recent
أخبار عاجلة

خُطْبَةُ الجُمُعَةِ فَضَائِلُ مِصْرَ وَأَهْلِهَا لِلشَّيْخِ / مُحَمَّدِ عَبْدِ التَّوَّابِ سُوَيْدَانَ

 فَضَائِلُ مِصْرَ وَأَهْلِهَا 

 


 _الحَمْدُ لِلَّهِ؛ أَنْعَمَ عَلَيْنَا بِالإِسْلَامِ، وَبَعَثَ إِلَيْنَا خَيْرَ الأَنَامِ، وَجَعَلَنَا مِنْ خَيْرِ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ، وَأَشْهَدُ أَلَّا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ وَلَوْ كَرِهَ الكَافِرُونَ، وَأَشْهَدُ أَنَّ سَيِّدَنَا مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ؛ صَلَّى اللَّهُ وَسَلَّمَ وَبَارَكَ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَأَصْحَابِهِ وَأَتْبَاعِهِ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ. أَمَّا بَعْدُ: فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَدْ فَطَرَ النُّفُوسَ عَلَى حُبِّ أَوْطَانِهَا، وَغَرَسَ فِي القُلُوبِ المَيْلَ إِلَى دِيَارِهَا، فَالإِنْسَانُ مَجْبُولٌ عَلَى حُبِّ المَكَانِ الَّذِي نَشَأَ فِيهِ، وَشَرِبَ مِنْ مَائِهِ، وَتَنَفَّسَ هَوَاءَهُ؛ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْ نَبِيِّهِ إِبْرَاهِيمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ وَهُوَ يَدْعُو لِمَكَّةَ: ﴿رَبِّ اجْعَلْ هَذَا البَلَدَ آمِنًا وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الأَصْنَامَ﴾ [إِبْرَاهِيمَ: 35] فَقَدَّمَ طَلَبَ الأَمْنِ لِلْبَلَدِ عَلَى طَلَبِ الهِدَايَةِ لِنَفْسِهِ وَوَلَدِهِ

وَلَمَّا أُخْرِجَ النَّبِيُّ مِنْ مَكَّةَ وَقَفَ عَلَى الحَزْوَرَةِ وَقَالَ: "وَاللَّهِ إِنَّكِ لَخَيْرُ أَرْضِ اللَّهِ، وَأَحَبُّ أَرْضِ اللَّهِ إِلَى اللَّهِ، وَلَوْلَا أَنِّي أُخْرِجْتُ مِنْكِ مَا خَرَجْتُ" رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ.

وَمِنْ هَذَا المُنْطَلَقِ جِئْتُ اليَوْمَ لِأُذَكِّرَكُمْ بِنِعْمَةٍ عَظِيمَةٍ بَيْنَ أَيْدِيكُمْ، وَأَرْضٍ مُبَارَكَةٍ تَحْتَ أَقْدَامِكُمْ، وَتَارِيخٍ مَجِيدٍ يَسْكُنُ وِجْدَانَكُمْ 

جِئْتُ اليَوْمَ أَتَحَدَّثُ مَعَكُمْ عَنْ وَطَنٍ عَظِيمٍ، غَرَسَ اللَّهُ حُبَّهُ فِي قُلُوبِنَا، وَرَبَطَ أَمْنَهُ بِذِكْرِهِ، وَذَكَرَ فَضْلَهُ فِي كِتَابِهِ، وَأَوْصَى بِهِ نَبِيُّنَا  

جِئْتُ اليَوْمَ لِأَتَحَدَّثَ عَنْ وَطَنٍ عَظِيمٍ، وَتَارِيخٍ مَجِيدٍ، وَشَعْبٍ كَرِيمٍ 

وَلَسْنَا اليَوْمَ مِنْ أَجْلِ مَدْحٍ يُبْتَغَى بِهِ ثَنَاءٌ، وَلَا مِنْ أَجْلِ فَخْرٍ يُبْتَغَى بِهِ مُبَاهَاةٌ، إِنَّمَا نَحْنُ مِنْ أَجْلِ تَذْكِيرٍ بِوَاجِبِ الشُّكْرِ، وَوَقْفَةٍ مَعَ نِعْمَةٍ عَظِيمَةٍ، إِنْ ضَيَّعْنَاهَا خَسِرْنَا، وَإِنْ حَفِظْنَاهَا فُزْنَا 

جِئْتُ اليَوْمَ لِنَتَدَبَّرَ سَوِيًّا فَضَائِلَ مِصْرَ وَأَهْلِهَا، تِلْكَ الكِنَانَةَ الَّتِي قَالَ اللَّهُ فِيهَا: ﴿ادْخُلُوا مِصْرَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ﴾ 

حَدِيثُنَا عَنْ مِصْرَ وَأَهْلِهَا، عَنِ الفَضَائِلِ الَّتِي لَا تُعَدُّ، وَالمَكَارِمِ الَّتِي لَا تُحْصَى 

فَيَا أَهْلَ مِصْرَ يَا أَبْنَاءَ الكِنَانَةِ يَا سَاكِنِي أَرْضٍ مَشَى عَلَيْهَا الأَنْبِيَاءُ، وَسَجَدَ فِيهَا المُرْسَلُونَ، وَتَجَلَّى لَهَا رَبُّ الأَرْضِ وَالسَّمَاءِ 

