فقه الهجرة إلى الله تعالى.
أما بعد.. فإن الهجرة ليست حدثا تاريخيا
يُذكر في صفحات السيرة فحسب، بل هي منهج حياة يتجدد في كل زمان ومكان.
فالمؤمن مطالب بأن يهاجر بقلبه إلى الله،
وبطاعته إلى مرضاة الله، وأن يترك ما نهى الله عنه ابتغاء وجهه الكريم، ومن هنا كان
حديثنا اليوم عن: فقه الهجرة إلى الله، لنتعرف على حقيقتها، وفضلها، وكيف يحقق المسلم
هذا المعنى في حياته اليومية.
محاور الخطبة:
- أسباب الهجرة.
- الدروس المستفادة من الهجرة.
المحور الأول- ما أسباب الهجرة من مكة إلى
المدينة:
لم يكن سبب الهجرة طلب دنيا، ولا فرارا
من مسؤولية الدعوة، وإنما كانت تنفيذا لأمر الله تعالى، من الأسباب المباشرة للهجرة
النبوية إلى المدينة:
١ -اشتداد أذى قريش للمسلمين وتعذيبهم ومحاولة
صدهم عن دينهم، بعد أن مكث النبي ﷺ ثلاث عشرة سنة في مكة يدعو إلى الله تعالى،
ويبلغ رسالة ربه، لقي هو وأصحابه ألوانا من الأذى والاضطهاد والتكذيب، فجاء الأمر الإلهي
بالهجرة.
٢ - مبايعة أهل المدينة (الأنصار) للنبي ﷺ واستعدادهم لنصرته وحمايته.
- مؤامرة قريش لقتل النبي ﷺ بعد اجتماعهم في دار الندوة واتفاقهم على
اغتياله، قال تعالى: ﴿وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ
يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ﴾
[الأنفال: 30].
فهذه الأسباب عجّلت بوقوع الهجرة وأدت إلى
انتقال المسلمين من مكة إلى المدينة لإقامة مجتمعهم ودولتهم.
المحور الثاني- الدروس المستفادة من الهجرة:
١- الدرس الأول- التضحية من أجل الدين والوطن:
فالنبي ﷺ وأصحابه تركوا الأهل والمال والوطن حين
أصبح البقاء سببا في التضييق على دينهم.
فمن أراد نصرة دينه وإصلاح نفسه فليصبر
على الطاعة، وليثق بوعد الله، وليعلم أن من ترك شيئا لله عوضه الله خيرا منه، وأن العاقبة
للمتقين، قال تعالى:"وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجًا وَيَرْزُقْهُ
مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ"(الطلاق: 2-3].
الدرس_المستفاد: وفي واقعنا المعاصر، لا
تزال هذه القيمة حاضرة بأشكال مختلفة، فالتضحية اليوم قد تكون في الالتزام بالأخلاق
والمبادئ رغم ضغوط الفساد، أو في خدمة المجتمع والدفاع عن استقراره، أو في العمل الجاد
الذي ينهض بالوطن ويحميه من التراجع.
٢- الدرس الثاني- الصحبة الصالحة من أسباب
الثبات والنجاة:
فالنبي ﷺ وهو أكمل الناس إيمانا وأعظمهم توكلا على
الله، اختار في رحلة الهجرة (صاحبا يرافقه ويؤازره)، فوقع الاختيار على سيدنا أبي بكر
الصديق رضي الله عنه.
وقد كان سيدنا أبو بكر رضي الله عنه يتمنى
هذه الصحبة المباركة، حتى إنه أعد راحلتين قبل الهجرة انتظارا لأمر الله، فلما جاء
النبي ﷺ إلى بيته يخبره بالهجرة، قال سيدنا أبو
بكر رضي الله عنه: «الصُّحْبَةَ يا رسول الله؟» قال: «الصُّحْبَةَ»، تقول أم المؤمنين
عائشة رضي الله عنها: «فوالله ما شعرتُ قط قبل ذلك اليوم أن أحدا يبكي من الفرح حتى
رأيت أبا بكر يومئذ يبكي» رواه البخاري.
#الدرس_المستفاد: المؤمن يحتاج إلى الصحبة
الصالحة التي تعينه على طاعة الله، وتثبته عند الشدائد، وتقوده إلى الخير في الدنيا
والآخرة، كما قال النبي ﷺ: «المرء على دين خليله، فلينظر أحدكم من
يخالل» رواه أبو داود والترمذي.
٣- الدرس الثالث- التخطيط الجيد طريق لكل نجاح:
إليك أبرز ملامح هذه الخطة:
- السرية التامة: لم يعلن النبي عن موعد الهجرة
ولا مسارها إلا لأبي بكر الصديق رضي الله عنه، مع الحفاظ على سرية التجهيز.
