recent
أخبار عاجلة

خُطْبَةُ الجُمُعَةِ فِقْهُ الهِجْرَةِ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى

 فِقْهُ الهِجْرَةِ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى  


  الهِجْرَةُ النَّبَوِيَّةُ أَعْظَمُ حَدَثٍ تَارِيخِيٍّ كوني .

 مِن دروسِ الهِجْرَةِ ..

  قفْ مع نفسِك.

 فضلُ صِيَامِ  عَاشُورَاءَ.

 

الحمدُ للهِ نحمدُهُ ونستعينُهُ ونتوبُ إليهِ ونستغفرُهُ ونؤمنُ بهِ ونتوكلُ عليهِ ونعوذُ بهِ مِن شرورِ أنفسِنَا وسيئاتِ أعمالِنَا،

الحمدُ للهِ القائلِ في محكمِ التنزيلِ:

﴿( إِلَّا تَنْصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا )﴾التوبة: 40،

 ونشهدُ أنْ لا إلهَ إلَّا اللهُ وحدَهُ لا شريكَ له، وأنَّ سيِّدَنَا مُحمدًا عبدُهُ ورسولُهُ . أمَّا بعدُ:

أولًا: ومِن الهجرةِ كانت الانطلاقةُ لإقامة الدولة الإسلامية في المدينة . 

أيُّها الإخوة المسلمون:

الهجرة حدثٌ عظيمٌ في تاريخِ الإسلام حيث انتقل المسلمون بعدها إلى مرحلةٍ جديدة؛ فبعدما كانوا مُستَضعَفِينَ في مكة يدعون إلى اللهِ سراً وفي مرحلة لاحقة جهراً ويُلاقُون في سبيل ذلك ألواناً من العذاب

صارُوا أحراراً بعد الهجرة، ورفعوا عن أنفسِهم الظلم والعذاب، وصارت لهم قاعدة دعوية "المدينة"

ينطلقون منها إلى دعوة العالم أجمع للإسلام  ولذلك أرسل النبيُ رسائلَه للملوك يدعوهم إلى الإسلام، وما هي إلا سنوات قليلة إلا ودانت جزيرة العرب للمسلمين وكانت الهجرة هي اللبنة الأولى في كلِ تلك الانتصارات؛

ولذلك اختار عمر رضي اللهُ عنه ابتداء التاريخ الإسلامي من الهجرة  وقال :

( الهجرة فرَّقت بين الحق والباطل )

إنَّ هجرةَ المصطفى ينبغِي أنْ تحول إلى منهجِ حياةٍ وإلى واقعٍ نحياهُ ونربِّي عليه أولادَنَا وبناتِنَا، والأجيالِ . 

 فلقد كانتْ هجرةُ النبيِّ دَحْرًا للفسادِ في العقائدِ، والضلالِ في الأفكارِ، كما كانتْ فتحًا جديدًا في تاريخِ الإنسانيَّةِ، ونصْرًا مُؤَزَّرًا،

 والهجرةُ حدثٌ تاريخِيٌّ عظيمٌ ,حَدثٌ نَصَرَ اللهُ بِهِ الدِّينَ،  وأعلَى اللهُ بِهِ كَلِمتَهُ، حَدَثٌ غَيَّرَ وَجْهَ الْكَوْنِ؛ حَدَثٌ قَامَتْ بِهِ دَوْلَةُ المُسلِمينَ، وَسَقَطَتْ بِهِ عُرُوشُ الظَّالِمِينَ..

، فلقد هاجرَ نبيُّنَا مِن مكةَ المكرمةِ إلى المدينةِ النبويةِ التي أنارتْ واستنارتْ بقدومِ المصطفَى صلَّى اللهُ عليه وسلم بعدَ أنْ لاقَي النبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلم مِن الأذَى والضيقِ والبلاءِ ما لا تتحملُهُ الجبالُ الرواسي،

وفقدَ النصيرَ العزيزَ مِن أهلهِ وأقربائِهِ كأبِي طالبٍ وخديجةَ بنتِ خُويلدٍ رضى اللهُ عنها وأرضاهَا ، وأمرَهُ اللهُ جلَّ وعلا  حينئذٍ بالصبرِ والهجرةِ إلى يثرب،

 فقال مخاطبًا إياهُ:

 ((فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُولُو الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ …))(الأحقاف:35)

،فلقد تآمرَ المشركون على رسولِ الإسلامِ ، وقررُوا أنْ يفتكُوا بهِ ويقتلُوه لكنَّ اللهَ نجَّاهُ وحماهُ وأيدَهُ ونصرَهُ