فَمِصْرُ بَلَدٌ أَمَّنَهَا اللَّهُ، فَقَالَ سُبْحَانَهُ عَلَى لِسَانِ يُوسُفَ: ﴿ ادْخُلُوا مِصْرَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ ﴾ [يُوسُفَ: 99] 

مِصْرُ الَّتِي جَعَلَهَا اللَّهُ تَعَالَى بَلَدَ الخَيْرِ وَالعَطَاءِ، فَقَالَ وَتَعَالَى ﴿ اهْبِطُوا مِصْرًا فَإِنَّ لَكُمْ مَا سَأَلْتُمْ ﴾ [البَقَرَةِ: 61]

  وَوَصَفَهَا رَبُّنَا بِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿ كَمْ تَرَكُوا مِنْ جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ _ وَزُرُوعٍ وَمَقَامٍ كَرِيمٍ وَنِعْمَةٍ كَانُوا فِيهَا فَاكِهِينَ﴾ [الدُّخَانِ: 25-27] 

مِصْرُ الَّتِي أَوْصَى بِهَا حَبِيبُنَا المُصْطَفَى ، فَقَالَ لَهُمْ (إِنَّكُمْ سَتَفْتَحُونَ مِصْرَ، وَهِيَ أَرْضٌ يُسَمَّى فِيهَا القِيرَاطُ، فَإِذَا فَتَحْتُمُوهَا فَأَحْسِنُوا إِلَى أَهْلِهَا؛ فَإِنَّ لَهُمْ ذِمَّةً وَرَحِمًا) رَوَاهُ مُسْلِمٌ 

  وَإِنَّ لِأَرْضِ مِصْرَ فَضَائِلَ كَثِيرَةً، فَمِنْهَا أَنَّ فِيهَا الوَادِيَ المُقَدَّسَ طُوًى؛ وَفِيهَا الجَبَلُ الَّذِي تَجَلَّى اللَّهُ -تَعَالَى- لَهُ فَانْهَدَّ وَصَارَ دَكًّا. 

- وَهِيَ المُبَوَّأُ الصِّدْقُ الَّذِي أَخْبَرَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ بِقَوْلِهِ: ﴿ وَلَقَدْ بَوَّأْنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ مُبَوَّأَ صِدْقٍ ﴾ [يُونُسَ: 93]، 

قَالَ القُرْطُبِيُّ فِي تَفْسِيرِ المُبَوَّأِ الصِّدْقِ: أَيْ مَنْزِلَ صِدْقٍ مَحْمُودٍ مُخْتَارٍ، يَعْنِي مِصْرَ، وَقَالَ الضَّحَّاكُ: هِيَ مِصْرُ وَالشَّامُ. 

- وَفِي أَرْضِهَا يَجْرِي نَهَرُ النِّيلِ المُبَارَكُ الَّذِي يَنْبَعُ أَصْلُهُ مِنَ الجَنَّةِ كَمَا أَخْبَرَ النَّبِيُّ فِي الحَدِيثِ الصَّحِيحِ الَّذِي أَخْرَجَهُ الإِمَامُ مُسْلِمٌ وَأَحْمَدُ: "النِّيلُ وَسَيْحَانُ وَجَيْحَانُ وَالفُرَاتُ مِنْ أَنْهَارِ الجَنَّةِ" 

- وَفِي مِصْرَ الرَّبْوَةُ الَّتِي أَوَى إِلَيْهَا عِيسَى بْنُ مَرْيَمَ وَأُمُّهُ عَلَى أَحَدِ أَرْبَعَةِ أَقْوَالٍ لِلسَّلَفِ، فَقَدْ قَالَ ابْنُ وَهْبٍ وَابْنُ زَيْدٍ وَابْنُ السَّائِبِ أَنَّ مَكَانَ الرَّبْوَةِ المَذْكُورَةِ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿ وَآوَيْنَاهُمَا إِلَى رَبْوَةٍ ذَاتِ قَرَارٍ وَمَعِينٍ ﴾ [المُؤْمِنُونَ: 50] أَنَّهَا فِي مِصْرَ. 

وَعَلَى أَرْضِهَا ضَرَبَ مُوسَى البَحْرَ بِعَصَاهُ فَظَهَرَتِ المُعْجِزَةُ العَظِيمَةُ وَالحَادِثَةُ الفَرِيدَةُ فِي تَارِيخِ البَشَرِيَّةِ. 

- وَقَالَ تَعَالَى قَاصًّا كَلَامَ آلِ فِرْعَوْنَ: ﴿ وَابْعَثْ فِي المَدَائِنِ حَاشِرِينَ ﴾ [الشُّعَرَاءِ: 36] وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى كَثْرَةِ المُدُنِ فِي مِصْرَ آنَذَاكَ. 

- وَقَالَ عَمْرُو بْنُ العَاصِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: "وِلَايَةُ مِصْرَ جَامِعَةٌ تَعْدِلُ الخِلَافَةَ"، فَجَعَلَ كُلَّ بِلَادِ الإِسْلَامِ فِي كِفَّةٍ وَمِصْرَ فِي كِفَّةٍ أُخْرَى. 

وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ هِلَالٍ: إِنَّ مِصْرَ مُصَوَّرَةٌ فِي كُتُبِ الأَوَائِلِ وَقَدْ مَدَّتْ إِلَيْهَا سَائِرُ المُدُنِ يَدَهَا تَسْتَطْعِمُهَا، وَذَلِكَ لِأَنَّ خَيْرَاتِهَا كَانَتْ تَفِيضُ عَلَى تِلْكَ البِلَادِ، وَقَدْ ذَكَرَ سَعِيدٌ أَنَّ مِصْرَ أُمُّ البِلَادِ وَغَوْثُ العِبَادِ. 

وَفِي مِصْرَ جَامِعُ عَمْرِو بْنِ العَاصِ؛ وَهُوَ أَوَّلُ جَامِعٍ بُنِيَ فِي قَارَّةِ إِفْرِيقِيَا، وَقَدْ ضَبَطَ قِبْلَتَهُ جَمَاعَةٌ كَثِيرَةٌ مِنَ الصَّحَابَةِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ قُدِّرُوا بِثَمَانِينَ رَجُلًا. 

وَفِي مِصْرَ جَامِعُ الأَزْهَرِ الَّذِي لَهُ الفَضْلُ المَشْهُورُ، وَلِشُيُوخِهِ مَوَاقِفُ كَثِيرَةٌ جِدًّا فِي نُصْرَةِ الإِسْلَامِ وَأَهْلِهِ، وَهُوَ اليَوْمَ بَعْدَ الثَّوْرَةِ يُرْجَى لَهُ أَنْ يَعُودَ مَنَارَةً شَامِخَةً كَمَا كَانَ، إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى، وَقَدْ قَالَ ابْنُ ظَهِيرَةَ -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى- فِي الجَامِعِ الأَزْهَرِ: "فَلَيْسَ فِي الدُّنْيَا الآنَ، فِيمَا أَعْلَمُ، لَهُ نَظِيرٌ وَلَا يَنْقَطِعُ ذِكْرُ اللَّهِ تَعَالَى عَنْهُ طَرْفَةَ عَيْنٍ فِي لَيْلٍ وَلَا نَهَارٍ، وَفِيهِ أَرْوِقَةٌ لِأَصْنَافٍ مِنَ الخَلْقِ مُنْقَطِعِينَ لِعِبَادَةِ اللَّهِ -تَعَالَى- وَالاشْتِغَالِ بِالعُلُومِ وَتِلَاوَةِ القُرْآنِ، لَا يَفْتُرُونَ سَاعَةً" 

 وَإِنَّ مِصْرَ فِيهَا خَزَائِنُ الأَرْضِ بِشَهَادَةِ رَبِّنَا جَلَّ وَعَلَا لَمَّا قَالَ عَنْ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلَامُ ﴿ قَالَ اجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِنِ الأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ ﴾ [يُوسُفَ: 55] وَخَزَائِنُ الأَرْضِ هُنَا وِزَارَةُ مَالِيَّةِ مِصْرَ وَالَّتِي تُعَدُّ خَزَائِنَ الأَرْضِ كَمَا ذَكَرَ رَبُّنَا فَقِيمَةُ مِصْرَ فِي ذَلِكَ الوَقْتِ تُعَادِلُ الكَوْكَبَ الأَرْضِيَّ بِأَسْرِهِ. ـ 

