recent
أخبار عاجلة

خطبة الجمعة أثر استقرار الأسرة في بناء الإنسان الشيخ أحمد أبو اسلام

  أثر استقرار الأسرة في بناء الإنسان


١) عناية الإسلام بالأسرة

٢)  الْأُسْرَةُ تُؤَسَسُ عَلَى الْإيمَانِ وَالتَّقْوَى

٣) من مقومات الأسرة

٤) النبي صلى الله عليه وسلم مع ازواجه


الحمد لله الذي خلق فسوى، وقدر فهدى، أحمده سبحانه وهو أهل الحمد في الآخرة والأولى. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه ومن اهتدى بهديه واتبع سنته إلى يوم الدين وسلم تسليما كثيرا.

أما بعد: فأوصيكم ونفسي بتقوى الله -تعالى-؛ فإنها وصية الله للأولين والآخرين: (وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنِ اتَّقُوا اللَّهَ)[النساء: 131]، (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَن يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا)[الأحزاب: 70-71].

عناية الإسلام بالأسرة

 

أَيَّهَا الْمُسْلِمُونَ: إِنَّ مِنْ نِعَمِ اللهِ عَلَى عِبَادِهِ، أنْ هَيَّأَ لَهُمِ الْبُيُوتَ وَالْأُسَرَ، وَجَعَلَهَا سَكَنَاً وَرَحْمَةً، وَلِبَاسًا وَمَوَدَّةً ﴿ وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجَاً لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ ﴾ [ الروم: 21].

وَمِنْ هُنَا جَاءَتْ عِنَايَةُ الْإِسْلَامِ بِالْأُسْرَةِ؛ لِأَنَّهَا الدِّعَامَةُ الْأَسَاسَ وَاللَّبِنَةُ الْأوْلَى فِي تَكْوينِ الْمُجْتَمَعِ، فَعَلَى قَدْرِ مَا تَكَوُنُ اللَّبِنَةِ قَوِيَّةً يُكَونُ الْبِنَاءُ رَاسِخَاً مَنِيعَاً، وَكُلَّمَا كَانتْ ضَعِيفَةً كَانَ الْبِنَاءُ وَاهِيًا، آيلاً لِلتَّصَدُّعِ وَالْاِنْهِيَارِ.

وَلَقَدْ سَعَى الْإِسْلَامُ سَعْيَاً حَثيثَاً لإِصْلَاحِ الْأُسْرَةِ الْمُسْلِمَةُ، وَتقويةُ الْأُسُسِ الَّتِي تَتَكَونُ مِنْهَا، وَفِي مُقَدِمَتهَا اخْتِيَارُ الزَّوْجَةِ ذَاتِ الصَّلَاحِ وَالدِّينِ؛ قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: «تُنْكَحُ المَرْأَةُ لأَرْبَعٍ: لِمَالِهَا، وَلِحَسَبِهَا، وَلِجَمَالِهَا، وَلِدِينِهَا، فَاظْفَرْ بِذَاتِ الدِّينِ تَرِبَتْ يَدَاكَ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَقالَ: «الدُنيَا مَتَاعٌ، وَخَيرُ مَتاعِهَا المَرأةُ الصَّالِحَةُ»؛ رَوَاهُ مُسْلِمٌ.

كَمَا أَرَشَدَ الْإِسْلَامِ إِلَى اخْتِيَارِ الزَّوْجِ ذِي الْخُلُقِ الْقَوِيمِ، وَالدِّينَ الْمُسْتَقِيمَ؛ قَالَ صلى الله عليه وسلم: «إِذَا أَتَاكُمْ مَنْ تَرْضَوْنَ خُلُقَهُ وَدِينَهُ، فَزَوِّجُوهُ، إِلَّا تَفْعَلُوا تَكِنْ فِتْنَةٌ فِي الْأرْضِ وَفَسَادٌ عَرِيضٌ» رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَابْنُ مَاجِهَ.

وَشَأْنُ النِّكَاحِ عَظِيمٌ وَعَقْدُهُ قَوِيٌ وَرِبَاطُهُ مُحْكَمٌ كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿ وَأَخَذْنَ مِنْكُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا ﴾ [النساء:21]، وَالنَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم وَصَفَ الزَّوَاجَ بِكَلِمَةِ اللهِ، فَلَابِدَ مِنَ اِحْتِرَامِ عَقْدِ الزَّوْجِيَّةِ، وَعَدَمِ الْاِسْتِهَانَةِ بِهِ، ولَا إنْهَاؤُهُ بِسَبَبِ تَافِهٍ أو خِلَاَفَ يَسِيرَ.

