وَأَحْسِن كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ
اَلْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي رَفَعَ بِالْعِلْمِ
أَقْوَامًا، فَجَعَلَهُمْ لِلنَّاسِ أَئِمَّةً، يَهْتَدُونَ بِهُدَاهُمْ، وَيَمْشُونَ
عَلَى أَثَرِهِمْ وَنَهْجِهِمْ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلٰهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ
لَا شَرِيكَ لَهُ، اَلْحَمْدُ لِلَّهِ القائل: ﴿يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا
مِنكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ ۚ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾،
وَأَشْهَدُ أَنَّ سَيِّدَنَا وَنَبِيَّنَا مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، القائل:
«مَن يُرِدِ اللهُ به خَيرًا يُفَقِّهْه في الدِّينِ»، صَلَوَاتُ رَبِّي وَسَلَامُهُ
عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ، وَمَنْ سَارَ عَلَى نَهْجِهِمْ وَاقْتَفَى أَثَرَهُمْ
إِلَى يَوْمِ الدِّينِ.
أُوصِيكُمْ وَنَفْسِي الْمُقَصِّرَةَ أَوَّلًا
بِتَقْوَى اللَّهِ جَلَّ وَعَلَا، فَهِيَ وَصِيَّةُ اللَّهِ لِلْأَوَّلِينَ وَالْآخِرِينَ؛
قَالَ سُبْحَانَهُ: ﴿وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ
وَإِيَّاكُمْ أَنِ اتَّقُوا اللَّهَ﴾
أَيُّهَا المُسْلِمُونَ:
انتهى موسم الحج هذا العام، ورجع حجاج بيت
الله مغفور لهم وكيوم ولدتهم امهاتهم بإذن الله، رجع الحجاج بعد ان رجموا الشيطان وتبرؤوا
منه وعاهدوا الله على محاربته بعد الحج أيضا، رجع الحجاج والشيطان واتباعه ينتظرونهم
لإعادة الكرة ثانية لإغوائهم، واعلموا أيها المسلمون أنَّ الشيطانَ أخذ على نفسه، وأقسم
على ربِّه، أنْ يُغْوي بني آدم ويُضلَّهم ولن يتركهم: ﴿قَالَ فَبِمَا أَغْوَيْتَنِي
لأقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ، ثُمَّ لآتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ
وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَنْ شَمَائِلِهِمْ وَلا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ
شَاكِرِينَ﴾، وكذلك فان أولياء الشيطان حكام العالم وعملائهم من حكام المسلمين وبطانتهم
وشبيحتهم وعلمائهم وسحيجتهم لن يتركوا أحد من شطنتهم وإغوائهم، ولو رجمهم الحجاج ولعنهم
المسلمون، لذلك يجب مجاهدة النفس للانتصار على الشيطان واعوانه المذكورين: ﴿وَالَّذِينَ
جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا﴾
أَيُّهَا المُسْلِمُونَ:
انتهى موسم الحج وعاد الحجاج ولم تقم دولة
الإسلام ولم تتوحد الامة، ولم تتحرك جيوشها، ولم يحرر المسجد الأقصى، ولم يهزم الصليبيين
رغم ان امة الإسلام زادت عن مليونان في يوم هام وهم على صعيد واحد، ولم يفعلوا شيئا
للامة، ولم يبحثوا قضاياها، فماذا فعل ملايين المسلمين في الحج هذا العام؟؟، اين علماء
الامة الذين يتوجه الناس لهم في مواسم الخير وفي الحج، فترى الحجيج يسألون عنهم ويَبحثون
عن أماكنهم، ويحرصون على التفقُّه عليهم، ويطرحون عليهم تساؤلاتهم في أمور الحجِّ واحوال
الامة، وكيف السبيل للخروج مما نحن فيه من تمزق وفرق ومنكرات لا تعد ولا تحصى؟، فاين
ورثة الأنبياء؟، اين ميراث رسولنا الكريم واين دولته وجيشه وأين رايته؟، اين انتم أيها
العلماء وقد انزلكم الله منازلكم واحترم الناس لكم وحيث على ذلك نبينا الكريم ﷺ فقال: «أنزِلوا النَّاسَ مَنازِلَهم»،
فلماذا غبتن وغيبتم أنفسكم عن مكانتكم ومسؤولياتكم يا ورثةُ الأنبياءِ، اين انتم يا
من يستغفر لهم كلُّ رطب ويابس حتى الحيتانُ في الماء، اين علمكم وعملكم الذي تبلغون
به منازلَ الأخيار ودرجات المتَّقين الأبرار، يا من علت مكانتهم وعظُمَ شأنهم وقدرهم،
كما قال الله تعالى: ﴿يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا
الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ﴾، وقال تعالى: ﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ
لَا يَعْلَمُونَ﴾، رفعكم الله فحافظوا على مكانتكم لينزلكم الناس منازلكم
عِبَادَ اللهِ: ان احكام الإسلام ليست انتقائية
تأخذ منها كما تشاء وتترك ما تشاء، بل ان الله تعالى قد امر بالالتزام بكل احكام الإسلام
فقال: ﴿أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ ۚ فَمَا جَزَاءُ
مَن يَفْعَلُ ذَٰلِكَ مِنكُمْ إِلَّا خِزْيٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ۖ وَيَوْمَ
الْقِيَامَةِ يُرَدُّونَ إِلَىٰ أَشَدِّ الْعَذَابِ ﴾، فالذي امر بالصلاة والصوم والحج
هو الذي امر بوحدة الامة وامر بتنصيب حاكم عليها واقامة خلافة وتنصيب خليفة يقاتل من
ورائه ويتقى به، وهو الذي امر بتحرير المسجد الأقصى وامر بالخلاص من الحكام والاستعمار
فقال: ﴿وَلَن يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا﴾، وعلى
هذا فان دور العلماء كما هو عظيم في فرض الحج لإحسان الأداء والقبول، كذلك لهم دور
عظيم في جميع مناحي الحياة، وقيادة الناس ونشر الخير والوعي والابتعاد عن حكام السوء
وقول الحق، فلا يخافون في الله لومة لائم، ولا يحق لهم السكوت على ما يجري في امة الإسلام
والكفار يعيثون في الأرض فسادا ويحتلون ارض الإسلام، ولهذا لا بد لهم من ان يشتغلوا
بالسياسة والامر بالمعروف والنهي عن المنكر لكي لا تضلل الأمة بأقنعة أهل السوء من
الحكام والأحزاب وعلماء السوء والعلمانيين والخائنين
أيها المؤمنون أيها العلماء:
لعل أخطر ما وقع به علماء السلاطين هذه
الأيام أنهم تعاملوا مع الأمة على أساس تقسيمات سايكس بيكو، واصبحوا موظفين عند الدول،
فرسخوا الوطنية والقومية والحدود المصطنعة، كما أراد أعداء الأمة، فوقف كل عالم مع
حاكم بلاده يفتي له على ذهب المعزّ وسيفه في بدعة لم تعرفها الأمة من قبل، حتى صار
العالِم ظلّ الحاكم ويده اليمنى تفتي له بطشه مما أدى الى إيجاد راي عام انعكس على
العلماء خوفا، فاصبح العالم اسير الوظيفة والنظام، أصبح العالم اليوم يخشى الحاكم كخشيته
لله أو أشد خشية مع ان النبي ﷺ قد حذر العلماء بعد ان جعلهم ورثة الأنبياء،
وجعلهم بمنزلة سامقة، فقال ﷺ: «لاَ يَزَالُ اللَّهُ يَغْرِسُ فِي هَذَا
الدِّينِ غَرْسًا يَسْتَعْمِلُهُمْ فِي طَاعَتِهِ»، وقال ﷺ: «طوبى لِلْغُرَباءِ»، قيل: و مَنِ الغُرَباء
يا رسولَ اللهِ؟ قال: «ناسٌ صالِحُونَ قَلِيلٌ في ناسِ سَوْءٍ كَثِيرٍ ، مَنْ يَعْصِيهِمْ
أكثرُ مِمَّنْ يُطِيعُهُمْ»، فهم سببًا لبيان وإعلاء كلمة الحق، والذين يصلحون إذا
فسد الناس، و يقول الله تعالى عن مهمتهم في الحياة: ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ
الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلَا تَكْتُمُونَهُ﴾، ادعوا
اللهَ وأنتم موقنون بالإجابة وَاسْتَغْفِرُوا اللهَ العَظِيمَ
الخُطْبَةُ الثَّانِيَةُ: الحَمْدُ للهِ،
وَالصَّلَاَةُ وَالسَّلَاَمُ عَلَى رَسُولِ اللهِ وَعَلَى آلِه وَأَصْحَابِهِ، وَسَلَّمَ
تَسْلِيمَا كَثِيرَا
أَيُّهَا المُسْلِمُونَ:
يقول الله تعالى: ﴿وَأَحْسِن كَمَا أَحْسَنَ
اللَّهُ إِلَيْكَ ۖ وَلَا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الْأَرْضِ ۖ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ
الْمُفْسِدِينَ﴾، وقال ﷺ: «اعبُدِ اللهَ كأنَّك تراه، فإنْ لم تكُنْ
تراه فإنَّه يراك»، فبعد ان تفضل الله علينا حجاجا وغير حجاج واحسن الينا، ﴿هَلْ جَزَاءُ
الْإِحْسَانِ إِلَّا الْإِحْسَانُ﴾، وهذا يحتم علينا التزام أوامر الله ونواهيه وحصول
التقوى فهي خير زاد ليوم المعاد، ولا بد ان نرى اثر العلماء في اجتماع الحجاج علماء
وعامة، حكاما ومحكومين، حيث اجتمع اكثر من مليونين حاج على صعيد عرفات، ولم نرى اثرا
للعلماء في قيادة الناس وتوجيه الراي العام، لم نرى التغيير المنشود، فلم تقم الخلافة