فَمِصْرُ هِيَ سَلَّةُ الغِذَاءِ لِلْأُمَمِ كُلِّهَا نَذْكُرُ يَوْمَ أَنْ حَدَثَتْ مَجَاعَةٌ فِي عَهْدِ سَيِّدِنَا عُمَرَ بْنِ الخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَكَلَتِ الأَخْضَرَ وَاليَابِسَ (عَامَ الرَّمَادَةِ) وَقَالَ عُمَرُ وَاللَّهِ لَا آكُلُ سَمْنًا وَلَا سَمِينًا حَتَّى يَكْشِفَ اللَّهُ الغُمَّةَ عَنِ المُسْلِمِينَ وَبَقِيَ مَهْمُومًا هَمًّا يَتَأَوَّهُ مِنْهُ لَيْلًا وَنَهَارًا نَزَلَ الأَعْرَابُ حَوْلَهُ فِي العَاصِمَةِ الإِسْلَامِيَّةِ المَدِينَةِ المُنَوَّرَةِ بِخِيَامِهِمْ، كَانَ يَبْكِي عَلَى المِنْبَرِ عَامَ الرَّمَادَةِ، وَيَنْظُرُ إِلَى الأَطْفَالِ وَهُمْ يَتَضَوَّرُونَ جُوعًا أَمَامَهُ، وَوَدَّ أَنْ جِسْمَهُ خُبْزًا يُقَدِّمُهُ لِلْأَطْفَالِ؛ وَأَخَذَ يَقُولُ: يَا لَيْتَ أُمَّ عُمَرَ لَمْ تَلِدْ عُمَرَ.. يَا لَيْتَنِي مَا عَرَفْتُ الحَيَاةَ.. آهٍ يَا عُمَرُ كَمْ قَتَلْتَ مِنْ أَطْفَالِ المُسْلِمِينَ؛ لِأَنَّهُ يَرَى أَنَّهُ هُوَ المَسْؤُولُ الأَوَّلُ عَنِ الأَكْبَادِ الحَرَّى، وَالبُطُونِ الجَائِعَةِ؛ وَفِي الأَخِيرِ تَذَكَّرَ عُمَرُ أَنَّ لَهُ فِي مِصْرَ إِخْوَانًا فِي اللَّهِ، وَأَنَّ مِصْرَ بَلَدًا مُعْطَاءً، سَوْفَ يَدْفَعُ الغَالِيَ وَالرَّخِيصَ لِإِنْقَاذِ العَاصِمَةِ الإِسْلَامِيَّةِ، وَكَانَ وَالِي مِصْرَ عَمْرُو بْنُ العَاصِ الدَّاهِيَةَ العِمْلَاقَ، كَتَبَ لَهُ عُمَرُ رِسَالَةً، وَهَذَا نَصُّهَا: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، مِنْ عُمَرَ بْنِ الخَطَّابِ أَمِيرِ المُؤْمِنِينَ، إِلَى عَمْرِو بْنِ العَاصِ أَمَّا بَعْـدُ: فَوَا غَوْثَاهُ… وَا غَوْثَاهُ… وَالسَّلَامُ؛ وَأَخَذَهَا عَمْرُو بْنُ العَاصِ، وَجَمَعَ المِصْرِيِّينَ لِيَقْرَأَ الرِّسَالَةَ المُحْتَرِقَةَ المُلْتَهِبَةَ البَاكِيَةَ المُؤَثِّرَةَ أَمَامَهُمْ، وَلَمَّا قَرَأَهَا عَمْرُو؛ أَجَابَ عُمَرُ عَلَى الهَوَاءِ مُبَاشَرَةً، وَقَالَ: لَا جَرَمَ! وَاللَّهِ لَأُرْسِلَنَّ لَكَ قَافِلَةً مِنَ الطَّعَامِ أَوَّلُهَا عِنْدَكَ فِي المَدِينَةِ وَآخِرُهَا عِنْدِي فِي مِصْرَ؛ وَجَادَ المِصْرِيُّونَ بِأَمْوَالِهِمْ كَمَا يَجُودُ الصَّادِقُونَ مَعَ رَبِّهِمْ، وَبَذَلُوا الطَّعَامَ، وَحَمَلُوا الجِمَالَ وَذَهَبَتِ القَافِلَةُ تَزْحَفُ كَالسَّيْلِ، وَتَسِيرُ كَاللَّيْلِ تَحْمِلُ النَّمَاءَ وَالحَيَاةَ وَالخَيْرَ وَالرِّزْقَ وَالعَطَاءَ لِعَاصِمَةِ الإِسْلَامِ. وَدَعَا لَهُمْ عُمَرُ، وَحَفِظَهَا التَّارِيخُ لَهُمْ حِفْظًا لَا يَنْسَاهُ أَبَدَ الدَّهْرِ؛ هَذِهِ مِصْرُ وَطَنُنَا الغَالِي. 

  وَلَمَّا أَتَى المَأْمُونُ مِصْرَ وَجَلَسَ تَحْتَ قُبَّةِ الهَوَاءِ وَأَقْبَلَ عَلَيْهِ عُظَمَاءُ المِصْرِيِّينَ فَقَالَ قَبَّحَ اللَّهُ فِرْعَوْنَ إِذْ قَالَ: ﴿ أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ ﴾ [الزُّخْرُفِ: 51] فَلَوْ رَأَى العِرَاقَ. 

فَقَالَ لَهُ سَعِيدُ بْنُ عُفَيْرٍ القَاضِي المِصْرِيُّ الكَبِيرُ: لَا تَقُلْ هَذَا يَا أَمِيرَ المُؤْمِنِينَ إِنَّ مَا تَرَى هُوَ بَقِيَّةُ مَا دُمِّرَ فَقَدْ قَالَ تَعَالَى ﴿ وَدَمَّرْنَا مَا كَانَ يَصْنَعُ فِرْعَوْنُ وَقَوْمُهُ ﴾ [الأَعْرَافِ: 137] فَلَمْ يَجِدِ المَأْمُونُ كَلَامًا يَقُولُهُ بَعْدَ هَذِهِ الإِجَابَةِ الذَّكِيَّةِ. 

وَفِي رِوَايَةٍ أَنَّهُ قَالَ لَهُ: فَمَا ظَنُّكَ بِشَيْءٍ دَمَّرَهُ اللَّهُ هَذِهِ بَقِيَّتُهُ، فَقَالَ: مَا قَصَّرْتَ يَا سَعِيدُ؛ قَالَ سَعِيدٌ: ثُمَّ قُلْتُ: يَا أَمِيرَ المُؤْمِنِينَ: لَقَدْ بَلَغَنَا أَنَّهُ لَمْ تَكُنْ أَرْضٌ أَعْظَمَ مِنْ مِصْرَ، وَجَمِيعُ الأَرْضِ يَحْتَاجُونَ إِلَيْهَا، وَكَانَتِ الأَنْهَارُ بِقَنَاطِرَ وَجُسُورٍ بِتَقْدِيرٍ، حَتَّى إِنَّ المَاءَ يَجْرِي تَحْتَ مَنَازِلِهِمْ وَأَفْنِيَتِهِمْ يَحْبِسُونَهُ مَتَى شَاءُوا، وَيُرْسِلُونَهُ مَتَى شَاءُوا، وَكَانَتِ البَسَاتِينُ بِحَافَّتَيِ النِّيلِ مِنْ أَوَّلِهِ إِلَى آخِرِهِ مَا بَيْنَ أَسْوَانَ إِلَى رَشِيدٍ لَا تَنْقَطِعُ، وَلَقَدْ كَانَتِ المَرْأَةُ تَخْرُجُ حَاسِرَةً وَلَا تَحْتَاجُ إِلَى خِمَارٍ لِكَثْرَةِ الشَّجَرِ، وَلَقَدْ كَانَتِ المَرْأَةُ تَضَعُ المِكْتَلَ عَلَى رَأْسِهَا فَيَمْتَلِئُ مِمَّا يَسْقُطُ بِهِ مِنَ الشَّجَرِ، إِلَى أَنْ قَالَ: وَكَانَتْ جِبَايَةُ مِصْرَ تِسْعِينَ أَلْفَ أَلْفِ دِينَارٍ -أَيْ تِسْعِينَ مِلْيُونَ دِينَارٍ، وَهُوَ مَبْلَغٌ هَائِلٌ جِدًّا بِمَقَايِيسِ تِلْكَ الأَيَّامِ- 

