الرضا وترك التباهي
أما بعد، فإني أقدم لكم بين أيديكم خطبتي
الجمعة المباركة لهذا اليوم، مستعينًا بالله، راجيًا التوفيق والسداد.
اخترت لهما عنوانين عظيمين:
"الرضا وترك التباهي"،
"خطر إدمان السوشيال ميديا
على الأسرة"،
أسأل الله أن ينفع بها.
الخطبة الأولى (الرضا)
العناصر
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله،
وبعد:
فإن هذه الخطبة تقوم على عدة محاور:
1. قصة افتتاحية عن الرضا والتباهي: من دلائل
كمال الإيمان وسوء أخلاق النفوس في زمن الصحابة رضوان الله عليهم.
2. الرضا بقضاء الله: تعريفه ومنزلته، حقيقة
الرضا بالله ربًا وبالإسلام دينًا وبمحمد ﷺ نبيًا.
3. حقيقة الرضا: فضل الرضا على المؤمن، وأنه
لا يتم إلا بإيمان القضاء والقدر.
4. النهي عن الكبر والتباهي: ذم صفة الكبر
والتباهي في الإسلام، وأنها من صفات الشيطان والجبارين.
5. ثمرات التواضع: أن التواضع سبب للعزة والرفعة
عند الله، بينما الكبر والتباهي سبب للذل والهوان.
القصة الافتتاحية
أيها المسلمون، ورد أن أبا بكر الصديق رضي
الله عنه، وكان إمام المتقين، وخير الناس بعد الأنبياء، وذلك حين بويع بالخلافة بعد
وفاة النبي ﷺ، كانت له عادة في الجاهلية والإسلام، أنه
كان يحلب أغنام جيرانه وأهل الحي. وفي يوم من الأيام، سمعته جارية من الحي تقول:
"الآن لا يحلب لنا أغنامنا؛ فقد صار خليفة المسلمين". فما كان من الصديق
رضي الله عنه إلا أن أجابها قائلاً: "بلى، والله لأحلبنها لكم، وإني لأرجو ألا
يغيرني ما دخلت فيه عن خلق كنت عليه". ولم يكتفِ بذلك، بل كان يتمنى في خلواته
قائلاً: "وددت أني شعرة في جنب عبد مؤمن". هذا هو التواضع الكبير، وهذا هو
مقياس الرضا الحقيقي بقضاء الله، أما التباهي فهو من عمل الشيطان الذي يريد أن يبعد
الإنسان عن رضا ربه. نسأل الله أن يرزقنا قلوبًا متواضعة خاشعة.
شرح الخطبة
أولاً: تعريف الرضا ومنزلته:
الرضا هو طمأنينة القلب وسكونه إلى ما قسمه
الله وقدره، وهو تسليم الأمر لله عز وجل. وقد أمرنا الله عز وجل بهذه الصفة في كتابه
العزيز، قال تعالى: (رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ)
[المائدة: 119].
وقال سبحانه: (فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ
فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا) [الطور: 48].
فهذه الآيات تحث على الصبر والرضا والاستسلام
لحكم الله.
والرضا درجة عالية من درجات الإيمان، فهو
نتيجة للإيمان بالقضاء والقدر خيره وشره.
قال رسول الله ﷺ: "إن عظم الجزاء مع عظم البلاء، وإن
الله إذا أحب قومًا ابتلاهم، فمن رضي فله الرضا، ومن سخط فله السخط".
ثانيًا: حقيقة الرضا:
الرضا لا يعني الاستسلام للكسل أو التواكل،
بل هو أن يرضى العبد بقضاء الله وقدره في المصائب والمحن، مع السعي في الأسباب. يقول
الله تعالى: (وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا
شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ) [البقرة:
216].
وقد عاش الصحابة رضوان الله عليهم في هذه
الدنيا وهم راضون بقضاء الله، فقد أصيب معاوية رضي الله عنه في حجه فاطلع في بئر فأصابته
قوة، فدخل بيته وهو راضٍ وربط على عينيه عصابة سوداء، ثم خرج على الناس قائلاً:
"أيها الناس، إن ابن آدم بعرض بلاء، إما مبتلى ليؤجر، أو معاقب بذنب، وما أعتذر
من واحدة من ثلاث"، ثم قال: "فإن ابتليت فقد ابتلي الصالحون قبلي".
ثالثًا: النهي عن الكبر والتباهي:
إذا كان الرضا بقضاء الله يورث التواضع،
فإن الكبر والتباهي هما مكمن السخط والاعتراض على قدر الله، وهو صفة مهلكة.
قال رسول الله ﷺ: "لا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال
ذرة من كبر".
وقال عليه الصلاة والسلام: "إن الله
أوحى إليَّ أن تواضعوا حتى لا يفخر أحد على أحد، ولا يبغي أحد على أحد".
