بئس تاجر البيض المحتكروطالب العلم الغشاش
يقول الله تعالي :"وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ ۚ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ ۖ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ"( الأنفال: 30).
فكان أول ما حرص عليه نبينا (صلي الله عليه وسلم) بعد هجرته المشرفة، واستقراره بالمدينة المنورة، هو بناء المسجد، وإقامة السوق؛ ليكونا أول قواعد بناء الدولة، وليؤكد (صلي الله عليه وسلم) علي العلاقة بين المسجد والسوق، وبمعني أدق بين العبادة والعمل، ففي المسجد يربي المسلم علي تقوية علاقته بخالقه (غز وجل)؛ وتتكون شخصيته السوية التي تبني ولا تهدم، وتعمر ولا تخرب، كما أن المسجد مصدر لبث روح التآلف بين الناس، وتعميق معاني الأخوة، والألفة والرحمة بينهم، فتنعكس هذه القيم على الفرد والمجتمع، في تعاملاتهم، وسائر جوانب حياتهم.
ويأتي إنشاء السوق إشارة واضحة إلى أهمية الاقتصاد في بناء الدول؛ فالاقتصاد القوي من أهم دعائم الدولة وركائزها الرئيسة التي لا تزدهر إلا بها؛ على أساس من القيم النبيلة، والضوابط المنظمة، التي تضبط حركته وتعاملاته، والتي يتعلمها الناس من خلال المسجد؛ تحقيقـًا لرسالة الإسلام المتكاملة.
عباد الله:" لقد سعي النبي (صلي الله عليه وسلم) إلى إقامة سوق كبيرة بالمدينة (وهو سوق المناخة)؛ ليكون مصدرًا للكسب المشروع والتجارة، ومقرًا لأرباب الصناعات والحرف، فعن عطاء بن يسار (رضي الله عنه) قال: “لما أراد رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يجعل للمدينة سوقا؛ أتى سوق بني قينقاع، ثم جاء سوق المدينة … وقال: “هذا سوقكم فلا يضيق”.
ولماأنشأ النبي ﷺ سوق المناخة ليكون نواة للاقتصاد الإسلامي المستقل.
فقد اختار له موقعاً استراتيجياً غرب المسجد النبوي لكسر احتكار الأسواق الأخرى، وجعله مركزاً حراً لا تؤخذ عليه ضرائب أو مكوس،
تأكيداً للحديث الشريف: "هذا سوقكم فلا يضيق ولا يؤخذ فيه خراج".
الموقع الجغرافي: يمتد في الساحة الواقعة غرب المسجد النبوي الشريف بين مسجد الغمامة جنوباً وموقع مسجد السبق شمالاً.
سبب التأسيس: جاء لإنهاء تحكم أسواق اليهود (مثل سوق بني قينقاع) في اقتصاد المدينة واحتكارهم للأسعار، وليكون مقراً لحرية التجارة والكسب المشروع.
الخصائص والسياسات:لم يُفرض فيه ضرائب أو خراج.لم يُسمح ببناء منشآت ثابتة حينها لمنع احتكار المساحات، بل كان ساحة مفتوحة يستقر فيها الباعة.كان بمثابة محطة كبرى وميدان رحب لإناخة الإبل المحملة بالبضائع ومن هنا جاءت تسميته بـ "المناخة"
عباد الله: “ولما كان للسوق أهمية لا تقل عن المسجد لارتباطه بالمعيشة والاقتصاد فقد أنشأ الرسول لأهل المدينة سوق كبيرة بالمدينة وهو سوق المناخة روي عن عطاء بن يسار قال: لما أراد رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يجعل للمدينة سوقاً أتى سوق بني قينقاع، ثم جاء سوق المدينة فضربه برجله وقال:"هذا سوقكم، فلا يضيق، ولا يؤخذ فيه خراج"(السمهودي في كتابه وفاء الوفا 1: 539 ط.).
