recent
أخبار عاجلة

خطبة الجمعة من فقه الهجرة إلي الله تعالي الشيخ أحمد المراكبي

 من فقه الهجرة إلي الله تعالي

 


الحَمْدُ لِلَّهِ العَظِيمِ الوَدُودِ، وَاهِبِ الفَضْلِ وَالجُودِ، جَعَلَ الدُّنْيَا دَارَ مَمَرٍّ لَا خُلُودٍ، وَالآخِرَةَ مَوْطِنَ الحِسَابِ وَالشُّهُودِ.

​وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، المَلِكُ المَعْبُودُ.

​وَأَشْهَدُ أَنَّ سَيِّدَنَا وَنَبِيَّنَا مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، صَاحِبُ المَقَامِ المَحْمُودِ، وَالحَوْضِ المَوْرُودِ.

​اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِهِ وَأَصْحَابِهِ الرُّكَّعِ السُّجُودِ.

​أَمَّا بَعْدُ:

​فَيَا عِبَادَ اللَّهِ، أُوصِيكُمْ وَنَفْسِي بِتَقْوَى الرَّبِّ المَعْبُودِ، فَهِيَ زَادُ النَّجَاةِ لِيَوْمِ الشُّهُودِ، وَعِصْمَةُ العَبْدِ مِنْ كُلِّ خَذْلَانٍ وَصُدُودٍ. فَاتَّقُوا اللَّهَ وَالْزَمُوا كِتَابَهُ وَاحْذَرُوا تَجَاوُزَ الحُدُودِ، وَاجْعَلُوا مَخَافَتَهُ رَقِيبًا عَلَيْكُمْ فِي الغِيَابِ وَالشُّهُودِ؛ تَنَالُوا بِهَا رِضَا الغَفُورِ الوَدُودِ، وَتَفُوزُوا بِجَنَّاتٍ نَعِيمُهَا غَيْرُ مَفْقُودٍ، وَعَيْشُهَا غَيْرُ مَنْكُودٍ.

​ثُمَّ أَمَّا بَعْدُ:

​فَبَعْدَ ثَلَاثَةَ عَشَرَ عَامًا مِنَ الدَّعْوَةِ فِي مَكَّةَ، تَحَمَّلَ خِلَالَهَا النَّبِيُّ وَأَصْحَابُهُ أَلْوَانَ الأَذَى وَالِاضْطِهَادِ، أَذِنَ اللَّهُ تَعَالَى بِالهِجْرَةِ إِلَى المَدِينَةِ، فَكَانَتِ انْتِقَالًا مَدْرُوسًا نَحْوَ مَرْحَلَةٍ جَدِيدَةٍ مِنْ تَبْلِيغِ الرِّسَالَةِ، وَقَدْ حَفِظَتْ لَنَا كُتُبُ السِّيرَةِ مَشَاهِدَ خَالِدَةً مِنْ هَذَا الحَدَثِ العَظِيمِ؛ فَمِنْهَا: خُرُوجُ النَّبِيِّ مَعَ صَاحِبِهِ أَبِي بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، وَاخْتِبَاؤُهُمَا فِي غَارِ ثَوْرٍ، حَتَّى وَصَلَ المُشْرِكُونَ إِلَى بَابِ الغَارِ، عِنْدَهَا قَالَ أَبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: "لَوْ أَنَّ أَحَدَهُمْ نَظَرَ تَحْتَ قَدَمَيْهِ لَأَبْصَرَنَا"، فَقَالَ النَّبِيُّ : «يَا أَبَا بَكْرٍ، مَا ظَنُّكَ بِاثْنَيْنِ اللَّهُ ثَالِثُهُمَا». [مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ].

​وَقَدْ خَلَّدَ القُرْآنُ هَذَا المَوْقِفَ العَظِيمَ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِلَّا تَنْصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا﴾ [التَّوْبَةُ: ٤٠].

