ادخلوا مصر إن شاء الله امينين
قصة اجتماع نبي الله يعقوب بابنه
يوسف عليهما السلام في مصر
تأملات في الآية الكريمة
"ادْخُلُوا مِصْرَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ"
مكانة مصر في الكتاب والسنة
قصة فتح مصر على يد الصحابة
رضوان الله عليهم
وصية النبي ﷺ بأهل مصر
خاتمة ودعاء
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام
على أشرف المرسلين، سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. أما بعد،
أيها الإخوة المؤمنون، أتحدث إليكم اليوم
عن كلمة عظيمة، وقول مبارك، قاله نبي من أنبياء الله، في أرض مباركة، قال تعالى:
"فَلَمَّا دَخَلُوا عَلَىٰ يُوسُفَ آوَىٰ إِلَيْهِ أَبَوَيْهِ وَقَالَ ادْخُلُوا
مِصْرَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ" [يوسف: 99].
إنها لحظة لا تنسى في تاريخ البشرية، لحظة اجتماع نبي الله يعقوب عليه السلام بابنه نبي الله يوسف عليه السلام بعد فراق طويل. فلنقف مع هذه الآية ومع ما تحمله من معانٍ ودروس، ولنستعرض مكانة مصر في الكتاب والسنة، وقصة دخول الصحابة الكرام إليها.
العنصر الأول: تأملات في الآية الكريمة
أيها الإخوة، لما تحقق لقاء يعقوب بيوسف
عليهما السلام، بعد أن بعث يوسف البشير إلى أبيه، وسأل يعقوب أن يأتيه بأهله وولده
جميعًا، فلما دخلوا عليه آوى إليه أبويه، أي ضمهما إليه. ثم قال لهم هذا القول العظيم:
"ادْخُلُوا مِصْرَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ".
وقد اختلف المفسرون في معنى الاستثناء بـ"إن
شاء الله" هنا. قال ابن جريج: أي سوف أستغفر لكم ربي إن شاء الله، وهذا من تقديم
القرآن وتأخيره. وقيل: إنما قال "إن شاء الله" تبركًا وجزمًا. والمعنى أنهم
آمنون من القحط والجوع، أو من فرعون، وكانوا لا يدخلون مصر إلا بجوازه.
وفي هذا دليل على أن الأمن والأمان من الله
وحده، وأن التوكل على الله مع الأخذ بالأسباب هو منهج الأنبياء. فها هو يوسف عليه السلام
مع كل ما أوتيه من ملك وسلطان في مصر، يقول "إن شاء الله"، إظهارًا للعبودية
والافتقار إلى الله.
---
العنصر الثاني: مكانة مصر في الكتاب والسنة
أيها الإخوة، لقد كرم الله مصر في كتابه
العزيز، وجعلها أرضًا للأنبياء والمرسلين. فقد ذكرت مصر في القرآن الكريم في مواضع
متعددة. قال تعالى: "اهْبِطُوا مِصْرًا فَإِنَّ لَكُمْ مَا سَأَلْتُمْ"
[البقرة: 61]. وقال تعالى: "وَقَالَ الَّذِي اشْتَرَاهُ مِنْ مِصْرَ لِامْرَأَتِهِ
أَكْرِمِي مَثْوَاهُ" [يوسف: 21].
وفي السنة النبوية، وردت أحاديث كثيرة تبيّن
فضل مصر وأهلها. منها ما رواه مسلم في صحيحه عن أبي ذر رضي الله عنه قال: قال رسول
الله ﷺ: "إِنَّكُمْ سَتَفْتَحُونَ أَرْضًا
يُذْكَرُ فِيهَا الْقِيرَاطُ، فَاسْتَوْصُوا بِأَهْلِهَا خَيْرًا، فَإِنَّ لَهُمْ ذِمَّةً
وَرَحِمًا". وقد صحح هذا الحديث الألباني.
وروى الطبراني والحاكم عن كعب بن مالك مرفوعًا:
"إِذَا فُتِحَتْ مِصْرُ، فَاسْتَوْصُوا بِالْقِبْطِ خَيْرًا، فَإِنَّ لَهُمْ ذِمَّةً
وَرَحِمًا"، وصححه الألباني. قال الزهري: "الرحم أن أم إسماعيل منهم".
كما ورد عن النبي ﷺ: "إِنَّ جُنْدَ مِصْرَ مِنْ خَيْرِ
أَجْنَادِ الْأَرْضِ". وفي رواية: "إِذَا فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ مِصْرَ
فَاتَّخِذُوا فِيهَا جُنْدًا كَثِيفًا، فَذَلِكَ الْجُنْدُ خَيْرُ أَجْنَادِ الْأَرْضِ".
وروى الطبراني عن أم سلمة رضي الله عنها
مرفوعًا: "اللَّهَ اللَّهَ فِي قِبْطِ مِصْرَ، فَإِنَّكُمْ سَتَظْهَرُونَ عَلَيْهِمْ،
وَيَكُونُونَ لَكُمْ عِدَّةً وَأَعْوَانًا فِي سَبِيلِ اللَّهِ"، وصححه الألباني.