وقد كان نبينا (صلي الله عليه وسلم) يتفقد السوق بنفسه، ويتابع حركة البيع والشراء، ويوجه الناس إلى ما فيه صلاح حالهم، فعن أبي هريرة (رضي الله عنه) أن رسول الله (صلي الله عليه وسلم “مَرَّ علَى صُبْرَةِ طَعامٍ فأدْخَلَ يَدَهُ فيها، فَنالَتْ أصابِعُهُ بَلَلًا فقالَ: (صلي الله عليه وسلم): (يا صاحِبَ الطَّعامِ، ما هذا؟) قالَ أصابَتْهُ السَّماءُ يا رَسولَ اللهِ، قالَ (صلي الله عليه وسلم): (أفَلا جَعَلْتَهُ فَوْقَ الطَّعامِ كَيْ يَراهُ النَّاسُ)، ثم قال (صلي الله عليه وسلم): مَن غَشَّ فليسَ مِنِّي”.
وقد افتعل هذا الفعل غضب بين المواطنين بعد تداول فيديو لتجار يلقون "البيض" في الحفر رفضا لخفض أسعاره.. حالة من الاستياء والغضب العارم سادت بين رواد
مواقع التواصل الاجتماعي، عقب تداول مقطع فيديو يظهر قيام بعض تجار الدواجن والبيض بالتخلص من كميات كبيرة من البيض وإعدامها داخل حفرة في الأرض، مفضلين ذلك على بيعها بأسعار أقل للمواطنين بعد التراجعات الأخيرة في الأسواق.
وأعاد هذا المشهد الصادم إلى الأذهان ذكريات المعاناة التي عاشها ملايين المواطنين قبل أشهر قليلة، عندما كانوا يعجزون عن شراء احتياجاتهم الأساسية بسبب الارتفاع القياسي في الأسعار، لتظهر من جديد ثقافة "إما البيع بالسعر المطلوب، أو إعدام السلعة ومنعها من الوصول إلى الناس"
وفي حقيقة الأمر أن هذه الفعلة الشنيعة قدارتكب أصحابها مجموعة من كبائر الإثم ومن هذه الكبائر
التشبه بالكفار والمشركين يحشر معهم
للتاريخ نحن نعيش أسوأ عصر في التاريخ بعد عصر المشركين في بدء ظهور الاسلام ومافعلوه مع الرسول وصحابته قبل الهجرة بمكة والحصار الذي حدث في شعاب أبي طالب فمافعله هولاء لم يفعله تجار قريش ومافعله أصحاب معاصر عصير القصب لم يرتكبه التتار مع المسلمين ..
رغم أنه قد تواطأت قريش فيما بينها على تشديد النكال بالمسلمين، فقرروا عزل المسلمين في مكة ومقاطعتهم اقتصاديًّا وتجويعهم ووضعهم أمام خيارين لا ثالث لهما؛ إما الموت جوعًا وإما الرِّدة وترك الدِّين، فكان من أهم بنود الاتفاق:
ألا ينكحوا بني هاشم وبني المطلب، ولا ينكحوا إليهم.
ألا يبيعوهم ولا يبتاعوا منهم شيئًا.
ولكي يوثقوا ما تعاهدوا عليه كتبوا الاتفاقية في صحيفة وأودعوها جوف الكعبة، وأخذوا على أنفسهم جميعًا الالتزام بنص الاتفاق وعدم خرقه مهما وصل إليه الأمر من شدة، ولما علم بذلك بنو هاشم وبنو المطلب انحاز الجميع إلى أبي طالب تضامنًا وتحديًا لعتاة قريش، إلا أبا لهب، فإنه أبى الانحياز إلى عشيرته، ووافق طغاةَ قريش على موقفهم..
