التَّفَاخُرُ بِالْأَحْسَابِ وَالطَّعْنُ فِي الْأَنْسَابِ: خَصْلَتَانِ مُحَرَّمَتَانِ مِنْ بَقَايَا الْجَاهِلِيَّةِ .
️
️ الحمد لله الذي خلق الإنسان من طين، فسوّاه
ونفخ فيه من روحه، وجعل أكرم الخلق عنده أتقاهم، لا أنسبهم ولا أحسبهم. وأشهد أن لا
إله إلا الله وحده لا شريك له، شهادةً تُذْهِبُ عُبِّيَّةَ الجاهلية ونَخْوَتَها. وأشهد
أن سيدنا ونبينا محمدًا عبده ورسوله، الذي حطم أصنام الفخر بالأحساب، وسوّى بين الناس
في ميزان التقوى، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه، الذين فهموا الدين فهماً راسخاً، فلم
يرفعوا رأساً على أحدٍ إلا بالعمل الصالح، وسلّم تسليماً كثيراً.
️أما بعد، أيها الأحبة الكرام، إن من أخطر
ما يعصف بالمجتمعات المسلمة، ويهدد تماسكها، ويُفْسِدُ نقاء التوحيد في القلوب: تلك
البقايا الجاهلية التي لم تندثر، والنعرات القبلية التي تتجدد في أثواب مختلفة، وإن
رأس هذه الآفات وأصلها الأصيل: التفاخر بالأحساب والطعن في الأنساب.
وفي هذه المحاضرة ، سنقف وقفة متأنية متأصلة
مع هذه الخصلة الجاهلية، نستقصي أصولها في النص الشرعي، ونحلل أبعادها النفسية والاجتماعية،
ونفكك مظاهرها في واقعنا المعاصر، وصولاً إلى بيان العلاج الناجع لها من صميم ديننا
الحنيف.
وقد جاءت هذه الدراسة مبنية على أصول علمية
، تجمع بين المنهج الفقهي والأصولي، والنظرة التربوية الوعظية، والأسلوب الأدبي ، عسى
أن تكون هاديةً إلى الحق، مذكّرةً بالخير، رادعةً عن الشر، بإذن الله تعالى.
وحديثنا يأتي تحت المباحث التالية.
المبحث الأول: تحرير مفهوم "الفخر
بالأحساب" و"الطعن في الأنساب" وتحديد معناهما الشرعي واللغوي.
أولاً: تعريف الفخر بالأحساب.
"الفخر بالأحساب: أي التشرف بالآباء والتعاظم
بعدِّ مناقبهم ومآثرهم وفضائلهم وذلك جهل عظيم، إذ لا شرف إلا بالتقوى كما قال تعالى:
(وَمَا أَمْوَالُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ بِالَّتِي تُقَرِّبُكُمْ عِنْدَنَا زُلْفَى
إِلَّا مَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَأُولَئِكَ لَهُمْ جَزَاءُ الضِّعْفِ بِمَا عَمِلُوا
وَهُمْ فِي الْغُرُفَاتِ آمِنُونَ) [سبأ: 37]...".<تيسير العزيز الحميد في
شرح كتاب التوحيد الذي هو حق الله على العبيد، سليمان بن عبد الله آل الشيخ، ص:
389>.
"والحسب: ما يحتسبه الإنسان من شرف وسؤدد،
كأن يكون من بني هاشم فيفتخر بذلك، أو من آباء وأجداد مشهورين بالشجاعة، فيفتخر بذلك،
وهذا من أمر الجاهلية؛ لأن الفخر في الحقيقة يكون بتقوى الله الذي يمنع الإنسان من
التعالي والتعاظم".
القول المفيد على كتاب التوحيد، محمد بن صالح العثيمين، 2/ 23 .
