recent
أخبار عاجلة

خطبة الجمعة يوم عاشوراء.. لا تحكم على الأحداث قبل أن ترى تدبير الله! بقلم الشيخ محمد إبراهيم سالم

يوم عاشوراء..


الحمد لله الّذي بيده مقاليد الأمور، وإليه ترجع العواقب والدهور. ​وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، كاشف الكربات، ومجيب الدعوات، ومبيد الطغاة. وأشهد أن سيدنا ونبينا محمداً عبده ورسوله، بعثه ربه بالهدى ودين الحق، ليكون رحمةً للعالمين، وسراجاً للمستضعفين، وقائداً للمتقين. صلوات الله وسلامه عليه وعلى آله الطيبين، وصحابته الغر الميامين.

​أما بعد: فيا عباد الله..

 ​ماذا تفعل إذا أُغلقت في وجهك كل الأبواب؟

 ماذا تفعل إذا كان البحر أمامك والعدو خلفك؟ إذا قال لك الناس بملء أفواههم: انتهى الأمر؟ إذا أخبرك الجميع بلسان الحال : لا مخرج، لا نجاة، لا أمل؟!

 ​هنا.. ينهار أكثر البشر، هنا تسقط العقول البشرية في مستنقع اليأس.. ولكن، هنا بالضبط يبدأ عمل المؤمن! هنا يتجلى الإيمان في أبهى صوره!

​ففي يوم من أيام الله الخالدة.. وقف كليم الله موسى عليه السلام في لحظة من أصعب اللحظات التي مرت على بني إسرائيل منذ وُلدوا! لحظةٌ تختصر صراع الوجود بين الحق والباطل.. إنها ملحمة يوم عاشوراء!

  ​أيها المسلمون :

حين نحدثكم اليوم عن عاشوراء، فنحن لا نروي لكم قصةً من الأساطير، ولا نبيعكم أوهاماً وتسلية!

نحن نتحدث عن واقعنا.. عن جراحنا.. عن آلامنا.

 ​كم من أبٍ اليوم حاصرته الهموم والديون، وبات ليله يتقلب كأنه على جمر، يرى الأبواب كلها قد سُدَّت في وجهه؟!

 ​وكم من شابٍ طحنته الظروف، وأُغلقت أمام طموحه النوافذ، وظن أن الأرض قد ضاقت عليه بما رحبت؟!

 ​وكم من أمٍ تبكي ولدها، أو تخشى على مستقبل أيتامها؟!

 ​وكم من أهلنا في غزة العزة.. الصامدين المرابطين، يعيشون اليوم بين الجوع والخوف، وتحت وطأة القصف والدمار والركام، في مشهدٍ تبكي له الحجارة؟!

​ويظن الناس.. يظن قاصرو النظر، وضعاف اليقين، أن النهاية قد كُتبت، وأن الباطل قد انتصر، وأن صفحة الحق قد طُويت!

​لكن عاشوراء جاء اليوم ليصرخ فينا جميعاً ويقول:

 لا تحكم على الأحداث قبل أن ترى تدبير الله!

 لا تنظر إلى حجم الكرب، بل انظر إلى قدرة الرب!

  أيها الأحبة الكرام...

​انظروا إلى المشهد التاريخي الذي يتكرر اليوم بحذافيره:

فرعون بجبروته، وجيشه الذي يملأ الأفق، يطارد قلة مستضعفة حافية عارية. وصلوا إلى شاطئ البحر.. الأمواج أمامهم، والسيوف تبرق خلفهم.

​في هذه اللحظة، نطق العجز البشري، وصاح أصحاب موسى بصيحة الخوف: {إِنَّا لَمُدْرَكُونَ}!

​ويا لله! كم تتكرر هذه الكلمة في كل عصر!

 ​فكأن أصحاب الأخدود كانوا يرون المشهد نفسه وهم يُساقون إلى النيران، وقد أحاط بهم الطغيان من كل جانب!