والتباهي هو اختلاق حال كمال غير موجود،
أو إظهار النعم وكأنها من عند غير الله، وهي صفة ذميمة يبغضها الله.
رابعًا: ثمرات التواضع والرضا:
التواضع والرضا هما اللذان يرفعان العبد
درجات عند ربه، ويجعلانه محبوبًا للخلق. قال رسول الله ﷺ: "من تواضع لله رفعه الله، فهو في
نفسه صغير، وفي أعين الناس عظيم". وقال تعالى: (وَتِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ
نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَلَا فَسَادًا وَالْعَاقِبَةُ
لِلْمُتَّقِينَ) [القصص: 83].
وأفضل الدعاء الذي يُعين على الرضا والتواضع:
"اللهم إني أعوذ بك من علم لا ينفع، ومن قلب لا يخشع، ومن نفس لا تشبع، ودعوة
لا يستجاب لها". اللهم ارزقنا قلبًا راضيًا بقضائك، متواضعًا لخلقك، واجعلنا من
عبادك الصابرين الشاكرين، اللهم آمين.
خامسًا: الخاتمة وأثر الصدقة:
وأذكركم أيها المؤمنون بأن الصدقة تطفئ
غضب الرب، وتزيد الإنسان تواضعًا ورضًا بقضاء الله، فتصدقوا ولو بقليل، فهي خير لكم
مما تتباهون به من أموال وجاه.
الخطبة الثانية (السوشيال ميديا)
العناصر
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله،
وبعد:
فهذه الخطبة تقوم على عدة محاور:
1. قصة افتتاحية في الجاهلية: عن التنافس والتباهي
بالأحساب والأنساب، وما حث عليه الإسلام في المقابل.
2. الوقت نعمة: أن الوقت نعمة من الله يجب
الحفاظ عليها وعدم تضييعها.
3. ظاهرة إدمان السوشيال ميديا: تعريفها ووصفها،
وأسباب انتشارها.
4. آثار الإدمان على الأسرة: التفكك الأسري،
ضعف الروابط، التأثير النفسي والاجتماعي.
5. العلاج والوقاية: منازعة الهوى، وشغل الوقت
بالطاعة، والتقليل من وسائل الفتنة.
القصة الافتتاحية
أيها المسلمون، حدثني القوم أن رجال الجاهلية
في أرض العرب، كانوا يتفاخرون في الأسواق والمحافل بأحسابهم وأنسابهم وأموالهم، وكانوا
يتباهون بذلك. وفي يوم من الأيام، في سوق عكاظ الشهير، نادى أحدهم: "أنا ابن فلان
بن فلان"، ثم نادى الآخر بمثله، ثم ثالث ورابع حتى كادت بينهم الفتنة. حتى جاء
الإسلام بكتاب الله وسنة نبيه ليهدم هذه الجاهلية العمياء. قال رسول الله صلى الله
عليه وسلم: "لينتهين أقوام يفتخرون بآبائهم، أو ليكونن أذل عند الله من الجعلان"
(رواه الترمذي). وفي المقابل كان الخليفة الراشد عمر بن الخطاب رضي الله عنه يمر على
الناس وهو ماشٍ وهو خليفة، فيصلح بينهم، ويحلب الشاة، ويصلح النعل، وكان يصنع الخبز
ويحمله على كتفيه، فذلك هو التواضع الذي رفعه الله به.
شرح الخطبة
أولاً: الوقت نعمة ومحاسبة الله عليه:
لقد أنعم الله علينا بنعمة الوقت، وهو أغلى
ما يملك الإنسان في هذه الدنيا. قال تعالى: (وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ
خِلْفَةً لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يَذَّكَّرَ أَوْ أَرَادَ شُكُورًا) [الفرقان: 62]. وقال
رسول الله ﷺ: "نعمتان مغبون فيهما كثير من الناس:
الصحة والفراغ". ولن تزول قدما عبد يوم القيامة حتى يسأل عن أربع: عن عمره فيما
أفناه، وعن شبابه فيما أبلاه، وعن ماله من أين اكتسبه وفيما أنفقه، وعن علمه ماذا عمل
به. فبينما نحن نضيع أوقاتنا فيما لا ينفع، نجد أن السوشيال ميديا أصبحت هي المسيطرة
على حياتنا.
