recent
أخبار عاجلة

خطبة الجمعة سلامة الصدر وأثرها في السلم المجتمعي . محمد أبوالنصر

سلامة الصدر وأثرها في السلم المجتمعي .

 


 ️الحمد لله الذي شرح صدور المؤمنين للإسلام، ونزع الغل من قلوبهم فجعلهم إخوانًا على سرر متقابلين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، يجزي أهل القلوب السليمة بأعلى عليين، وأشهد أن سيدنا ونبينا محمدًا عبده ورسوله، أصفى الناس صدرًا، وأطهرهم قلبًا، أرسله ربه رحمة للعالمين، فكان قلبه الشريف منبعًا للرحمة والصفاء، اللهم صل وسلم وبارك عليه، وعلى آله وأصحابه الذين طهرت قلوبهم، وزكت نفوسهم، فصاروا خير القرون، وعلى من تبعهم بإحسان إلى يوم الدين... أما بعد:

 نقف اليوم -بتوفيق الله تعالى- مع موضوعٍ هو من أَجَلِّ العبادات القلبية، وأعظمها أثرًا في استقرار المجتمعات وتماسكها، ألا وهو: "سلامة الصدر: مفهومها، فضائلها، وأثرها في تحقيق السِّلم المجتمعي".

 إنه موضوع تتجاذبه أطرافٌ شتى من العلم: فهو في الفقه من أعمال القلوب التي مدار قبول الأعمال عليها، وفي التزكية هو أساس السلوك إلى الله، وفي الأصول هو مناط الفلاح والنجاة، وفي الأدب هو غاية أرباب البيان وحكمة الحكماء، وفي الاجتماع هو رابطة المجتمع المتين وسياج أمنه. وسيكون حديثنا عنه حديثًا  نستجلي فيه حقيقة هذه العبادة الجليلة التي غفل عنها كثيرون، ونستنطق نصوص الوحيين، ونستضيء بأقوال السلف الصالح، لنصل إلى منهجٍ عمليٍّ يحقق سلامة الصدر، ويجعلها واقعًا حيًا في حياتنا.

ويأتي حديثي في المباحث التالية .

  المبحث الأول: تأصيل مفهوم سلامة الصدر ومكانتها في ميزان الشريعة

  حقيقة سلامة الصدر وتحرير معناها

إن سلامة الصدر ليست مجرد كلمة تقال، أو شعارًا يُرفع، بل هي حقيقة إيمانية راسخة، وعبادة قلبية عظيمة، تعني: خلو القلب من الغل والحقد والحسد والضغينة والبغضاء لعباد الله. إنها تلك الطهارة الخفية التي متى استقرت في قلب العبد، أشرقت نفسه، وانشرح صدره، وصفت سريرته. وهي، كما قال العارفون، الراحة المعجلة في الدنيا، والنجاة المؤكدة في الآخرة.

وقد أدرك أهل العلم دقة هذا المعنى وخطورته، فكانت تعريفاتهم تدور حول صفاء الباطن ونقائه من الشوائب التي تكدر الإيمان.

يقول الإمام ابن رجب الحنبلي -رحمه الله تعالى- معرفًا القلب السليم الذي هو غاية سلامة الصدر: "القَلبُ السَّليمُ هو الذي ليس فيه شيءٌ من محبَّةِ ما يكرَهُه اللهُ، فدَخَل في ذلك سلامتُه من الشِّركِ الجَليِّ والخَفيِّ، ومن الأهواءِ والبِدَعِ، ومن الفُسوقِ والمعاصي؛ كبائِرِها وصغائِرِها، الظَّاهِرةِ والباطِنةِ، كالرِّياءِ والعُجبِ، وغِلِّ وغِشِّ، والحِقدِ والحَسَدِ، وغيرِ ذلك". وهذا التعريف الجامع يبين أن سلامة الصدر ليست أمرًا هامشيًا، بل هي أصل متين ينتظم سائر أعمال القلوب، فحيث فقدت، فقد حل محلها أضدادها المهلكة.

 سلامة الصدر من صفات الأنبياء عليهم السلام

لقد كانت سلامة الصدر حلية الأنبياء والمرسلين، وزادهم في طريق الدعوة إلى الله، ووصف الله بها خليله إبراهيم عليه السلام، فقال تعالى: ﴿وَإِنَّ مِن شِيعَتِهِۦ لَإِبۡرَٰهِيمَ   إِذۡ جَاۤءَ رَبَّهُۥ بِقَلۡب  سَلِيمٍ﴾ [الصافات: ٨٣-٨٤]. قال المفسرون: "بقلب سليم من الشرك ومن غيره من الآفات كالحسد والغل والخديعة والرياء، والمراد بمجيئه ربه بقلبه: إخلاص قلبه لدعوة الحق، واستعداده لبذل نفسه وكل شيء يملكه في سبيل رضا ربه عز وجل".