 وكذلك المسلمون يوم الأحزاب حين وصف الله حالهم فقال: { إِذۡ جَاۤءُوكُم مِّن فَوۡقِكُمۡ وَمِنۡ أَسۡفَلَ مِنكُمۡ وَإِذۡ زَاغَتِ ٱلۡأَبۡصَـٰرُ وَبَلَغَتِ ٱلۡقُلُوبُ ٱلۡحَنَاجِرَ وَتَظُنُّونَ بِٱللَّهِ ٱلظُّنُونَا۠ }.

 ​ويكاد يقولها اليوم كل صاحب كربة، وكل مظلوم مكلوم تحت الركام، وكل مديون عاجز: "إنا لمدركون.. انتهينا.. ضُيِّق علينا.. حُوصرنا!"

​ولكن.. المؤمن الصادق، الذي تَربَّى في مدرسة الأنبياء، لا يقف أبداً عند حدود: {إِنَّا لَمُدْرَكُونَ}.. بل ينتقل مباشرة، إلى مقام اليقين، ليصيح كما صاح موسى عليه السلام:

 ​{كَلَّا ۖ إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ}

​"كلا".. لن يدركونا! "كلا".. لن يذبحونا! "كلا".. لأن الحسابات ليست حساباتكم، ولأن القوة ليست قوتكم! معي ربي.. والكون كونه، والبحر بحره، والأمر أمره!

ولم يكن هذا اليقين مجرد كلمات تُقال، بل هو قانون رباني ثابت لا يتخلف، وقد علمه النبي لابن عباس رضي الله عنهما فقال:واعلم أن في الصبر على ما تكره خيراً كثيراً ، وأن النصر مع الصبر ، وأن الفرج مع الكرب ، وأن مع العسر يسراً.

نعم يا عباد الله...

النصر لا يولد من الترف، وإنما يولد من رحم الابتلاء.

والفرج لا يظهر عند اتساع الطرق، وإنما يظهر حين تنقطع الأسباب ، وعندها يعلم المؤمن أن الله يدبر الأمر كله.

​وما هي إلا لحظة واحدة من هذا اليقين، حتى صدر الأمر الإلهي الذي قلب الموازين: {أَنِ اضْرِب بِّعَصَاكَ الْبَحْرَ ۖ فَانفَلَقَ فَكَانَ كُلُّ فِرْقٍ كَالْطَّوْدِ الْعَظِيمِ}.

 عصا خشبية تفلق بحراً! لأن الفاعل هو الله!

فانفلق الماء ليظهر الطريق اليابس الممهد، واستقام الماء عن اليمين والشمال كالجبال الراسيات الحارسة، فعبر الضعفاء، وانطبق البحر على الطاغية وجنوده، فصاروا أثراً بعد عين!

  فيا عباد الله...

ما أكثر الفراعنة في كل زمان!

وما أكثر المستضعفين في كل مكان!

 لكن الذي أغرق فرعون بالأمس هو الله...

 والذي نصر موسى بالأمس هو الله...

 والذي فلق البحر بالأمس قادر على أن يفتح للمكروبين  اليوم أبواب الفرج، وللمحاصرين طرق النجاة، وللمؤمنين سبل النصر والتمكين.

فلا تغتروا بقوة ظالم...ولا تيأسوا من طول بلاء...

ولا تحكموا على الأحداث قبل أن تروا تدبير الله.

فكم من محنةٍ في طياتها منحة!

وكم من كربةٍ خرج من رحمها الفرج! وكم من ليلٍ طال سواده، ثم أذن الله لفجره أن يولد!

تذكروا دائماً أن أصحاب موسى رأوا البحر أمامهم، ورأوا فرعون خلفهم، ولم يروا الطريق.. لكن الله كان قد أعد الطريق.

وربما لا ترى اليوم طريق الفرج بعينك.. لكن يكفي أن الله يراه... قال سبحانه وتعالى {وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ}

​أقول قولي هذا، وأستغفر الله العظيم لي ولكم فاستغفروه، إنه هو الغفور الرحيم.

​الخطبة الثانية:

  نحن أحق بموسى منكم  

​الحمد لله وكفى، وصلاة وسلاماً على عباده الذين اصطفى، لا سيما المصطفى المجتبى، وعلى آله وصحبه ومن اقتفى.