وخلاصة التعريف:
هو اعتداد المرء بمناقب أجداده وقبيلته
للتعالي، وهو انتساب لعمل الغير، وإذا كان
"فخر الإنسان بعمله منهي عنه؛ فكيف افتخاره بعمل غيره؟!". <الدرر السنية
في الأجوبة النجدية، 2/ 153>.
ثانياً: تعريف الطعن في الأنساب.
هو القدح في نسب الغير احتقاراً له بذكر
ما يعاب عرفاً من لون أو قبيلة أو مهنة، وهو سلوك إبليسي، فأول من طعن في الأصل هو
إبليس اللعين حين قال: (أَنَا۠ خَيْرٌۭ مِّنْهُ ۖ خَلَقْتَنِى مِن نَّارٍۢ وَخَلَقْتَهُۥ
مِن طِينٍۢ) [الأعراف: ١٢].فجعل المادة التي خُلق منها سبباً للتفضيل، وهذه أصل البلية
في باب التعالي بالأنساب والأصول
المبحث الثاني: الجذور التاريخية والنفسية لآفة
الفخر بالأحساب وكونها من خصال الجاهلية.
- آفة الفخر بالأحساب والطعن في الأنساب تعود
جذورها إلى إبليس،
ثم تأصلت في النفوس المنحرفة عبر التاريخ،
حتى أصبحت صفة أساسية من صفات أهل الجاهلية
البعيدين عن هدي الوحي والرسالة
فهي:
خصلة جاهلية لا تتركها الأمة بالكلية، بل
ستبقى فيها جمرات مشتعلة تظهر تارة وتخبو تارة،
يقول عليه الصلاة والسلام:
يقول عليه الصلاة والسلام: "أَرْبَعٌ
فِي أُمَّتِي مِنْ أَمْرِ الْجَاهِلِيَّةِ, لَا يَتْرُكُونَهُنَّ: الْفَخْرُ فِي الْأَحْسَابِ،
وَالطَّعْنُ فِي الْأَنْسَابِ، وَالْاسْتِسْقَاءُ بِالنُّجُومِ، وَالنِّيَاحَةُ".
<أخرجه مسلم>.
وقال
صلى الله عليه وسلم "أربعٌ في أمَّتي من أمرِ الجاهليةِ، لا يتركوهنَّ.
الفَخرُ في الأحسابِ، والطَّعنُ في الأنسابِ، والاستِسقاءُ بالنُّجومِ، والنِّياحةُ".
<رواه مسلم>.
النموذج القرآني للمفاخرة الباطلة:
قيل في قصة الرجلين على عهد موسى عليه السلام:
"انتسب رجلان على عهد موسى صلى الله عليه
وسلم، فقال أحدهما: أنا فلان ابن فلان حتى عد تسعة فمن أنت لا أم لك، قال: فقال: أنا
فلان ابن فلان ابن الإسلام، قال: فأوحى الله إلى موسى عليه السلام أن قل لهذين المنتسبين
أما أنت أيها المنتمي أو المنتسب إلى تسعة في النار وأنت عاشرهم،
وأما أنت يا هذا المنتسب إلى اثنين في الجنة
فأنت ثالثهما في الجنة". <أخرجه أحمد (22978)، وحسنه الألباني>.
وهنا يتبين لنا بجلاء أن العبرة ليست بكثرة
الآباء العظام إذا كانوا على ضلال، بل العبرة بالانتساب إلى الدين الحق والعمل الصالح.
المبحث الثالث: مساوئ الافتخار بالأحساب ومفاسده
على الفرد والمجتمع.
الافتخار بالأحساب.