وانتقل المسلمون ومَن والاهم إلى شِعب لأبي طالب، وهناك صمدوا على ضنك العيش وشدته، إلا ما كان يأتيهم خفية تحت جنح الليل من طعام، فقد ورد أن هشام بن عمرو بن الحارث كان يأتي بالبعير وقد حمَّله طعامًا إلى أول الشعب فينزع خطامه ثم يضربه على مؤخرته ليتجه إلى داخل الشعب فيأخذه المحاصرون ويوزعونه فيما بينهم، ثم يوقر جملًا آخر بالقمح ويفعل كما فعل سابقًا، ومع ذلك تبقى المعاناة وتشتد وطأة الحصار وصعوبة تحمله، واستمرت الحالة قرابة السنتين وقد تضوروا جوعًا حتى اضطر كثير منهم إلى أكل ورق الشجر والعشب ليسدوا جوعتهم، وهنا رأى عدد من أصحاب المروءة أن هذه المقاطعة جائرة، وكان منهم هشام بن عمرو، فقد كلم صديقه زهير بن أبي أمية في هذا الشأن، فاستجاب له، ثم سعى إلى ضم آخرين لهم وزنهم وجرأتهم، أمثال: المطعم بن عدي، وأبو البختري بن هشام، وزمعة بن الأسود، فاتفق هؤلاء على الاجتماع سرًّا في الليل ونسقوا فيما بينهم لكي يخرجوا بموقف موحد، وفي الصباح قام زهير بن أمية وطاف بالبيت سبعًا ثم وقف وقال: يا أهل مكة، أنأكل الطعام ونلبس الثياب وبنو هاشم هلكى لا يبتاعون ولا يبتاع منهم، والله لا أقعد حتى تشق هذه الصحيفة القاطعة الظالمة.
قال أبو جهل: والله لا تشق.
قال: زمعة بن الأسود: أنت والله أكذب، ما رضينا كتابتها حين كتبت.
قال أبو البختري: صدق زمعة، لا نرضى ما كتب فيها ولا نقر به.
قال المطعم بن عدي: صدقتما، وكذب من قال غير ذلك، نبرأ إلى الله منها ومما كتب فيها.
قال هشام بن عمرو مثل ذلك، فقال أبو جهل: هذا أمر قد قضي بليل، فقد أحس بأن هذا التنسيق لم يكن مصادفة، وإنما عن تدبير بين هؤلاء، وربما ظن أن الأمر قد يتعدى هؤلاء فخشي أن يخرج هذا الأمر عن سيطرته، فسارع إلى قبول العرض بإنهاء المقاطعة وتمزيق الصحيفة
ولما دخل زهير بن أبي أمية إلى الكعبة لتمزيق الصحيفة وجد أن الأرَضَةَ قد أكلت الصحيفة إلا ما كان منها "باسمك اللهم"، عبارة ورثتها قريش من الحنيفية كانت تصدِّر بها كتبها، وهكذا انتهت المقاطعة، وسري عن بني هاشم والمطلب ما أرهقهم.
ويروى أن النبي صلى الله عليه وسلم قال
لأبي طالب:"يا عم، إن الله قد سلط الأرضة على صحيفة قريش فلم تدَعْ فيها اسمًا لله
إلا أثبتته فيها، ونفت منها الظلم والقطيعة والبهتان))، فقال أبو طالب: أربك أخبرك
بهذا؟ قال: ((نعم))، وانطلق أبو طالب إلى الكعبة فقال: يا معشر قريش، إن ابن أخي قد
أخبرني بكذا وكذا، فهلم صحيفتكم، فإن كانت كما قال فانتهوا من قطيعتنا وانزلوا عنها،
وإن كان كاذبًا دفعتُ إليكم ابن أخي، فقال القوم: قد رضينا، فتعاقدوا على ذلك، ثم نظروا
في الصحيفة فكانت كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم، فما زادهم إلا طغيانًا، وهنا
قام الخمسة الذين ذكرناهم آنفًا فعملوا على نقض الصحيفة وإنهاء المقاطعة.
ويروى أن سبب المقاطعة هو أن قريشًا أجمعوا
على أن يقتلوا النبي صلى الله عليه وسلم، فبلغ ذلك أبا طالب، فجمع بني هاشم وبني المطلب فأدخلوا رسول الله صلى الله عليه وسلم شِعبهم ومنعوه ممن أرادوا قتله، فلما رأت قريش وقوف عشيرته معه كتبوا بينهم الصحيفة.
نحن نعيش أسوأ من عصر التتار .. حيث الشعار السائد ..
عباد الله:" إن إهانة النعمة أو امتهانها أمر ينكره الشرع فرمي الطعام الصالح للأكل أو تركه عرضة للوطء حرام شرعاً، وتُعد من صور كفران النعم، وقد ورد التحذير الشديد منها في نصوص الكتاب والسنة.
حيث تُعد إهانة الطعام وإتلافه بغير حاجة من المحرمات المنهي عنها، ومن ذلك قوله ﷺ: "إن الله كره لكم ثلاثاً. وإضاعة المال" وإلقاء الطعام في النفايات يُدخل في هذا الباب".
