recent
أخبار عاجلة

خطبة الجمعة كن راضيًا… وإيَّاك والتباهي الشيخ /محمد السنهوري

 كن راضيًا… وإيَّاك والتباهي


  حقيقة الرضا بالله تعالى وثمراته

  الرضا مقام عظيم من مقامات الإيمان

  من رضي فله الرضا ومن سخط فله السخط

 خطر التفاخر والتباهي وآثاره المدمرة

  نماذج من تواضع النبي والصالحين

 وسائل تحقيق الرضا والقناعة

  خطر إدمان السوشيال ميديا وأثره على الأسرة

 

الحمد لله الملك الديان، خلق الإنسان، وابتلاه بالسراء والحرمان، ليعلم من يرضى بقضائه ومن يسخط على أقداره، أحمده سبحانه وأشكره، وأتوب إليه وأستغفره، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، جعل الرضا طريق الطمأنينة والأمان، وأشهد أن سيدنا محمدًا عبد الله ورسوله، علَّم الأمة القناعة والتواضع، ونهى عن الكِبر والتفاخر والتباهي، صلى الله وسلم وبارك عليه، وعلى آله وصحبه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.

أما بعد، فاتقوا الله عباد الله حق التقوى، وراقبوه في السر والنجوى

قال الله تعالى:

﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ﴾ [التغابن: 11].

قال علقمة رحمه الله: “هو الرجل تصيبه المصيبة فيعلم أنها من عند الله فيرضى ويسلم”. 

أيها المؤمنون:

إن من أعظم ما يحتاجه الناس في زمان كثرت فيه المقارنات، واشتدت فيه المنافسات، وتعلقت فيه القلوب بالمظاهر والزخارف؛ خُلُقُ الرضا، والقناعة بما قسم الله تعالى.

فالرضا ليس استسلامًا للعجز، ولا تركًا للأخذ بالأسباب، ولكنه طمأنينة القلب إلى حكمة الله، وحسن الظن به سبحانه. 

وقد امتن الله على عباده المؤمنين فقال:

﴿رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ﴾ [البينة: 8].

فالرضا من أعظم أبواب السعادة، ومن رضي بالله ربًا، وبالإسلام دينًا، وبمحمد نبيًا ورسولًا؛ ذاق حلاوة الإيمان. 

روى الإمام الترمذي عن سيدنا أنس بن مالك رضي الله عنه أن النبي قال:

«إن عِظَم الجزاء مع عِظَم البلاء، وإن الله تعالى إذا أحب قومًا ابتلاهم، فمن رضي فله الرضا، ومن سخط فله السخط».

فيا لها من بشارة عظيمة!

من رضي بقضاء الله رضي الله عنه، ومن سخط واعترض خسر الطمأنينة والسكينة.

عباد الله:

لقد كان الأنبياء والصالحون أعظم الناس رضا بقضاء الله تعالى

هذا سيدنا أيوب عليه السلام ابتُلي في جسده وماله وأهله سنوات طويلة، فما جزع ولا اعترض، بل قال الله عنه:

﴿إِنَّا وَجَدْنَاهُ صَابِرًا ۚ نِعْمَ الْعَبْدُ ۖ إِنَّهُ أَوَّابٌ﴾ [ص: 44].

وهذا نبينا مات أبناؤه في حياته، وربط الحجر على بطنه من الجوع، وأوذي وشُجَّ وجهه الشريف، ومع ذلك كان يقول:

«رضيت بالله ربًا، وبالإسلام دينًا، وبمحمد نبيًا ورسولًا».

أيها المسلمون: 

ومن أعظم ما يفسد الرضا: التفاخر والتباهي، والانشغال بالمظاهر، والتعالي على الناس بالأموال والمناصب والأولاد

قال الله تعالى:

﴿أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ﴾ [التكاثر: 1].

وقال سبحانه:

﴿وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحًا﴾ [الإسراء: 37].

وقال جل جلاله عن قارون:

﴿فَخَرَجَ عَلَىٰ قَوْمِهِ فِي زِينَتِهِ﴾ [القصص: 79]، فأهلكه الله بسبب كبره وغروره.🕌

وروى الإمام مسلم أن النبي قال:

«لا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال ذرة من كِبر».