كبيرة من كبائر الذنوب وصاحبها متوعد بعقاب
شديد:
قال عليه الصلاه والسلام: "إِنَّ اللهَ -عَزَّ وَجَلَّ- قَدْ أَذْهَبَ
عَنْكُمْ عُبِّيَّةَ الْجَاهِلِيَّةِ، وَفَخْرَهَا بِالْآبَاءِ، مُؤْمِنٌ تَقِيٌّ،
وَفَاجِرٌ شَقِيٌّ، وَالنَّاسُ بَنُو آدَمَ، وَآدَمُ مِنْ تُرَابٍ، لَيَنْتَهِيَنَّ
أَقْوَامٌ فَخْرَهُمْ بِرِجَالٍ، أَوْ لَيَكُونُنَّ أَهْوَنَ عِنْدَ اللهِ مِنْ عِدَّتِهِمْ
مِنَ الْجِعْلَانِ الَّتِي تَدْفَعُ بِأَنْفِهَا النَّتَنَ". <أخرجه أبو داود
(5116) وحسنه الألباني في صحيح الجامع الصغير وزيادته برقم: 1787>.
"قال الخطابي: معناه أن الناس رجلان: مؤمن تقي فهو الخير الفاضل وإن لم يكن حسيباً في قومه، وفاجر شقي فهو الدنيء وإن كان في أهله شريفاً رفيعاً... فلا يليق بمن أصله التراب النخوة والتجبر". <تحفة الأحوذي، المباركفوري، 10/ 317>.
وقوله
"لينتهين أقوام يفتخرون بآبائهم الذين ماتوا، إنما هم فحم جهنم، أو ليكونن
أهون على الله من الجعل الذي يدهده الخراء بأنفه، إن الله أذهب عنكم عبية الجاهلية
وفخرها بالآباء إنما هو مؤمن تقي أو فاجر شقي". <رواه الترمذي (3955) عن أبي
هريرة، وهو حديث صحيح>.
تسبب الحرمان من ولاية الله وشفاعة نبيه
صلى الله عليه وسلم:
قال عليه الصلاه والسلام: "إنَّ أوليائي يومَ القيامةِ المُتَّقونَ،
وإنْ كان نسَبٌ أقرَبَ مِن نسَبٍ, فلا يأتيني النَّاسُ بالأعمالِ وتأتوني بالدُّنيا,
تحمِلونَها على رِقابِكم فتقولونَ: يا مُحمَّدُ، فأقولُ هكذا وهكذا: لا، وأعرَض في
كِلَا عِطْفَيْه". <رواه البخاري في الأدب المفرد.
من عمل العاجزين الكسالى:
يقول علي بن أبي طالب رضي الله عنه:
لَعَمْرُكَ ما الإنسانُ إلا بِدينِهِ
... فَلَا تَتْرُكِ التَّقْوَى اتِّكَالاً عَلَى النَّسَبْ
فَقَدْ رَفَعَ الْإِسْلَامُ سَلْمَانَ فَارِسٍ
... وَقَدْ وَضَعَ الشِّرْكُ الشَّرِيفَ أَبَا لَهَبْ
فنزل في عمه الشريف: (تَبَّتْ يَدَا أَبِي
لَهَبٍ وَتَبَّ) [المسد: ١]، ورفع سلمان الفارسي. بإيمانه وعمله الصالح ،وبلغ منازل
الأبرار.
تفرق وحدة الصف الإسلامي :
فترى الناس يتحزبون على أساس الأنساب والبلدان
والألوان، فيصبح هذا "عربي" وهذا "أعجمي"، وهذا "أبيض"
وهذا "أسود". وهذا يخالف أمر الله صراحة حيث قال سبحانه : (يَـٰۤأَيُّهَا
ٱلنَّاسُ إِنَّا خَلَقۡنَـٰكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَىٰ وَجَعَلۡنَـٰكُمۡ شُعُوبًا وَقَبَاۤىِٕلَ
لِتَعَارَفُوۤا۟ۚ) [الحجرات: ١٣].
مدعاة لظلم الناس وبخسهم حقوقهم:
كالمنع من التزويج والتوظيف والإمامة.
بحجه أن هذا من العائله الوضيعه وأن هذا
لا يرتقي لحالنا
.
