ادْخُلُوا مِصْرَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِين
خُصُوصِيَّةُ مِصْرَ
وَمَكَانَتُهَا.
نِعْمَةُ الأَمْنِ
وَالأَمَانِ وَأَثَرُهَا فِي اسْتِقْرَارِ الأَوْطَانِ وَبِنَاءِ الحَضَارَةِ.
الأَمَانُ الأَخْلَاقِيُّ
وَالعَقَدِيُّ سِيَاجُ الأَوْطَانِ المَتِينُ.
الحمدُ للهِ الذي فاوتَ بينَ العبادِ، وفضَّلَ
بعضَ خلقِهِ على بعضٍ في الأمكنةِ والبلادِ، فجعلَ منْ مصرَ مأمنًا للخائفينَ، وملجأً
للملهوفينَ، ومنارةً للعلمِ والعلماءِ الصادقينَ، والصلاةُ والسلامُ على سيدنا محمدٍ،
أفصحِ مَنْ نطقَ بالضادِ، وحثَّ على الودادِ، وحذرَ منْ البغيِ والفسادِ، وعلى آلِهِ
وصحبِهِ السادةِ الأمجادِ، (ٱية التقوى)؛ أمَّا
بعدُ:
العُنْصُرُ الأَوَّلُ: خُصُوصِيَّةُ مِصْرَ
وَمَكَانَتُهَا فِي التنْزِيلِ.
أيها المسلمونَ؛ إنَّ الوعيَ بفضلِ اللهِ
وتفضيلِهِ للأمكنةِ جزءٌ منْ فقهِ الشكرِ، وبابٌ لترسيخِ معاني الانتماءِ والاعتزازِ؛
وإنَّ منْ أصدقِ الحقائقِ الشرعيةِ والتاريخيةِ التي ينبضُ بها وجدانُ الأمةِ، أنَّ
مصرَ الغاليةَ لَمْ تكنْ يوماً مجردَ رقعةٍ جغرافيةٍ عابرةٍ على خارطةِ الدنيا، بلْ
هيَ كنانةُ اللهِ في أرضِهِ، ومحطُ رعايةِ التنزيلِ تشريفاً وتكريماً. لقدْ سجلَ القرآنُ
العظيمُ خصوصيتَها حِينَ حكى مقالةَ يوسفَ الصديقِ لِأَبَوَيْهِ وَإِخْوَتِهِ حِينَ
قَالَ: ﴿ادْخُلُوا مِصْرَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ﴾ (يوسف: ٩٩). وتأملوا هنا تلكَ
الإشارةَ اللطيفةَ في تعليقِ الدخولِ بمشيئةِ اللهِ سبحانَهُ؛ وهيَ لفتةٌ علويةٌ غرسَها
الصديقُ لبيانِ أنَّ أمانَ مصرَ وبركتَها وإنْ كانا واقعينِ مشهودينِ مستقرينِ في جبلةِ
هذهِ الأرضِ وأهلِها، إلا أنهما موكولانِ دائمًا برعايةِ اللهِ وتوفيقِهِ، ومقترنانِ
بقدرتِهِ النافذةِ، تذكيراً بالشكْرِ الدائمِ للمنعمِ جلَّ جلالُهُ.
فعلى ترابِ مصرَ الطاهرِ، تعانقتْ رسالاتُ
السماءِ، وتنفسَ الأنبياءُ الصعداءَ بعدَ الكربِ والشدةِ؛ هنا التقى يوسفُ بأبيهِ يعقوبَ
عليهِما السلامُ بعدَ طولِ جفاءٍ وفراقٍ، وهنا رُعِيَ موسى كليمُ اللهِ في طفولتِهِ
حتَّى كلَّمَ ربَّهُ فوقَ سيناءَ المباركةِ، وإليها التجأتْ العائلةُ المقدسةُ عيسى
وأمُّهُ الصديقةُ مريمُ فاستقبلتْهُما الأرضُ بالرحبِ والأمانِ. ولَمْ تقتصرْ تلكَ
الجاذبيةُ الروحيةُ على الأنبياءِ وحدهمْ، بلْ جذبتْ قوافلَ خيارِ أصحابِ رسولِ اللهِ
صلى اللهُ عليهِ وسلمَ؛ الذينَ جَاءُوا إِلَيْهَا فَاتِحِينَ وَمُبَلِّغِينَ، فامتزجتْ
طينتُها بعلمِ وعرقِ الصحبِ الكرامِ؛ كعمرو بنِ العاصِ، وعبدِ اللهِ بنِ عمرو، وأبي
ذرٍّ الغفاريِّ، وعقبةَ بنِ عامرٍ الجهنيِّ، رضيَ اللهُ عنهمْ أجمعينَ. ثمَّ تتابعَ
الأعلامُ الأبرارُ الذينَ ملؤوا الدنيا فِقْهاً ونوراً؛ كالإمامِ الليثِ بنِ سعدٍ فقيهِ
مصرَ، والإمامِ الشافعيِّ صاحبِ المذهبِ المجددِ، والإمامِ الشاطبيِّ، وسلطانِ العلماءِ
العزِّ بنِ عبدِ السلامِ، ناهيكَ عنْ آلِ البيتِ الأطهارِ بمساجدِهمْ المنورةِ الميمونةِ،
الذينَ وجدوا في مصرَ نعمَ القرارِ ونعمَ الجوارِ.