  ​أيها المسلمون.. يا أمة النصر والعزة:

هذه الملحمة العظيمة لم تكن لبني إسرائيل وحدهم؛ بل هي كنزٌ استلمته هذه الأمة الإسلامية.

​ففي الحديث الذي يرويه الإمام البخاري في صحيحه عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا، أَنَّ النَّبِيَّ قَدِمَ المَدِينَةَ فَرَأَى اليَهُودَ تَصُومُ يَوْمَ عَاشُورَاءَ، فَقَالَ: «مَا هَذَا؟»، قَالُوا: "هَذَا يَوْمٌ صَالِحٌ، هَذَا يَوْمٌ نَجَّى اللَّهُ بَنِي إِسْرَائِيلَ مِنْ عَدُوِّهِمْ، فَصَامَهُ مُوسَى".

​فالتفت النبي إلى أصحابه، بملء العزة والكرامة، وأعلن الهوية الإسلامية المتميزة القائدة قائلاً:

​«فَأَنَا أَحَقُّ بِمُوسَى مِنْكُمْ» ، ​فصامه رسول الله ، وأمر بصيامه.

 ​«فَأَنَا أَحَقُّ بِمُوسَى مِنْكُمْ».. كلمة تُزلزل عروش المدعين! نحن أولى بموسى لأننا على دينه وتوحيده، نحن أولى بنصره لأننا نحمل رايته. نحن نصوم هذا اليوم شُكراً لله، وإعلاناً بأن طريقتنا هي طريقة الأنبياء: ثباتٌ في المحن، ويقينٌ عند انقطاع الأسباب.

  ​يا عباد الله، لا تخرجوا من الجمعة كما دخلتم؛ خذوا من عاشوراء شحنة التغيير:

 ​صوموا وصوِّموا بيوتكم: فصيام يوم عاشوراء يكفر ذنوب سنة كاملة مضت، كما قال : «أَحْتَسِبُ عَلَى اللهِ أَنْ يُكَفِّرَ السَّنَةَ الَّتِي قَبْلَهُ» (رواه مسلم).

 وصوموا يوماً قبله (اليوم التاسع) لتكتمل السنة، حرصاً على مخالفة اليهود وأهل الكتاب، كما قال : «لَئِنْ بَقِيتُ إِلَى قَابِلٍ لَأَصُومَنَّ التَّاسِعَ».

 جددوا اليقين في قلوبكم ورمموا هويتكم: اخرجوا من المسجد وأنتم تنظرون إلى أزماتكم بنظرة مختلفة. مهما بلغت وطأة الظروف، ومهما تآمر الأعداء، ومهما اشتد الحصار على إخواننا.. تذكروا دائماً: لا تحكم على الأحداث قبل أن ترى تدبير الله!

 

​اللهم انصر إخواننا المستضعفين في كل مكان.. اللهم كن لأهلنا في غزة ناصراً ومعيناً، ومؤيداً وظهيراً. اللهم أطعم جائعهم، واشف مريضهم، وتقبل شهيدهم، واربط على قلوبهم، وأنزل عليهم دفئاً وسلاماً وأمناً ونجِّهم من ضيق الحصار إلى سعة الفرج والانتصار ومكِّن لهم يا عزيز يا جبار.

​عباد الله.. { ۞ إِنَّ ٱللَّهَ یَأۡمُرُ بِٱلۡعَدۡلِ وَٱلۡإِحۡسَـٰنِ وَإِیتَاۤىِٕ ذِی ٱلۡقُرۡبَىٰ وَیَنۡهَىٰ عَنِ ٱلۡفَحۡشَاۤءِ وَٱلۡمُنكَرِ وَٱلۡبَغۡیِۚ یَعِظُكُمۡ لَعَلَّكُمۡ تَذَكَّرُونَ }.

اذكروا الله العظيم الجليل يذكركم، واشكروه على نعمه يزدكم، ولذكر الله أكبر، والله يعلم ما تصنعون.. وأقم الصلاة.

 

google-playkhamsatmostaqltradent