- التمويه وخداع العدو: عندما قررت قريش اغتيال
النبي، نام الإمام علي بن أبي طالب في فراش النبي، بينما خرج النبي ﷺ وأبو بكر في أول الليل متجاوزين حصار المشركين.
- اختيار وجهة ومسار عكسيي: بدلا من اتجاه
المدينة المنورة (شمال مكة)، سلك النبي وأبو بكر طريقا معترضا نحو اليمن (جنوب مكة)،
واختبأ في (غار ثور) مدة ثلاثة أيام.
- توزيع الأدوار وإدارة الموارد: (سيدنا أبو
بكر): الصاحب في الهجرة، (عبد الله بن أبي بكر) كان يستمع لأخبار قريش وينقلها لهما
ليلا، (أسماء بنت أبي بكر) كانت تتولى توفير الطعام وإيصاله للغار، (عامر بن فهيرة)
كان يرعى الأغنام حول الغار لإخفاء الآثار بالأقدام وتوفير الحليب، (عبد الله بن أريقط)
خبيرا ودليلا لطرق الصحراء.
#الدرس_المستفاد: أن النجاح في شؤون الدين
والدنيا يحتاج إلى تخطيط وإعداد وأخذ بالأسباب، فلا يعتمد المسلم على الأماني وحدها،
فالطالب يخطط لدراسته، والتاجر لتجارته، والداعية لدعوته، ثم بعد ذلك يفوض الأمر إلى
الله تعالى، مقتديا برسول الله ﷺ الذي جمع بين كمال التوكل وحسن التدبير.
الدرس الرابع- التوكل على الله طريق النجاة:
فحين اجتمعت قريش في دار الندوة واتفقت
على اغتيال النبي ﷺ، لم يواجه ذلك بالتهور أو الاستسلام، بل
أخذ بكل الأسباب الممكنة، فأمر علي بن أبي طالب أن يبيت في فراشه ليُوهم المشركين أن
النبي ﷺ ما زال في بيته.
ثم خرج ﷺ من بين صفوف المشركين الذين أحاطوا بالدار،
فأعماه الله عن أبصارهم، قال تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا مِن بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا وَمِنْ
خَلْفِهِمْ سَدًّا فَأَغْشَيْنَاهُمْ فَهُمْ لَا يُبْصِرُونَ﴾ [يس: 9].
#الدرس_المستفاد: أن التوكل على الله لا
يعني ترك الأسباب،بل الأخذ بالأسباب مع صدق الاعتماد على رب الأرباب، فالطالب يذاكر
ثم يتوكل، ومن أراد الزواج يبحث عن الزوج أو الزوجة الصالحة ثم يتوكل، ومن أراد النجاح
في عمله يخطط ويجتهد ثم يتوكل على الله.
الدرس الخامس- قدرة الله فوق كل قدرة:
أيها الأحبة.. لما خرج النبي ﷺ وصاحبه أبو بكر رضي الله عنه متجهين إلى
غار ثور، جنَّدت قريش كل طاقتها للبحث عنهما، وأغلقت الطرق، وأرسلت الفرسان في كل اتجاه،
وجعلت جائزة كبيرة لمن يأتي بمحمد ﷺ وصاحبه.
وبعد أيام من المطاردة وصل بعض المشركين
إلى باب الغار نفسه، حتى إن أقدامهم كانت فوق رؤوس النبي ﷺ وأبي بكر رضي الله عنه، عندها قال سيدنا
أبو بكر رضي الله عنه: يا رسول الله، لو أن أحدهم نظر تحت قدميه لأبصرنا، فقال النبي
ﷺ في يقين المؤمن الواثق بربه: «ما ظنك باثنين
الله ثالثهما» متفق عليه.
وفي هذه اللحظات العصيبة نزل قول الله تعالى:
﴿إِلَّا تَنصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثَانِيَ
اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ
مَعَنَا ۖ فَأَنزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَّمْ تَرَوْهَا
وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلَىٰ ۗ وَكَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا
ۗ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ [التوبة: 40].
#الدرس_المستفاد: إذا تولى الله عبده كفاه
من كل ما يخاف، فمهما اشتدت الأزمات المالية، والمعيشية، والأسرية، وتعقدت الأسباب،
وأغلق الناس الأبواب، فإن قدرة الله فوق كل قدرة، وتدبيره فوق كل تدبير، وفرجه يأتي
من حيث لا يحتسب العبد.
الدرس السادس- الصديق قبل الطريق:
أيها الأحبة.. ضرب سيدنا أبو بكر الصديق
رضي الله عنه أروع الأمثلة في الوفاء والمحبة والتضحية مع رسول الله ﷺ.