 فقال جلَّ وعلا :

((وَجَعَلْنَا مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَدًّا فَأَغْشَيْنَاهُمْ فَهُمْ لَا يُبْصِرُونَ) [يس:9]،

وهنا أيدَ اللهُ رسولَه الكريمِ بالمعجزاتِ الباهراتِ، والآياتِ البيناتِ، لتدلَّ على نبوتهِ ورسالتهِ، منها ما حصلَ لسُرَاقةَ بنِ مالكٍ حينمَا أرادَ أنْ يؤذِي رسولَ اللهِ فساختْ قوائمُ الفرسِ في الأرضِ ونجَّا اللهُ نبيَّهُ مِن أذَى قريشٍ بعدَ أنْ رصدتْ جائزةً لمَن يأتِي برسولِ اللهِ .

ثانياً :دروس مستفادة من الهجرة:

الأخذ بأسباب القوة :

أيُّها الإخوة المسلمون :

ففي حدث الهجرة خطط النبي صلى الله عليه وسلم خطة متينة محكمة، فعلىٌّ  ينام على فراشه صلى الله عليه وسلم مغطياً رأسه، .....، وعبدالله بن أبي بكر كان يصبح مع قريش فيسمع أخبارها ومكائدها فإذا اختلط الظلام تسلل إلى الغار وأخبر النبي  صلى الله عليه وسلم الخبر فإذا جاء السحر رجع مصبحاً بمكة،....

 وكانت عائشة وأسماء يصنعان لهما الطعام ثم تنطلق أسماء بالسفرة إلى الغار ولما نسيت أن تربط السفرة شقت نطاقها فربطت به السفرة وانتطقت بالآخر فسميت بـ( ذات النطاقين )،

ولأبي بكر راعٍ اسمه عامر بن فهيرة ، كان يرعى الغنم حتى يأتيهما في الغار فيشربان من اللبن، فإذا كان آخر الليل مر بالغنم على أثر أقدام عبدالله بن أبي بكر  ليخفي أثر أقدامه،

 واستأجر رسول الله  صلى الله عليه وسلم رجلاً  كافراً اسمه عبدالله بن أريقط وكان هادياً خريتاً ماهراً بالطريق وواعده في غار ثور بعد ثلاث ليال،

فتوزيع الأدوار جاء مرتباً مخططاً منظماً وفق خطة علمية مدروسة، فالقائد : محمد ، والمساعد : أبو بكر ، والفدائي : علي ، والتموين : أسماء ، والاستخبارات : عبدالله ، والتغطية وتعمية العدو : عامر ، ودليل الرحلة : عبدالله بن أريقط ، والمكان المؤقت : غار ثور ، وموعد الانطلاق : بعد ثلاثة أيام ، وخط السير : الطريق الساحلي.

وهذا كله شاهد على عبقريته وحكمته صلى الله عليه وسلم ، وفيه دعوة للأمة إلى أن تحذو حذوه في حسن التخطيط والتدبير وإتقان العمل واتخاذ أفضل الأسباب مع الاعتماد على الله مسبب الأسباب أولاً وآخراً .

إن الله قادرٌ على حمل نبيه في غمامة أو سحابة أو يسخر له الريح – كما سخرها لسيدنا سليمان – فتحمله في طرفة عين من مكة إلى المدينة، ولكن الله يريد أن يعطينا درساً لا ننساه وهو التخطيط والأخذ بالأسباب.

 فالتخطيط لمستقبل أولادك أمر مهم للغاية، حتى تضمن لهم حياة كريمة وشريفة.

وكما تُخطط لدنياك خَطِّط لآخرتك، وذلك بعمل خطة وجدول لصلاتك وقيامك وقراءتك للقرآن وغير ذلك من الطاعات…….

 مِن دروسِ الهِجْرَةِ :

 أن المسلم مأمورٌ بعبادة ربه كل وقت وحين ، ولو حيل بينه وبين ذلك في مكان إقامته ، وجب عليه الخروج إلى أرض الله الواسعة ، ليعبد ربه ، قال تعالى :

( إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنتُمْ ۖ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ ۚ قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا ۚ فَأُولَٰئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ ۖ وَسَاءَتْ مَصِيرًا )النساء (97)

واستثنى الله عز وجل الذين لا يستطيعون الخروج من النساء والأطفال فقال سبحانه:

( إِلَّا الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ لَا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلَا يَهْتَدُونَ سَبِيلًا )(98)