 الْأُسْرَةُ تُؤَسَسُ عَلَى الْإيمَانِ وَالتَّقْوَى

 

الْأُسْرَةُ تُؤَسَسُ عَلَى الْإيمَانِ وَالتَّقْوَى، وَإِنَّ بَيْتًا يَنْشَأُ عَلَى طَاعَةِ اللهِ لِحَرِيٌ أَنْ يَكْوُنَ بَيْتًا إيمَانِيّاً، يَعْظُمُ ثَوَابُ أهْلِهِ، وَيَصْفُو عَيْشُهُمْ؛ قَالَ تَعَالَى: ﴿ وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلَاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا لَا نَسْأَلُكَ رِزْقًا نَّحْنُ نَرْزُقُكَ وَالْعَاقِبَةُ لِلتَّقْوَى ﴾ [طه 132].

الْأُسْرَةُ الْمُسْلِمَةُ تُعْنَى بِحُسْنِ التَرْبِيَةِ؛ امْتِثَالاً لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا ﴾ [التحريم:6]، وَقولِهِ صلى الله عليه وسلم: «كُلُّكُمْ رَاعٍ وَكُلُّكُمْ مَسْؤُولُ عَنْ رَعِيَّتِهِ، فَالرَّجُلُ رَاعٍ وَمَسْؤُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَتَضِييعُ أمَانَةِ الْأُسْرَةِ، يُعْرُضُهَا لِرِيَاحِ التَّفَكُّكِ، وَأعَاصِيرِ الْاِنْفِصَامِ.

وَصَلَاَحُ الْمَرْءِ فِي نَفْسِهُ صَلَاحٌ لِأهْلِهُ بِالْقُدْوَةِ الْحَسَنَةِ، وَمُجَانَبَةِ مَا يُسْقُطُ الْمُرُوءَةِ، أَوْ يَضُرُ بِالدِّينِ وَالْعَقْلِ.

من مقومات الأسرة

 

إِنَّ مِنْ مُقَوِّمَاتِ الْأُسْرَةِ الْمُعَاشَرَةُ بِالْمَعْرُوفِ، وَلَا يَتَحَقَّقُ ذَلِكَ إِلَّا بِمَعْرِفَةِ كُلِ طَرَفٍ مَا لَهُ وَمَا عَلَيْهِ، قَالَ تَعَالَى: ﴿ وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ فَإِنْ كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا ﴾ [النساء:19]، وَقَالَ صلى الله عليه وسلم: «اسْتَوْصَوْا بِالنِّسَاءِ خَيْرًا». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَقَالَ صلى الله عليه وسلم: «لَا يَفْرَكْ مُؤْمِنٌ مُؤْمِنَةً- أَيَّ: لَا يُبْغِضُ وَلَا يَكْرَهُ- إِنَّ كَرِهَ مِنْهَا خُلُقًا رَضِيَ مِنْهَا آخِر»؛ رَوَاهُ مُسْلِمٌ.

وَمِنْ هُنَا فَلَا بَدَّ مِنْ غُفْرَانُ الزَّلَاتِ، وَالْغَضِ عَنِ الهَفَواتِ حَتَّى تَدُومَ الْعِشْرَةُ وَتَسُودَ الْمَوَدَّةُ، وَتُعَمَرَ الْقَلُوبُ بِحُسْنِ الظَنِّ، فَالشَّكُ مِمَّا يُنْغِصُ الْعَيْشَ وَيُقْلِقُ الْبَالَ.

وَالْمَرْأَةُ الْمُسْلِمَةُ زَوْجَةٌ صَالِحَةٌ وَأَمْ شَفِيقَةٌ، رَاعِيَةٌ فِي بَيْتِ زَوْجِهَا وَمَسْؤُولَةٌ عَنْ رَعِيَّتِهَا، ذاتُ عِفَّةٍ وَدِينٍ، تُطِيعُ زَوْجَهَا وَتَحَفَظُهُ فِي نَفْسِهَا وَمَالِهِ، لَا تُسِيءُ إِلَيْهِ إِذَا حَضَرَ وَلَا تُخُونُهُ إِذَا غَابَ: ﴿ فَالصَّالِحَاتُ قَانِتَاتٌ حَافِظَاتٌ لِّلْغَيْبِ بِمَا حَفِظَ اللَّهُ ﴾ [النساء: 34].

يَعِيشُ النَّاشِئَةُ فِي أُسْرَةٍ عَامِرَةٍ بِحَنَانِ الْأُمُومَةِ وَحَدَبِ الْأُبُوَّةِ، بَعيدًا عَنْ صَخَبِ النِّزَاعِ وَالْاِخْتِلَاَفِ، ﴿ وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا ﴾ [الفرقان: 74].