ثانيًا: ظاهرة إدمان السوشيال ميديا:
إن إدمان وسائل التواصل الاجتماعي هو الاستخدام
المفرط والمستمر لمنصات مثل فيسبوك، إنستغرام، تيك توك، وتويتر، بطريقة تؤثر سلبًا
على حياة الفرد النفسية والاجتماعية والمهنية، ويصبح الشخص يشعر بالحاجة الملحة لتصفح
هذه التطبيقات حتى لو كان ذلك على حساب أنشطته اليومية أو علاقاته الشخصية. وقد أدرك
السلف الصالح قيمة الوقت، قال الحسن البصري رحمه الله: "أدركت أقوامًا كانوا على
أوقاتهم أشد منكم حرصًا على دراهمكم ودنانيركم". وكثير من الناس اليوم يضيعون
ساعات في متابعة محتوى لا ينفع، ويسهرون الليالي الطوال أمام الشاشات على حساب صحتهم
وأسرهم.
ثالثًا: الآثار السلبية لإدمان السوشيال
ميديا على الأسرة:
أيها المؤمنون، إن تأثير إدمان السوشيال
ميديا على الأسرة هو تأثير مدمر وخطير، ومن هذه الآثار:
· الانشغال المستمر: ينشغل كل فرد من أفراد
الأسرة بهاتفه الذكي، مما يؤدي إلى انعزالهم عن بعضهم البعض، وضعف الروابط الأسرية،
وتراجع الزيارات العائلية والتواصل الحقيقي بين الأقارب.
· ضعف العلاقات الأسرية: يصبح التواصل بين
أفراد الأسرة سطحياً، وتغيب المشاعر الحقيقية، ويقل الحوار والتفاعل الإيجابي، ويزيد
التوتر والغضب والصراعات الأسرية.
· التأثير على الصحة النفسية: يؤدي هذا الإدمان
إلى الاكتئاب، والقلق، والشعور بالوحدة رغم الظهور الافتراضي، وضعف الثقة بالنفس، والصداع،
وقلة النوم، والإرهاق البصري وآلام الظهر والرقبة.
· تشتت الذهن وضعف التركيز: يؤثر الاستخدام
المفرط للسوشيال ميديا على القدرة على التركيز في الدراسة والعمل والعبادات.
· إهدار الوقت: وهذا هو الخطر الأعظم، حيث
يضيع الإنسان وقته الثمين فيما لا يفيد، ويقول ابن القيم رحمه الله: "إضاعة الوقت
أشد من الموت؛ لأن إضاعة الوقت تقطعك عن الله والدار الآخرة، والموت يقطعك عن الدنيا
وأهلها".
· التأثير السلبي على الأبناء: يصبح الأبناء
عرضة لمشاهدة المحتوى غير الأخلاقي، وانتشار ظاهرة التنمر الإلكتروني، وتقليد سلوكيات
غير مقبولة أخلاقيًا أو دينيًا.
رابعًا: العلاج والوقاية:
أيها المسلمون، إن الإسلام يعلمنا أن نتوازن
في حياتنا. قال رسول الله ﷺ: "من حسن إسلام المرء تركه ما لا
يعنيه". فعلينا أن نحدد أوقاتًا محددة للاستفادة من وسائل التواصل، ولا نتركها
تسيطر على حياتنا. قال تعالى: (وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ
وَلَا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا) [القصص: 77]. فعلينا بشغل أوقاتنا بطاعة الله،
وتلاوة القرآن، وصلة الأرحام، والجلوس مع الأهل، وممارسة الرياضة، والاهتمام بالعلم
النافع، والدعاء إلى الله أن يعيذنا من شر هذه الفتن.
خامسًا: الخاتمة والدعاء:
اللهم إنا نعوذ بك من شر ما تقع فيه أنفسنا،
ومن ضياع الوقت فيما لا ينفع، اللهم احفظ أسرنا، واجعل بيوتنا مساجد عامرة بذكرك وطاعتك.
اللهم أصلح لنا ديننا الذي هو عصمة أمرنا، وأصلح لنا دنيانا التي فيها معاشنا، وأصلح
لنا آخرتنا التي إليها معادنا، واجعل الحياة زيادة لنا في كل خير، والموت راحة لنا
من كل شر، يا رب العالمين.
دعاء ختامي عام
اللهم تقبل منا خطبتنا هذه، واجعلها حجة
لنا لا علينا. اللهم اجعلنا من عبادك الراضين بقضائك، المتواضعين لخلقك، البعيدين عن
الكبر والتباهي. اللهم احفظنا من شر إدمان السوشيال ميديا، واجعل أوقاتنا عامرة بطاعتك
وذكرك وشكرك. اللهم أصلح أحوال المسلمين، واجمع كلمتهم على الحق، ووفق ولاة أمورنا
لما تحب وترضى. اللهم انصر المجاهدين في سبيلك، وارحم ضعفاءنا ومرضانا وموتانا. ربنا
آتنا في الدنيا حسنة، وفي الآخرة حسنة، وقنا عذاب النار. وصل اللهم على نبينا محمد،
وعلى آله وصحبه أجمعين، والحمد لله رب العالمين.