المبحث الرابع: حكم الفخر بالأحساب في ميزان الشريعة
الإسلامية وبيان مقياس الكرامة.
الفخر بالأحساب من الكبائر المحرمة وأعمال الجاهلية التي هدمها الإسلام.
الإسلام دين المساواة والتواضع:
قال عليه الصلاه والسلام : "يا أيُّها النَّاسُ ! إنَّ ربَّكم واحدٌ، وإنَّ أباكم واحدٌ، ألا لا فضلَ لعربيٍّ على عجميٍّ، ولا لعجميٍّ على عربيٍّ، ولا لأحمرَ على أسودَ، ولا لأسودَ على أحمرَ إلَّا بالتَّقوَى، إنَّ أكرمَكم عند اللهِ أتقاكم، ألا هل بلَّغتُ، قالوا: بلى يا رسولَ اللهِ، قال: فليُبلِغِ الشَّاهدُ الغائبَ". <حديث صحيح، أخرجه أحمد وغيره، وصححه الألباني في السلسلة الصحيحة وصحيح الجامع .
وقال صلى الله عليه وسلم "إِنَّ اللهَ
لَا يَنْظُرُ إِلَى صُوَرِكُمْ وَأَمْوَالِكُمْ، وَلَكِنْ يَنْظُرُ إِلَى قُلُوبِكُمْ
وَأَعْمَالِكُمْ". <رواه مسلم (2564) .
الأصل واحد والعاقبة للتقوى:
قال تعالى: (وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَكُمْ
مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ إِذَا أَنْتُمْ بَشَرٌ تَنْتَشِرُونَ) [الروم: 20]،
وقال سبحانه مبيناً مراحل الخلق: (هُوَ
الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ يُخْرِجُكُمْ
طِفْلًا ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ ثُمَّ لِتَكُونُوا شُيُوخًا وَمِنْكُمْ مَنْ
يُتَوَفَّى مِنْ قَبْلُ وَلِتَبْلُغُوا أَجَلًا مُسَمًّى وَلَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ)
[غافر: ٦٧].
وقال عليه الصلاه والسلام "إِنَّ اللهَ
عَزَّ وَجَلَّ خَلَقَ آدَمَ مِنْ قَبْضَةٍ قَبَضَهَا مِنْ جَمِيعِ الْأَرْضِ، فَجَاءَ
بَنُو آدَمَ عَلَى قَدْرِ الْأَرْضِ، جَاءَ مِنْهُمُ الْأَبْيَضُ وَالْأَحْمَرُ وَالْأَسْوَدُ
وَبَيْنَ ذَلِكَ، وَالْخَبِيثُ وَالطَّيِّبُ، وَالسَّهْلُ وَالْحَزْنُ وَبَيْنَ ذَلِكَ".
<أخرجه أبو داود (4693) وصححه الألباني في الصحيحة رقم (1630)>.
و"قوله: (عَلَى قَدْرِ الْأَرْضِ)
أي: مبلغها من الأكوان... فجاء بنو آدم على حسب تلك القبضة التي فيها السهل والحزن
والطيب والخبيث...". <شرح المشكاة للطيبي الكاشف عن حقائق السنن، 2/ 564 >
وقوله"(فَجَاءَ بَنُو آدَمَ عَلَى
قَدْرِ الْأَرْضِ) أَيْ: مَبْلَغِهَا مِنَ الْأَلْوَانِ وَالطِّبَاعِ... بِحَسَبِ تُرَابِهِمْ،
وَهَذِهِ الثَّلَاثَةُ هِيَ أُصُولُ الْأَلْوَانِ، وَمَا عَدَاهَا مُرَكَّبٌ مِنْهَا".
<مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح، الهروي، 1/ 176>
القاعدة الجامعة:
قال عليه الصلاه والسلام. "مَنْ بَطَّأَ
بِهِ عَمَلُهُ لَمْ يُسْرِعْ بِهِ نَسَبُهُ". <رواه مسلم (2699)>.أي أن
من كان عمله بطيئاً هزيلاً، لن ينفعه نسبه الرفيع يوم القيامة، ولن يسرع به في المرور
على الصراط، فالأعمال هي التي تسرع بأصحابها أو تبطئ بهم، لا الأنساب.
المبحث الخامس: نماذج عملية من الهدي النبوي وتطبيقات
السلف في هدم جاهلية الأنساب.
قصة أبي ذر وبلال رضي الله عنهما: حين قال
أبو ذر لبلال: "يا ابن السوداء"،عندها غضب النبي صلى الله عليه وسلم وقال:
"يَا أَبَا ذَرٍّ، إِنَّكَ امْرُؤٌ فِيكَ جَاهِلِيَّةٌ، طَعَنْتَ فِي أُمِّهِ".
فوضع أبو ذر خده على التراب لبلال حتى وطأه بقدمه.
قصة المشرك الذي استنكف من أذان بلال:
لما أذن بلال فوق الكعبة قال بعض المشركين:
"الحمد لله الذي قبض أبي حتى لا يرى هذا اليوم"، فأنزل الله: (يَـٰۤأَيُّهَا
ٱلنَّاسُ إِنَّا خَلَقۡنَـٰكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَىٰ وَجَعَلۡنَـٰكُمۡ شُعُوبًا وَقَبَاۤىِٕلَ
لِتَعَارَفُوۤا۟ۚ إِنَّ أَكۡرَمَكُمۡ عِندَ ٱللَّهِ أَتۡقَىٰكُمۡۚ إِنَّ ٱللَّهَ عَلِيمٌ
خَبِيرٌ) [الحجرات: ١٣].
فهذه الآية ميثاقاً إلهياً خالداً في إبطال
كل عنصرية.
قصة عائذ بن عمرو مع أبي بكر الصديق:
"أنَّ أَبَا سُفْيَانَ أَتَى علَى سَلْمَانَ،
وَصُهَيْبٍ، وَبِلَالٍ في نَفَرٍ، فَقالوا: وَاللَّهِ ما أَخَذَتْ سُيُوفُ اللهِ مِن
عُنُقِ عَدُوِّ اللهِ مَأْخَذَهَا، قالَ: فَقالَ أَبُو بَكْرٍ: أَتَقُولونَ هذا لِشَيخِ
قُرَيْشٍ وَسَيِّدِهِمْ؟! فأتَى النَّبيَّ صَلَّى اللَّهُ عليه وسلَّمَ فأخْبَرَهُ،
فَقالَ: يا أَبَا بَكْرٍ، لَعَلَّكَ أَغْضَبْتَهُمْ، لَئِنْ كُنْتَ أَغْضَبْتَهُمْ،
لقَدْ أَغْضَبْتَ رَبَّكَ. فَأَتَاهُمْ أَبُو بَكْرٍ فَقالَ: يا إخْوَتَاهْ، أَغْضَبْتُكُمْ؟
قالوا: لا، يَغْفِرُ اللَّهُ لكَ يا أَخِي". <رواه مسلم>.
تحذير النبي صلى الله عليه وسلم لأقرب الناس
إليه نسباً:
قال عليه الصلاه والسلام "يا بَنِي
كعبِ بنِ لُؤَيٍّ ! يا بَنِي عبدِ منافٍ ! يا بَنِي مُرَّةَ بنِ كَعْبٍ، يا بَني هاشِمٍ
! يا عباسُ عم رسول الله! يا صفيةُ عَمَّةَ رسولِ اللهِ! يافاطمةُ بنتَ مُحَمَّدٍ
! اشْتَرُوا أنفسَكم
لا أُغْنِي عنكِ من اللهِ شيئًا. أَنْقِذُوا
أنفسَكم من النارِ، أَنْقِذُوا أنفسَكم من النارِ، فإني لا أَمْلِكُ لكم من اللهِ شيئًا".