​إِنَّ مَنْهَجَ الأَنْبِيَاءِ وَالصَّالِحِينَ إِذَا وَجَدُوا مَنْ يُعِيقُهُمْ عَنْ طَرِيقِ الوُصُولِ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى شَرَعُوا فِي الأَخْذِ بِالأَسْبَابِ وَانْتَقَلُوا إِلَى بِلَادِ اللَّهِ تَعَالَى الوَاسِعَةِ؛ قَالَ تَعَالَى عَنْ إِبْرَاهِيمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ: ﴿فَـَٔامَنَ لَهُۥ لُوطࣱۘ وَقَالَ إِنِّى مُهَاجِرٌ إِلَىٰ رَبِّىۤۖ﴾ [العَنْكَبُوتُ: ٢٦].

​وَهَاجَرَ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ قَالَ تَعَالَى حِكَايَةً عَنْهُ: ﴿فَخَرَجَ مِنْهَا خَائِفًا يَتَرَقَّبُ قَالَ رَبِّ نَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾ [القَصَصُ: ٢١].

​أَيُّهَا المُسْلِمُونَ:

​إِنَّ الهِجْرَةَ وَهِيَ الِانْتِقَالُ مِنْ مَكَانٍ إِلَى مَكَانٍ قَدْ انْتَهَتْ بِفَتْحِ مَكَّةَ، قَالَتْ أُمُّ المُؤْمِنِينَ عَائِشَةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا: سُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ عَنِ الهِجْرَةِ فَقَالَ: «لَا هِجْرَةَ بَعْدَ الْفَتْحِ وَلَكِنْ جِهَادٌ وَنِيَّةٌ، وَإِذَا اسْتُنْفِرْتُمْ فَانْفِرُوا» [رَوَاهُ مُسْلِمٌ].

​لَكِنَّ الهِجْرَةَ الحَقِيقِيَّةَ بَاقِيَةٌ لَا تَنْقَطِعُ، فَقَدْ فَتَحَ القُرْآنُ الكَرِيمُ هَذَا الأُفُقَ الرَّحْبَ لِكُلِّ مُؤْمِنٍ حِينَ نَادَى البَشَرِيَّةَ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ﴾ [الذَّارِيَاتُ: ٥٠].

​إِنَّ الهِجْرَةَ الحَقِيقِيَّةَ هِيَ حَرَكَةُ الرُّوحِ مِنْ مُسْتَنْقَعِ الذُّنُوبِ إِلَى آفَاقِ الطَّاعَاتِ، وَرَحِيلُ القَلْبِ مِنْ ضِيقِ المَعْصِيَةِ إِلَى سَعَةِ المَغْفِرَةِ، مِصْدَاقًا لِقَوْلِ سَيِّدِنَا وَمَوْلَانَا رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ: «المُسْلِمُ مَنْ سَلِمَ المُسْلِمُونَ مِنْ لِسَانِهِ وَيَدِهِ، وَالمُهَاجِرُ مَنْ هَجَرَ مَا نَهَى اللَّهُ عَنْهُ» [رَوَاهُ البُخَارِيُّ].

​وَمِنْ مَعَانِي هَذِهِ الهِجْرَةِ هَجْرُ الخَطَايَا وَالذُّنُوبِ عَلَى اخْتِلَافِ صُوَرِهَا وَأَلْوَانِهَا، قَوْلًا كَانَتْ أَوْ عَمَلًا، فَعَنْ فَضَالَةَ بْنِ عُبَيْدٍ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ قَالَ: «الْمُؤْمِنُ مَنْ أَمِنَهُ النَّاسُ عَلَى أَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ، وَالْمُهَاجِرُ مَنْ هَجَرَ الْخَطَايَا وَالذُّنُوبَ» [رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ].

​وَعَنْ أُمِّ سُلَيْمٍ، أُمِّ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، أَنَّهَا قَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَوْصِنِي. قَالَ: «اهْجُرِي الْمَعَاصِي، فَإِنَّهَا أَفْضَلُ الْهِجْرَةِ، وَحَافِظِي عَلَى الْفَرَائِضِ، فَإِنَّهَا أَفْضَلُ الْجِهَادِ، وَأَكْثِرِي ذِكْرَ اللَّهِ، فَإِنَّكِ لَا تَأْتِينَ اللَّهَ بِشَيْءٍ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِنْ كَثْرَةِ ذِكْرِهِ» [رَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ].