وجوب الشكر: أمر الله سبحانه وتعالى بشكر نعمه، وتوعد من يجحدها أو يُهملها بالعذاب وزوال النعمة؛ قال تعالى: {لَئِن شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ "(ابراهيم /7).
والمحافظة على الطعام من أنواع شكر النعمة، أما امتهان الطعام فكفران للنعمة، وقد توعد الله من كفر النعمة بالعذاب ، ومن العذاب أن يزيل عنه تلك النعمة ، قال تعالى في تتمة الآية السابقة :"وَلَئِن كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ"(ابراهيم /7).
ورمي الطعام الصالح للأكل في النفايات لا يجوز لأنه إتلاف مال وإتلاف المال بغير حاجة حرام، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"إن الله كره لكم ثلاثاً، قيل وقال، وإضاعة
المال، وكثرة السؤال"(متفق عليه)،يجب على المسلم حفظ النعم وصيانتها، وإن زاد الطعام عن الحاجة فيمكن حفظه لوقت لاحق، أو إعطاؤه للمحتاجين، أو وضعه في الأماكن المخصصة للاستفادة منه أو إطعام الحيوانات والطيور.
يروي :"أن امرأة من بني إسرائيل مسحت نجاسة ولدها بكسرة خبز ، ثم وضعت كسرة الخبز في جحر ، فسلط الله عليها الجوع حتى أكلت تلك الكسرة"(الزُّهد لابن المبارك 51/2).
القصة تشير إلى امرأة من بني إسرائيل استخدمت كسرة خبز لتنظيف أذى طفلها، ثم ألقتها، فابتلاها الله بالجوع الشديد حتى اضطرت لأكل تلك الكسرة. وهي حكمة عظيمة تؤكد على ضرورة شكر الله على النعم وحفظها.
كما ورد في السنة النبوية ما يؤكد هذا المعنى؛ حيث دخل النبي صلي الله عليه وسلم يوماً فرأى كسرة ملقاة، فأخذها ومسحها وأكلها، وقال لأم المؤمنين عائشة رضي الله عنها: "يَا عَائِشَةُ، أَحْسِنِي جِوَارَ نِعَمِ اللَّهِ، فَإِنَّهَا قَلَّ مَا تَنَفَرُ عَنْ أَهْلِ بَيْتٍ فَكَادَتْ أَنْ تَعُودَ إِلَيْهِمْ" "(ابن ماجه، وابن أبي الدنيا في ((الشكر)،والطبراني في(المعجم الأوسط) باختلاف يسير).
وقد ورد الأمر بإكرام الخبز وهو يصنع من الطحين، ففي شعب الإيمان للبيهقي عن عائشة ـ رضي الله عنها قالت" أكرموا الخبز"(الحاكم، وحسنه).
الطعام نعمة عظيمة بها حياة الناس ولذا
يجب احترامه والمحافظة عليه، قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم: "إذا وقعت لقمة
أحدكم فليأخذها فليمط ما كان بها من أذى وليأكلها ولا يدعها للشيطان"(مسلم
عن جابر)،
فيما بعد أو يطعم للحيوانات أو غير هذا من الاستعمالات التي لا إهانة فيها لنعمة الله.
صور إهانة النعمة:رمي بقايا الطعام الصالحة للأكل في القمامة.
دوس الخبز أو الطعام بالقدم.
الإسراف والتبذير في الولائم بما يؤدي إلى رمي الفائض الكبير.