والكبر عباد الله ليس فقط في اللباس أو المال، بل قد يكون في التفاخر بالنسب، أو الوظيفة، أو العلم، أو كثرة المتابعين، أو المقتنيات.

لقد أصبح بعض الناس اليوم يعيش ليُبهر الناس لا ليُرضي الله، فيشتري ما لا يحتاج، وينفق فوق طاقته، ويُظهر للناس حياةً ليست حقيقية، ثم يعيش مهمومًا مديونًا قلقًا.♥ 

وقد قال :

«انظروا إلى من هو أسفل منكم، ولا تنظروا إلى من هو فوقكم؛ فهو أجدر ألا تزدروا نعمة الله عليكم» متفق عليه.

عباد الله:

إن التواضع زينة المؤمن، وكان رسول الله وهو سيد الخلق يجلس بين أصحابه كواحد منهم، ويقول:

«إنما أنا عبد، آكل كما يأكل العبد، وأجلس كما يجلس العبد».

ودخل عمر بن الخطاب رضي الله عنه بيتًا فرأى رجلًا يتباهى بأثاثه وزينته، فقال: “إنما يكفي أحدكم من الدنيا ما سد الجوع وستر العورة”.

فاحذروا عباد الله من ثقافة التفاخر، وربوا أبناءكم على القناعة، فإن السعادة ليست بكثرة الممتلكات، وإنما براحة القلوب.

قال :

«ليس الغنى عن كثرة العرض، ولكن الغنى غنى النفس» متفق عليه.

ومن وسائل تحقيق الرضا:

دوام ذكر الله تعالى.

النظر إلى نعم الله لا إلى ما عند الناس

تذكر الآخرة وفناء الدنيا.

صحبة القانعين الصالحين.

كثرة الدعاء بأن يرزقنا الله الرضا والقناعة.

نسأل الله تعالى أن يرزقنا الرضا بقضائه، والقناعة بعطائه، وأن يطهر قلوبنا من الكبر والرياء والتفاخر.

أقول قولي هذا، وأستغفر الله العظيم لي ولكم فاستغفروه، إنه هو الغفور الرحيم.

الخطبة الثانية 

«خطر إدمان السوشيال ميديا وأثره على الأسرة»

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد ، وعلى آله وصحبه أجمعين.

أما بعد عباد الله: 

فإن من أخطر ما ابتُليت به الأسر في زماننا: الإفراط في استخدام وسائل التواصل الاجتماعي حتى تحولت عند بعض الناس إلى نوع من الإدمان.

فكم ضيعت من أوقات!

وكم فرقت بين الأزواج!

وكم أفسدت من أخلاق الأبناء والبنات!

أصبح الأب منشغلًا بهاتفه، والأم في عالم آخر، والأبناء أسرى للشاشات، وغابت جلسات الأسرة، وضعف الحوار، وقلت المودة.

قال الله تعالى:

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا﴾ [التحريم: 6].

وقال النبي : 

«كلكم راعٍ وكلكم مسؤول عن رعيته» متفق عليه.

ومن أخطار السوشيال ميديا:

نشر المقارنات والحسد والتفاخر

ضياع الأوقات فيما لا ينفع.

نشر الشائعات والأكاذيب.

ضعف الروابط الأسرية.

تعريض الأبناء للأفكار المنحرفة والمحتويات الفاسدة.

وقد قال :

«من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه».

فليتق الله الآباء والأمهات، وليكن استخدام هذه الوسائل بقدر الحاجة، مع مراقبة الأبناء، وتنظيم أوقات الاستخدام، وإحياء جلسات الأسرة والقرآن والذكر.

عباد الله

إن الأسرة التي يجتمع أفرادها على طاعة الله، والحوار، والمودة؛ أسرة مباركة مستقرة، وإن البيت الذي تسيطر عليه الشاشات قد يفقد دفأه وروحه.

اللهم أصلح لنا ديننا الذي هو عصمة أمرنا، وأصلح لنا دنيانا التي فيها معاشنا، وأصلح لنا أزواجنا وذرياتنا

اللهم ارزقنا الرضا والقناعة، وجنبنا الكبر والتفاخر والرياء، واحفظ أبناءنا وبناتنا من الفتن ما ظهر منها وما بطن

اللهم احفظ مصر وأهلها، وسائر بلاد المسلمين.

وصلِّ اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.

 

 ·

google-playkhamsatmostaqltradent