إنَّ الوطنيةَ الفاعلةَ المؤثرةَ تنطلقُ
منْ هذا الفخرِ الشرعيِّ؛ لتصنعَ منْ أبناءِ مصرَ حراساً لعزِّها، وبناةً لنهضتِها،
فمصرُ هيَ البلدُ الأعظمُ الذي فتحَ أبوابَهُ لكلِّ بلادِ الدنيا، وما منعَ خيرَهُ
عنْ أحدٍ، فاستقبلَ الخائفَ والملهوفَ منْ كلِّ حدبٍ وصوبٍ. حتَّى رُويَ أنَّ سيدنا
يوسفَ عليهِ الصلاةُ والسلامُ لما دخلَ إلى مصرَ وأقامَ بها قالَ: اللَّهُمَّ إِنِّي
غَرِيبٌ فَحَبِّبْهَا إِلَيَّ وَإِلَى كُلِّ غَرِيبٍ. فمضتْ دعوتُهُ المباركةُ، فليسَ
يدخلُها غريبٌ إلا أحبَّ المقامَ بها، وشعرَ بأنسِها وكرمِ أهلِها. ولقدْ تبارى شعراءُ
الأمةِ في جيلِ ريادتِها الأدبيةِ في تصويرِ هذهِ المكانةِ الساميةِ.
وهذا أولُ القصيدِ الذي يشدُو بِمَجْدِها
جاعِلاً مِصْرَ بَيْتَ الأُمَّةِ لِكُلِّ قَاصِدٍ فَيَقُولُ:
يا مِصرُ بَيْتُكِ مَلْجَأُ الغُرَباءِ
•• وَحِمَاكِ مَهْدُ العِلْمِ وَالعُلَمَاءِ
أَمِنَ النَّزِيلُ بِأَرْضِ مِصْرَ فَلَمْ
يَجِدْ •• إِلَّا النَّدَى وَكَرَامَةَ الأُمَرَاءِ
ثمَّ يَقِفُ شَاعِرُ النِّيلِ حَافِظُ إِبْرَاهِيمَ
مُتَحَدِّثاً بِلِسَانِ مِصْرَ الَّتِي تَتَبَاهَى بِتَارِيخِ عِظَمِ رِجَالِهَا وَمُنْجَزَاتِهَا
عَبْرَ العُصُورِ فَيَقُولُ:
أَنَا تَاجُ العَلَاءِ فِي مَفْرِقِ الشَّرْ
•• قِ وَدُرَّاتُهُ فَرَائِدُ عِقْدِي
أَيُّ شَيءٍ في الغَربِ قَد بَهَرَ النا
•• سَ جَمالاً وَلَم يَكُن مِنهُ عِندي
وَيُكْمِلُ هَذَا العِقْدَ الفَرِيدَ شَاعِرُ
الشَّجْوِ أَحْمَدُ رَامِي مُعَبِّراً عَنْ مِصْرَ بِأَنَّهَا وَطَنُ الأَمَانِ وَالمَحَبَّةِ،
الَّذِي يَسْتَحِقُّ التَّضْحِيَةَ وَالفِدَاءَ بِكُلِّ غَالٍ وَنَفِيسٍ فَيَقُولُ:
مِصْرُ الَّتِي فِي خَاطِرِي وَفِي فَمِي
أُحِبُّهَا مِنْ كُلِّ رُوحِي وَدَمِي
يَا لَيْتَ كُلَّ مُؤْمِنٍ بِعِزِّهَا
يُحِبُّهَا حُبِّي لَهَا
بَنِي الحِمَى وَالوَطَنِ مَنْ مِنْكُمْ
يُحِبُّهَا مِثْلِي أَنَا
نُحِبُّهَا مِنْ رُوحِنَا
وَنَفْتَدِيهَا بِالعَزِيزِ الأَكْرَمِ
وهذا أميرُ الشعراءِ شوقي في حنينِه إلى