فهذه الأحاديث تدل على عظمة هذا البلد،
وأنه بلد مبارك، أرض الأنبياء، وأرض الرباط إلى يوم القيامة.
العنصر الثالث: قصة فتح مصر على يد الصحابة
أيها الإخوة، لقد تحقق قول النبي ﷺ بفتح مصر على يد الصحابة الكرام. كان ذلك
في عهد أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه، بقيادة الصحابي الجليل عمرو بن العاص
رضي الله عنه.
وقد كان عمرو بن العاص قد دخل مصر في الجاهلية،
وعرف طرقها، ورأى كثرة ما فيها. فلما جاء الإسلام، استأذن الخليفة عمر بن الخطاب في
المسير إلى مصر، وقال له: "يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ! ائْذَنْ لِي أَنْ أَسِيرَ
إِلَى مِصْرَ، إِنَّكَ إِنْ فَتَحْتَهَا كَانَتْ قُوَّةً لِلْمُسْلِمِينَ وَعَوْنًا
لَهُمْ، وَهِيَ أَكْثَرُ الْأَرْضِ أَمْوَالًا، وَأَعْجَزُهَا عَنِ الْقِتَالِ وَالْحَرْبِ".
فتخوف عمر على المسلمين، فلم يزل عمرو يعظم
أمرها عنده حتى ركن لذلك، فعقد له على أربعة آلاف رجل. قال عمر لعمرو: "سِرْ وَأَنَا
مُسْتَخِيرُ اللَّهَ فِي سَيْرِكَ، وَسَيَأْتِيكَ كِتَابِي سَرِيعًا إِنْ شَاءَ اللَّهُ،
فَإِنْ أَدْرَكَكَ كِتَابِي آمُرُكَ فِيهِ بِالِانْصِرَافِ عَنْ مِصْرَ قَبْلَ أَنْ
تَدْخُلَهَا فَانْصَرِفْ، وَإِنْ أَنْتَ دَخَلْتَهَا قَبْلَ أَنْ يَأْتِيَكَ كِتَابِي
فَامْضِ لِوَجْهِكَ، وَاسْتَعِنْ بِاللَّهِ وَاسْتَنْصِرْهُ".
فسار عمرو في جوف الليل، وأدركه كتاب عمر
وهو في رفح، فتخوف أن يجد فيه الأمر بالانصراف، فلم يفتحه حتى دخل مصر. وكان ذلك في
الأول من رمضان سنة عشرين من الهجرة.
ودخل عمرو بن العاص وجيشه مصر، فكان فتحًا
عظيمًا، ونشر الإسلام في ربوعها، وأصبحت مصر منذ ذلك الحين مركزًا من مراكز الدولة
الإسلامية. ومن الصحابة الذين نزلوا مصر عبد الله بن عمرو بن العاص، وكان أشهر الناس
حديثًا عن رسول الله ﷺ.
العنصر الرابع: وصية النبي ﷺ بأهل مصر
أيها الإخوة، إن وصية النبي ﷺ بأهل مصر ليست وصية عابرة، بل هي وصية
مؤكدة، تدل على مكانة هذا البلد وأهله في قلب الإسلام.
فقد أوصى بهم في أكثر من حديث، وقال:
"اسْتَوْصُوا بِأَهْلِهَا خَيْرًا"، وأكد أن لهم "ذِمَّةً وَرَحِمًا".
فالذمة تعني العهد والأمان، والرحم تعني القرابة، لأن أم إسماعيل عليه السلام - هاجر
- كانت من مصر.
وهذه الوصية تشمل جميع المسلمين، وتخص الولاة
والأمراء والقضاة بشكل خاص، وفيها الأمر بالرفق بأهل مصر والإحسان إليهم.
وإن من تمام الوفاء بهذه الوصية أن نحب مصر وأهلها، وأن ندعو لهم بالخير، وأن نتمسك بهذا البلد المبارك، ونحافظ على أمنه واستقراره.
الخاتمة والدعاء
أيها الإخوة المؤمنون، إن مصر أرض مباركة،
ذكرت في القرآن، وأوصى بها النبي ﷺ، وعاش فيها الأنبياء، ودخلها الصحابة آمنين.
نسأل الله أن يحفظ مصر وأهلها من كل سوء، وأن يجعلها دار أمن وسلام.
وصلوا وسلموا على نبيكم محمد صلى الله عليه
وسلم.
اللهم احفظ مصر من كيد الكائدين ومكر الماكرين
وتدبير الأعداء الحاقدين . اللهم اجعل مصر واحة أمن وسلام، وبارك في أهلها وقيادتها.
اللهم أيدها بالنصر والتمكين، وارزقها الأمن والإيمان والاستقرار. اللهم كما قلت لنبيك
يوسف: "ادخلوا مصر إن شاء الله آمنين"، اللهم اجعل دخولنا إليها وفيها آمِنين
مطمئنين، واجعلها بلدًا آمنًا وسائر بلاد المسلمين. اللهم إنّا نسألك خيرها ونعوذ بك
من شرها، اللهم بارك لنا فيها وبارك لنا فيها وفي أهلها.
ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.