<رواه البخاري ومسلم>.
فإذا كان النبي صلى الله عليه وسلم، وهو
أعظم الخلق جاهاً عند الله، يقول لبنته فاطمة وعمه العباس وعمته صفية: لا أملك لكم
من الله شيئاً، فما بال أقوام يتبجحون بأنسابهم وآبائهم؟!
المبحث السادس: نماذج تاريخية ومعاصرة تدحض
وهم العظمة بالنسب.
علي إبراهيم باشا: كانت أمه خادمة، وصنع
مجده بعلمه حتى أصبح أبو الطب في مصر.
باراك أوباما: أفريقي الأصل شق طريقه بكفاحه
ليحكم أقوى دولة في العالم.
نيلسون مانديلا:
نشأ يتيماً فقيراً وصار رمزاً للنضال العالمي
ضد العنصرية.
وكم من العكس!
كأخي رئيس الوزراء بالعهد الملكي الذي كان
عاطلاً مدمناً يتفاخر بنسبه.
ومع ذلك كان ينتفخ فخراً قائلاً:
"أنا أخو رئيس الوزراء". نسب رفيع، لكنه لم يشفع له من هوة الكسل والضياع
وصدق
الشاعر:
الناسُ مِن جِهَةِ التِمثالِ اَكفاءُ
... أَبوهُمُ آدَمُ وَالأُمُ حَوّاءُ
فَإِن يَكُن لَهُمُ مِن أَصلِهِم شَرَفٌ
... يُفاخِرونَ بِهِ فَالطينُ وَالماءُ
المبحث السابع: الفرق بين الفخر المذموم
بالأحساب، وتعلم علم الأنساب المشروع.
علم الأنساب معتبر وكان الصديق أعلم الناس
به، والغرض منه صلة الأرحام لا التفاخر؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: "تَعَلَّموا أَنْسابَكُم؛ تَصِلوا أَرْحامَكُمْ".
<أخرجه الترمذي (1979)، وصححه الألباني>.
المبحث الثامن: المنهج النبوي في العلاج
واقتلاع هذه الجاهلية من النفوس.
العلاج الإيماني:
على المؤمن أن يستحضر دوماً أن أصله من
تراب، وأنه خُلق من نطفة مهينة
قال تعالى: (مِنْ أَيِّ شَيْءٍ خَلَقَهُ
مِنْ نُطْفَةٍ خَلَقَهُ فَقَدَّرَهُ ثُمَّ السَّبِيلَ يَسَّرَهُ) [عبس: ١٨-٢٠]،
ثم يستحضر كذلك أن هذه الأنساب التي يفخر
بها في الدنيا ستنقطع ولا قيمة لها في الآخرة، كما قال تعالى: (فَإِذَا نُفِخَ فِي
الصُّورِ فَلَا أَنسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلَا يَتَسَاءَلُونَ) [المؤمنون:
١٠١]. فإذا انقطعت الأنساب يوم القيامة مع شدة الحاجة إليها للتعارف والتساؤل، فكيف
بغيرها؟!
العلاج التربوي:
تربية النشء على قوله صلى الله عليه وسلم:
"إنَّ اللهَ أَوْحَى إِلَيَّ أَنْ تَوَاضَعُوا حَتَّى لَا يَفْخَرَ أَحَدٌ عَلَى
أَحَدٍ، وَلَا يَبْغِي أَحَدٌ عَلَى أَحَدٍ". <أخرجه مسلم>.
العلاج العملي:
تطبيق المساواة، ومنها عدم رفض الزواج بسبب
التفاخر النسبي؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: "إذا أتاكم من ترضونَ خُلُقَه ودينَه
فزَّوجوه . إلا تفعلوا تكنْ فتنةٌ في الأرضِ وفسادٌ عريضٌ". <أخرجه الترمذي
وابن ماجه، وهو حديث صحيح>.