وهذا يوسف عليه السلام، يقف من إخوته الذين ألقوه في غيابة الجب، وباعوه بثمن بخس، موقف الصفح والعفو الجميل، فيقول لهم بقلب سليم من كل حقد: ﴿لَا تَثۡرِيبَ عَلَيۡكُمُ ٱلۡيَوۡمَۖ يَغۡفِرُ ٱللَّهُ لَكمۡۖ وَهُوَ أَرۡحَمُ ٱلرَّٰحِمِينَ﴾ [يوسف: ٩٢]. ولم يقف الأمر عند هذا العفو الظاهر، بل استبطن الأمر كله، وستره عليهم، وتأدب معهم، فأسند جرمهم إلى الشيطان، حكاية عنه تعالى: ﴿مِنۢ بَعۡدِ أَن نَّزَغَ ٱلشَّيۡطَٰنِ بَيۡنِي وَبَيۡنَ إِخۡوَتِيۤۚ﴾ [يوسف: ١٠٠]. إن هذا هو ذروة سلامة الصدر: أن تنسى أذى أخيك، وأن تلتمس له العذر، بل وأن تحمل عنه الخطيئة وتلقي بها على عدوكما الشيطان.

وأما سيدنا محمد ، فهو الإمام الأعظم في هذا الباب، فقد بلغ في طهارة القلب وسلامته من الأحقاد والضغائن غاية الكمال البشري، حتى استحق أن يمن الله سبحانه وتعالى عليه بقوله: ﴿أَلَمۡ نَشۡرَحۡ لَكَ صَدۡرَكَ﴾ [الشرح: ١].

يقول الإمام الفخر الرازي في بيان حكمة ذكر الصدر دون القلب: "فإن قيل: لم ذكر الصدر ولم يذكر القلب؟ فالجواب أن محل الوسوسة هو الصدر، كما قال تعالى: ﴿ٱلَّذِي يُوَسۡوِسُ فِي صُدُورِ ٱلنَّاسِ﴾ [الناس: ٥]، فإزالة تلك الوسوسة، وإبدالها بدواعى الخير، هي الشرح، فلا جرم خص ذلك الشرح بالصدر دون القلب".

 ويقول محمد بن علي الترمذي: "القلب محل العقل والمعرفة، وهو الذي يقصده الشيطان، فالشيطان يجيء إلى الصدر الذي هو حصن القلب، فإذا وجد مسلكًا أغار فيه، وبث فيه الهموم، فيضيق القلب، ولا يجد للطاعة لذة، وإذا طرد العدو في الابتداء, حصل الأمن، وانشرح الصدر".<مفاتيح الغيب باختصار>

 فلم يكن شرح الصدر النبوي مجرد سعة في الصبر فحسب، بل كان نورًا وإيمانًا ورحمةً وحِلمًا وعفوًا، اتسع قلبه الشريف للناس جميعًا، يؤذيه قومه فيعفو، ويكذبونه فيدعو لهم، ويخرجونه من وطنه ثم يقول لهم يوم الفتح بقلب مفعم بالرحمة والسلامة: «اذْهَبُوا فَأَنْتُمُ الطُّلَقَاءِ».

  سلامة الصدر: سبيل النجاة يوم القيامة

لقد ربط الله تعالى بين سلامة القلب والفوز العظيم يوم القيامة، فلا نجاة في ذلك اليوم العصيب لأحد إلا إذا لقي الله بقلب سليم. قال تعالى: ﴿يَوۡمَ لَا يَنفَعُ مَال وَلَا بَنُونَ ۝٨٨ إِلَّا مَنۡ أَتَى ٱللَّهَ بِقَلۡب سَلِيمٍ﴾ [الشعراء: ٨٨-٨٩]. قال الإمام ابن رجب رحمه الله: "القَلبُ السَّليمُ هو الذي ليس فيه شيءٌ من محبَّةِ ما يكرَهُه اللهُ، فدَخَل في ذلك سلامتُه من الشِّركِ الجَليِّ والخَفيِّ، ومن الأهواءِ والبِدَعِ، ومن الفُسوقِ والمعاصي؛ كبائِرِها وصغائِرِها، الظَّاهِرةِ والباطِنةِ، كالرِّياءِ والعُجبِ، وغِلِّ وغِشِّ، والحِقدِ والحَسَدِ، وغيرِ ذلك".

 إن هذه الآية لتجعل القلبَ يرجف خوفًا، ففي يوم لا ينفع مال ولا بنون، لا يبقى إلا ما أودعه العبد في قلبه من صفاء وإخلاص، ومن غلٍّ وحسد. إنها دعوة صريحة لأن ينشغل المرء بتطهير باطنه قبل أن ينشغل بتحسين ظاهره.

  المبحث الثاني: سلامة الصدر في ميزان الفضائل: لماذا هي من أفضل الأعمال؟

 سلامة الصدر غاية الثناء وأساس التفاضل

قد يتعجب البعض حين يعلم أن سلامة الصدر تعدّ من أفضل الأعمال، وأعظم القربات، بل وتفوق في أجرها ومكانتها كثيرًا من أعمال الجوارح الظاهرة، وذلك لعظم شأنها وخفاء أمرها وشدة مجاهدتها. وقد بين النبي أن صفاء القلب هو ملاك الفضل بين الناس، فعن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما قال: قيل: يا رسول الله! أي الناس أفضل؟ قال: «كُلُّ مَخْمُومِ الْقَلْبِ، صَدُوقِ اللِّسانِ، قالوا: صَدُوقُ اللِّسانِ نَعرِفُه، فما مَخْمُومُ القَلبِ؟ قال: هو التَّقِيُّ النَّقِيُّ، لا إثمَ فيه ولا بَغْيَ، ولا غِلَّ ولا حَسَدَ» <رواه ابن ماجه>. فانظر كيف جعل النبي صلى الله عليه وسلم "مخموم القلب" في أعلى مراتب الأفضلية، وفسره بأنه التقي النقي من جميع الآفات القلبية. "ومخموم القلب: مأخوذ من خممت البيت إذا كنسته، فالمعنى: أن يكون قلبه مكنوسًا من غبار الأغيار، ومنظفًا من أخلاق الأقذار". إنه تشبيه بديع، فالقلب كالبيت، يحتاج إلى تنظيف مستمر ودائم مما يعلق به من أدران الغل والحسد، وإلا تراكمت عليه الأوساخ حتى تطمس نوره.

