الهجرة النبوية: دروس وعبر .
الحمد لله الذي جعل الهجرة فاصلاً بين الحق
والباطل، وميقاتاً للأمة تُؤرِّخ به لمجدها وعزتها، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده
لا شريك له، جعل للمؤمنين في هجرة نبيه ﷺ أسوةً حسنة، ومناراً يضيء دروب الحيرة
والظلمة، وأشهد أن محمداً عبد الله ورسوله، هاجر من مكة إلى المدينة، فأسس بها دولة
التوحيد، وأرسى دعائم العدل والتمكين.
أما بعد:
أيها الإخوة الفضلاء،
إنَّ الهجرة النبوية نقطة تحولٍ مفصلية
في مسار الدعوة الإسلامية، نقلت الأمة من طور الاستضعاف إلى طور التمكين، ومن الفردية
المبعثرة إلى كيانِ الدولة الراسخ. إنها رحلةٌ تجسدت فيها معاني التوكل الحقيقي على
الله، مع الأخذِ الكامل بالأسباب البشرية المحكمة، وهي قصةُ تضحيةٍ وفداء، وبذلٍ وعطاء،
سطرها خير البشر ﷺ وصحابته الكرام.
ويأتي حديثنا في المباحث التالية.
المبحث الأول: تعريف الهجرة ومكانتها في
الإسلام
تعريف الهجرة لغة وشرعًا
الهجرة في اللغة: الخروج من أرض إلى أرض،
وتركُ الشيءِ، ومنه قولهم: هَجَرَ فلانٌ الشيءَ إذا تركه.
وفي الشرع: مفارقة دار الكفر إلى دار الإسلام،
أو مفارقة ما نهى الله عنه. قال ابن الأثير -رحمه الله- في "النهاية في غريب الحديث":
«الهجرة: الخروج من أرض إلى أرض، وترك الأولى، والهجران: الترك». <النهاية في غريب
الحديث، ابن الأثير، مادة (هجر)>.
وقد اشتهرت الهجرة في الإسلام بهجرة النبي
-صلى الله عليه وسلم- وأصحابه من مكة المكرمة إلى المدينة المنورة، وهي الحدث الفاصل
الذي ميَّز الله به بين الحق والباطل، وجعله مبدأً للتاريخ الإسلامي.
فضل الهجرة في القرآن الكريم
لقد أثنى الله -عز وجل- على المهاجرين في
آيات كثيرة، ووعدهم بالأجر العظيم، فقال سبحانه: ﴿فَالَّذِينَ هَاجَرُوا وَأُخْرِجُوا
مِن دِيَارِهِمْ وَأُوذُوا فِي سَبِيلِي وَقَاتَلُوا وَقُتِلُوا لَأُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ
سَيِّئَاتِهِمْ وَلَأُدْخِلَنَّهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ ثَوَابًا
مِّنْ عِندِ اللَّهِ وَاللَّهُ عِندَهُ حُسْنُ الثَّوَابِ﴾ [آل عمران: 195].
وقال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا
وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ آوَوا وَنَصَرُوا أُولَٰئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ
حَقًّا لَّهُمْ مَّغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ﴾ [الأنفال: 74]. فجعل الهجرة مقترنة بالإيمان
والجهاد، وجعل أهلها من أهل المغفرة والرزق الكريم.
كما قال عز وجل: ﴿وَمَن يُهَاجِرْ فِي سَبِيلِ
اللَّهِ يَجِدْ فِي الْأَرْضِ مُرَاغَمًا كَثِيرًا وَسَعَةً﴾ [النساء: 100]، أي يجد
متحولًا ومتسعًا من أمره، ورزقًا واسعًا.
● مكانتها في السنة والتاريخ
لم تكن الهجرة النبوية مجرد انتقال مكاني،
بل كانت تحوُّلاً تاريخيًّا للدعوة الإسلامية، إذ تحول المسلمون بها من الاستضعاف إلى
القوة، ومن الفردية إلى بناء الدولة.
وقد جعل الصحابة -رضوان الله عليهم- هذا
الحدث مبدأً لتاريخهم،
قال الحافظ ابن كثير في "البداية والنهاية":
«إن الهجرة كانت فاتحة خير عظيم على الإسلام وأهله، إذ صارت بها كلمة الله هي العليا».