​وَمِنْ مَعَانِي الهِجْرَةِ التَّوْبَةُ إِلَى اللَّهِ جَلَّ وَعَلَا، فَعَنْ مُعَاوِيَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "لَا تَنْقَطِعُ الْهِجْرَةُ حَتَّى تَنْقَطِعُ التَّوْبَةُ، وَلَا تَنْقَطِعُ التَّوْبَةُ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ مِنْ مَغْرِبِهَا" (رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَأَبُو دَاوُدَ، وَالدَّارِمِيُّ)، فَمِنْ فَضْلِ اللَّهِ تَعَالَى أَنَّهُ يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَعْفُو عَنِ السَّيِّئَاتِ، قَالَ تَعَالَى: ﴿وَهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَعْفُو عَنِ السَّيِّئَاتِ وَيَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ﴾ [الشُّورَى: ٢٥]. يُرِيدُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْنَا، فَعَنْ أَبِي مُوسَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ قَيْسٍ الأَشْعَرِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، عَنِ النَّبِيِّ قَالَ: «إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَبْسُطُ يَدَهُ بِاللَّيْلِ لِيَتُوبَ مُسِيءُ النَّهَارِ، وَيَبْسُطُ يَدَهُ بِالنَّهَارِ لِيَتُوبَ مُسِيءُ اللَّيْلِ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ مِنْ مَغْرِبِهَا» (رَوَاهُ مُسْلِمٌ).

​وَمِنْ مَعَانِي الهِجْرَةِ: الهِجْرَةُ مِنَ البَطَالَةِ وَالكَسَلِ إِلَى العَمَلِ وَالبِنَاءِ وَالإِنْتَاجِ، وَقَدْ أَرْشَدَنَا القُرْآنُ الكَرِيمُ، وَالسُّنَّةُ النَّبَوِيَّةُ المُطَهَّرَةُ إِلَى أَهَمِّيَّةِ العَمَلِ وَالإِنْتَاجِ وَالبِنَاءِ وَأَنَّ اللَّهَ (عَزَّ وَجَلَّ) مُطَّلِعٌ عَلَى ذَلِكَ وَشَاهِدٌ، وَسَيُجَازِينَا عَلَيْهِ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ.

​فَالحَقُّ تَبَارَكَ وَتَعَالَى يَقُولُ: ﴿وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ وَسَتُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [التَّوْبَةُ: ١٠٥].

​وَبَيَّنَ النَّبِيُّ أَنَّ أَفْضَلَ الكَسْبِ مَا كَانَ ثَمَرَةً لِعَمَلِ اليَدِ، فَعَنِ المِقْدَامِ بْنِ مَعْدِي كَرِبَ (رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ)، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) قَالَ: «مَا أَكَلَ أَحَدٌ طَعَامًا قَطُّ، خَيْرًا مِنْ أَنْ يَأْكُلَ مِنْ عَمَلِ يَدِهِ، وَإِنَّ نَبِيَّ اللَّهِ دَاوُدَ عَلَيْهِ السَّلَامُ كَانَ يَأْكُلُ مِنْ عَمَلِ يَدِهِ» (رَوَاهُ البُخَارِيُّ)، وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ (رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ) قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ): «لَأَنْ يَحْتَطِبَ أَحَدُكُمْ حُزْمَةً عَلَى ظَهْرِهِ، خَيْرٌ لَهُ مِنْ أَنْ يَسْأَلَ أَحَدًا، فَيُعْطِيَهُ أَوْ يَمْنَعَهُ» (رَوَاهُ البُخَارِيُّ).

​وَكَذَلِكَ مِنْ أَسْبَابِ مَغْفِرَةِ الذُّنُوبِ أَنْ يَكُونَ كَسْبُ الإِنْسَانِ مِنْ عَمَلِ يَدِهِ، فَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ (رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا) قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) يَقُولُ: «مَنْ أَمْسَى كَالًّا مِنْ عَمَلِ يَدَيْهِ أَمْسَى مَغْفُورًا لَهُ» (رَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ فِي الأَوْسَطِ).