( فَأُولَٰئِكَ عَسَى اللَّهُ أَن يَعْفُوَ عَنْهُمْ ۚ وَكَانَ اللَّهُ عَفُوًّا غَفُورًا )النساء (99)

ومِن دروسِ الهِجْرَةِ :

 الثقة بنصر الله ووعده عند الشدائد، وكمَال اليقينِ بمعيّة الله تعالى لعبادِه المؤمنين ، يقيناً راسخاً لا تزعزِعُه عواصِف الباطل، 

فحين عظُم الخَطب وأحدَق الخطرُ ببلوغ المشركين بابَ الغارِ ، الذِي كان فيه النبي صلى الله عليه وسلم وصاحبه ،

قال أبو بكر رضي الله عنه: والله يا رسول الله ، لو أنَّ أحدَهم نظر إلى موضعِ قدمَيه لرآنا، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم  : " يَا أبَا بَكر، مَا ظنُّكَ باثنَين اللهُ ثالثُهما". فأنزَلَ سبحانه مصداقَ ذلك في كتابه :

( إِلَّا تَنصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا ۖ فَأَنزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَّمْ تَرَوْهَا وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلَىٰ ۗ وَكَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا ۗ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ )

التوبة (40)

وأيُّ معيّةٍ تعدِل معيةَ الله ؟ إنّها الحِصن الحَصين ،

، لكنَّ هذه المعيّةَ الخاصّة التي تكون بالتّأييد والتّوفيق ، والحِفظ والمعونةِ والنّصر ، إنّما جعلها الله تعالى لأوليائِه المتّقين المحسِنين ،

 الذين بذلوا حقَّ الله عليهم في توحِيده ، وإفرادِه بالعبادةِ وتركِ الإشراكِ به، ثمَّ بامتثال أوامرِه والانتهاء عمَّا نهاهم عنه.

ومِن دروسِ الهِجْرَةِ :

حفظُ الله لرسوله ونُصرته لدينه ، وإعلاء كلمته ، مع محاولة الكفار قتله والقضاء على دينه . وما يحدث هذه الأيام ، من محاولاتٍ جبارةٍ ماكرةٍ ، للقضاء على هذا الدين ، وحفظ الله له رغم الكيد الكبار ، لأكبر شاهدٍ على تكفُل الرب عز وجل بحفظ دينه وإعلاء كلمته :

( إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ لِيَصُدُّوا عَن سَبِيلِ اللَّهِ ۚ فَسَيُنفِقُونَهَا ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً ثُمَّ يُغْلَبُونَ ۗ وَالَّذِينَ كَفَرُوا إِلَىٰ جَهَنَّمَ يُحْشَرُونَ )

الأنفال (36)

ومِن دروسِ الهِجْرَةِ :

 حبُّ المؤمنين لنبيهم صلى الله عليه وسلم ، فقد رُوي في قصة الهجرة أن أبا بكر الصديق رضي الله عنه ، كان يمشي تارة أمام النبي صلى الله عليه وسلم ، وتارة خلفه ، وتارة عن يمينه ، وتارة عن شماله، خوفاً من أن يأتيه مكروه فيفديه بنفسه رضي الله عنه. وهكذا كان بقية أصحاب رسول الله ، كانوا يفدونه بأموالهم وأبنائهم وأنفسهم ، وهذا هو حال المؤمنين في كل زمان .

ومن علامات محبة النبي صلى الله عليه وسلم،  متابعته فيما يأمر به ، وعدمِ تقديمِ أيّ أمرٍ على أمره . وتلك هي المحبةُ الحقيقية:( قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ ۗ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ )

آل عمران (31)

ومِن دروسِ الهِجْرَةِ :

أن رابطة العقيدة هي الرابطةُ  الحقيقيةُ بين المؤمنين، حيث تتضاءل أمامها الانتماءات القومية والقبلية والعلاقات الحزبية، فعندما قدم النبيُّ صلى الله عليه وسلم  المدينة آخى بين المهاجرين والأنصار، وقضى على العداوة ، التي كانت مستحكمة بين الأوس والخزرج ، فانصهر الجميعُ في بوتقة الإيمان ، وذابت بينهم العداوات ، وتلاشت العصبيات والأعراق .

