت العلاقة بين المهاجرين والأنصار
واليهود المقيمين في المدينة. لقد كانت هذه الوثيقة بمثابة دستور للدولة، يضمن حرية
العقيدة لغير المسلمين، وينظم الحقوق والواجبات بين جميع الأطراف في إطار من المواطنة
والتعاون المشترك على مصلحة المدينة.
وهذا يدل على عظمة الإسلام، وقدرته على
إدارة مجتمع متعدد الأديان والأعراق، بكل عدل وإنصاف.
آثار الهجرة ونتائجها المباركة:
إننا حين ننظر في الآثار العظيمة التي ترتبت
على هجرة النبي -صلى الله عليه وسلم-، ندرك أن هذا الحدث كان بحق مولد أمة، وفجر حضارة.
ومن أبرز هذه الآثار:
تحول المسلمون من أفراد مستضعفين إلى أمة
ذات كيان: فقد صار للمسلمين دولة تحميهم، وأرض تجمعهم، وقائد يطيعونه، ومجتمع يتكافلون
فيه. وبذلك انتقلوا من مرحلة الدعوة الفردية إلى مرحلة الدولة الشاملة.
انطلاق الجهاد لنشر الإسلام وحماية الدولة:
فبعد أن كان المسلمون مأمورين بالكف والصبر، أذن الله لهم بالقتال بعد الهجرة دفاعًا
عن دينهم ودولتهم، فقال -تعالى-: (أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَـٰتَلُونَ بِأَنَّهُمۡ ظُلِمُواْۚ
وَإِنَّ ٱللَّهَ عَلَىٰ نَصۡرِهِمۡ لَقَدِيرٌ) [الحَجّ: 39]. وكان هذا إيذانًا ببدء
الفتوحات التي نشرت الإسلام في المعمورة.
تحقيق وعد الله بنصر دينه وإظهاره على الدين
كله: لقد وعد الله -تعالى- في كتابه العزيز بأنه ناصر دينه، ومظهره على كل الأديان،
وقد بدأت تباشير هذا الوعد تتحقق بعد الهجرة، بفتح مكة، ودخول الناس في دين الله أفواجًا،
وانهيار إمبراطوريتي فارس والروم أمام جيوش المسلمين، ووصول الإسلام إلى مشارق الأرض
ومغاربها، يقول الله -تعالى- صادقًا في وعده: (وَعۡدَ ٱللَّهِۖ لَا يُخۡلِفُ ٱللَّهُ
وَعۡدَهُۥ وَلَـٰكِنَّ أَكۡثَرَ ٱلنَّاسِ لَا يَعۡلَمُونَ) [الرُّوم: 6].
تغيير مفهوم التاريخ الإنساني: لم يكن هذا
الحدث عظيمًا في تأريخ المسلمين فحسب، بل كان منعطفًا حاسمًا في مسار الحضارة الإنسانية
كلها، حيث أخرج الله به الناس من ظلمات الجهل والوثنية والعبودية للبشر، إلى نور العلم
والتوحيد والحرية وعبادة رب البشر. ولهذا وعى المسلمون الأوائل أهمية هذا الحدث، فجعلوه
بداية لتأريخهم، لأنه كان بداية حقيقية لانبثاق فجر الإسلام، ونشأة دولته المباركة.
الخاتمة : كيف نعيش الهجرة اليوم؟
أيها المسلمون، يا عباد الله: إن حديثنا
عن الهجرة ليس حديثًا عن ماضٍ تليد نتباهى به فحسب، بل هو حديث عن حاضر وتطبيق عملي،
وعن مستقبل نأمله ونرجوه. إن الهجرة النبوية تحمل بين طياتها قيمًا خالدة ومناهج ثابتة
للنجاح والتمكين. فماذا علينا أن نفعل لنكون مهاجرين حقيقيين اليوم؟
أولًا: تصحيح النية وإخلاص العمل لله: فلنبدأ
بهجرة قلوبنا من الرياء والسمعة، ومن حظوظ النفس والتعلق بالدنيا، إلى الإخلاص لله
-عز وجل- في كل قول وعمل، مستحضرين قول النبي -صلى الله عليه وسلم-: "فَمَنْ كَانَتْ
هِجْرَتُهُ إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ، فَهِجْرَتُهُ إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ".
إنها الدعوة إلى تصفية الأعمال وتنقية القلوب من الشوائب، لتكون خالصة لوجه الله الكريم،
فنفوز بالأجر العظيم.
ثانيًا: هجر المعاصي والذنوب والتوبة النصوح:
فلنجعل من هجرتنا اليوم هجرة سلوكية وأخلاقية، هاجروا فيها الذنوب كبيرها وصغيرها،
وهاجروا المعاصي ظاهرها وباطنها، عسى الله أن يتوب علينا. (وَتُوبُوٓاْ إِلَى ٱللَّهِ
جَمِيعًا أَيُّهَ ٱلۡمُؤۡمِنُونَ لَعَلَّكُمۡ تُفۡلِحُونَ) [النُّور: 31].
ثالثًا: السعي لإقامة دين الله في الأرض:
كل حسب استطاعته، بالدعوة إلى الله، وتعليم الناس الخير، والأمر بالمعروف والنهي عن
المنكر، ونشر العلم النافع، ليكون لنا نصيب في قوله -صلى الله عليه وسلم-: "فَهِجْرَتُهُ
إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ". إن إقامة الدين في النفس والأهل والمجتمع هو من أبلغ
صور الهجرة العملية التي ننشدها.
رابعًا: الأخذ بالأسباب والتوكل على الله:
ففي مواجهة تحديات العصر، لا يصح أن نكون متواكلين، ننتظر النصر على طبق من ذهب، بل
نخطط ونعمل ونجتهد، مع اليقين بأن النصر من عند الله.
الدعاء
نسأل الله -تبارك وتعالى- أن يجعلنا من
المهاجرين إليه بقلوبنا وجوارحنا، وأن يثبتنا على دينه، وأن ينصر الإسلام ويعز المسلمين،
إنه ولي ذلك والقادر عليه.
هذا، وصلوا وسلموا -رحمكم الله- على خاتم
المرسلين، وسيد الأولين والآخرين، نبينا محمد، كما أمركم الله بذلك في محكم تنزيله:
(إِنَّ ٱللَّهَ وَمَلَـٰٓئِكَتَهُۥ يُصَلُّونَ عَلَى ٱلنَّبِىِّۚ يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ
ءَامَنُواْ صَلُّواْ عَلَيۡهِ وَسَلِّمُواْ تَسۡلِيمًا) [الأحزاب:56].
اللهم صلِّ وسلم وبارك على سيدنا محمد،
وعلى آله وأصحابه الطيبين الطاهرين، والتابعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، وعنا
معهم برحمتك يا أرحم الراحمين. اللهم أعز الإسلام والمسلمين، وأذل الشرك والمشركين،
ودمر أعداء الدين. اللهم إنا نسألك حبك وحب من يحبك، وحب عمل يقربنا إلى حبك. اللهم
اغفر للمسلمين والمسلمات، والمؤمنين والمؤمنات، الأحياء منهم والأموات، إنك سميع قريب
مجيب الدعوات. وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.