recent
أخبار عاجلة

خطبة الجمعة أثر استقرار الأسرة في بناء الإنسان د/ علاء القاضي

     أثر استقرار الأسرة في بناء الإنسان

 


أما بعد.. فإن الأسرة المستقرة نعمة عظيمة من نعم الله تعالى، وهي الحصن الذي تُصان فيه القيم، والمدرسة الأولى التي يتربى فيها الأبناء، ومنها يتشكل فكر الإنسان وسلوكه وأخلاقه.

وإذا استقرت الأسرة على الإيمان والتقوى، وقامت على الحقوق والواجبات، والمحبة والتراحم، أثمرت أبناء صالحين نافعين لأنفسهم وأسرهم ومجتمعاتهم وأوطانهم، وأما إذا اضطربت الأسرة وتفككت روابطها، انعكس ذلك على الأفراد والمجتمعات، فضعفت القيم وكثرت المشكلات.

محاور الخطبة:

- مكانة الأسرة في الإسلام.

- عوامل استقرار الأسرة.

- خطورة غياب التواصل بين الآباء والأبناء.

 المحور الأول- مكانة الأسرة في الإسلام:

١- الأسرة آية من آيات الله: قال تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِّتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً ۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ [الروم: 21].

يبين الله أن قيام الأسرة على المودة والرحمة والسكن ليس أمرا بشريا محضا، بل هو من آياته الدالة على حكمته، وأن في استقرارها دلالة على عظمة الخالق.

٢- الأسرة سكن وطمأنينة: قال تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِّتَسْكُنُوا إِلَيْهَا﴾ [الروم: 21].

فالأصل في العلاقة الأسرية أنها موضع سكون وراحة نفسية، يسكن فيها الزوجان بعضهما إلى بعض، فتتحقق الطمأنينة والاستقرار، وإذا فقد هذا المعنى اختل بناء الأسرة.

٣- الأسرة ركيزة لبناء المجتمع: قال تعالى:"وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا وَجَعَلَ لَكُم مِّنْ أَزْوَاجِكُم بَنِينَ وَحَفَدَةً﴾[النحل: 72].

يبين الله أن الأسرة هي المنطلق الأول لتكوين الأبناء والحفدة، ومن خلالها يتشكل المجتمع، فصلاحها صلاح للمجتمع كله وفسادها بداية لاضطرابه.

٤- الأسرة مسؤولية وأمانة: قال النبي : «كلكم راعٍ وكلكم مسؤول عن رعيته، فالإمام راعٍ ومسؤول عن رعيته، والرجل راعٍ في أهله ومسؤول عن رعيته، والمرأة راعية في بيت زوجها ومسؤولة عن رعيتها…» متفق عليه.

يبين الحديث أن الأسرة ليست علاقة حقوق فقط، بل هي مسؤولية، وكل فرد فيها مسؤول أمام الله عن القيام بواجبه، وبذلك يتحقق الاستقرار وتستقيم الحياة الأسرية.

 المحور الثاني- عوامل استقرار الأسرة:

 أولا- حسن الاختيار، ومن ألوان حسن الاختيار:

١- جواز النظر إلى المخطوبة:

عن المغيرة بن شعبة رضي الله عنه، قال: «خَطَبْتُ امْرَأَةً، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ : أَنَظَرْتَ إِلَيْهَا؟ قُلْتُ: لَا. قَالَ: اذْهَبْ فَانْظُرْ إِلَيْهَا، فَإِنَّهُ أَحْرَى أَنْ يُؤْدَمَ بَيْنَكُمَا»، أرشد النبي الخاطب إلى النظر إلى من يريد الزواج بها، لأن المعرفة التامة قبل العقد تساعد على حصول القبول والمودة، وتقلل من أسباب النفرة بعد الزواج.

٢- اختيار (الزوج) على أساس الدين والخلق:

قال النبي : «إِذَا أَتَاكُمْ مَنْ تَرْضَوْنَ دِينَهُ وَخُلُقَهُ فَزَوِّجُوهُ، إِلَّا تَفْعَلُوا تَكُنْ فِتْنَةٌ فِي الْأَرْضِ وَفَسَادٌ عَرِيضٌ»، يوجه الحديث إلى أن معيار قبول الزوج هو الدين والخلق، لأنهما أساس الاستقرار الأسري، وبهما تحفظ الحقوق وتستقيم المعاشرة الزوجية.