بِلَادِي هَوَاهَا فِي لِسَانِي وَفِي دَمِي 

                                   يُمَجِّدُهَا قَلْبِي وَيَدْعُو لَهَا فَمِي 

وَلَا خَيْرَ فِيمَنْ لَا يُحِبُّ بِلَادَهُ وَلَا 

                                   فِي حَلِيفِ الحُبِّ إِنْ لَمْ يُتَيَّمِ 

وَمَنْ تُؤْوِهِ دَارٌ فَيَجْحَدْ فَضْلَهَا 

                                   يَكُنْ حَيَوَانًا فَوْقَهُ كُلُّ أَعْجَمِ. 

وَمِصْرُ أُمُّ البِلَادِ وَهِيَ أُمُّ المُجَاهِدِينَ وَالعُبَّادِ قَهَرَتْ قَاهِرَتُهَا الأُمَمَ وَوَصَلَتْ بَرَكَاتُهَا إِلَى العَرَبِ وَالعَجَمِ, وَطِئَ أَرْضَهَا الأَنْبِيَاءُ وَالمُرْسَلُونَ وَالصَّحَابَةُ المُجَاهِدُونَ؛ وَيَكْفِي أَهْلَ مِصْرَ شَرَفًا وَفَخْرًا سُكْنَى الأَنْبِيَاءِ بَيْنَ ظَهْرَانَيْهِمْ وَمُرُورُهُمْ بِبِلَادِهِمْ، فَهَذَا شَيْخُ المُوَحِّدِينَ وَأَفْضَلُ المُرْسَلِينَ بَعْدَ نَبِيِّنَا العَظِيمِ -عَلَيْهِمَا أَفْضَلُ الصَّلَوَاتِ وَأَتَمُّ التَّسْلِيمِ- قَدْ مَرَّ بِمِصْرَ فِي رِحْلَتِهِ مَعَ زَوْجِهِ سَارَةَ، وَجَرَى لَهُمَا مَعَ جَبَّارِ مِصْرَ مَا جَرَى مِمَّا وَرَدَ فِي صَحِيحِ الإِمَامِ البُخَارِيِّ لِمَنْ أَرَادَ الرُّجُوعَ إِلَى القِصَّةِ. 

وَدَخَلَهَا يَعْقُوبُ -عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ-. وَدَخَلَهَا الأَسْبَاطُ مِرَارًا وَتُوُفُّوا وَدُفِنُوا بِهَا. 

وَسَكَنَ مِصْرَ يُوسُفُ -عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ- وَنَالَ بِهَا مِنَ المَكَانَةِ وَالجَاهِ مَا لَمْ يَنَلْهُ أَحَدٌ مِنَ الأَنْبِيَاءِ وَالمُرْسَلِينَ وَمَنْ عَدَاهُمَا فِي مِصْرَ، وَشَرَّفَتْ أَرْضُ مِصْرَ بِدَفْنِ جَسَدِهِ الطَّاهِرِ فِيهَا، ثُمَّ نُقِلَ بَعْدَ ذَلِكَ إِلَى فِلِسْطِينَ زَمَنَ مُوسَى - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - فِي قِصَّةٍ جَلِيلَةٍ. 

وَمُوسَى وَهَارُونُ -عَلَيْهِمَا الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ- وُلِدَا فِي مِصْرَ وَعَاشَا فِيهَا طَوِيلًا، وَجَرَى عَلَيْهِمَا فِي أَرْضِ مِصْرَ مَا جَرَى مِنَ الأَحْدَاثِ العِظَامِ مِمَّا قَصَّهُ عَلَيْنَا اللَّهُ -تَعَالَى- فِي كِتَابِهِ الجَلِيلِ. 

وَيُوشَعُ بْنُ نُونٍ فَتَى مُوسَى وَكَانَ نَبِيًّا -عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ- وُلِدَ بِمِصْرَ، وَعَاشَ فِيهَا، وَخَرَجَ مِنْهَا مَعَ مُوسَى, عَلَيْهِمَا الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ. 

وَقِيلَ إِنَّ أَيُّوبَ وَشُعَيْبًا وَإِرْمِيَا دَخَلُوا مِصْرَ أَيْضًا -وَاللَّهُ أَعْلَمُ-. 