​فَاتَّقُوا اللَّهَ -عِبَادَ اللَّهِ- وَهَاجِرُوا إِلَيْهِ بِقُلُوبِكُمْ وَأَعْمَالِكُمْ، وَاتْرُكُوا الذُّنُوبَ وَالآثَامَ، وَأَقْبِلُوا عَلَى الطَّاعَاتِ وَالقُرُبَاتِ، وَاعْمَلُوا وَاجْتَهِدُوا فِي بِنَاءِ دُنْيَاكُمْ وَآخِرَتِكُمْ، عَسَى اللَّهُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْنَا وَعَلَيْكُمْ، وَأَنْ يَجْعَلَنَا مِنَ المَقْبُولِينَ.

​أَقُولُ قَوْلِي هَذَا، وَأَسْتَغْفِرُ اللَّهَ العَظِيمَ لِي وَلَكُمْ فَاسْتَغْفِرُوهُ، إِنَّهُ هُوَ الغَفُورُ الرَّحِيمُ، وَادْعُوهُ يَسْتَجِبْ لَكُمْ.

الخُطْبَةُ الثَّانِيَةُ

​الحَمْدُ لِلَّهِ عَلَى إِحْسَانِهِ، وَالشُّكْرُ لَهُ عَلَى تَوْفِيقِهِ وَامْتِنَانِهِ.

​وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، تَعْظِيمًا لِشَأْنِهِ. وَأَشْهَدُ أَنَّ سَيِّدَنَا مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، الدَّاعِي إِلَى رِضْوَانِهِ.

​اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِهِ وَأَصْحَابِهِ وَإِخْوَانِهِ.

​أَمَّا بَعْدُ:

​أَيُّهَا المُسْلِمُونَ.. إِنَّ الهِجْرَةَ إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لَيْسَتْ مُجَرَّدَ ذِكْرَى تَارِيخِيَّةٍ نَطْوِي صَفْحَتَهَا، بَلْ هِيَ وَاقِعٌ نَعِيشُهُ فِي كُلِّ لَحْظَةٍ. فَإِذَا كَانَ الصَّحَابَةُ قَدْ هَجَرُوا دِيَارَهُمْ فِرَارًا بِدِينِهِمْ، فَإِنَّ أَوْلَادَنَا اليَوْمَ فِي قَاعَاتِ الِامْتِحَانَاتِ وَاقِفُونَ عَلَى ثَغْرٍ مِنْ ثُغُورِ الهِجْرَةِ السُّلُوكِيَّةِ.

​فَمِنْ أَعْظَمِ صُوَرِ الهِجْرَةِ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى فِي زَمَانِنَا أَنْ يُهَاجِرَ المُسْلِمُ مِنَ المَعْصِيَةِ إِلَى الطَّاعَةِ، وَمِنَ الخِيَانَةِ إِلَى الأَمَانَةِ، وَمِنَ الغِشِّ إِلَى الصِّدْقِ. وَنَحْنُ فِي مَوْسِمِ الِامْتِحَانَاتِ أَحْوَجُ مَا نَكُونُ إِلَى هَذَا المَعْنَى؛ فَكَمْ مِنْ طَالِبٍ ظَنَّ أَنَّ الغِشَّ طَرِيقٌ إِلَى النَّجَاحِ، وَغَفَلَ عَنْ أَنَّ النَّجَاحَ الحَقِيقِيَّ هُوَ مَا كَانَ مَقْرُونًا بِرِضَا اللَّهِ تَعَالَى.

​إِنَّ "الغِشَّ فِي الِامْتِحَانِ" يَكُونُ بِإِبْرَازِ الجَاهِلِ فِي صُورَةِ العَالِمِ أَمَامَ المُصَحِّحِينَ، وَبِإِبْرَازِ المُفْلِسِينَ وَالمُهْمَلِينَ فِي صُورَةِ الأَذْكِيَاءِ المُجِدِّينَ، وَفِيهِ إِلْحَاقٌ لِلْأَذَى بِالبَشَرِيَّةِ، قَالَ تَعَالَى: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا﴾ [الأَحْزَابُ: ٥٨].