ولقد فهم سلفنا الصالح هذه الحقيقة، فجعلوا سلامة الصدر أساس كل خير، ومفتاح كل فضيلة. قال بعض الصالحين: "أفضل الأعمال سلامة الصّدور، وسخاوة النّفوس، والنّصيحة للأمّة؛ وبهذه الخصال بلغ مَن بلغ، لا بكثرة الاجتهاد في الصّوم والصّلاة". : <لطائف المعارف>

إن هذا القول لا يقلل من شأن الصلاة والصيام، بل يبين أن روح هذه العبادات وقبولها مرهون بسلامة الصدر، فالقلب الذي يحمل غشًا للمسلمين لا تقبل عبادته على الوجه الأكمل. وقد بين ذلك الفُضَيلُ بنُ عياض رحمه الله فقال: "لم يُدرِكْ عندَنا مَن أدرَك بكثرةِ صيامٍ ولا صلاةٍ، وإنَّما أدرك بسخاءِ الأنفُسِ، وسلامةِ الصَّدرِ، والنُّصحِ للأمَّةِ" . وفي رواية أخرى قال أبو سليمان الداراني: "ما أدرَك عِندَنا مَن أدرَك بكثرةِ صلاةٍ ولا صومٍ، ولكنْ بسَخاءِ النَّفسِ، وسلامةِ الصَّدرِ، والنُّصحِ للأمَّةِ" .

 بل إن قاسمًا الجوعي جعلها غاية الغايات، فقال: "أفضل طرق الجنة: سلامة الصدر" . لأن الجنة دار السلام، ولا يليق بدخولها إلا من ذاق في الدنيا شيئًا من سلامة القلب وصفائه.

  نماذج مضيئة من سير السلف في سلامة الصدر

إن أقوال السلف النيرة في هذا الباب لتضيء لنا الطريق، وتكشف لنا عن همم عالية، ونفوس زكية، جعلت سلامة الصدر شعارها ودثارها.

فهذا أبو بَشِيرٍ من أصحاب علي رضي الله عنهم، سأله سفيان بن دينار قائلاً: "أخبرني عن أعمال من كان قبلنا؟ قال: كانوا يعملون يسيرًا، ويُؤْجَرُون كثيرًا، قلت: ولِمَ ذاك؟ قال: لسلامة صدورهم". إنه الجواب الشافي: العمل اليسير يعظم أجره إذا صدر عن قلب سليم.

وهذا عبد الملك بن مروان، يوصي بنيه في مرض موته، فيجعل سلامة الصدر من أعظم وصاياه، فيقول: "أوصيكم بتقوى اللهِ؛ فإنَّها عِصمةٌ باقيةٌ، وجنَّةٌ واقيةٌ، وهي أحصَنُ كَهفٍ، وأزيَنُ حِليةٍ، ليَعطِفِ الكبيرُ منكم على الصَّغيرِ، وليَعرِفِ الصَّغيرُ منكم حَقَّ الكبيرِ، مع سلامةِ الصَّدرِ، والأخذِ بجَميلِ الأمورِ" .

وهذا إسماعيل بن عُبَيدِ بن أبي المُهاجِرِ، يحكي وصية أبيه المؤثرة عند وفاته: "يا بَنيَّ، عليكم بتقوى اللهِ، وعليكم بالقُرآنِ فتعاهَدوه، وعليكم بالصِّدقِ... وعليكم بسَلامةِ الصُّدورِ لعامَّةِ المُسلِمين؛ فواللهِ لقد رأيتُني وإنِّي لأبرَحُ مِن بابي، فما ألقى مُسلِمًا إلَّا والذي في نفسي له كالذي في نفسي لنفسي، أفتُرَوني أحِبُّ لنَفسي إلَّا خيرًا؟!" . إنه مقام رفيع أن تحب لإخوانك ما تحبه لنفسك، وألا تجد في قلبك لأحد من المسلمين إلا الخير، وهذا هو عين سلامة الصدر.