ومِن دروسِ الهِجْرَةِ :

أثر الشباب ودورهم العظيم  ،في نُصرة الدين ، ففي موقف عبد الله بن أبي بكر رضي الله عنهما ، ذلك الشاب الثقف اللقِن

, حيث كان يدلج من عند النبي وصاحبه رضي الله عنه بسحر ، فيصبح مع قريشٍ بمكة كبائتٍ فيها , فلا يسمع أمرًا تكيده قريشٌ للنبي صلى الله عليه وسلم  إلا وعاه ، حتى يأتيهما حين يختلط الظلام ، فينقل لهما الأخبار ،

 وهذا يجلِّي أثر الشبابِ في الدعوة إلى الله ، ودورهم في الأمة ونُصرة الدين والملة، والحفاظُ على مقدرات أوطانهم ومجتمعاتهم ، فليحذرُ شبابنا من الدعوات التي تدعوهم الى الشبهات والفرقة والاختلاف وشق الصف ، أو تلك الدعوات إلى تدعو إلى تخديرهم بالشهوات والملهيات وتغييبهم عن ساحات التأثير  في الوقت الذي نرجو فيه  أن يضطلعوا بمهمات الحفاظُ على الدين والقيم، والرباطُ على ثغور الأخلاق والمبادئ ، أمام المتغيرات المتسارعة ودعاوَى العولمة والعلمنة.

وفي موقف أسماء بنت أبي بكر رضي الله عنهما ما يجلِّي دور المرأة والفتاة المسلمة ، في خدمتها لدينها ودعوتها ، فعندما كان الصديق رضي الله عنه يحزم الأمتعة ويعدها للسفر لم يجد حبلاً ليربط به زاد الطعام والسقاء

 ، فأخذت أسماء رضي الله عنها نطاقها الذي كانت تربطه في وسطها ، فشقته نصفين وربطت به الزاد ، فسميت بذات النطــاقين رضي الله عنها .

هذا هو دور المرأة المسلمة تجاه دينها :

 النصرة والدعوة وإرضاع الأجيال دينهم مع لبنها ، لا كما يريد دعاة المدنية الزائفة ، أهل الشهوات والمآرب الفاسدة ، الذين أجلبوا على المرأة بخيلهم ورجلهم ، زاعمين زوراً وبهتانا أن تمسكها بثوابتها وقيمها واعتزازها بحجابها وعفافها تقييدٌ لحريتها ومصادرة لشخصيتها. وقد انطلت هذه الخدعة على بعضٍ من النساء فخرجن من بيوتهن يبحثن عن سعادة موهومة وراحة مزعومة في التبرج والسفور ونزع حجاب الحياء ، فكانت النتيجة تلوث الشرف ، وذهاب الحياء ، وانتشار المنكرات والزنا والخنا .

ما أحوجنا إلى ترجمة هذه المعاني إلى واقع تعيشه الأمة وتترسم معالمه ، سيما في هذا الزمان الذي تعاني فيه ألوان الظلم والعسف والكيد والمكر والاستضعاف.... وغير ذلك ... نسأل الله  العفوا والعافية .

أيها الإخوة المسلمون :

إن هذه الدعوة قد أتت لتعلن أنها تحمل الدين الحق للبشر، وأن كل ما عداها هو الباطل إلى قيام الساعة، فهي كما رفضت وهاجمت أفكار الشرك والكفر السائدة في زمانها من عبادة الأصنام أو النجوم أو الدهريين الذين يقولون وما يهلكنا إلى الدهر… فهيى تدعو على الدوام إلى عبادة الله الواحد الأحد القهَّار…وإقامة شرعه.....

إن هذه الدعوة سعت من أول خطواتها إلى إقامة دولة مسلمة، فكانت ثمرتها بإقامتها في المدينة…تحكم بشرع الله جلا في علاه.

 عباد الله :

من فاته ثواب الهجرة إلى الله ورسوله زمن النبوة فقد شرع الله له هجرة من نوع آخر ، فيها ثوابٌ عظيم ، وأجر جزيل ، إنها هجرة الذنوب والمعاصي ، فاهجر المعصية وهاجر إلى الطاعة واهجر التفريط وهاجر إلى الاستقامة ، واهجر التمرد والآثام إلى الانقياد والاستسلام، وهاجر بقلبك من الركون إلى الدنيا والاطمئنان إليها إلى الدار الآخرة والرغبة فيها ،

قال صلى الله عليه وسلم :" المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده والمهاجر من هجر ما نهى الله عنه ".

الخطبة الثانية

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله

وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك ، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله ،صلى الله عليه وسلم

ثم أما بعد :

ثالثاً : قفْ مع نفسِك؟ 

أيُّها الحبيبُ:

قفْ مع نفسِكَ لحظاتٍ، عامٌ هجريٌّ  انتهي قربَكَ إلى بابِ القبرِ عامًا ،وباعدَكَ عن الدنيا عامًا !!!لقد مضَى عامٌ مِن عمرِك ، فقربَكَ إلى اللهِ عامًا، وأبعدَكَ عن الدنيا عامًا.