<البداية والنهاية، ابن كثير، 4/168، ط. دار هجر، 1998>.
المبحث الثاني: أحداث الهجرة الكبرى – رواية
شاملة
الرواية المطولة من حديث عائشة رضي الله
عنها
جاء في الموسوعة التاريخية لدرر السنية،
عن عائشةَ رضي الله عنها قالت: قال النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم للمُسلمين: «إنِّي
أُريتُ دارَ هِجرتِكُم ذاتَ نَخلٍ بين لابَتَيْنِ». وهُما الحَرَّتانِ، فهاجر مَن هاجر
قِبَلَ المدينةِ، ورجع عامَّةُ مَن كان هاجر بأرضِ الحَبشةِ إلى المدينةِ، وتَجهَّز
أبو بكرٍ قِبَلَ المدينةِ، فقال له رسولُ الله صلى الله عليه وسلم: «على رِسْلِكَ،
فإنِّي أرجو أن يُؤذنَ لي». فقال أبو بكرٍ: وهل ترجو ذلك بأبي أنت؟ قال: «نعم». فحبَس
أبو بكرٍ نَفْسَهُ على رسولِ الله صلى الله عليه وسلم لِيصحبَهُ، وعلَف راحِلتينِ كانتا
عنده وَرَقَ السَّمُرِ -وهو الخَبَطُ- أربعةَ أَشهُرٍ. قال ابنُ شهابٍ: قال عُروةُ:
قالت عائشةُ: فبينما نحن يومًا جُلوسٌ في بيتِ أبي بكرٍ في نَحْرِ الظَّهيرةِ، قال
قائلٌ لأبي بكرٍ: هذا رسولُ الله صلى الله عليه وسلم مُتقنِّعًا، في ساعةٍ لم يكن يأتينا
فيها، فقال أبو بكرٍ: فِداءٌ له أبي وأمِّي، والله ما جاء به في هذه السَّاعةِ إلَّا
أَمْرٌ، قالت: فجاء رسولُ الله صلَّى الله عليه وسلَّم فاسْتأذَن، فأُذِنَ له فدخل،
فقال النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم لأبي بكرٍ: «أَخْرِجْ مَن عندك». فقال أبو بكرٍ:
إنَّما هُم أَهلُك، بأبي أنت يا رسولَ الله. قال: «فإنِّي قد أُذِنَ لي في الخُروجِ».
فقال أبو بكرٍ: الصُّحبة بأبي أنت يا رسولَ الله؟ قال رسولُ الله صلى الله عليه وسلم:
«نعم». قال أبو بكرٍ: فَخُذْ -بأبي أنت يا رسولَ الله- إحدى راحِلَتي هاتينِ، قال رسولُ
الله صلى الله عليه وسلم: «بالثَّمنِ». قالت عائشةُ: فجَهَّزناهُما أَحثَّ الجِهازِ،
وصنعنا لهُما سُفْرَةً في جِرابٍ، فقطعتْ أسماءُ بنتُ أبي بكرٍ قِطعةً مِن نِطاقِها
فربطتْ به على فَمِ الجِرابِ، فبذلك سُمِّيت: ذاتَ النِّطاقينِ. قالت: ثمَّ لَحِقَ
رسولُ الله صلى الله عليه وسلم وأبو بكرٍ بِغارٍ في جبلِ ثَوْرٍ، فَكَمَنَا فيه ثلاثَ
ليالٍ، يَبيتُ عندهما عبدُ الله بنُ أبي بكرٍ، وهو غلامُ شابٌّ، ثَقِفٌ لَقِنٌ، فَيُدْلِجُ
مِن عندهِما بِسَحَرٍ، فيُصبحُ مع قُريشٍ بمكَّةَ كَبائِتٍ، فلا يسمعُ أمرًا، يُكتادانِ
به إلَّا وعاهُ، حتَّى يأتيَهُما بخبرِ ذلك حين يَختلِطُ الظَّلامُ، ويَرعى عليهِما
عامرُ بنُ فُهيرةَ، مولى أبي بكرٍ مِنْحَةً مِن غَنَمٍ، فيُريحُها عليهِما حين تَذهبُ
ساعةٌ مِنَ العِشاءِ، فيَبيتانِ في رِسْلٍ، وهو لبنُ مِنْحَتِهِما ورَضِيفِهِما، حتَّى
يَنْعِقَ بها عامرُ بنُ فُهيرةَ بِغَلَسٍ، يفعلُ ذلك في كُلِّ ليلةٍ مِن تلك اللَّيالي