  سلامة الصدر من أخلاق اهل الصلاح

-  جعل أهل التربية والسلوك سلامة الصدر في مقدمة أخلاق اهل الصلاح، وهي منزلة عظيمة يتبوأها الصالحون. قال أبو الليث السمرقندي رحمه الله: "أَخْلَاقُ الْأَبْدَالِ عَشْرَةُ أَشْيَاءَ: سَلَامَةُ الصَّدْرِ، وَسَخَاوَةُ الْمَالِ، وَصِدْقُ اللِّسَانِ، وَتَوَاضُعُ النَّفْسِ، وَالصَّبْرُ فِي الشِّدَّةِ، وَالْبُكَاءُ فِي الْخَلْوَةِ، وَالنَّصِيحَةُ لِلْخَلْقِ، وَالرَّحْمَةُ لِلْمُؤْمِنِينَ، وَالتَّفَكُّرُ فِي الْفَنَاءِ، وَالْعِبْرَةُ فِي الْأَشْيَاء" . <تنبيه الغافلين >

انظر كيف تصدرت "سلامة الصدر" هذه القائمة، فهي الأساس الذي تنبني عليه سائر هذه الأخلاق الجليلة؛ إذ لا يمكن أن يقارَن قلب ممتلئ بالأحقاد بقلب مشفق رحيم يحمل الخير للناس.

ولهذا السبب كان السلف الصالح يعدّون سلامة الصدر من أعظم ما يدخره العبد لآخرته، حتى قال أبو دجانة رضي الله عنه وهو في مرض موته: "مَا مِنْ عَمَلِي شَيْءٌ أَوْثَقَ فِي نَفْسِي مِنَ اثْنَتَيْنِ: لَمْ أَتَكَلَّمْ فِيمَا لَا يَعْنِينِي، وَكَانَ قَلْبِي لِلْمُسْلِمِينَ سَلِيمًا".<الصمت وآداب اللسان> لقد أدرك أن الأعمال الظاهرة، على عظمها، إنما تكتمل وتثمر بصفاء الباطن، وأن القلب السليم هو أجلّ ما يلقى به العبد ربه.

ولذلك أكد أهل التربية أن نور القلب وصفاءه لا يتحققان إلا بسلامة الصدر، فقال الحارث المحاسبي رحمه الله: "اعْلَم أَنه لَا طَرِيق أقرب من الصدْق، وَلَا دَلِيل أنجح من الْعلم، وَلَا زَاد أبلغ من التَّقْوَى، وَمَا رَأَيْت أنفى للوسواس من ترك الفضول، وَلَا أنور للقلب من سَلامَة الصَّدْر"  <رسالة المسترشدين> فكلما طهر العبد قلبه من شوائب العداوات، ازداد بصيرةً وهدايةً وإقبالًا على الله، وانفتحت له أبواب الطمأنينة التي يفتقدها كثير من الناس.

  المبحث الثالث: ثمرات سلامة الصدر وعقوبات فقْدها في الدنيا والآخرة

  صفاء القلب من صفات أهل الجنة

إن الثمرة العظمى لسلامة الصدر تتجلى يوم القيامة، حينما يجعلها الله من أعظم نعيم أهل الجنة، ومن أبرز صفاتهم التي يتنعمون بها. يقول الله تعالى: ﴿وَنَزَعۡنَا مَا فِي صُدُورِهِم مِّنۡ غِلٍّ إِخۡوَٰنًا عَلَىٰ سُرُر مُّتَقَٰبِلِينَ﴾ [الحجر: ٤٧]. قال ابن عطية رحمه الله: "هذا إخبارٌ من اللهِ عزَّ وجَلَّ أنَّه يُنَقِّي قُلوبَ ساكِني الجنَّةِ من الغِلِّ والحِقدِ، وذلك أنَّ صاحِبَ الغِلِّ متعَذِّبٌ به، ولا عذابَ في الجنَّةِ" . إن هذا النعيم ليكشف لنا أن الغل والحقد عذاب نفسي في الدنيا قبل الآخرة، وصاحبه في شقاء مقيم، ولذلك يمنّ الله على أهل الجنة بأن يرفع عنهم هذا العذاب، فيعيشون إخوانًا متحابين على سرر متقابلين.

ويؤكد هذا المعنى ما رواه القاسم عن أبي أمامة قال: "يَدْخُلُ أَهْلُ الْجَنَّةِ الْجَنَّةَ عَلَى مَا فِي صُدُورِهِمْ فِي الدُّنْيَا مِنَ الشَّحْنَاءِ وَالضَّغَائِنِ حَتَّى إِذَا تَوَافَوْا وَتَقَابَلُوا نَزَعَ اللَّهُ مَا فِي صُدُورِهِمْ فِي الدُّنْيَا مِنْ غِلٍّ، ثُمَّ قَرَأَ: ﴿وَنَزَعۡنَا مَا فِي صُدُورِهِم مِّنۡ غِلٍّ﴾" <رواه ابن جرير في جامع البيان>. إن أهل الجنة يدخلونها وما زالت في صدورهم بقايا مما كان بينهم في الدنيا، فإذا تلاقوا وتقابلوا، أنعم الله عليهم بنزع ذلك كله، ليكون نعيمهم تامًا خالصًا. وفي الحديث عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه، قال: قال رسول الله : «يَخْلُصُ المُؤْمِنُونَ مِنَ النَّارِ، فَيُحْبَسُونَ عَلَى قَنْطَرَةٍ بَيْنَ الجَنَّةِ وَالنَّارِ...، حَتَّى إِذَا هُذِّبُوا وَنُقُّوا أُذِنَ لَهُمْ فِي دُخُولِ الجَنَّةِ» <رواه البخاري>. فدخول الجنة يحتاج إلى تهذيب وتنقية، وهذا التهذيب يشمل تطهير القلوب من الشحناء والأحقاد. وعن أبي هريرة رضي الله عنه، أن رسول الله قال: «أَوَّلُ زُمْرَةٍ تَدْخُلُ الجَنَّةِ عَلَى صُورَةِ القَمَرِ لَيْلَةَ البَدْرِ، وَالَّذِينَ عَلَى إِثْرِهِمْ كَأَشَدِّ كَوْكَبٍ إِضَاءَةً، قُلُوبُهُمْ عَلَى قَلْبِ رَجُلٍ وَاحِدٍ، لاَ اخْتِلاَفَ بَيْنَهُمْ وَلاَ تَبَاغُضَ» <رواه البخاري>. فصفاء القلوب من البغضاء هو علامة أهل الجنة وسمتهم.