 يقول النبي   ـ  : “وَالْمُهَاجِرُ مَنْ هَجَرَ مَا نَهَى اللَّهُ عَنْهُ” رواه البخاري.

فتُبْ إلى ربِّكَ و اندمْ على ما فعلت، فاللهُ كريمٌ يقبلُ توبةَ التائبين، ويغفرُ ذنوبَ المستغفرين ..

 (قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ ) (سورة الزمر : 53)   

، واعلم أن كل يوم يمر عليك دون عمل، لابد أن تحزن عليه، كما قال عبدالله بن مسعود – رضي الله عنه-  : ” ما حزنت على شيء قط حزني على يوم غربت شمسه نقص فيه أجلي ولم يزدد فيه عملي

بل ستندم ولا ينفعك الندم، فعن أبي هريرة – رضي الله عنه-  يقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ” ما من أحد يموت إلا ندم. قالوا: وما ندامته يا رسول الله ؟ قال: إن كان محسناً ندم أن لا يكون ازداد، وإن كان مسيئاً ندم أن لا يكون نزع” ( الترمذي )

رابعاً :فضلُ صِيَامِ  عَاشُورَاءَ. :

عباد الله :

 و نحن في  بداية عامٍ هجريٍ جديد ، نسأل الله أن يجعله عاما مباركا ،

وشهرُ الله المُحَرَّمِ هو من الشُّهورِ الحُرُمِ التي عظَّمها الله تعالى وذكَرَها في كتابِه، فقال سبحانه وتعالى:

{إِنَّ عِدَّةَ الشُّهور عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا فِي كِتَابِ اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ فَلا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ}(التوبة - 36).

لا يفوتُنَا في هذا المقامِ أنْ نذكِّرَ الجميعَ بصيامِ يومِ عاشوراء؛

وَهو مِنْ أَفْضَلِ الْأَيَّامِ فِي شَهْرِ اللَّهِ الْمُحَرَّمِ يَوْمُ عَاشُورَاءَ، وَهُوَ الْيَوْمُ الْعَاشِرُ مِنْ هَذَا الشَّهْرِ،

، وَهُوَ يَوْمٌ عَظِيمٌ، أَوْصَى النَّبِيُّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- بِصَوْمِهِ فَقَالَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ:

صِيَامُ يَوْمِ عَرَفَةَ أَحْتَسِبُ عَلَى اللَّهِ أَنْ يُكَفِّرَ السَّنَةَ الَّتِي قَبْلَهُ وَالسَّنَةَ الَّتِي بَعْدَهُ؛ وَصِيَامُ يَوْمِ عَاشُورَاءَ أَحْتَسِبُ عَلَى اللَّهِ أَنْ يُكَفِّرَ السَّنَةَ الَّتِي قَبْلَهُ.”( مسلم).

وَهَذَا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ عَلَيْنَا أَنْ أَعْطَانَا بِصِيَامِ يَوْمٍ وَاحِدٍ تَكْفِيرَ ذُنُوبِ سَنَةٍ كَامِلَةٍ، وَقَدْ أَمَرَ النَّبِيُّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- بِمُخَالَفَةِ الْيَهُودِ فِي هَذَا الْيَوْمِ،

فَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا- قَالَ:

« قَدِمَ النَّبِيُّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- الْمَدِينَةَ فَرَأَى الْيَهُودَ تَصُومُ يَوْمَ عَاشُورَاءَ فَقَالَ:

( مَا هَذَا؟ قَالُوا: هَذَا يَوْمٌ صَالِحٌ. هَذَا يَوْمٌ نَجَّى اللَّهُ بَنِي إِسْرَائِيلَ مِنْ عَدُوِّهِمْ، فَصَامَهُ مُوسَى. قَالَ: فَأَنَا أَحَقُّ بِمُوسَى مِنْكُمْ. فَصَامَهُ وَأَمَرَ بِصِيَامِهِ)» رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ.

وَإِمْعَانًا فِي مُخَالَفَتِهِمْ اسْتَحَبَّ النَّبِيُّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- أَنْ نَصُومَ يَوْمًا قَبْلَهُ، فَيُصَامُ الْيَوْمُ التَّاسِعُ مَعَ الْعَاشِرِ؛ لِحَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا- أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «لَئِنْ بَقِيتُ إِلَى قَابِلٍ لَأَصُومَنَّ التَّاسِعَ». رَوَاهُ مُسْلِمٌ.

 

google-playkhamsatmostaqltradent