مصرَ:
وَطَني لَو شُغِلتُ بِالخُلدِ عَنهُ ••
نازَعَتني إِلَيهِ في الخُلدِ نَفسي
وَهَفا بِالفُؤادِ في سَلسَبيلٍ •• ظَمَأٌ
لِلسَوادِ مِن عَينِ شَمسِ
شَهِدَ اللَهُ لَم يَغِب عَن جُفوني ••
شَخصُهُ ساعَةً وَلَم يَخلُ حِسّي
العُنْصُرُ الثَّانِيُ: نِعْمَةُ الأَمْنِ
وَالأَمَانِ وَأَثَرُهَا فِي اسْتِقْرَارِ الأَوْطَانِ وَبِنَاءِ الحَضَارَةِ
عبادَ اللهِ؛ ومنْ هذا البابِ الوطنيِّ
الواسعِ، ندركُ أنَّ النعمةَ الأُولى التي تتطلعُ إليها النفوسُ، وبها تستقيمُ مصالحُ
المعاشِ والمعادِ، هيَ نعمةُ الأمنِ في الأوطانِ؛ فالأمانُ هوَ التربةُ الخصبةُ التي
تنمو فيها القيمُ، وتزدهرُ الحضارةُ، وتتوحدُ قلوبُ العبادِ. بالأمنِ تثمرُ الجهودُ،
وتُغدقُ الأرزاقُ، ويتلقى طلابُ العلمِ المعارفَ منْ منابعِها الصافيةِ، وتتوثقُ الروابطُ
بينَ أفرادِ المجتمعِ فتقامُ شعائرُ الدينِ بطمأنينةٍ واستقرارٍ، ويسعدُ الخلقُ دنيا
وأخرى. وقدْ أصّلَ الحقُ سبحانَهُ لهذهِ النعمةِ العظمى حِينَ امتنَّ بها على قريشٍ
في محكمِ التنزيلِ فقالَ جلَّ شأنُهُ: ﴿الَّذِي أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ وَآمَنَهُمْ
مِنْ خَوْفٍ﴾ (قريش: ٤). وتأملوا كيفَ قرنَ اللطيفُ الخبيرُ بينَ نعمةِ الطعامِ ونعمةِ
الأمنِ؛ فالأولى قوامُ البدنِ، والثانيةُ قوامُ الروحِ والمجتمعِ، ولا يهنأُ بشرٌ برزقٍ
وفيرٍ ما دامَ الخوفُ يتهددُهُ، فالأمنُ هوَ السياجُ الحامي لكلِّ نماءٍ وبناءٍ واستقرارٍ.
وإذا اختلَّ الأمنُ تبدلَ الحالُ، وتغيرتْ
طباعُ الخلقِ، ولمْ يهنأْ أحدٌ براحةِ بالٍ؛ فيلحقُ الناسَ الفزعُ في عبادتِهمْ، وتُهجرُ
المساجدُ، وتتقطعُ أواصرُ المودةِ، وتُعاقُ النهضةُ، وينقطعُ تحصيلُ العلمِ وملازمةُ
العلماءِ. حِينَ يغيبُ الأمانُ، يئنُ المريضُ فلا يجدُ طبيباً ولا دواءً، وتختلُ المعايشُ،
وتُهجرُ الديارُ، وتفارَقُ الأوطانُ، وتتفرقُ الأسرُ، وتنتقضُ العهودُ والمواثيقُ،
ويبورُ الاقتصادُ، فيظهرُ الكذبُ والشحُ والخيانةُ، ويشقى الخلقُ في العاجلةِ والآجلةِ.