  قصة صاحب القلب السليم: رجل من أهل الجنة

ولعل من أروع القصص النبوية التي تجسد منزلة سلامة الصدر، وتجعلها ماثلة أمام أعيننا، ما رواه أنس بن مالك رضي الله عنه، قال: كنا جلوسًا مع رسول الله ، فقال: «يَطْلُعُ عَلَيْكُمُ الْآنَ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ» فطلع رجل من الأنصار، تنطف لحيته من وضوئه، قد تعلق نعليه في يده الشمال، فلما كان الغد، قال النبي مثل ذلك، فطلع ذلك الرجل مثل المرة الأولى، فلما كان اليوم الثالث، قال النبي مثل مقالته أيضًا، فطلع ذلك الرجل على مثل حالته الأولى، فلما قام النبي ، تبعه عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما، فقال: إني لَاحَيْتُ أَبِي (أي خاصمته)، فأقسمت أن لا أدخل عليه ثلاثًا، فإن رأيت أن تؤويني إليك حتى تمضي، فعلت- قال: نعم- قال أنس: وكان عبد الله يحدث أنه بات معه تلك الليالي الثلاث، فلم يره يقوم من الليل شيئًا، غير أنه إذا تعارَّ وتقلب على فراشه ذكر الله عز وجل، وكبر، حتى يقوم لصلاة الفجر، قال عبد الله: غير أني لم أسمعه يقول إلا خيرًا، فلما مضت الثلاث ليال، وكدت أن أحقر عمله، قلت: يا عبد الله، إني لم يكن بيني وبين أبي غضب ولا هجر ثم، ولكن سمعت رسول الله يقول لك ثلاث مرار: «يَطْلُعُ عَلَيْكُمُ الْآنَ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ» فطلعت أنت الثلاث مرار، فأردت أن آوي إليك، لأنظر ما عملك، فأقتدي به، فلم أرك تعمل كثير عمل، فما الذي بلغ بك ما قال رسول الله ؟ فقال: ما هو إلا ما رأيت، قال: فلما وليت دعاني، فقال: ما هو إلا ما رأيت، غير أني لا أجد في نفسي لأحد من المسلمين غشًا، ولا أحسد أحدًا على خير أعطاه الله إياه، فقال عبد الله: هذه التي بلغت بك، وهي التي لا نطيق. <رواه أحمد، وصححه شعيب الأرنؤوط على شرط الشيخين>.

تأمل أيها المستمع الكريم! رجل ليس بكثير الصلاة والصيام، ولكن قلبه كان سليمًا نقيًا من الغش والحسد لأحد من المسلمين، فكان ذلك سببًا لأن يشهد له رسول الله بالجنة ثلاث مرات. إن هذه القصة لهي أعظم دافع لنا لنعتنى بقلوبنا ونسعى لتطهيرها، فلعل عملًا يسيرًا مع قلب سليم، خير عند الله من أعمال كثيرة مع قلب مليء بالغل والحسد. وهنا لا بد من التنبيه على أن هذا ليس مدعاة للتفريط في النوافل والعبادات الظاهرة، بل هو حثٌّ على الإتيان بها مقرونةً بسلامة القلب وصفائه.

 الشحناء: آفة تحرم المغفرة وتحبس القبول

في مقابل تلك المنازل الرفيعة التي ينالها أهل القلوب السليمة، يقف بنا النبي على خطر داء عضال، وبلاء مستطير، يعد سببًا رئيسًا في حرمان العبد من رحمات الله وبركاته، ألا وهو "الشحناء". والشحناء هي: حقد المسلم على أخيه المسلم وبغضه له، وهي من أعظم آفات القلوب التي تمنع قبول الأعمال والمغفرة في أوقات النفحات. فعن أبي هريرة رضي الله عنه، أن رسول الله قال: «تُفْتَحُ أَبْوَابُ الْجَنَّةِ يَوْمَ الْاثْنَيْنِ، وَيَوْمَ الْخَمِيسِ، فَيُغْفَرُ لِكُلِّ عَبْدٍ لَا يُشْرِكُ بِاللهِ شَيْئًا، إِلَّا رَجُلًا كَانَتْ بَيْنَهُ وَبَيْنَ أَخِيهِ شَحْنَاءُ، فَيُقَالُ: أَنْظِرُوا هَذَيْنِ حَتَّى يَصْطَلِحَا، أَنْظِرُوا هَذَيْنِ حَتَّى يَصْطَلِحَا، أَنْظِرُوا هَذَيْنِ حَتَّى يَصْطَلِحَا» <رواه مسلم>. تخيل أن تُفتح أبواب السماء للمغفرة، وتتنزل الرحمات، ويغفر الله لجميع خلقه، إلا مشاحنًا! يُوقف عنك مدد المغفرة، وتُحبس عنك نفحات الرحمة، لا لذنبٍ عظيم، بل لبقاء ذرة حقد في قلبك تجاه أخيك المسلم. إنه لخطر عظيم، وتنبيه جليل، يجعل المؤمن يسارع إلى تطهير قلبه من أي ضغينة.