الثَّلاثِ، واسْتأجر رسولُ الله صلى الله عليه وسلم وأبو بكرٍ رجلًا مِن بني الدِّيلِ،
وهو مِن بني عبدِ بنِ عَدِيٍّ، هادِيًا خِرِّيتًا -والخِرِّيتُ الماهرُ بالهِدايةِ-
قد غَمَسَ حِلْفًا في آلِ العاصِ بنِ وائلٍ السَّهميِّ، وهو على دينِ كُفَّارِ قُريشٍ،
فأَمِناهُ فدَفعا إليه راحِلَتَيْهِما، وواعَداهُ غارَ ثَوْرٍ بعدَ ثلاثِ ليالٍ، بِراحِلَتيهِما
صُبْحَ ثلاثٍ، وانطلق معهما عامرُ بنُ فُهيرةَ والدَّليلُ، فأخذ بهم طريقَ السَّواحلِ.
قال: سُراقةُ بنُ جُعْشُمٍ: جاءنا رُسُلُ كُفَّارِ قُريشٍ، يجعلون في رسولِ الله صلى
الله عليه وسلم وأبي بكرٍ، دِيَةَ كُلِّ واحدٍ منهما، مَن قَتلهُ أو أَسَرهُ، فبينما
أنا جالسٌ في مجلسٍ مِن مجالسِ قَومي بني مُدْلِجٍ، أقبل رجلٌ منهم حتَّى قام علينا
ونحن جُلوسٌ، فقال يا سُراقةُ: إنِّي قد رأيتُ آنفًا أَسْوِدَةً بالسَّاحلِ، أُراها
محمَّدًا وأصحابَه، قال سُراقةُ: فعرَفتُ أنَّهم هُم، فقلتُ له: إنَّهم لَيسوا بهِم،
ولكنَّك رأيتَ فُلانًا وفُلانًا، انطلَقوا بِأَعْيُنِنا، ثمَّ لَبِثْتُ في المجلسِ
ساعةً، ثمَّ قمتُ فدخلتُ فأمرتُ جاريتي أن تَخرُجَ بفَرسي، وهي مِن وراءِ أَكَمَةٍ،
فتَحبِسَها عليَّ، وأخذتُ رُمحي، فخرجتُ به مِن ظَهرِ البيتِ، فَحَطَطْتُ بِزُجِّهِ
الأرضَ، وخَفضتُ عالِيَهُ، حتَّى أتيتُ فَرسي فركِبتُها، فرفَعتُها تُقَرِّبُ بي، حتَّى
دَنوتُ منهم، فعَثَرَتْ بي فَرسي، فخَررتُ عنها، فقمتُ فأَهويتُ يدي إلى كِنانتي، فاسْتخرجتُ
منها الأَزلامَ فاسْتقسَمتُ بها: أَضرُّهُم أم لا، فخرج الذي أَكرهُ، فركِبتُ فَرسي،
وعصيتُ الأَزلامَ، تُقَرِّبُ بي حتَّى إذا سمعتُ قِراءةَ رسولِ الله صلى الله عليه
وسلم، وهو لا يَلتفتُ، وأبو بكرٍ يُكثِرُ الالتِفاتَ، ساختْ يَدا فَرسي في الأرضِ،
حتَّى بَلغتا الرُّكبَتينِ، فخررتُ عنها، ثمَّ زجرتُها فنهَضتْ، فلم تكدْ تُخرِجُ يدَيها،
فلمَّا استوت قائمةً إذا لِأثَرِ يدَيها عُثانٌ ساطعٌ في السَّماءِ مِثلُ الدُّخانِ،
فاسْتقسَمتُ بالأَزلامِ، فخرج الذي أَكرهُ، فنادَيتُهم بالأَمانِ فوقفوا، فركِبتُ فَرسي
حتَّى جِئتُهم، ووقع في نفسي حين لَقِيتُ ما لَقِيتُ مِنَ الحَبسِ عنهم أن سَيظهرُ
أَمْرُ رسولِ الله صلى الله عليه وسلم، فقلتُ له: إنَّ قومَك قد جعلوا فيك الدِّيةَ،
وأخبرتُهم أخبارَ ما يُريدُ النَّاسُ بهِم، وعرضتُ عليهم الزَّادَ والمتاعَ، فلم يَرْزآني
ولم يَسألاني، إلَّا أن قال: «أَخْفِ عَنَّا». فسألتُه أن يَكتُبَ لي كتابَ أَمْنٍ،
فأمر عامرَ بنَ فُهيرةَ فكتب في رُقعةٍ مِن أَديمٍ، ثمَّ مَضى رسولُ الله صلى الله
عليه وسلم. وعن عُروةَ بنِ الزُّبيرِ: أنَّ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم لَقِيَ الزُّبيرَ