وَيَكْفِي المِصْرِيِّينَ شَرَفًا وَفَخْرًا أَنَّ خَيْرَ الأَنْبِيَاءِ وَالمُرْسَلِينَ مُطْلَقًا مُحَمَّدًا وَإِبْرَاهِيمَ - عَلَيْهِمَا أَفْضَلُ الصَّلَوَاتِ وَالتَّسْلِيمِ- كَانَ تَحْتَهُمَا مَارِيَةُ وَهَاجَرُ المِصْرِيَّتَانِ، فَأَنْجَبَتِ الأُولَى إِبْرَاهِيمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ، وَأَنْجَبَتِ الأُخْرَى إِسْمَاعِيلَ -عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ- وَهُوَ جَدُّ نَبِيِّنَا فَمَا أَحْسَنَ هَذَا وَمَا أَعْظَمَهُ. 

وَقِيلَ إِنَّ يُوسُفَ -عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ- صَاهَرَ إِلَيْهِمْ أَيْضًا. 

- وَإِنْ يَفْتَخِرِ المِصْرِيُّونَ بِشَيْءٍ بَعْدَ هَذَا فَحَقٌّ لَهُمْ أَنْ يَفْتَخِرُوا بِمَاءِ زَمْزَمَ الَّذِي فُجِّرَ إِكْرَامًا لِهَاجَرَ وَابْنِهَا، فَلِلْمِصْرِيِّينَ فَضْلٌ فِي ظُهُورِ هَذَا المَاءِ، وَالشَّرَفُ مَوْصُولٌ لَهُمْ مَا بَقِيَ هَذَا المَاءُ عَلَى وَجْهِ الأَرْضِ. 

وَحَقٌّ عَلَى المِصْرِيِّينَ أَنْ يَفْتَخِرُوا بِأَنَّ هَاجَرَ قَدْ خَلَّدَ اللَّهُ سَعْيَهَا بَيْنَ الصَّفَا وَالمَرْوَةِ جَزَاءَ طَاعَتِهَا إِبْرَاهِيمَ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ- وَأَوْجَبَ عَلَى كُلِّ رَسُولٍ وَنَبِيٍّ وَسَائِرِ مَنْ حَجَّ البَيْتَ الحَرَامَ أَنْ يَسْعَى سَعْيَهَا وَيَجْهَدَ جَهْدَهَا, فَمَا أَعْظَمَ هَذَا وَمَا أَحْسَنَهُ؛ أَقُولُ مَا تَسْمَعُونَ وَأَسْتَغْفِرُ اللَّهَ لِي وَلَكُمْ. 

 الخُطْبَةُ الثَّانِيَةُ:* 

_*الحَمْدُ لِلَّهِ وَكَفَى وَصَلَاةً وَسَلَامًا عَلَى عِبَادِهِ الَّذِينَ اصْطَفَى وَبَعْدُ؛ هَذِهِ بَعْضُ فَضَائِلِ مِصْرَ فِي القُرْآنِ وَالسُّنَّةِ وَالتَّارِيخِ. 

وَلَوْ لَمْ يَكُنْ لِلْمِصْرِيِّينَ فَخْرٌ وَشَرَفٌ إِلَّا أَنَّ هَاجَرَ هِيَ جَدَّةُ النَّبِيِّ الأَعْظَمِ المُفَخَّمِ المُكَرَّمِ مُحَمَّدٍ لَكَانَ هَذَا كَافِيَهُمْ، وَلِذَلِكَ قَالَ فِيهَا أَبُو هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: "تِلْكَ أُمُّكُمْ يَا بَنِي مَاءِ السَّمَاءِ" أَيْ العَرَبِ. 

وَمِنَ المِصْرِيَّاتِ العَظِيمَاتِ أُمُّ مُوسَى - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ- وَقِيلَ بِنُبُوَّتِهَا. 

وَآسِيَةُ امْرَأَةُ فِرْعَوْنَ الَّتِي ضَرَبَهَا اللَّهُ -سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى- مَثَلًا فِي كِتَابِهِ لِلْمُؤْمِنِينَ وَأَثْنَى عَلَيْهَا، وَأَخْبَرَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهَا إِحْدَى كَوَامِلِ النِّسْوَةِ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا- وَقِيلَ بِنُبُوَّتِهَا. 

وَمَرَّتْ سَارَةُ زَوْجُ الخَلِيلِ بِمِصْرَ، وَلَهَا قِصَّةٌ فِيهَا وَرَدَتْ فِي صَحِيحِ الإِمَامِ البُخَارِيِّ. 

وَمِنَ المِصْرِيَّاتِ الجَلِيلَاتِ مَاشِطَةُ فِرْعَوْنَ وَابْنُهَا الَّذِي تَكَلَّمَ فِي المَهْدِ، وَلَهَا وَلَهُ قِصَّةٌ جَلِيلَةٌ رَائِعَةٌ. 

وَمِنَ المِصْرِيِّينَ مُؤْمِنُ آلِ فِرْعَوْنَ، وَقَدْ شُرِّفَ بِتَخْلِيدِ صَنِيعِهِ وَدِفَاعِهِ عَنْ مُوسَى - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - وَالدَّعْوَةِ الإِسْلَامِيَّةِ فِي كِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿ وَقَالَ رَجُلٌ مُؤْمِنٌ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَكْتُمُ إِيمَانَهُ أَتَقْتُلُونَ رَجُلًا أَنْ يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ وَقَدْ جَاءَكُمْ بِالبَيِّنَاتِ مِنْ رَبِّكُمْ وَإِنْ يَكُ كَاذِبًا فَعَلَيْهِ كَذِبُهُ وَإِنْ يَكُ صَادِقًا يُصِبْكُمْ بَعْضُ الَّذِي يَعِدُكُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ كَذَّابٌ ﴾ [غَافِرٍ: 28] 