ولم تحل مشاكل الامة ولم يطرد الاستعمار ولم يحرر المسجد الأقصى، لم توحد الامة ولم
تتحرك الجيوش لنصرة اخوانهم ولم نتخلص من الأنظمة العميلة، اجتمع المليونان وبقيت الامة
في حالة هزيمة مع ان نبينا ﷺ يقول: «ولا يُغْلَبُ اثنا عشرَ ألفًا من
قِلَّةٍ»
أيها العلماء:
مليونان وقد تزاحمت عليهم الفروض أسقطوا
عنهم فرض الحج، فماذا فعلوا بباقي الفروض؟، عندما تزاحمت الفروض زمن الصحابة رضي الله
عنهم وهم قدوتنا في الاولويات عند تزاحم الفروض، فماذا فعلوا بعد وفاة الرسول ﷺ، كان فرض الإسراع في دفنه ﷺ، وفرض الجهاد بتسيير حملة اسامة الى الشام،
وفرض تنصيب خليفة لرسول الله ﷺ، وفرض قتال المرتدين، فقام الصحابة بتقديم
تنصيب الخليفة على كل الفروض، حيث انهم اخروا فرض الجهاد وقتال المرتدين ودفن الرسول
ﷺ مع وجوب الاسراع به وهو النبي المرسل،
فتركوه ثلاثة أيام لامر اهم وهو تنصيب الخليفة، فهذا ليدل على ان الامر جلل والسرعة
فيه واجبه، فهو من الاعمال التي لا تحتمل التأخير لما فيها من رفع للقتل وللظلم عن
المسلمين، فهل يجوز لنا التفرج على قتل إخواننا؟، وهل ننتظر الى ان تنهب بقيه ثرواتنا؟،
وهل نتفرج على ما احتل من بلادنا؟، فهل يقبل هذا عزيز نفس عز بالإسلام؟، وهل يقبل هذا
مخلص تربى في مدرسه الإسلام؟، وهل يقبل هذا من انزل القرآن واعز المسلمين؟ وهل يقبل
هذا من صلى وصام وقام وحج ايمانا واحتسابا وهو يأمل ان تحصل عنده التقوى؟
إذا فالأمر واضح لا يحتاج الى كثير نظر،
ولكنه يحتاج كثيرا من العمل الجاد الحسن، والاسراع به وفق احكام الشرع، مع الثقة بوعد
الله وان لم نرى النتائج وطال الابتلاء: ﴿إِنَّ اللَّهَ بَالِغُ أَمْرِهِ قَدْ جَعَلَ
اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْرًا﴾، فيا من غفر الله له ورجع كيوم ولدته أمه فكن في استعمال
الله لبناء مشروع الله وخدمته وهو الإسلام العظيم.
فاذا استعملك الله في امر عظيم كإقامة دينه،
وتحكيم شرعه، فانت عظيم بأذنه ولك وصف عند الله، فهل انت حامل الدعوة المؤمن الموحد،
او الشهيد الامر بالمعروف الناهي عن المنكر، ام القوَّام الصوام، أو القائم على حدود
الله الصِّدّيق، ام يكون والعياذ بالله ممن لم يستعمله الله وركن الى نفسه، واعجبت
بها ورضي بالدنيا؟، فيكون المقصر المذنب او العاصي الكذاب، أو الغشاش، أو المرائي،
أو المنافق، او العميل او الكافر والفاسق
أنّ الأمة الإسلامية صاحبة قضية، ويجب أن
تتخذ حيالها إجراء الموت والحياة، حتى تنتصر قضيتها، وترتفع رايتها، ويستشهد من يستشهد
منهم في سبيلها، كلما استشهد قائد خلفه آخر، وكلما استشهد جندي خلَفه العشرات، فكن
عبدا لله عاملا مخلصا وليكن لك وظيفة عند الله يستعملك فيها، فإن لم يكن لك وظيفة عند
ربك فلا نفع لك في هذه الدنيا الفانية، ولا قيمة لك في الاخرة، فلا تخادع نفسك، فأنت
على نفسك بصير، فكن ممن يستعملهم الله ولا تكن ممن يستبدلهم الله، فإلى العمل للتغيير
بإقامة الخلافة الراشدة الثانية الموعودة على منهاج النبوة اللهم استعملنا ولا تستبدلنا،
قال ﷺ: «إذا أرادَ اللَّهُ بعبدٍ خيرًا استعملَهُ»،
فقيلَ: كيفَ يستعملُهُ يا رسولَ اللَّهِ؟ قالَ: «يوفِّقُهُ لعملٍ صالحٍ قبلَ الموتِ»
يا أهل القوة والمنعة، أيها العلماء: أنكم
بإذن اللهِ قادرونَ قيادة الناس وجيوشها وتنصيب خليفتها وعلى هزيمة أعدائها، واقرؤا
تاريخ اجداكم في حروبُ الخلافةِ مع الكفار الأعداء، ولقد بلغ السيل الزُبى، وقد تمادى
الصليبيون والكيان المسخ في جرائمهم، ولم يعد لمعتذر منكم عذر، لا أمام الله ولا أمام
عباد الله، فكونوا كالأوس والخزرج الذين نصروا رسول الله ﷺ وبايعوه بيعة الحرب في أيام الحج قال تعالى:
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن تَنصُرُوا اللَّهَ يَنصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ﴾،
وأقم الصلاة