في رَكْبٍ مِنَ المسلمين، كانوا تُجَّارًا قافِلين مِن الشَّأْمِ، فكَسا الزُّبيرُ
رسولَ الله صلى الله عليه وسلم وأبا بكرٍ ثِيابَ بَياضٍ، وسمِع المسلمون بالمدينةِ
مَخرجَ رسولِ الله صلى الله عليه وسلم مِن مكَّةَ، فكانوا يَغدون كُلَّ غَداةٍ إلى
الحَرَّةِ، فيَنتظِرونَهُ حتَّى يَرُدَّهُم حَرُّ الظَّهيرةِ، فانقلبوا يومًا بعد ما
أطالوا انتظارَهُم، فلمَّا أَوَوْا إلى بُيوتِهم، أَوفى رجلٌ مِن يَهودَ على أُطُمٍ
مِن آطامِهِم، لِأَمْرٍ يَنظرُ إليه، فبصر برسولِ الله صلى الله عليه وسلم وأصحابِه
مُبَيَّضِين يَزولُ بهِم السَّرابُ، فلم يملِك اليَهوديُّ أن قال بأعلى صوتِه: يا مَعاشِرَ
العربِ، هذا جَدُّكُم الذي تَنتظِرون، فثار المسلمون إلى السِّلاحِ، فتَلَقَّوْا رسولَ
الله صلى الله عليه وسلم بظَهْرِ الحَرَّةِ، فعَدل بهِم ذاتَ اليمينِ، حتَّى نزل بهِم
في بني عَمرِو بنِ عَوفٍ، وذلك يومَ الاثنينِ مِن شهرِ ربيعٍ الأوَّلِ، فقام أبو بكرٍ
للنَّاسِ، وجلس رسولُ الله صلى الله عليه وسلم صامتًا، فطَفِقَ مَن جاء مِنَ الأنصارِ
-ممَّن لم يَرَ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم- يُحَيِّي أبا بكرٍ، حتَّى أصابتِ الشَّمسُ
رسولَ الله صلى الله عليه وسلم، فأقبل أبو بكرٍ حتَّى ظَلَّلَ عليه بِردائِه، فعرَف
النَّاسُ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم عند ذلك. <الموسوعة التاريخية لدرر السنية>
قصة أم معبد ووصفها للنبي -صلى الله عليه
وسلم-
من أجمع الروايات وأدقها في وصف النبي
-صلى الله عليه وسلم- ما جاء عن أم معبد -رضي الله عنها-، فقد روى الحافظ البغوي في
"شرح السنة" وغيره، بإسناد مشهور: أن أم معبد الخزاعية -وكانت امرأة برزة،
تحتبي بفناء الخيمة، تسقي وتطعم- مرَّ بها رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ومعه أبو
بكر وعامر بن فهيرة ودليلهم عبد الله بن أريقط، وهم مهاجرون، فسألوها لحمًا وتمرًا،
فلم يجدوا عندها شيئًا، وكان القوم مرملين مسنتين. فنظر النبي -صلى الله عليه وسلم-
إلى شاة في كسر الخيمة، فقال: «ما هذه الشاة يا أم معبد؟» قالت: شاة خلفها الجهد عن
الغنم (أي هزيلة لا تقدر على المشي مع الغنم للرعي). قال: «هل بها من لبن؟» قالت: هي
أجهد من ذلك. قال: «أتأذنين لي أن أحلبها؟» قالت: بأبي أنت وأمي، إن رأيت بها حلبًا
فاحلبها. فدعا بها رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، فمسح بيده ضرعها، وسمى الله، ودعا
لها في شاتها، فتفاجت عليه، ودرَّت واجترَّت، فدعا بإناء يربض الرهط، فحلب فيه ثجًّا
حتى علاه البهاء، ثم سقاها حتى رويت، وسقى أصحابه حتى رووا، ثم شرب آخرهم. ثم حلب فيه
ثانيًا حتى ملأ الإناء، وغادره عندها، وبايعها وارتحلوا.
