recent
أخبار عاجلة

خطبةالجمعة أثر استقرار الأسرة في بناء الإنسان الشيخ محمود عطا

                أثر استقرار الأسرة في بناء الإنسان


​الحمد لله رب العالمين، فالق الإصباح، وجاعل الليل سكناً، والشمس والقمر حسباناً، خلق من الماء بشراً فجعله نسباً وصهراً، وكان ربك قديراً.

 وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور، وأشهد أن سيدنا ونبينا محمداً عبده ورسوله، بعثه الله هادياً ومبشراً ونذيراً، فبنى بأخلاقه أمة، وشيّد برحمته مجتمعاً، اللهم صلِّ وسلم وبارك عليه وعلى آله الطيبين الطاهرين، وعلى صحابته الغر الميامين، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.

​أما بعد،

​أيها المسلمون الكرام، كم بيتٍ يعيش فيه الأب والأم مع الأبناء

لكن لا يعرف بعضهم بعضًا!

تخيلوا معي هذا المشهد القاسي الذي يتكرر خلف الأبواب المغلقة في كثير من بيوتنا اليوم: طفل في مقتبل العمر، يجلس في زاوية غرفته المظلمة، يحدق ببصر شاخص في شاشة هاتف ذكي براق. يحاوره غريب من خلف القارات، يزرع في عقله الشك، ويسكب في قلبه الشبهات والشهوات، ويزين له الانحراف، بينما والده في الغرفة المجاورة مستغرق في هاتفه أيضاً، يظن واهماً أن ابنه في أمان لمجرد أن باب البيت مغلق عليه!

​إنها العزلة المقنعة، والجفاف العاطفي المدمّر تحت سقف واحد.

وهنا أطرح عليكم سؤالاً زلزل أركان المجتمعات المعاصرة: لماذا ينجح بعض الأبناء في مواجهة فتن هذا العصر الرقمي المتلاطم، فيثبتون كالجبال الرواسي أمام موجات الإلحاد والإدمان، بينما ينهار آخرون كأوراق الخريف عند أول اختبار نفسي أو فكري؟ كيف يتحول البيت الواحد إما إلى مصنع للأبطال والقادة، وإما إلى حاضنة للأزمات النفسية والجرائم المجتمعية؟ وما هي العلاقة الخفية العميقة بين أنين البيوت وأمن الأوطان؟

​إن الحقيقة الصادمة التي يجب أن تتنبه لها القلوب قبل الآذان: البيوت المخترقة من الداخل لا يمكن أن تحمي وطناً، والأسرة المضطربة لا يمكن أن تبني إنساناً.

 المحور_الأول: الأسرة في الإسلام... لماذا جعلها الله أساس بناء الإنسان؟

​أيها المسلمون، إن الأسرة في الإسلام ليست مجرد تدبير اجتماعي أو عقد مدني عابر، بل هي محضن رباني مقدّس، نيطت به أعظم مقاصد الشريعة الإسلامية الغراء.

 إن_الشريعة جاءت لحفظ الضروريات الخمس: الدين، والنفس، والعقل، والنسل، والمال.

 وتأملوا بعين البصيرة، تجدوا أن هذه المقاصد الخمسة كُلها تزرع بذورها الأولى، وتُحرس ثمارها، داخل حصن الأسرة المستقرة.

​فلا حفظ للدين بلا عقيدة يلقنها الأب لابنه برفق، ولا حفظ للنفس بلا رعاية عاطفية وجسدية تحمي الطفل من الهلاك، ولا حفظ للعقل بلا تربية فكرية واعية تنأى به عن سموم الغلو أو التحلل، ولا حفظ للنسل والمال إلا ببيت منضبط بأحكام الله.

 لأجل_هذا، عظم الله شأن الأسرة في كتابه، وجعل السكن النفسي آية تنبض بالمودة والرحمة:

​﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِّتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ [الروم: 21]

​وفي خضم هذه المسؤولية العظمى، ينادينا الحق سبحانه وتعالى بنداء الإيمان، نداء يرتجف له وجدان كل أب وأم، فيقول عز وجل:

​﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ﴾ [التحريم: 6]

هذه الآية تختصر مشروع الأسرة كله.