لماذا يصبح الحديث
عن "السعر العادل" وحماية التاجر حاضراً بقوة فقط عندما تنخفض الأسعار، بينما يغيب هذا المنطق تماماً عندما ترتفع الأسعار بشكل جنوني يرهق كاهل المواطن البسيط
وأكد المتابعون أنه في الوقت الذي لا يرضى فيه أحد بالخسارة لأي طرف، ولا ينكر أحد حق المنتج أو التاجر في تحقيق ربح مشروع، فإن من حق المواطن والمستهلك أيضاً أن يشعر بالانفراجة ويفرح بانخفاض الأسعار بعد شهور طويلة من المعاناة والضغوط الاقتصادية
أزمة ثقافة واحتكار
ويرى مهتمون بالشأن الاقتصادي أن الأزمة الحقيقية
لا تكمن في قطاع الدواجن والبيض وحده، بل في ثقافة احتكارية تتكرر مع سلع مختلفة تقوم
على التحكم في المعروض لفرض أسعار مرتفعة. ويبقى السؤال الإنساني والديني والأخلاقي
المطروح بقوة أمام هؤلاء التجار: هل الأفضل إهدار النعمة وإعدامها دفناً تحت التراب،
أم بيعها بهامش ربح أقل والمساهمة في التخفيف عن أبناء وطنهم؟
الخطبة الثانية
الحمدلله رب العالمين والصلاة والسلام علي اشرف المرسلين وبعد
الغش في الامتحان مجموعة من كبائر الإثم
عباد الله ونحن في هذه الإيام نواجه أزمة أخلاقية أخري لاتقل جرماً عن غش الطعام ألا وهي الغش في الامتحانات فهي جريمة تحمل بين طياتها مجموعة من كبائر الإثم
فهي غش :" ومن غشنا فليس منا" كماأخبر المصطفي صاي الله عليه وسلم
وهي خيانة أمانة :" وقد قال المولي عزوجل :" إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلي أهلها"
ويقول صلي الله عليه وسلم :" ادالأمانة لمن أتمنك ولاتحن من خانك"
وتعالوا لنري ونحن نعيش أيام الهجرة فقبل أن يضع النبي صلي الله عليه وسلم قدمه الشريفة في ركاب السفر، يترك عليَّ بن أبي طالب رضي الله عنه بمكة ليؤدي الأمانات والودائع التي كانت عنده لأهلها.
قفوا هنا وتأملواأمانات مَنْ؟ وودائع مَنْ؟ إنها أموال وأمانات صناديد كفار قريش
نفس الرجال الذين حاصروه، وشتموه، وطردوه،وصادروا أموال أصحابه!
يا لله! أمةٌ تُطرد من ديارها، وتبدأ هجرتهاالكبرى بحراسة أمانة أعدائها!
لقد خلّد القرآن جلال تلك الصاحبية وتلكالسكينة في الغار فقال تعالى:"إِلَّا تَنصُرُوهُ فَقَدۡ نَصَرَهُ ٱللَّهُ إِذۡ أَخۡرَجَهُ ٱلَّذِینَ كَفَرُوا۟ ثَانِیَ ٱثۡنَیۡنِ إِذۡ هُمَا فِی ٱلۡغَارِ إِذۡ یَقُولُ لِصَـٰحِبِهِۦ لَا تَحۡزَنۡ إِنَّ ٱللَّهَ مَعَنَاۖ فَأَنزَلَ ٱللَّهُ سَكِینَتَهُۥ عَلَیۡهِ وَأَیَّدَهُۥ بِجُنُود لَّمۡ تَرَوۡهَا وَجَعَلَ كَلِمَةَ ٱلَّذِینَ كَفَرُوا۟ ٱلسُّفۡلَىٰۗ وَكَلِمَةُ ٱللَّهِ هِیَ ٱلۡعُلۡیَاۗ وَٱللَّهُ عَزِیزٌ حَكِیمٌ "(التوبة/)..
هكذا تأسست دولة الإسلام من عتمة غار ثور؛لم تتأسس على شعارات جوفاء، بل تأسست على معدن الأمانة الصلب الذي لا يلين ولا يتغير،لا مع صديق ولا مع عدو، لأن الله جعل الأمانة رأس الأمر وعِماد مِلة الإسلام فقال :"إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَىٰ أَهْلِهَا"
عباد الله:" كيف لأمة بُنيت لبنتها الأولى على رد أمانات الكفار في أشد لحظات الخطر.. أن يقف أبناؤها اليوم، في وضح النهار، ليخونوا الأمانة ويسرقوا المجهودات داخل لجان الامتحانات، بل وبمباركة وتواطؤ من آبائهم وأمهاتهم؟!