٣- اختيار (الزوجة) على أساس الدين:

قال النبي : «تُنْكَحُ الْمَرْأَةُ لِأَرْبَعٍ: لِمَالِهَا، وَلِحَسَبِهَا، وَلِجَمَالِهَا، وَلِدِينِهَا، فَاظْفَرْ بِذَاتِ الدِّينِ تَرِبَتْ يَدَاكَ»، يبين الحديث أن الناس قد يختارون لأسباب مختلفة، لكن التوجيه النبوي يحسم الأمر بأن الأصلح والأبقى هو اختيار ذات الدين، لأنه أساس الصلاح والاستقامة في الحياة الزوجية.

 ثانيا-المعاشرة بالمعروف:

- قال تعالى: ﴿وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [النساء: 19]، أمر الله تعالى الأزواج بحسن معاملة زوجاتهم بالرفق والإحسان والعدل، والتغاضي عن الزلات، فالمعاشرة بالمعروف من أعظم أسباب استقرار الحياة الزوجية ودوام الألفة بين الزوجين.

- وقال تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً﴾ [الروم: 21]، يبين الله تعالى أن العلاقة الزوجية لا تقوم على المصالح المادية فقط، بل تقوم على المودة والرحمة، وهذه المعاني سببا لاستقرار الأسرة وسعادتها.

-وقال النبي في خطبة حجة الوداع: «فَاتَّقُوا اللَّهَ فِي النِّسَاءِ، فَإِنَّكُمْ أَخَذْتُمُوهُنَّ بِأَمَانِ اللَّهِ، وَاسْتَحْلَلْتُمْ فُرُوجَهُنَّ بِكَلِمَةِ اللَّهِ».

أكد النبي للأزواج أن عقد الزواج ميثاق عظيم قائم على أمانة الله تعالى، وأن حسن المعاملة والرفق بالزوجة من أهم العوامل التي تحفظ الأسرة من الخلافات وتحقق الاستقرار بين أفرادها.

 ثالثا- تحمُّل المسؤولية:

- قال تعالى: ﴿ٱلرِّجَالُ قَوَّٰمُونَ عَلَى ٱلنِّسَاۤءِ بِمَا فَضَّلَ ٱللَّهُ بَعۡضَهُمۡ عَلَىٰ بَعۡض وَبِمَاۤ أَنفَقُوا۟ مِنۡ أَمۡوَٰلِهِمۡۚ﴾ [النساء: 34]، فالقوامة في الإسلام تكليفا وليست تشريفا، وبقيام الزوج بواجباته، ومراعاة شؤون أسرته، ورعايتها، والإنفاق عليها، تستقر الأسرة.

- وقال النبي : «كُلُّكُمْ رَاعٍ وَكُلُّكُمْ مَسْؤُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ، فَالْإِمَامُ رَاعٍ وَمَسْؤُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ، وَالرَّجُلُ رَاعٍ فِي أَهْلِ بَيْتِهِ وَمَسْؤُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ، وَالْمَرْأَةُ رَاعِيَةٌ فِي بَيْتِ زَوْجِهَا وَمَسْؤُولَةٌ عَنْ رَعِيَّتِهَا...»

يؤكد النبي أن كل فرد في الأسرة له مسؤوليات وواجبات، فالزوج مسؤول عن النفقة والرعاية والتوجيه، والزوجة مسؤولة عن رعاية بيتها وأولادها.

 رابعا- حفظ الأسرار الزوجية:

قال النبي : «إِنَّ مِنْ أَشَرِّ النَّاسِ عِنْدَ اللَّهِ مَنْزِلَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ الرَّجُلَ يُفْضِي إِلَى امْرَأَتِهِ، وَتُفْضِي إِلَيْهِ، ثُمَّ يَنْشُرُ سِرَّهَا».

الحياة الزوجية تقوم على ثقة الزوجين بكل الأسرار مثل: العلاقة الزوجية الخاصة، والخلافات بين الزوجين، والعيوب الشخصية، والأمور المالية الخاصة بالأسرة، فإن حفظ أسرار البيت وصيانة خصوصيته من أهم عوامل استقرار الأسرة واستمرارها.

 خامسا- التغافل عن الأخطاء والزلات:

-قال الله تعالى: ﴿وَأَن تَعْفُوا أَقْرَبُ لِلتَّقْوَىٰۚ وَلَا تَنسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ﴾ [البقرة: 237]، هنا يدعو الله إلى العفو بين الناس، وتذكّر الإحسان السابق، ولا سيما بين الزوجين، حتى لا تتحول الأخطاء إلى سبب لقطع المودة أو تفكك الأسرة.

-وقال النبي : «لَا يَفْرَكْ مُؤْمِنٌ مُؤْمِنَةً، إِنْ كَرِهَ مِنْهَا خُلُقًا رَضِيَ مِنْهَا آخَرَ» هنا يوجه النبي الزوج إلى عدم التركيز على صفة واحدة يكرهها في زوجته، بل ينظر إلى محاسنها الكثيرة، فيبقى الود وتستقر الحياة الزوجية.