 تأملوا هذا التوظيف التربوي البليغ في كلمة ﴿قُوا﴾. إنه أمر إلهي ببناء جدار وقاية وحصانة صلبة قبل وقوع الكارثة. الوقاية هنا ليست بتوفير الطعام والشراب والملبس الفاخر فحسب، فهذه رعاية بيولوجية تشترك فيها سائر المخلوقات. أما الوقاية الحقيقية المق المقصودة في الآية فهي الحصانة الإيمانية والفكرية والنفسية. إنها التربية بالحب والمتابعة الواعية، التربية التي تبني داخل وعي الطفل رادعاً ذاتياً ومراقبة داخلية لرب العالمين، بحيث لو غاب عن عينيك في غياهب الإنترنت، علم أن عين الله لا تغيب عنه.

​ولنا في الأسر الصالحة في القرآن الكريم خير دليل؛ فهذا إبراهيم الخليل عليه السلام، لم تشغله النبوة ولا بناء الكعبة عن ذريته، بل كان يتضرع في محرابه: ﴿رَبِّ اجْعَلْنِي مُقِيمَ الصَّلَاةِ وَمِن ذُرِّيَّتِي﴾، فخرج من بيته إسماعيل وإسحاق. وهذه امرأة عمران نذرت ما في بطنها محرراً لله، فأنبت الله مريم نباتاً حسناً، ومن مريم جاء عيسى عليه السلام. إنها هندسة بناء الإنسان التي لا تنطلق إلا من بيوت مستقرة عامرة بوعي الآباء وصلاح الأمهات.

 المحور_الثاني: ركائز استقرار الأسرة

​عباد الله، إن الأمواج الرقمية العاتية التي تضرب بيوتنا اليوم تتطلب منا مراجعة الركائز التي يقوم عليها استقرارنا الأسري، حتى لا تنهار جدراننا فوق رؤوسنا.

 إن_أولى هذه الركائز وأعظمها: الإيمان والتقوى، فالبيت الذي يعمر بصلاة الجماعة، وبتلاوة القرآن، تفر منه الشياطين وتتنزل عليه السكينة.

#والركيزة_الثانية: المودة والرحمة، والمقابلة البلاغية بينهما واضحة؛ المودة في الرخاء والرحمة في الضراء، المودة عند الرضا والرحمة عند الخلاف. يقول النبي صلى الله عليه وسلم: «خَيْرُكُمْ خَيْرُكُمْ لأَهْلِهِ، وَأَنَا خَيْرُكُمْ لأَهْلِي».

 أما_الركيزة_الثالثة، والتي نتحمل جميعاً إثماً كبيراً بفرط ضياعها، فهي الحوار الأسري الدافق. إن البديل للحوار الأسري داخل البيت هو الارتماء في أحضان الغرباء على مواقع التواصل الاجتماعي. انظروا إلى عظمة الحوار في القرآن الكريم، كيف يحاور لقمان ابنه بعبارات تقطر حناناً: ﴿يَا بُنَيَّ لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ﴾، وكيف يبني إبراهيم عليه السلام جسور الثقة مع ابنه في أشد المواقف فيقول: ﴿يَا بُنَيَّ إِنِّي أَرَىٰ فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانظُرْ مَاذَا تَرَىٰ﴾. لم يكن حواراً دكتاتورياً أو تسلطياً، بل كان حواراً يستثير العقل ويزرع الهيبة والاحترام.

​ومن هنا تنبثق التربية الرقمية للأبناء. أيها الآباء، لم يعد ينفع اليوم أسلوب المنع المطلق ولا الإهمال المطلق؛ فالأول يولد الانفجار، والثاني يورث الضياع. نحن بحاجة إلى "أبوة رقمية واعية"، تنزل إلى عالم الأبناء، وتشاركهم اهتماماتهم، وتصادقهم في فضاءاتهم الافتراضية. إن الشاب الفاقد للحنان في بيته، يعاني من "يتم عاطفي رقمي"، فيسعى لتعويضه بـ "الإعجابات" الوهمية، والتعليقات المسمومة التي قد تقوده إلى الهاوية.

​أضف إلى ذلك حسن القدوة؛ فالابن كاميرا لا تتوقف عن التسجيل، يلتقط سلوك الأب قبل كلامه. وأخيراً: إدارة الخلافات بحكمة. إن صراخ الزوجين أمام الأبناء، وتبادل التهم والشتائم، بمثابة زلزال مدمر للأمن النفسي للطفل. اختلفوا إن شئتم، ولكن وراء أبواب مغلقة، وبأدب الإسلام، حتى لا تدفعوا بأبنائكم دفعاً إلى التفكك النفسي والانحراف السلوكي.

 الخطبة_الثانية

 المحور_الثالث: كيف يسهم استقرار الأسرة في بناء الإنسان والوطن؟

​الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله ولي الصالحين، وأشهد أن سيدنا محمداً رسول الله، الصادق الوعد الأمين، اللهم صلِّ وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحبه أجمعين.