ويؤكد النبي على هذا المعنى بقوله: «إِنَّ اللَّهَ لَيَطَّلِعُ فِي لَيْلَةِ النِّصْفِ مِنْ شَعْبَانَ فَيَغْفِرُ لِجَمِيعِ خَلْقِهِ إِلَّا لِمُشْرِكٍ أَوْ مُشَاحِنٍ» <رواه ابن ماجه>. فيا حسرة على من حُرم نفحات المغفرة في هذه المواسم العظيمة بسبب غل استقر في قلبه، وبسبب سوء ظن، أو كلمة سمعها فملأت صدره حنقًا وغيظًا. إن سلامة الصدر هي المفتاح الذي تتنزل به الرحمات، وهي الحصن الذي يقي العبد من حرمان النفحات.

 الحسد والبغضاء: الداء العضال الذي يحلق الدين

لا يقف خطر أمراض القلوب عند حد حرمان المغفرة، بل إنها لتصل إلى حد "حلق الدين" بأكمله، أي إفساده وإذهابه من أساسه، كما يذهب الحالق الشعر. إن الحسد والبغضاء لا تفسدان علاقة العبد بربه فحسب، بل تمتدان لتهدما علاقاته الاجتماعية وتدمرا النسيج المجتمعي. عن الزبير بن العوام رضي الله عنه، أن النبي قال: «دَبَّ إِلَيْكُمْ دَاءُ الأُمَمِ قَبْلَكُمْ: الحَسَدُ وَالبَغْضَاءُ، هِيَ الحَالِقَةُ، لَا أَقُولُ تَحْلِقُ الشَّعَرَ وَلَكِنْ تَحْلِقُ الدِّينَ، وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَا تَدْخُلُوا الجَنَّةَ حَتَّى تُؤْمِنُوا، وَلَا تُؤْمِنُوا حَتَّى تَحَابُّوا، أَفَلَا أُنَبِّئُكُمْ بِمَا يُثَبِّتُ ذَلِكَ لَكُمْ؟ أَفْشُوا السَّلَامَ بَيْنَكُمْ» <رواه الترمذي وأحمد>. تأمل قوله: "دب إليكم"، فكأن هذا الداء يسري في الخفاء كما تسري النار في الهشيم، وقوله: "هي الحالقة"، استعارة  في غاية القوة، فهي لا تحلق شعر الرأس فحسب، بل تحلق الدين من جذوره. ولذلك فإن الإيمان الصادق لا يستقيم دون محبة بين المؤمنين، وسبيل هذه المحبة إفشاء السلام الذي يزرع في القلوب المودة، وينتزع منها الشحناء.

 المبحث الرابع: الأثر المجتمعي لسلامة الصدر: كيف تبني سلامة القلوب الأوطان؟

  سلامة الصدر أساس وقف دوامة العنف والجريمة

إن صلاح المجتمعات واستقرارها لا يتحققان بالقوانين والعقوبات وحدها، بل لا بد من أساس روحي وأخلاقي يسبقها ويدعمها، وهذا الأساس هو صلاح القلوب وسلامتها. تأمل معي كيف تبدأ الجريمة: إنها تبدأ فكرةً في العقل، يغذيها حقدٌ في القلب، ثم تتحول إلى كلمة، ففعل، فجريمة. لقد بدأت أول جريمة قتل في تاريخ البشرية -جريمة قابيل لأخيه هابيل- بسبب حسدٍ استقر في القلب: ﴿إِذۡ قَرَّبَا قُرۡبَانا فَتُقُبِّلَ مِنۡ أَحَدِهِمَا وَلَمۡ يُتَقَبَّلۡ مِنَ ٱلۡـَٔاخَرِ قَالَ لَأَقۡتُلَنَّكَۖ﴾ [المائدة: ٢٧]. فإذا طهُر القلب من الحسد والحقد، وأصبح سليمًا، سَلِم الناس من أذى صاحبه، وسَلِم هو من عواقب جرمه. إن القلوب السليمة لا تلد عنفًا ولا إرهابًا، بل تثمر محبةً وسلامًا. وعندما تطغى مشاعر الغل والضغينة، فإنها تُعمي البصيرة، وتُخرس صوت الفطرة، وتدفع الإنسان إلى ارتكاب ما لم يكن يحسب له حسابًا. لذا، فإن العمل على تطهير القلوب من هذه الآفات هو عمل وقائي من الدرجة الأولى، يحمي المجتمع من شرور الجريمة والعنف.