فلما وصلا إلى (غار ثور) دخل سيدنا أبو
بكر أولا ليتفقد الغار وينظفه، خشية أن يكون فيه ما يؤذي رسول الله ﷺ، وكان أثناء السير يمشي مرة أمام النبي
ﷺ ومرة خلفه، ومرة عن يمينه ومرة عن شماله،
فلما سأله النبي ﷺ
قال: أذكر الطلب فأمشي خلفك، ثم أذكر الرصد فأمشي أمامك، خوفا عليك يا رسول
الله.
#الدرس_المستفاد: في زمن كثرت فيه العلاقات
وضعفت فيه الصداقات الحقيقية، تعلمنا الهجرة أن نبحث عن الصديق الذي يعيننا على طاعة
الله، ويقف معنا وقت الشدة، ويصدقنا النصح، ويحب لنا الخير كما يحبه لنفسه.
الدرس السابع- مشارف المدينة فرحة الاستقبال
ونزول البركة:
أيها الأحبة.. لما اقترب النبي ﷺ من مشارف المدينة، خرج أهلها رجالا ونساء
وأطفالا يستقبلون رسول الله ﷺ بفرح عظيم وبهجة لم تعرفها المدينة من
قبل، وقد علت أصواتهم بالترحيب: (طلع البدر علينا من ثنيات الوداع).
وكانت الأنصار يتشرفون بأن ينزل النبي ﷺ عندهم، كل يمسك بزمام ناقته يقول: هلمَّ
إلى العدد والعدة، إلى القوة والمنعة، فيقول النبي ﷺ: «دعُوها فإنها مأمورة» رواه البخاري.
فتركت الناقة حرة تمشي بأمر الله، حتى بركت
في موضع مسجد النبي ﷺ اليوم، ثم قامت ثم رجعت فبركت في المكان
الذي فيه بيت أبي أيوب الأنصاري رضي الله عنه، فنزل النبي ﷺ عنده.
#الدرس_المستفاد: استقبال الأنصار للنبي
ﷺ دليلا على عظيم محبتهم لله ورسوله، وأن
من صدق في نصرة دين الله أكرمه الله بنصره وتمكينه، كما أكرم أهل المدينة بقدوم خير
الخلق ﷺ.
الخطبة الثانية
الدرس الثامن- نور الصدق في وجه النبي ﷺ سببٌ للهداية السريعة:
أيها الأحبة.. لما وصل النبي ﷺ إلى المدينة، استقبله الأنصار استقبالا
لم تعرفه البشرية من قبل، فرحا ومحبة وتعظيمًا لنبيهم ﷺ.
وكان من أوائل من شهد هذا الموقف الجليل،
سيدنا عبد الله بن سلام رضي الله عنه، وكان من أحبار اليهود، يقول عبد الله بن سلام
رضي الله عنه: «لما قدم رسول الله ﷺ المدينة انجفل الناس إليه، فقيل: قد قدم
رسول الله، فجئت في الناس لأنظر إليه، فلما استثبتُّ وجه رسول الله ﷺ عرفت أن وجهه ليس بوجه كذاب» رواه الترمذي.
#الدرس_المستفاد: أن الحق إذا تجلّى ظهر
نوره، وأن الصدق دليل النبوة، وأن القلوب السليمة إذا رأت الحق عرفته دون تردد
الدرس التاسع- بناء المجتمع يقوم على تقوية
الروابط الاجتماعية:
أيها الأحبة.. لما استقر النبي ﷺ في المدينة، بدأ في بناء المجتمع على أسس
الإيمان والأخلاق، فكانت أول وصاياه الجامعة التي تُصلح القلوب وتشيع المحبة بين الناس.
قال رسول الله ﷺ: «أيها الناس، أفشوا السلام، وأطعموا الطعام،
وصلّوا بالليل والناس نيام، تدخلوا الجنة بسلام» رواه الترمذي.
#الدرس_المستفاد: أن بناء المجتمعات لا يقوم
على الشعارات، بل على الأخلاق العملية:
- فإفشاء السلام يكون بنشر التحية بين الناس
في البيوت والأسواق والعمل، وكسر الجفوة والقطيعة، وإشاعة الأمان بين القلوب.
- وإطعام الطعام يظهر في تفقد الفقراء والمحتاجين،
ومساندة الأسر الضعيفة، والمشاركة في إطعام الجائعين في حدود الاستطاعة.
- وصلة الأرحام من أعظم صور هذا التطبيق،
وذلك بزيارة الأقارب، والسؤال عنهم، ومواساتهم في أفراحهم وأتراحهم، وإزالة أسباب القطيعة
والجفاء.
- وأما قيام الليل فهو سرّ العلاقة بين العبد
وربه، يورث الطمأنينة والثبات، ويصلح القلب في زمن كثرت فيه الفتن والانشغالات.
فمن طبق هذه المعاني في حياته صار عنصر
صلاح في مجتمعه، وبنى لنفسه طريقًا إلى الجنة، كما وعد النبي ﷺ: «تدخلوا الجنة بسلام». عرض أقل