​إِنَّ هَذَا الفِعْلَ الدَّنِيءَ يَدُلُّ عَلَى خُبْثِ النَّفْسِ، وَظُلْمَةِ القَلْبِ، وَقِلَّةِ الدِّينِ وَالمُرُوءَةِ، وَهُوَ صِفَةُ الَّذِينَ يَسْعَوْنَ فِي الأَرْضِ فَسَادًا؛ فَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ قَالَ: «آيَةُ الْمُنَافِقِ ثَلَاثٌ: إِذَا حَدَّثَ كَذَبَ، وَإِذَا وَعَدَ أَخْلَفَ، وَإِذَا اؤْتُمِنَ خَانَ» [مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ].

​وَعَنْ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ عَنِ النَّبِيِّ قَالَ: «يُطْبَعُ الْمُؤْمِنُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ إِلَّا الْخِيَانَةَ وَالْكَذِبَ» [رَوَاهُ البَيْهَقِيُّ].

​وَكَذَا مَنْ يُعِينُ عَلَى الغِشِّ، أَوْ يَتَجَاهَلُ القِيَامَ بِمَسْؤُولِيَّةِ مَنْعِهِ أَوِ الإِبْلَاغِ عَنْهُ، هُوَ وَالغَاشُّ فِي الإِثْمِ سَوَاءٌ؛ لِأَنَّهُ مُقَصِّرٌ فِيمَا أُنِيطَ بِهِ مِنْ عَمَلٍ، وَفِعْلُهُ هَذَا مِنْ بَابِ التَّعَاوُنِ عَلَى الإِثْمِ وَالعُدْوَانِ المَنْهِيِّ عَنْهُ، قَالَ تَعَالَى: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ [المَائِدَةُ: ٢]، فَضْلًا عَنْ أَنَّهُ خَائِنٌ لِلْأَمَانَةِ الَّتِي ائْتَمَنَهُ اللَّهُ عَلَيْهَا، قَالَ تَعَالَى: ﴿فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضًا فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمَانَتَهُ وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ﴾ [البَقَرَةُ: ٢٨٣]، وَقَالَ أَيْضًا: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا أَمَانَاتِكُمْ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [الأَنْفَالُ: ٢٧].

​إِنَّ الغَاشَّ فِي الِامْتِحَانِ يُعَاقِبُهُ اللَّهُ بِضِدِّ قَصْدِهِ، الَّذِي يَغُشُّ فِي الِامْتِحَانِ يَوَدُّ النَّجَاحَ وَالتَّفَوُّقَ، وَالوُصُولَ إِلَى القِمَّةِ عَلَى حِسَابِ الآخَرِينَ، فَهُوَ لَمْ يَطْلُبِ العِلْمَ ابْتِغَاءَ وَجْهِ اللَّهِ؛ وَلِذَا كَانَ جَزَاؤُهُ مِنْ جِنْسِ عَمَلِهِ، فَهُوَ مَحْرُومُ التَّوْفِيقِ، وَالمَدَدِ وَالعَوْنِ، وَيُبْتَلَى بِمَحْقِ البَرَكَةِ فِي حَيَاتِهِ، بَلْ مَا يَتَحَصَّلُ عَلَيْهِ مِنْ وَظِيفَةٍ أَوْ مَالٍ يُعَدُّ أَكْلًا لِلْحَرَامِ، فَضْلًا عَمَّا يَنْتَظِرُهُ فِي الآخَرَةِ؛ فَعَنْ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ يَقُولُ: «مَنْ طَلَبَ العِلْمَ لِيُجَارِيَ بِهِ العُلَمَاءَ، أَوْ لِيُمَارِيَ بِهِ السُّفَهَاءَ، أَوْ يَصْرِفَ بِهِ وُجُوهَ النَّاسِ إِلَيْهِ أَدْخَلَهُ اللَّهُ النَّارَ» [رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ].

​وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ : «مَنْ تَعَلَّمَ عِلْمًا مِمَّا يُبْتَغَى بِهِ وَجْهُ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ لَا يَتَعَلَّمُهُ إِلَّا لِيُصِيبَ بِهِ عَرَضًا مِنَ الدُّنْيَا، لَمْ يَجِدْ عَرْفَ الْجَنَّةِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ» يَعْنِي رِيحَهَا. [رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ].

​فَيَا مَعْشَرَ الطُّلَّابِ وَالأَوْلِيَاءِ وَالمُعَلِّمِينَ، اعْلَمُوا أَنَّ الأَمَانَةَ ثَقِيلَةٌ، وَأَنَّ المَسْؤُولِيَّةَ عَظِيمَةٌ، فَاجْعَلُوا مَخَافَةَ اللَّهِ نُصْبَ أَعْيُنِكُمْ.

أيها الطلاب: اطْلُبُوا التَّفَوُّقَ بِالجِدِّ وَالِاجْتِهَادِ، لَا بِالخِدَاعِ وَالِارْتِدَادِ؛ فَإِنَّ مَا عِنْدَ اللَّهِ لَا يُنَالُ إِلَّا بِطَاعَتِهِ، وَبَارِكَ اللَّهُ فِي كُلِّ عَمَلٍ خَالَصٍ لِوَجْهِهِ الكَرِيمِ.

​وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ أَمَرَكُمْ بِأَمْرٍ بَدَأَ فِيهِ بِنَفْسِهِ، وَثَنَّى بِمَلَائِكَتِهِ المُسَبِّحَةِ بِقُدْسِهِ، فَقَالَ عَزَّ مِنْ قَائِلٍ: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [الأَحْزَابُ: ٥٦].

​اللَّهُمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ وَبَارِكْ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ، وَعَلَى آلِ سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ، كَمَا صَلَّيْتَ وَسَلَّمْتَ وَبَارِكْتَ عَلَى سَيِّدِنَا إِبْرَاهِيمَ وَعَلَى آلِ سَيِّدِنَا إِبْرَاهِيمَ فِي العَالَمِينَ، إِنَّكَ حَمِيدٌ مَجِيدٌ.

​اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِلْمُسْلِمِينَ وَالمُسْلِمَاتِ، وَالمُؤْمِنِينَ وَالمُؤْمِنَاتِ، الأَحْيَاءِ مِنْهُمْ وَالأَمْوَاتِ، إِنَّكَ سَمِيعٌ قَرِيبٌ مُجِيبُ الدَّعَوَاتِ.

​اللَّهُمَّ اجْعَلْنَا مِمَّنْ هَجَرَ المَعَاصِي وَالذُّنُوبَ، وَتَابَ إِلَيْكَ فَقَبِلْتَ تَوْبَتَهُ، وَاغْفِرْ لَنَا مَا قَدَّمْنَا وَمَا أَخَّرْنَا، وَمَا أَسْرَرْنَا وَمَا أَعْلَنَّا.

​اللَّهُمَّ وَفِّقْ أَبْنَاءَنَا وَبَنَاتِنَا فِي الِامْتِحَانَاتِ، وَاهْدِهِمْ سُبُلَ الرَّشَادِ، وَارْزُقْهُمُ الصِّدْقَ وَالأَمَانَةَ، وَأَعِذْهُمْ مِنَ الغِشِّ وَالخِيَانَةِ.

​اللَّهُمَّ بَارِكْ لَنَا فِي أَعْمَالِنَا وَأَرْزَاقِنَا، وَاجْعَلْ كَسْبَنَا حَلَالًا طَيِّبًا، وَأَعِنَّا عَلَى طَاعَتِكَ وَحُسْنِ عِبَادَتِكَ.

​﴿رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾ [البَقَرَةُ: ٢٠١].

​عِبَادَ اللَّهِ: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَىٰ وَيَنْهَىٰ عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ ۚ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ [النَّحْلُ: ٩٠].

​اذْكُرُوا اللَّهَ العَظِيمَ يَذْكُرْكُمْ، وَاشْكُرُوهُ عَلَى نِعَمِهِ يَزِدْكُمْ، وَأَقِمِ الصَّلَاةَ.  

google-playkhamsatmostaqltradent