ولما عاد زوجها أبو معبد ورأى اللبن، سألها،
فقالت: مرَّ بنا رجل مبارك. قال: صفيه لي يا أم معبد. فوصفته وصفًا بليغًا، قالت:
«رأيت رجلًا ظاهر الوضاءة، أبلج الوجه، لم تعبه فجلة، ولم تزر به صقلة، وسيم قسيم،
في عينيه دعج، وفي أشفاره وطف، وفي صوته صحل، وفي عنقه سطع، وفي لحيته كثاثة، أزج أقرن،
إن صمت علاه الوقار، وإن تكلم سما وعلاه البهاء، أجمل الناس وأبهاه من بعيد، وأجلاه
وأحسنه من قريب، حلو المنطق، فصل لا نزر ولا هذر، كأن منطقه خرزات نظم يتحدرن، ربعة
لا يأس من طول، ولا تقتحمه عين من قصر، غصن بين غصنين، فهو أنضر الثلاثة منظرًا وأحسنهم
قدرًا، له رفقاء يحفون به، إن قال أنصتوا لقوله، وإن أمر تبادروا لأمره، محشود محفود،
لا عابس ولا مفند». فقال أبو معبد: هو والله صاحب قريش الذي ذكر لنا من أمره ما ذكر
بمكة، ولقد هممت أن أصحبه، ولأفعلن إن وجدت إلى ذلك سبيلًا. <رواه البغوي في
"شرح السنة"، وفي "الأنوار في شمائل النبي المختار"، وخرجه الحاكم
في المستدرك، وقال ابن كثير: إنه مشهور ومروي من طرق يشد بعضها بعضًا>
المبحث الثالث: التخطيط الإلهي والتدبير
البشري في الهجرة
وحي الإذن بالهجرة
لم تكن الهجرة اجتهادًا بشريًا فحسب، بل
كانت بأمر الله وإذنه. قال تعالى: ﴿إِلَّا تَنصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إِذْ
أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ
لِصَاحِبِهِ لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا فَأَنزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ
وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَّمْ تَرَوْهَا وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلَىٰ
وَكَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ [التوبة: 40]. فالله
-عز وجل- هو الذي أذن له بالخروج، وحماه بنصره وتأييده. وجاء الإذن بعد أن اشتد أذى
قريش، وعقدوا مؤتمرًا للتآمر على قتله -صلى الله عليه وسلم-، يقول سبحانه: ﴿وَإِذْ
يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ
وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ﴾ [الأنفال: 30].
اختيار الرفيق والدليل
لما أذن الله لنبيه بالهجرة، أخذ -صلى الله
عليه وسلم- بالأسباب كلها؛ فانتظر أن يختار صاحبًا أمينًا، فكان أبو بكر الصديق -رضي
الله عنه-، الذي حبس نفسه أربعة أشهر ينتظر الإذن.
وفي هذا بيان أن صلاح الرفيق من أعظم أسباب
النجاح؛ فقد كان أبو بكر مثالًا للوفاء والبذل، جهز الراحلتين، وأعد الزاد، ورافق النبي
-صلى الله عليه وسلم- في الغار وفي الطريق، متحملًا المخاطر. ثم اختار النبي -صلى الله
عليه وسلم- دليلًا ماهرًا بالطريق هو عبد الله بن أريقط الليثي، وكان خريتًا، على دين
قريش، لكنه أمين في صنعته، فاستأجره وأمنه، وانطلقوا به.