 سادسا- طاعة الزوجة لزوجها وعدم النشوز:

- وقال النبي : «مَا اسْتَفَادَ الْمُؤْمِنُ بَعْدَ تَقْوَى اللَّهِ خَيْرًا لَهُ مِنْ زَوْجَةٍ صَالِحَةٍ: إِنْ أَمَرَهَا أَطَاعَتْهُ، وَإِنْ نَظَرَ إِلَيْهَا سَرَّتْهُ، وَإِنْ أَقْسَمَ عَلَيْهَا أَبَرَّتْهُ، وَإِنْ غَابَ عَنْهَا نَصَحَتْهُ فِي نَفْسِهَا وَمَالِهِ»، يبين النبي أن الزوجة الصالحة نعمة، ومن صفاتها: الطاعة في المعروف، وحسن المعاشرة، وحفظ الزوج في حضوره وغيابه، مما يحقق الاستقرار الأسري ويزيد المودة بين الزوجين.

- وقال النبي : «إِذَا صَلَّتِ الْمَرْأَةُ خَمْسَهَا، وَصَامَتْ شَهْرَهَا، وَحَفِظَتْ فَرْجَهَا، وَأَطَاعَتْ زَوْجَهَا، قِيلَ لَهَا: ادْخُلِي الْجَنَّةَ مِنْ أَيِّ أَبْوَابِ الْجَنَّةِ شِئْتِ»، يبين الحديث فضل المرأة التي تؤدي حقوق الله وحقوق زوجها، وأن طاعة الزوج في المعروف سبب لنيل الأجر العظيم ودخول الجنة، وهو من أعظم عوامل استقرار الحياة الزوجية.

                              الخطبة الثانية

 المحور الثالث- خطورة غياب التواصل بين الآباء والأبناء:

١- التواصل والحوار أساس التربية:

قال تعالى على لسان سيدنا لقمان عليه السلام: ﴿يَا بُنَيَّ لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ [لقمان: 13]، يبدأ لقمان الحكيم توجيه ابنه نحو أول صور التواصل التربوي الصحيح هو الحوار (حول العقيدة والإيمان)، وغياب هذا الحوار يضعف بناء الإيمان داخل الأبناء ويجعلهم عرضة للانحراف.

٢- المتابعة التربوية والعبادة:

- قال تعالى: ﴿يَا بُنَيَّ أَقِمِ الصَّلَاةَ﴾ [لقمان: 17]، يوجه لقمان ابنه إلى الصلاة، مما يدل على أهمية المتابعة المستمرة من الوالدين لأبناءهم في (أداء العبادات)

- قال النبي : «مُرُوا أَوْلَادَكُمْ بِالصَّلَاةِ وَهُمْ أَبْنَاءُ سَبْعِ سِنِينَ»، يوضح الحديث ضرورة التواصل المستمر مع الأبناء في أمر العبادة منذ الصغر، لأن التربية التدرجية تصنع الاستقامة وتمنع الانحراف.

٣- بناء الأخلاق والسلوك:

قال تعالى: ﴿وَلَا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحًا﴾ [لقمان: 18]، يوجه لقمان ابنه إلى (حسن التعامل مع الناس)، مما يدل على أن التربية ليست أوامر فقط، بل هي بناء أخلاق وسلوك، وغياب هذا النوع من التواصل يؤدي إلى نشوء جيل متكبر ضعيف العلاقات الاجتماعية.

٤- الحوار في اختيار الأسلوب والسلوك:

 قال تعالى: ﴿وَاقْصِدْ فِي مَشْيِكَ وَاغْضُضْ مِن صَوْتِكَ﴾ [لقمان: 19]، هنا يبين لقمان لابنه آداب (السلوك اليومي)، مثل المشي والكلام، مما يدل على أن التواصل بين الآباء والأبناء يشمل التفاصيل التربوية الصغيرة التي تصنع شخصية متزنة. وغياب هذا التوجيه يؤدي إلى سوء السلوك وضعف الانضباط.

٥- خطورة غياب التواصل الأسري:

قال تعالى: ﴿قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا﴾ [التحريم: 6]، هنا تحذر الآية من إهمال التربية والمتابعة، وتبين أن الوالدين مسؤولان عن حماية الأبناء من الانحراف، وهذا لا يتحقق إلا بالتواصل المستمر والحوار التربوي.

فغياب التواصل بين الآباء والأبناء يؤدي إلى ضعف التوجيه وترك الأبناء عرضة للأفكار والسلوكيات المنحرفة.

google-playkhamsatmostaqltradent