​أيها المسلمون الكرام، دعوني أنقل لكم قصة واقعية معاصرة من أروقة إحدى المؤسسات التربوية والإصلاحية، قصة تختصر مأساة العصر. شاب في مقتبل العمر، ذكي ومتميز، سقط في براثن شبكة دولية لترويج المخدرات والابتزاز الإلكتروني. وعندما جلس معه الأخصائي النفسي والتربوي يبحث في دوافعه، لم يجد الشاب فقيراً، ولم يجده جاهلاً، بل كان يسكن قصرًا فخمًا.

​سأله الأخصائي: "ما الذي ينقصك لتفعل هذا؟" فبكى الشاب بكاءً مراً وقال كلمات تدمي القلوب: "لم ينقصني المال، بل نقصني أبي! لم أسمع منه يوماً كلمة ثناء، ولم تجلس أمي معي يوماً لتسمع همومي، كانا مشغولين عني بعالمهما الخاص، وكنت أصرخ في البيت بآلامي ومشكلاتي فلا يسمعني أحد، فلما دخلت العالم الافتراضي، وجدت من يصغي إليّ، ويحتويني، ويمدح ذكائي، حتى استدرجني ودمّر حياتي!".

​تأملوا يا عباد الله! هذا الشاب لم يكن ضحية فقر مادي، بل كان ضحية تفكك أسري وجفاف عاطفي.

 إن_الأسرة المستقرة هي التي تصنع الشخصية السوية التي تثق بنفسها وتعتز بهويتها ودينها. وهي الخط الدفاعي الأول وحصن الأمان لحماية الشباب من الانحراف، والتطرف الفكري والإرهاب، والإدمان السلوكي والمادي. حين يجد الشاب في بيته أباً يحاوره، وأماً تضمه، وأسرة تحتويه، فلن تستطيع أقوى قوى الأرض العبث بعقله أو عقيدته أو انتمائه.

​ومن هنا يظهر الأثر العميق للأسرة في تعزيز الانتماء الوطني والمسؤولية المجتمعية.

 فالطفل_الذي ينشأ في بيئة تحترم الحقوق والواجبات، يتعلم كيف يحب وطنه، ويحافظ على مقدراته، ويسعى لبنائه وإعلاء شأنه. إن المجتمعات القوية والدول المستقرة لا تبنى من حجارة، بل تبنى من بشر، والبشر يصنعون داخل الأسرة. فإذا تهاوت الأسرة، تهاوى المجتمع، وإذا تماسكت الأسرة، قويت الدولة وصمدت أمام المؤامرات والأزمات.

​الخاتمة والدعاء

 أيها_المسلمون، إن معركتنا الحقيقية اليوم ليست معركة سلاح فحسب، بل هي معركة وعي، ومعركة الحفاظ على الهوية والأخلاق والأسرة المسلمة. فلنتق الله في نسائنا، ولنتق الله في أبنائنا، ولنعلم أننا موقوفون بين يدي الله ومسؤولون عن هذه الرعية.

​اللهم يا مقلب القلوب ثبت قلوبنا على دينك، اللهم أصلح بيوتنا وبيوت المسلمين، واجعلها واحات للأمن والإيمان، والسكينة والاطمئنان.

​اللهم هب لنا من أزواجنا وذرياتنا قرة أعين، واجعلنا للمتقين إماماً.

​اللهم احفظ أبناءنا وبناتنا من مضلات الفتن، ما ظهر منها وما بطن، وقهم شر السوء، واحم عقولهم من الأفكار الهدامة، والشهوات الشيطانية، والسموم الرقمية.

​اللهم احفظ مصرنا الغالية، واجعلها في أمانك وضمانك، بلداً آمناً مطمئناً سخاءً رخاءً وسائر بلاد المسلمين.

​اللهم وفق قيادتنا وولاة أمورنا لما تحبه وترضاه، وهيئ لهم البطانة الصالحة التي تدلهم على الخير وتعينهم عليه.

​أيها المصلون الكرام: تذكروا دائماً، وأسمعوها لقلوبكم قبل عقولكم: إن صلاح الأوطان يبدأ من استقرار البيوت، ولن يشتد عود الوطن في آفاق المجد والرفعة، إلا إذا كانت الأسرة هي المعمل الأول الذي يُصنع فيه الإنسان الصالح.

​عباد الله، إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى، وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي، يعظكم لعلكم تذكرون. اذكروا الله العظيم يذكركم، واشكروه على نعمه يزدكم، وأقم الصلاة.  

google-playkhamsatmostaqltradent