وَمِنَ المِصْرِيِّينَ كَذَلِكَ الرَّجُلُ المُؤْمِنُ الَّذِي حَذَّرَ مُوسَى -عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ- وَوَرَدَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿ وَجَاءَ رَجُلٌ مِنْ أَقْصَى المَدِينَةِ يَسْعَى قَالَ يَا مُوسَى إِنَّ المَلَأَ يَأْتَمِرُونَ بِكَ لِيَقْتُلُوكَ فَاخْرُجْ إِنِّي لَكَ مِنَ النَّاصِحِينَ ﴾ [القَصِ: 20] 

وَمِنْهُمُ السَّحَرَةُ الَّذِينَ آمَنُوا بِمُوسَى - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - وَكَانُوا جُمْلَةً وَافِرَةً وَعَدًا ضَخْمًا.

  وَأَهْلُ مِصْرَ مِنْ أَلْيَنِ النَّاسِ تَعَامُلًا وَمِنْ أَحْسَنِهِمْ أَخْلَاقًا وَأَدَبًا، وَلِذَلِكَ قَالَ تَاجُ الدِّينِ الفَزَارِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى: "إِنَّ مَنْ أَقَامَ فِي مِصْرَ سَنَةً وَجَدَ فِي أَخْلَاقِهِ رِقَّةً وَحُسْنًا". 

وَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرِو بْنِ العَاصِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ: "أَهْلُ مِصْرَ أَكْرَمُ الأَعَاجِمِ كُلِّهَا، وَأَسْمَحُهُمْ يَدًا، وَأَفْضَلُهُمْ عُنْصُرًا، وَأَقْرَبُهُمْ رَحِمًا بِالعَرَبِ عَامَّةً وَبِقُرَيْشٍ خَاصَّةً". 

وَقَالَ ابْنُ ظَهِيرَةَ، رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى، يَمْدَحُ أَهْلَ مِصْرَ، وَيُعَدِّدُ مَزَايَاهُمْ: "حُسْنُ فَهْمِهِمْ فِي العُلُومِ الشَّرْعِيَّةِ وَغَيْرِهَا مِنْ سَائِرِ العُلُومِ، وَسُرْعَةُ تَصَوُّرِهِمْ، وَاقْتِدَارُهُمْ عَلَى الفَصَاحَةِ بِطِبَاعِهِمْ وَعُذُوبَةِ أَلْفَاظِهِمْ وَلَطَافَةِ شَمَائِلِهِمْ وَحُسْنِ وَسَائِلِهِمْ أَمْرٌ مَحْسُوسٌ، غَيْرُ مُنْكَرٍ، تَشْهَدُ لَهُمْ بِذَلِكَ النَّاسُ حَتَّى إِنَّ كُلَّ مَنْ عَرَفَهُمْ وَخَالَطَهُمُ اكْتَسَبَ مِنْ فَصَاحَتِهِمْ، وَاخْتَلَسَ مِنْ لَطَافَتِهِمْ، وَإِنْ كَانَ أَعْجَمِيًّا قَحْفًا أَوْ فَلَّاحًا جَلْفًا". 

ثُمَّ مَدَحَ أَصْوَاتَهُمْ فَقَالَ: "حُسْنُ أَصْوَاتِهِمْ، وَنِدَائِهِمْ، وَطِيبُ نَغَمَاتِهِمْ وَشَجَاهَا، وَطُولُ أَنْفَاسِهِمْ وَعُلَاهَا، فَمُؤَذِّنُوهُمْ إِلَيْهِمُ الغَايَةُ فِي الطِّيبِ، وَوُعَّاظُهُمْ وَمُغَنُّوهُمْ إِلَيْهِمُ المُنْتَهَى فِي الإِجَادَةِ وَالتَّطْرِيبِ". 

ثُمَّ مَدَحَ نِسَاءَهُمْ فَقَالَ: "نِسَاؤُهَا اللَّاتِي خَلَقَهُنَّ اللَّهُ تَعَالَى لِلتَّمَتُّعِ بِهِنَّ، وَطَلَبِ النَّسْلِ مِنْهُنَّ، أَرَقُّ نِسَاءِ الدُّنْيَا طَبْعًا وَأَحْلَاهُنَّ صُورَةً وَمَنْطِقًا، وَأَحْسَنُهُنَّ شَمَائِلَ، وَأَجْمَلُهُنَّ ذَاتًا، وَخُصُوصًا المُوَلَّدَاتُ مِنْهُنَّ، وَهِيَ مَنْ يَكُونُ أَبُوهَا تُرْكِيًّا وَأُمُّهَا مِصْرِيَّةً، أَوْ بِالعَكْسِ، وَمَا زِلْتُ أَسْمَعُ قَدِيمًا عَنِ الإِمَامِ الشَّافِعِيِّ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ، وَلَمْ أَرَهُ مَنْقُولًا، أَنَّهُ قَالَ: مَنْ لَمْ يَتَزَوَّجْ بِمِصْرِيَّةٍ لَمْ يُكْمِلْ إِحْصَانَهُ". 