خطة الخروج والتمويه
تميزت خطة الهجرة بالدقة والإحكام؛ إذ أمر
النبي -صلى الله عليه وسلم- عليَّ بن أبي طالب أن يبيت في فراشه ليلة الخروج، ليظن
المشركون أنه لا يزال في بيته، وليؤدي عنه الأمانات التي كانت عند قريش.
وخرج النبي -صلى الله عليه وسلم- في الظهيرة
في ساعة لم يكن يأتي فيها بيت أبي بكر، ثم خرجا من خوخة في ظهر البيت إلى الغار جنوب
مكة، عكس طريق المدينة، تمويهًا على القوم.
وكل هذه الإجراءات تؤكد أن الأخذ بالأسباب
الحسية مع التوكل على الله من صميم هذا الدين، وأن القيادة الناجحة تخطط ولا تترك الأمور
للصدفة.
دور علي بن أبي طالب -رضي الله عنه-
لقد سجَّل عليٌّ -رضي الله عنه- أول موقف
فدائي في الإسلام حين نام في فراش النبي -صلى الله عليه وسلم- ليلة الهجرة، وهو يعلم
أن السيوف مصلتة على باب البيت، وأن المشركين قد يتوهمون أنه النبي فيقتلونه.
وقد أثنى الله على هذه التضحية بقوله:
﴿وَمِنَ النَّاسِ مَن يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ وَاللَّهُ رَءُوفٌ
بِالْعِبَادِ﴾ [البقرة: 207]، وقد أُمر أن يؤدي الأمانات إلى أهلها، مما يدل على أن
المسلم يؤدي الحقوق حتى لمن يعاديه في الدين.
المبحث الرابع: مظاهر العناية الربانية
والمعجزات
حماية الله لنبيه ليلة الخروج
اجتمع رؤساء قريش على باب بيته -صلى الله
عليه وسلم- يتربصون به، فخرج إليهم وقد أخذ حفنة من تراب، فجعل يذره على رؤوسهم وهو
يتلو: ﴿وَجَعَلْنَا مِن بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَدًّا فَأَغْشَيْنَاهُمْ
فَهُمْ لَا يُبْصِرُونَ﴾ [يس: 9]، فما شعروا به حتى خرج من بينهم سالمًا. وهذه معجزة
باهرة تدل على أن الله يكفي نبيه ويكلؤه بعينه التي لا تنام.
قصة الغار وسراقة بن مالك
لجأ النبي -صلى الله عليه وسلم- وصاحبه
إلى غار ثور، ومكثا ثلاث ليالٍ، يبيت عندهما عبد الله بن أبي بكر يتسمع الأخبار، ويرعى
عليهما عامر بن فهيرة الغنم ليعفي آثار الأقدام. ووصل المشركون إلى باب الغار، فقال
أبو بكر: يا رسول الله، لو أن أحدهم نظر إلى موقع قدميه لأبصرنا! فقال -صلى الله عليه
وسلم-: «يا أبا بكر، ما ظنك باثنين الله ثالثهما». فأنزل الله سكينته عليه، وأعمى عنهم
أبصار القوم. ثم جاء سراقة بن مالك يطلب الدية، فعثر به فرسه مرارًا، وفي ذلك يقول
الحافظ ابن حجر في "فتح الباري": «وفي قصة سراقة من المعجزات الظاهرة
...» <فتح الباري، ابن حجر، 7/290، دار المعرفة>. وقد كتب له النبي -صلى الله
عليه وسلم- كتاب أمن، وتحقق الوعد بعد سنوات حين لبس سراقة سواري كسرى زمن عمر -رضي
الله عنه-، دليلًا على أن وعد الله لا يتخلف.
بركات النبي في الشاة وقصة أم معبد
إن بركات النبي -صلى الله عليه وسلم- ظهرت
في شاة أم معبد الهزيلة التي درَّت لبنًا غزيرًا ببركة دعائه ومسحه، مما جعل أم معبد
وزوجها يؤمنان به. وهذا من معجزاته الحسية التي شهد بها العدو والصديق، وفيه تأكيد
على أن البركة في ذاته الشريفة، وأن من عامله بالصدق نال خيرًا.