لِذَلِكَ كانَ الاستقرارُ مَطْلَبَ الأنبياءِ، وعمادَ صَلاحِ المجتمعاتِ، وقدْ عبرَ
المصطفى صلى اللهُ عليهِ وسلمَ عنْ هذا الأملِ الجامعِ لعافيةِ الدنيا فَقَالَ: «مَنْ
أَصْبَحَ مِنْكُمْ آمِنًا فِي سِرْبِهِ، مُعَافًى فِي جَسَدِهِ، عِنْدَهُ قُوتُ يَوْمِهِ،
فَكَأَنَّمَا حِيزَتْ لَهُ الدُّنْيَا» (الترمذي: ٢٣٤٦). وهذا الحديثُ الشريفُ يضعُ
المنهجَ الحكيمَ في تقويمِ النعمِ؛ فجعلَ الأمنَ النَّفْسِيَّ والاجتماعيَّ مقدمًا
على عافيةِ البدنِ والكفايةِ الماديةِ، إذ هو الحاضنُ الشاملُ لسلامةِ الإنسانِ واستقرارِ
حركتِهِ في عمارةِ الأرضِ وبناءِ مجتمعٍ متماسكٍ مهيبٍ.
أقولُ قولي هذا، وأستغفرُ اللهَ العظيمَ
لي ولكم فاستغفروهُ.
الخُطْبَةُ الثَّانِيَةُ
الحمدُ للهِ ربِّ العالمينَ، الملكِ الحقِّ
المبينِ، وأصلي وأسلم على الصَّادِقِ الوَعْدِ الأَمِينِ، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ
وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَالتَّابِعِينَ لَهُمْ بِإِحْسَانٍ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ،
أَمَّا بَعْدُ:
العُنْصُرُ الثَّالِثُ: الأَمَانُ الأَخْلَاقِيُّ
وَالعَقَدِيُّ سِيَاجُ الأَوْطَانِ المَتِينُ، وَخُطُورَةُ التَّطَاوُلِ عَلَى الدِّينِ
عبادَ اللهِ؛ إنَّ الحديثَ عنْ أمانِ الأوطانِ
لا يستقيمُ بناؤهُ، ولا تكتملُ ثمارُهُ، إلا ببيانِ السياجِ الحامي لهذا الكيانِ الشاملِ؛
فبناءُ المجتمعاتِ واستقرارُ الأممِ لَيْسَ مجردَ ثغورٍ محروسةٍ، وقلاعٍ مشيدةٍ، وجيوشٍ
قويةٍ، بلْ هوَ قبلَ ذلكَ سياجٌ أخلاقيٌ وعقديٌ متينٌ يحمي الضمائرَ منْ الانهيارِ،
ويصونُ الوجدانَ منْ التشتتِ والتبددِ. إن الوطنَ الذي يأمنُ فيهِ الناسُ على أنفسِهمْ
وأموالِهمْ، يجبُ أنْ تأمنَ فيهِ مقدساتُ الدينِ وشعائرُ الملةِ منْ الامتهانِ والتطاولِ؛
فإذا تفشى داءِ التطاولِ على الدينِ بالسبِّ أوْ الشتمِ في أوقاتِ الغضبِ والمشاجراتِ
والخصوماتِ، فقدْ نُقِضَ هذا السياجُ المتينُ، وهُدِمَتْ ركائزُ التقوى والتعظيمِ الَّتِي
بِهَا يَحْيَا المُجْتَمَعُ الصَّالِحُ.
إنَّ سبَّ الدينِ جريمةٌ دينيةٌ نكراءُ،
وآفةٌ سلوكيةٌ مهولةٌ لا يقدمُ عليها مَنْ تغلغلَ الإيمانُ في قلبِهِ، ولا مبررَ لها
منْ غضبٍ أوْ انفعالٍ مهما عظمتْ الأسبابُ؛ فتعظيمُ شعائرِ اللهِ منْ أوجبِ الواجباتِ
في حياةِ المسلمِ الذي يرجو النجاةَ؛ كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ
شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ﴾ (الحج: ٣٢). وتأملوا الرابطَ
العِلْمِيَّ البديعَ بينَ التعظيمِ والتقوى؛ فمَنْ خَلَا قَلْبُهُ مِنْ تَعْظِيمِ الدِّينِ
فَقَدْ حُرِمَ مَعَانِيَ الإِيمَانِ، وَاللسانُ الَّذِي يَجْتَرِئُ عَلَى المَقَامِ
الإِلَهِيِّ أَوِ النَّبَوِيِّ أَوْ شَعَائِرِ الشَّرِيعَةِ عِنْدَ الخُصُومَةِ هُوَ
لِسَانٌ مُفْلِسٌ مِنَ الوَرَعِ، يَهْدِمُ جُدُرَ الأَمَانِ الأَخْلَاقِيِّ الَّذِي
بِهِ يَحْيَا المُجْتَمَعُ الصَّالِحُ.