ثُمَّ مَدَحَ حُسْنَ مُعَامَلَتِهِمْ لِلْغُرَبَاءِ فَقَالَ: "حَلَاوَةُ لِسَانِهِمْ، وَكَثْرَةُ مَلَقِهِمْ وَمَوَدَّتِهِمْ لِلنَّاسِ وَمَحَبَّتِهِمْ لِلْغُرَبَاءِ، وَلِينُ كَلَامِهِمْ لَهُمْ، وَالإِحْسَانُ إِلَيْهِمْ وَمُسَاعَدَتُهُمْ لَهُمْ عَلَى قَضَاءِ حَوَائِجِهِمْ، وَرَدِّ ظَلَامَاتِهِمْ، وَنَصْرِهِمْ عَلَى مَنْ ظَلَمَهُمْ بِحَسَبِ اسْتِطَاعَتِهِمْ. 

هَذَا وَقَدْ سَكَنَ مِصْرَ بَعْدَ فَتْحِهَا جَمَاعَةٌ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَشَرَّفَتْ أَرْضُ مِصْرَ بِهِمْ وَازْدَانَتْ، وَخَالَطَ تُرَابَهَا أَجْسَادُهُمُ الطَّاهِرَةُ، وَبَعْضُهُمْ سَكَنَهَا وَمَاتَ بِغَيْرِهَا، وَبَعْضُهُمْ مَرَّ بِهَا رَسُولًا أَوْ مُجَاهِدًا، وَكَانَ مِنْهُمْ جُمْلَةٌ جَلِيلَةٌ وَعَدٌ كَبِيرٌ عَظِيمٌ مِنْهُمْ عَمْرُو بْنُ العَاصِ، وَعُقْبَةُ بْنُ عَامِرٍ الجُهَنِيُّ وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي السَّرْحِ، وَمَسْلَمَةُ بْنُ مَخْلَدٍ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرٍو، وَمُعَاوِيَةُ بْنُ حُدَيْجٍ, وَكُلُّهُمْ وَلِيَ إِمْرَةَ مِصْرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ. 

- فَاتَّقُوا اللَّهَ أَيُّهَا المُؤْمِنُونَ وَابْنُوا وَطَنَكُمْ وَقِفُوا صَفًّا وَاحِدًا فِي وَجْهِ كُلِّ مُرْجِفٍ، وَتَنَبَّهُوا لِسَعْيِ كُلِّ مُفْسِدٍ، وَاغْرِسُوا فِي أَبْنَائِكُمْ حُبَّ الوَطَنِ وَالاعْتِزَازَ بِإِنْجَازَاتِهِ الحَاضِرَةِ وَمَجْدِهِ التَّلِيدِ، فَهُمْ أَمَلُ الوَطَنِ وَبُنَاةُ الغَدِ وَاعْلَمُوا أَنَّنَا رُكَّابُ سَفِينَةٍ وَاحِدَةٍ "الوَطَنُ" إِنْ نَجَتْ نَجَوْنَا جَمِيعًا وَإِنْ هَلَكَتْ عِيَاذًا بِاللَّهِ مِنْ هَذَا هَلَكْنَا جَمِيعًا نَسْأَلُ اللَّهَ العَفْوَ وَالعَافِيَةَ وَالسَّلَامَةَ قَالَ تَعَالَى ﴿ وَاتَّقُوا فِتْنَةً لَّا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ العِقَابِ ﴾ [الأَنْفَالِ: 25] 

وَيَقُولُ رَسُولُ اللَّهِ «مَثَلُ القَائِمِ عَلَى حُدُودِ اللَّهِ وَالوَاقِعِ فِيهَا؛ كَمَثَلِ قَوْمٍ اسْتَهَمُوا عَلَى سَفِينَةٍ, فَأَصَابَ بَعْضُهُمْ أَعْلَاهَا, وَبَعْضُهُمْ أَسْفَلَهَا, فَكَانَ الَّذِينَ فِي أَسْفَلِهَا إِذَا اسْتَقَوْا مِنَ المَاءِ مَرُّوا عَلَى مَنْ فَوْقَهُمْ, فَقَالُوا: لَوْ أَنَّا خَرَقْنَا فِي نَصِيبِنَا خَرْقًا وَلَمْ نُؤْذِ مَنْ فَوْقَنَا, فَإِنْ يَتْرُكُوهُمْ وَمَا أَرَادُوا هَلَكُوا جَمِيعًا, وَإِنْ أَخَذُوا عَلَى أَيْدِيهِمْ نَجَوْا وَنَجَوْا جَمِيعًا» [رَوَاهُ البُخَارِيُّ] 

 أَيُّهَا المُسْلِمُونَ: فَسَتَذْكُرُونَ مَا أَقُولُ لَكُمْ وَأُفَوِّضُ أَمْرِي إِلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ. 

اللَّهُمَّ احْفَظْ مِصْرَ وَأَهْلَهَا، وَاجْعَلْهَا بَلَدًا آمِنًا مُطْمَئِنًّا، سَخَاءً رَخَاءً وَسَائِرَ بِلَادِ المُسْلِمِينَ

*رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ؛ اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِلْمُؤْمِنِينَ وَالمُؤْمِنَاتِ، وَالمُسْلِمِينَ وَالمُسْلِمَاتِ، الأَحْيَاءِ مِنْهُمْ وَالأَمْوَاتِ، إِنَّكَ سَمِيعٌ قَرِيبٌ مُجِيبُ الدُّعَاءِ؛ وَأَقِمِ الصَّلَاةَ

 

google-playkhamsatmostaqltradent