  تآلف القلوب قوام التماسك الأسري والاجتماعي

إذا كنا نبحث عن أسباب تماسك الأسر واستقرارها، فلن نجد لها أساسًا أمتن من سلامة الصدور بين أفرادها. كم من بيتٍ هُدم، وكم من أسرةٍ تشتت، وكم من رحمٍ قطعت، بسبب كلمةٍ نُقلت بنية سيئة، أو سوء ظن أُضمر في القلب، أو حقد تراكم مع الأيام حتى فاض! إن سلامة الصدر تحفظ البيوت من التفكك، وتصون الأرحام من القطيعة. وتأمل كيف يوجهنا القرآن الكريم إلى هذه القيمة العظيمة، فيجعل من دعاء المؤمنين الصادقين أن يسألوا الله تعالى تطهير قلوبهم تجاه إخوانهم: ﴿رَبَّنَا ٱغۡفِرۡ لَنَا وَلِإِخۡوَٰنِنَا ٱلَّذِينَ سَبَقُونَا بِٱلۡإِيمَٰنِ وَلَا تَجَعَلۡ فِي قُلُوبِنَا غِلّا لِّلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ رَبَّنَاۤ إِنَّكَ رَءُوف رَّحِيمٌ﴾ [الحشر: ١٠]. يقول ابن رجب رحمه الله حول هذه الآية: "أفضَلُ الأعمالِ سَلامةُ الصَّدرِ من أنواعِ الشَّحناءِ كُلِّها، وأفضَلُها السَّلامةُ من شَحناءِ أهلِ الأهواءِ والبِدَعِ... ثمَّ يلي ذلك سلامةُ القَلبِ من الشَّحناءِ لعمومِ المُسلِمين، وإرادةُ الخيرِ لهم، ونصيحتُهم، وأن يحِبَّ لهم ما يحِبُّ لنفسِه" . إن هذا الدعاء القرآني العظيم ليس مجرد كلمات نرددها، بل هو منهج حياة ومنهج تربية، يغرس في النفس محبة الخير للإخوان، وسلامة الصدر من الغل.

  التعاون والبناء ثمرة القلوب المتآلفة

إن القلوب المتنافرة لا تبني وطنًا، ولا تشيد حضارة، ولا تحقق نهضة. إن مشاريع البناء والعمران، على اختلاف أنواعها، تحتاج قبل كل شيء إلى قلوب متآلفة متحابة، تعمل بروح الفريق الواحد. يقول النبي في الحديث المتفق عليه: «لَا تَبَاغَضُوا، وَلَا تَحَاسَدُوا، وَلَا تَدَابَرُوا، وَكُونُوا عِبَادَ اللهِ إِخْوَانًا» <متفق عليه>. إن هذا النهي النبوي ليس مجرد توجيه أخلاقي فردي، بل هو قانون اجتماعي محكم. فالتدابر (وهو التقاطع والتهاجر) سببه الرئيس البغضاء، والبغضاء سببها الحسد وسوء الظن، وكلها أمراض قلبية تعطل طاقات المجتمع وتبدد جهوده. لقد امتن الله على نبيه والمؤمنين بأن ألف بين قلوبهم بعد أن كانوا أعداء متناحرين، فصاروا إخوانًا متحابين، وجعل هذا التأليف منة عظيمة لا تقدر بثمن، فقال سبحانه: ﴿وَأَلَّفَ بَيۡنَ قُلُوبِهِمۡۚ لَوۡ أَنفَقۡتَ مَا فِي ٱلۡأَرۡضِ جَمِيعا مَّاۤ أَلَّفۡتَ بَيۡنَ قُلُوبِهِمۡ وَلَٰكِنَّ ٱللَّهَ أَلَّفَ بَيۡنَهُمۡۚ إِنَّهُۥ عَزِيزٌ حَكِيمࣱ﴾ [الأنفال: ٦٣]. ويشرح الزمخشري هذه الآية بقوله: "التأليف بين قلوب من بعث إليهم رسول الله من الآيات الباهرة؛ لأن العرب -لما فيهم من الحمية والعصبية، والانطواء على الضغينة- لا يكاد يأتلف منهم قلبان، ثم ائتلفت قلوبهم على اتباع رسول الله واتحدوا... وذلك لما نظم الله من ألفتهم، وجمع من كلمتهم، وأحدث بينهم من التحاب والتواد، وأماط عنهم من التباغض والتماقت" . إنه درس بليغ: حين تصفو القلوب، وتجتمع على الخير، يتحقق النصر، وتُبنى الأوطان، وتنمو الحضارات.

  المبحث الخامس: أسباب سلامة الصدر ومنهج عملي لتحقيقها

- بعد أن عرفنا عظيم فضل سلامة الصدر، وجسيم خطر فقدها، نتساءل: كيف السبيل إلى هذا المقام الرفيع؟ إنها ليست أمنية تتحقق بالتمني، بل هي ثمرة مجاهدة وصبر، وسلوك أسباب تعين على بلوغها. وإليكم أهم هذه الأسباب العملية التي وردت في نصوص الوحيين وهدي السلف الصالح:

  السبب الأول: كثرة الدعاء والالتجاء إلى مقلب القلوب

إن القلوب بين أصبعين من أصابع الرحمن يقلبها كيف يشاء، ولا حول لنا ولا قوة إلا بالله. لذا كان الدعاء هو السلاح الأول والأقوى، وكان النبي يكثر من الدعاء بصلاح قلبه وسلامته. وكان من دعائه : «اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ الثَّبَاتَ فِي الأَمْرِ، وَأَسْأَلُكَ عَزِيمَةَ الرُّشْدِ، وَأَسْأَلُكَ شُكْرَ نِعْمَتِكَ، وَحُسْنَ عِبَادَتِكَ، وَأَسْأَلُكَ لِسَانًا صَادِقًا، وَقَلْبًا سَلِيمًا» <رواه الترمذي والنسائي>.