الْأُسْرَةِ المُترَابِطَةُ، طَرِيقُ أَمَانٍ لِلْمُجْتَمَعَ؛ يَتَرَعْرَعُ فِي أَحْضَانِهَا بَنُونَ وَبَنَاتٍ يُمَثِّلُونَ حَاضِرَ الْأُمَّةِ وَمُسْتَقْبَلَهَا، يَقْوَى عُودُهُمْ وَيَشْتَدُّ سَاعِدُهُمْ لِيَحْمِلُوا الرَّايَةَ فِي خِدْمَةِ دِينِهِم وَوَطَنِهِم.

الْأُسْرَةُ الْمُسْلِمَةُ لَا تَقَوُمُ عَلَى أُمُورِ دُنْيَوِيَّةٍ مَادِيَّةٍ فَحَسْبُ، بَلْ قِوَامُهَا الْعَلَاقَةُ الرُّوحِيَّةُ الْكَرِيمَةُ، وَعَمُودُهَا الصَّلَاحُ وَالتَّقْوَى، وَحِينَمَا تَقْوَى هَذِهِ الْأُسُسِ وَالصَّفَاتِ، فَإِنَّهَا تَمْتَدُ إِلَى الْحَيَاةِ الْآخِرَةِ بَعْدَ الْمَمَاتِ: ﴿ جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا وَمَنْ صَلَحَ مِنْ آبَائِهِمْ وَأَزْوَاجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ ﴾ [الرعد:23].

النبي صلى الله عليه وسلم مع ازواجه

 

عباد الله: ولنا في سيرة النبي -صلى الله عليه وسلم- مع أزواجه لنا في ذلك الأسوة الحسنة، فهو عليه الصلاة والسلام خير الأزواج، وزوجاته أمهات المؤمنين خير الزوجات، وكان يقول: "خيركم خيركم لأهله، وأنا خيركم لأهلي"، ولكن هل صفت حياة النبي -صلى الله عليه وسلم- الزوجية، هل صفت من المنغصات؟ مع كون بيته هو البيت المثالي، البيت المثالي هل صفا من المنغصات؟ كلا، لم يخلو من منغصات، "فقد لقي النبي -صلى الله عليه وسلم- من زوجاته ما لقي من أذى ومضايقة بحكم بطبيعة المرأة، حتى إنه عليه الصلاة والسلام ذات يوم اجتمع نسائه عليه، واشتكين ما يلقينّ من ضيق المعيشة، فغضب عليه الصلاة والسلام  غضبا شديدا، وأقسم بالله العظيم ألا يدخل عليهن شهرا كاملا، وأشيع في المدينة أن النبي -صلى الله عليه وسلم- طلق نسائه، فجاء عمر فزعا، وسأل أمهات المؤمنين، أطلق النبي  -صلى الله عليه وسلم- نسائه فقلنا: لا ندري وهن يبكين، فأتى النبي -صلى الله عليه وسلم - في مشربة له، وقد اغتم وضاق صدره، وسأله فقال: يا رسول الله هل طلقت نسائك؟ قال: لا، فحمد الله وكبر، لكن النبي -صلى الله عليه وسلم- وفى بيمينه تلك، وبقي شهرا كاملا في مشربة له، في مكان صغير يؤتى له فيه بالطعام والشراب، لا يدخل على نسائه، فلما مضى شهر كامل دخل النبي -صلى الله عليه وسلم- على أزواجه وكان أول من دخل عليها عائشة فلما رأته قالت: بقي يوم يا رسول الله، والله إني لا أعدهن عدا، أي: لا أعد الأيام عدا، فقال النبي -صلى الله عليه وسلم- إن الشهر تسعة وعشرين، أي: إن الشهر تسعة وعشرون أي: أن الشهر وافق في ذلك الوقت أن يكون تسعة وعشرين يوما وليس ثلاثين، ثم قال يا عائشة: إني ذاكر لك أمرا، فلا تستعجلي حتى تستشير أبويك، ثم قرأ عليها قول الله -عز وجل- يا نساء النبي: (إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا فَتَعَالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ سَرَاحًا جَمِيلًا * وَإِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالدَّارَ الْآخِرَةَ فَإِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْمُحْسِنَاتِ مِنْكُنَّ أَجْرًا عَظِيمًا)[الأحزاب: 28-29]

فخيرها النبي -صلى الله عليه وسلم- فقالت: يا رسول الله أو فيك استشير أبويك؟ والله إني أريد الله ورسوله والدار الآخرة، ثم ذهب إلى بقية أزواجه واحدة، واحدة وخيرهن فاخترن الله ورسوله والدار الآخرة -رضي الله تعالى عنهن وأرضاهن-.