وإذا كنا نعلمُ أنَّ أغلَبَ مَنْ يتلفظُ
بهذهِ الألفاظِ الشائنةِ لا ينعقدُ قلبُهُ على مقتضاها الكفريِّ، إلا أنَّ هذا لَيْسَ
مسوغاً للتساهلِ فيها أَبَداً؛ لأنَّ اللسانَ يعبرُ عن هيبةِ الخالقِ في الوجدانِ،
وإطلاقُ هذهِ العباراتِ مجلبةٌ لسخطِ اللهِ. فالغضبُ والاستفزازُ لَيْسا رخصةً لانتهاكِ
المحرماتِ، والمؤمنُ الصادقُ يملكُ نفسَهُ عندَ الحفيظةِ؛ لِقَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى
اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مُحَذِّراً: «إِنَّ الْعَبْدَ لَيَتَكَلَّمُ بِالْكَلِمَةِ
مِنْ سَخَطِ اللَّهِ، لَا يُلْقِي لَهَا بَالًا، يَهْوِي بِهَا فِي جَهَنَّمَ» (البخاري:
٦٤٧٨). وهذا التوجيهُ النبويُ الصارمُ يقطعُ كلَّ عذرٍ للمتعللينَ بِفَوْرَةِ الغضبِ؛
فعدمُ إلقاءِ البالِ للكلمةِ لَا يَعْفِي صَاحِبَهَا مِنْ عِقَابِ دُخُولِ النَّارِ،
لأَنَّ حُرْمَةَ الدِّينِ أَعْلَى وَأَجَلُّ مِنْ أَنْ تُجْعَلَ مَادَّةً لِلتَّنْفِيسِ
عَنِ الانْفِعَالِ الطَّائِشِ.
ولتحقيقِ هذا الأمانِ الأخلاقيِّ والعمليِّ،
وجبَ اتباعُ خطواتٍ حاسمةٍ؛ أولُها: استشعارُ الرقابةِ الإلهيةِ اللصيقةِ للكلماتِ
حِينَ تجري على الألسنِ؛ كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ
رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾ (ق: ١٨). وثانيِها: تدريبُ النفسِ على السيطرةِ عندَ الغضبِ بالاستعاذةِ
والسكوتِ وتغييرِ الهيئةِ. وثالثِها: تعويدُ اللسانِ على طيبِ الذكرِ؛ عَمَلاً بِقَوْلِهِ
سُبْحَانَهُ: ﴿وَقُلْ لِعِبَادِي يَقُولُوا الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ (الإسراء: ٥٣).
ورابعِها: هجرُ مجالسِ الفحشِ والسبابِ، ونصيحةُ مَنْ يقعُ في ذلكَ برفقٍ ولينٍ بَيَاناً
لخطورةِ الكلمةِ وعاقبتِها في الدنيا والآخرةِ.
أيها المسلمونَ؛ إنَّ مَنْ كانَ مسلماً
وبدنُهُ في عافيةٍ وأمنٍ، فقدْ حازَ خيرَ الدنيا والآخرةِ؛ كَمَا قَالَ بَكْرُ بْنُ
عَبْدِ اللَّهِ المَزَنِيُّ: مَنْ كانَ مسلماً وبدنُهُ في عافيةٍ، فقدْ اجتمعَ عليهِ
سيدُ نعيمِ الدنيا وسيدُ نعيمِ الآخرةِ؛ لأنَّ سيدَ نعيمِ الدنيا هوَ العافيةُ، وسيدَ
نعيمِ الآخرةِ هوَ الإسلامُ. فلنحافظْ على عافيةِ أبدانِنا وأوطانِنا بنشرِ الأمنِ،
ولنحافظْ على عافيةِ دينِنا بصونِ ألسنتِنا عنْ الحرامِ.
— يشعر بـالمحبة في طما، محافظة سوهاج.