المبحث الخامس: دور الصحابة الكرام في إنجاح
الهجرة
أبو بكر الصديق: الرفيق المثالي
- كان أبو بكر -رضي الله عنه- رفيق النبي
-صلى الله عليه وسلم- في الهجرة، فواكبه بماله ونفسه وأهله. قال -صلى الله عليه وسلم-:
«إن أمنَّ الناس عليَّ في صحبته وماله أبو بكر». <رواه البخاري، كتاب فضائل الصحابة>.
وكان يكثر الالتفات خوفًا على النبي، بينما النبي -صلى الله عليه وسلم- لا يلتفت، ثقة
بالله. وبهذا يتضح أن القدوة في الصحبة أن يكون الحب والتضحية متبادلين، وأن الصديق
الحق يذود عن صديقه.
عبد الله بن أبي بكر وعامر بن فهيرة: فريق
المعلومات والتموين
قام عبد الله بن أبي بكر بدور المخبر الذي
ينقل أخبار قريش إلى الغار، وكان شابًّا ثقفًا لَقِنًا، يبيت عندهما ثم يدلج إلى مكة
سحرًا فيصبح كبائت، فلا يسمع أمرًا إلا وعاه.
وأما عامر بن فهيرة، مولى أبي بكر، فكان
يرعى الغنم ليعفي آثار الأقدام، ويوفر اللبن. وهذا التكامل في الأدوار يبين أهمية العمل
الجماعي في الإسلام، وأن كلًّا يؤدي ما يحسنه.
أسماء بنت أبي بكر: ذات النطاقين
جاء في صحيح البخاري عن أسماء -رضي الله
عنها- قالت: «صنعت سفرة رسول الله -صلى الله عليه وسلم- في بيت أبي بكر، حين أراد أن
يهاجر إلى المدينة، قالت: فلم نجد لسفرته ولا لسقائه ما نربطهما به، فقلت لأبي بكر:
والله ما أجد شيئًا أربط به إلا نطاقي، قال: فشقيه باثنين، فاربطيه: بواحد السقاء،
وبالآخر السفرة، ففعلتُ، فلذلك سُمِّيتُ ذات النطاقين». <رواه البخاري، كتاب مناقب
الأنصار>.
وفي هذا الموقف درس للمرأة المسلمة في القيام
بدورها الإيماني، والمشاركة في الأحداث العظيمة بقدر استطاعتها، وأن خدمة الدعوة ليست
حكرًا على الرجال.
المبحث السادس: الدروس والعبر المستفادة
من الهجرة
.
الثقة بالله والتوكل عليه
أظهرت الهجرة أن الثقة بالله هي أعظم زاد
للمؤمن، فالنبي -صلى الله عليه وسلم- وهو في الغار مع صاحبه، والمشركون على باب الغار،
لم يضطرب، بل قال: «لا تحزن إن الله معنا»، قال ابن القيم في "زاد المعاد":
«هذا غاية التوكل والثقة بالله والاعتماد عليه، والشجاعة التامة». <زاد المعاد،
ابن القيم، 3/37، ط. الرسالة، 2015>. فعلينا أن نوقن أن الله معنا بالنصر والتأييد
ما دمنا على منهاجه.
التضحية والفداء في سبيل الله
- من أعظم الدروس أن الهجرة جاءت بعد تضحيات
جسيمة:
-
ترك الأوطان، والأموال، والأهل، كما فعل صهيب الرومي حين ترك ماله لقريش
مقابل أن يهاجر، فقال النبي -صلى الله عليه وسلم-: «ربح البيع أبا يحيى». <رواه
الحاكم وصححه>. فالمؤمن يضحي بما يحب لينال رضا ربه، ولن يضيع الله أجر من أحسن
عملًا.
الأخوة الإسلامية بين المهاجرين والأنصار .
- من أعظم ثمار الهجرة المؤاخاة التي عقدها
النبي -صلى الله عليه وسلم- بين المهاجرين والأنصار، حتى توارثوا، وآثروهم على أنفسهم،
قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِن قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ
مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِّمَّا أُوتُوا
وَيُؤْثِرُونَ عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ﴾ [الحشر: 9]. وفي
هذا درس للأمة في التآخي والتكافل، ونبذ العصبيات.