في الحديث الصحيح: «وَالْمُهَاجِرُ مَنْ هَجَرَ مَا نَهَى اللَّهُ عَنْهُ» .تعالوا ننزع القناع عن مشهد آخر مؤلم، نراه
رأي العين أمام المدارس.. مشهد أبٍ يصلي في الصف الأول، يجمع المال
من حلال، وأمٍّ تذوب رقة ودعاء.. ولكن، ما إن تدق ساعة الامتحانات، حتى تتبخر المبادئ تجدهم يقفون عند البوابات، عيونهم شاخصة، يتلهفون على تسريب، أو يبحثون عن واسطة لتهريب الغش لأولادهم.. وإذا عاتبتهم قالوا: نحن نؤمن مستقبلهم!
نقول لهم : تباً لمستقبلٍ يُبنى على الغش وذبح الأمانة في نفوس الأبناء!
إنكم في تلك اللحظة لا تمنحونهم نجاحاً، بل تسقونهم سمّ الخنوع ، تزرعون في أعماقهم عقيدة مرعبة: أن الكد والعرق بضاعة الخاسرين، وأن الخديعة والتزوير وسرقة جهود الآخرين هي الذكاء والشطارة!.
انظروا بعين البصيرة إلى ما وراء جدران اللجان.. كيف ينهار المجتمع بسبب هذا الذكاء المشوه؟
إن ذلك الطالب الذي يغش اليوم،
هو غداً نفس الطبيب الذي باع ضميره وهو نفس الطبيب الذي جعل كشفه مئات الجنيهات وهو الذي يجلس بين أيدي الناس، فيُخطئ في تشخيص مرض أو وصف دواء؛ لأنه يومًا ما اعتاد أن يسرق النجاح ولا يتعب له.
وهو نفس المهندس الذي وقع على رخصة بناء مزورة ، وقبض من مقاول طماع فسقط السقف فوق رؤوس الأبرياء.. وانهار الطريق تحت أرجلهم لأنه يوماً ما نجح بالخداع!
وهو نفس الموظف الذي يمتص دماء الضعفاء بالرشوة..
وهو نفس بائع العصير الذي غشه بالتانتوم لدمر صحة الناس
وهو نفسه تاجر البيض الذي اعدم البيض بسبب رخصه وهو بئس التاجر المحتكر الذي إذا سمع برخص ساءه وإذا سمع بغلاء ءره"
هو نفسه تاجر والغلال والأسمدة وهو الجزار الذي ليس عنده رحمة
لماذا ياسادة لأن أباه وأمه علماه يوماً أن أخذ ما ليس له هو حق مشروع ووقف أبوه علي أبواب اللجان يحرضه علي الغش والنبي صلي الله عليه وسلم في السوق، فيرى كومة طعام حسنة المظهر، تسر الناظرين. لكنه صلي الله عليه وسلم لم يكن يكتفي بالظاهر الخادع، بل أدخل يده الشريفة في عُمق الطعام فنالت أصابعه الشريفة بللاً! نظر إلى صاحب الطعام نظرة هزت وجدانه، وسأله بحسم: «مَا هَذَا يَا صَاحِبَ الطَّعَامِ؟» قال: أصابته السماء (المطر) يا رسول الله. فنطق صاحب الصدق : «أَفَلَا جَعَلْتَهُ فَوْقَ الطَّعَامِ كَيْ يَرَاهُ النَّاسُ؟ مَنْ غَشَّ فَلَيْسَ مِنِّي»
تأملوا هذا الطرد النبوي: "ليس مني"!
لقد نفى النبي صلي الله عليه وسلم صِلته بالخائن والغاش. فكيف يرجو بركة في رزق، أو توفيقاً في حياة، أو شفاعة يوم القيامة، رجلٌ تبرأ منه رسول الله صلي الله عليه وسلم؟!
عباد الله :"
ما بين غار ثور وطريق الهجرة إلي الله ولجنة الامتحان أكثر من أربعة عشر قرنًا...
لكن القضية واحدة... هناك رجل حفظ الأمانة فصنع الله به أمة... وهنا شباب إذا حفظوا الأمانة أعاد الله بهم مجد أمة.
فالهجرة لم تنقطع... الهجرة من الغش إلى الصدق ومن الخيانة إلى الأمانة...
ومن المعصية إلى الطاعة... ومن مراقبة الناس إلى مراقبة رب الناس..
فكونوا من المهاجرين حقًا، يرفع الله قدركم في الدنيا، ويثقل موازينكم يوم القيامة.