فإذا كان رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وهو أحسن الناس خلقا، وهو خير الأزواج، وزوجاته خير الزوجات إذا كان قد بلغ به الحال إلى مثل هذا فكيف بغيره؟

عباد الله: إن واقع الحياة البشرية، وطبيعة البشر، وعيش كل من الزوجين مع الآخر قريبا منه في مأكله، ومشربه، وجلوسه، ومضجعه لابد أن يحصل معه شيء من الخلافات بين الزوجين، أو اختلاف في وجهات النظر، فربما اشتد هذا الخلاف وليس

المهم هو ألا يقع الخلاف، ولكن المهم كيف يتعامل مع هذا الخلاف، المهم هو الحكمة في معالجة هذه الخلافات، ولابد من التسامح، والتغافل، والتنازل عن بعض الحقوق، وأن يستحضر الزوج نقص المرأة في خلقتها، وأن خلقة من ضلع أعوج، فلابد من الصبر عليها، فلابد من التغافل من الزوجين، وعدم التدقيق في كل شيء؛ لأن التدقيق في كل شيء يؤدي إلى عدم استقرار الحياة الزوجية، إذا كان الزوج سوف يسأل عن كل شيء، ويدقق في كل شيء، فإن الحياة الزوجية لن تستقر، وهكذا الزوجة إذا كانت تدقق في كل صغيرة وكبيرة فهذا يؤدي إلى عدم استقرار الحياة الزوجية، ولذلك فخلق التغافل من الأخلاق العظيمة التي يوصي بها الحكماء من قديم الزمان، ليس فقط في تعامل الزوج مع زوجته، وإنما في التعامل مع جميع الناس، ويقولون: ليس الغبي بسيد في قومه، ولكن سيد قومه المتغابي، أي: المتغافل، المتغافل هو الذي يكون سيدا، والمتغافل هو الذي يكون والمتغافل هو الذي يكون حسن الخلق، يتغافل ولا يدقق في كل صغيرة وكبيرة، ليس غفلة وليس سذاجة، ولكن تغافلا، ولهذا لما قيل للإمام أحمد: إن فلانا يقول: تسعة أعشار العافية في التغافل، قال: "أخطأ، بل العافية كلها في التغافل"، فلابد من أن يستعمل الزوج مع أهله خلق التغافل.

وإن مما يهدم الحياة الزوجية: السماح بتدخل أطراف خارجية من أهل الزوج أو أهل الزوجة لحل خلافات يسيرة التي تقع بين الزوجين، فإن هذا التدخل من شأنه أن يزيد من قوة الخلاف، ومن شأنه أن يؤجج المشاكل، ويؤدي إلى عدم استقرار الحياة الزوجية، فينبغي للزوج أن لا يسمح لأي طرف خارجي بالتدخل في حل المشاكل بينه وبين زوجته، وهكذا الزوجة أيضا لا تسمح بتدخل أهلها في كل صغيرة وكبيرة من حياتها، إذ أن هذا مما يزيد المشاكل، ويؤدي إلى عدم الاستقرار إلا عند الضرورة، إلا عندما تصل الخلافات إلى مبلغ كبير، وتقتضي الضرورة التدخل الخارجي، فهذا قد ذكره ربنا -عز وجل- في قوله: (وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَابْعَثُوا حَكَمًا مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِنْ أَهْلِهَا إِنْ يُرِيدَا إِصْلَاحًا يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُمَا إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا خَبِيرًا)[النساء: 35].

جاء في الصحيح: "أن النبي -صلى الله عليه وسلم- دخل يوما بيت ابنته فاطمة، فسأل عن زوجها علي، فقالت: خرج من البيت، فذهب النبي -صلى الله عليه وسلم- يبحث عنه، فوجده مستندا إلى جدار وقد علاه شيء من التراب، فجعل النبي -صلى الله عليه وسلم- ينفض التراب عن علي، ويقول: "قم أبا تراب، قم أبا تراب"، وذلك لأنه حصل بينه وبين زوجه فاطمة بنت النبي -صلى الله عليه وسلم- مغاضبة، والنبي -صلى الله عليه وسلم- دخل في وقت هذه المغاضبة لم يسأل ابنته عن هذه المغاضبة، وما أسبابها، وما تفاصيلها، بل سكت، وذهب إلى علي يسترضيه، ويقول: "قم أبا تراب" لم يسأله عن شيء؛ لأنه عليه الصلاة والسلام لا يريد أن يتدخل في الخلافات اليسيرة التي تقع بين زوج وزوجته، بل قال: "قم أبا تراب، قم أبا تراب"، قال علي: فو الله إنها أحب كنية إلي فقد كنانيها رسول الله -صلى الله عليه وسلم-".

ألا وأكثروا من الصلاة والسلام على البشير النذير والسراج المنير، فقد أمركم الله بذلك فقال سبحانه: (إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا)[الأحزاب: 56].

اللهم صل وسلم وبارك على عبدك ورسولك محمد، اللهم ارض عن صحابة نبيك أجمعين،   

google-playkhamsatmostaqltradent