وعلينا نبذ مقولة "ع الأصل دور"
والإيمان بـ التقوى والعمل الصالح و"ليس الفتى من قال كان أبي، ولكن الفتى من
قال ها أنذا".
التحذير من التنابز بالألقاب والسخرية:
قال تعالى: (يَـٰۤأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟
لَا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِّن قَوْمٍ عَسَىٰۤ أَن يَكُونُوا۟ خَيْرًا مِّنْهُمْ وَلَا نِسَاۤءٌ
مِّن نِّسَاۤءٍ عَسَىٰۤ أَن يَكُنَّ خَيْرًا مِّنْهُنَّۖ وَلَا تَلْمِزُوۤا۟ أَنفُسَكُمْ
وَلَا تَنَابَزُوا۟ بِٱلْأَلْقَـٰبِۖ بِئْسَ ٱلِٱسْمُ ٱلْفُسُوقُ بَعْدَ ٱلْإِيمَـٰنِۚ
وَمَن لَّمْ يَتُبْ فَأُو۟لَـٰۤىِٕكَ هُمُ ٱلظَّـٰلِمُونَ) [الحجرات: ١١].
وتأمل كيف سمى الله ذلك فسوقاً بعد الإيمان،
وكيف جعل المسلمين نفساً واحدة فقال: (وَلَا تَلۡمِزُوۤا۟ أَنفُسَكُمۡ)، لأن من طعن
في أخيه فكأنما طعن في نفسه. قال ابن مسعود: "لَوْ سَخِرْتُ مِنْ كَلْبٍ، لَخَشِيتُ
أَنْ أَكُونَ كَلْبًا".
الخاتمة: نحو مجتمع إسلامي يسمو بالتقوى
لا بالنسب.
أيها الإخوة المؤمنون، لتعلموا يقيناً أن
العبرة بالثمر لا بالأصل، ويوم القيامة لا يسأل الله عن الأجداد بل عن العمل، فاستعدوا
لذلك اليوم واجعلوا القرآن والسنة إمامكم.
الدعاء
اللهم يا من خلقت الإنسان من طين، وأخرجت
منه الشعوب والقبائل ليتعارفوا، نسألك بأسمائك الحسنى وصفاتك العلى، أن تطهر قلوبنا
من عُبِّيّة الجاهلية ونخوتها وفخرها بالآباء.
اللهم إنا نعوذ بك أن نغتر بأحسابنا أو
أن نطعن في أنساب عبادك.
اللهم اجعلنا من عبادك المتقين، الذين لا
فضل بينهم إلا بالتقوى، ولا شرف لهم إلا بطاعتك.
اللهم انزع من قلوبنا الكبر والخيلاء والعُجب،
واجعلنا متواضعين لإخواننا المسلمين، نراهم بعين الرحمة والمودة، لا بعين التعالي والاحتقار.
اللهم اهدنا لما اختلف فيه من الحق بإذنك،
إنك تهدي من تشاء إلى صراط مستقيم.
اللهم ألف بين قلوبنا، وأصلح ذات بيننا،
واهدنا سبل السلام.
اللهم ارزقنا الفقه في الدين، وثبتنا على
الإسلام والسنة حتى نلقاك.
اللهم من أراد بنا وبإخواننا المسلمين سوءاً،
فاشغله بنفسه، واجعل كيده في نحره.
اللهم إنا نسألك عملاً صالحاً متقبلاً،
ورزقاً حلالاً طيباً، وقلباً نقياً خاشعاً.
اللهم أَذْهِبْ عنا وعن جميع المسلمين آثار
الجاهلية وموروثاتها، واجمعنا على الحق والهدى.
اللهم ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة
حسنة وقنا عذاب النار.
سبحان ربك رب العزة عما يصفون، وسلام على
المرسلين، والحمد لله رب العالمين.