أهمية التخطيط والأخذ بالأسباب
- لم يعتمد النبي -صلى الله عليه وسلم- على
المعجزة وحدها، بل خطط وأعد العدة:
-
اختار الصاحب، والدليل، وطريقًا غير مألوف، واستخدم التمويه، ونظم المهام
بين أفراد الأسرة. وهذا يؤكد أن المسلم مطالب ببذل الأسباب، كما قال تعالى: ﴿وَأَعِدُّوا
لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ﴾ [الأنفال: 60].
دور المرأة والشباب
- أثبتت الهجرة أن المرأة عنصر فاعل في الدعوة،
فأسماء وعائشة كانتا حلقة وصل في تجهيز الراحلة والطعام.
والشباب كعلي وعبد الله بن أبي بكر قاموا
بأعمال فدائية واستخباراتية خطيرة، مما يدل على أن الدعوة تحتاج إلى كل الطاقات، وأن
لا عذر لأحد في القعود.
الصبر والثبات في المواقف الحرجة
كان صبر النبي -صلى الله عليه وسلم- والمهاجرين
في العهد المكي وفي الطريق موقفًا عظيمًا، وقد قال لهم: «صبرًا آل ياسر، فإن موعدكم
الجنة». <رواه الحاكم وصححه>. فالمؤمن يصبر على البلاء، ويوقن أن العاقبة للمتقين.
المبحث السابع: الهجرة في حياة المسلم المعاصر
مفهوم الهجرة الباقية: هجرة الذنوب
قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: «المسلم
من سلم المسلمون من لسانه ويده، والمهاجر من هجر ما نهى الله عنه». <رواه البخاري،
كتاب الإيمان>.
فالهجرة ليست مجرد انتقال جغرافي، بل هي
ترك لكل معصية، وهجران لكل ما يغضب الله، يقول القرطبي في تفسيره: «الهجرة في الشريعة:
مفارقة المعاصي». <الجامع لأحكام القرآن، القرطبي، 5/348، دار الكتب المصرية>.
فمن أراد أن يكون مهاجرًا حقًّا، فليهجر المحرمات، والشهوات المحرمة، والبدع، ومجالس
السوء، ويلزم الطاعة.
الهجرة بمعنى النهضة والتغيير
الهجرة تعني الانتقال من حال الضعف إلى
حال القوة، ومن الفردية إلى الجماعة، ومن التشتت إلى الوحدة.
وما أحوج الأمة اليوم إلى هجرة فكرية وسلوكية
تنقلها من واقع التخلف والفرقة إلى واقع العزة والتمكين. قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ
لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّىٰ يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ﴾ [الرعد: 11]. فعلينا
أن نهجر الفساد والظلم والكسل، ونعمل لبناء مجتمع إسلامي قوي، يقتدي بسيرة المهاجرين
والأنصار.
اعتماد التاريخ الهجري
من دروس الهجرة أن اعتماد التاريخ الهجري
ليس مجرد رقم، بل هو ارتباط بالهوية الإسلامية، وتميز عن الأمم الأخرى. وقد قال عمر
-رضي الله عنه- حين أرَّخ بالهجرة: «الهجرة فرقت بين الحق والباطل، فأرِّخوا بها».
<رواه ابن أبي شيبة في المصنف>. فينبغي للمسلمين أن يعتزوا بتاريخهم، وأن يستعملوه
في حياتهم اليومية، فذلك من تعظيم شعائر الله.
إن الهجرة النبوية مدرسة إيمانية متكاملة،
تغرس في النفوس معاني التوكل، والتضحية، والتخطيط، والأخوة، والصبر، والأمل. وهي ليست
حدثًا مضى، بل هي روح تنبض في كل مسلم يريد أن يغير واقع نفسه وأمته. فلنهاجر إلى الله
بقلوبنا وجوارحنا، ولنعمل على أن تكون حياتنا كلها هجرة من الباطل إلى الحق، ومن الظلمات
إلى النور، حتى يكتب الله لنا الفلاح في الدنيا والآخرة.