ويقول ابن عباس رضي الله عنهما: كان رسول الله يقول في دعائه: «اللهُمَّ اجْعَلْ فِي قَلْبِي نُورًا» <متفق عليه>.

 وعنه أيضًا أن النبي كان يدعو فيقول: «وَاسْلُلْ سَخِيمَةَ قَلْبِي» <رواه ابن ماجه>، وسخيمة القلب أي: حقده وغلّه. فلتكن هذه الأدعية النبوية زادًا يوميًا لنا، نلهج بها في صباحنا ومسائنا، وفي سجودنا وخلواتنا، نسأل الله أن يطهر قلوبنا وأن يذهب عنها الغل والحقد.

  السبب الثاني: حسن الظن بالناس والتماس الأعذار لهم

إن الشيطان يجري من ابن آدم مجرى الدم، ويسعى جهده ليوقع العداوة والبغضاء بين المؤمنين، وأعظم أبوابه إلى ذلك سوء الظن. فكم من كلمة بريئة حملت على غير محملها، فأورثت في القلب ضغينة، وقطعت أواصر المحبة! قال تعالى: ﴿يَٰۤأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ ٱجۡتَنِبُوا۟ كَثِيرا مِّنَ ٱلظَّنِّ إِنَّ بَعۡضَ ٱلظَّنِّ إِثۡمࣱۖ﴾ [الحجرات: ١٢]. وكان عمر بن الخطاب رضي الله عنه يقول كلمة عظيمة في هذا الباب: "لا تظن بكلمة خرجت من أخيك المؤمن شرًّا، وأنت تجد لها في الخير محملًا". درب نفسك على أن تقول: لعل له عذرًا لا أعلمه. وقد كان هذا دأب السلف الصالح، فيروى أن رجلاً دخل على الإمام الشافعي يعوده في مرضه، فقال له: "قوَّى اللهُ ضَعفَك". (وهي كلمة خطأ في التعبير، إذ الضعف لا يُطلب تقويته بل زواله). فقال الشافعي رحمه الله: "لو قوَّى ضعفي لقتلني". فقال الرجل وقد ارتبك: "واللهِ ما أردتُ إلا الخيرَ". فقال له الإمام الشافعي بقلبه السليم: "أعلمُ أنك لو شتمتني لم تُرِد إلا الخيرَ". هذا هو سلامة الصدر! أن تحمل كلام أخيك على أحسن المحامل، وأن تلتمس له العذر مهما بدا لك. وقد كتب بعض أصحاب رسول الله إلى أخ له نصيحة بهذا الخصوص فقال: "أَنْ ضَعْ أَمْرَ أَخِيكَ عَلَى أَحْسَنِهِ مَا لَمْ يَأْتِكِ مَا يَغْلِبُكَ، وَلَا تَظُنَّنَّ بِكَلِمَةٍ خَرَجَتْ مِنِ امْرِئٍ مُسْلِمٍ شَرًّا وَأَنْتَ تَجِدُ لَهُ فِي الْخَيْرِ مَحْمَلًا" <رواه البيهقي>.

  السبب الثالث: اجتناب الغيبة والنميمة والابتعاد عن مجالسها

إن الغيبة والنميمة من أشد ما يملأ القلب حقدًا وغلًا على الآخرين. فالساعي بالنميمة ينقل الكلام بين الناس بقصد الإفساد، ويزين للأخ سوء الظن بأخيه، مما يزرع بذور الشقاق والعداوة. وقد وصف النبي النمام بأنه من أبغض الناس إلى الله، وقرن عمله بالإفساد في الأرض، فقال: «إِنَّ أَحَبَّكُمْ إِلَيَّ أَحْسَنُكُمْ أَخْلَاقًا، الْمُوَطَّئُونَ أَكْنَافًا، الَّذِينَ يَأْلَفُونَ وَيُؤْلَفُونَ، وَأَبْغَضَكُمْ إِلَى اللَّهِ الْمَشَّاءُونَ بِالنَّمِيمَةِ، الْمُفَرِّقُونَ بَيْنَ الْأَحِبَّةِ، الْمُلْتَمِسُونَ لِلْبُرَآءِ الْعَنَتَ» <رواه الطبراني في المعجم الكبير>.

إن واجب المؤمن إذا سمع كلامًا فيه غيبة أو نميمة أن ينهى عنه بلسانه، فإن لم يستطع فليقم من ذلك المجلس حتى لا يتلوث قلبه. وكما قيل: "النمام في ساعة يعمل ما لا يعمله الساحر في شهر". وكما كان النبي يحفظ قلبه الشريف من هذا الداء، فقال: «لَا يُبَلِّغُنِي أَحَدٌ مِنْ أَصْحَابِي عَنْ أَحَدٍ شَيْئًا فَإِنِّي أُحِبُّ أَنْ أَخْرُجَ إِلَيْكُمْ وَأَنَا سَلِيمُ الصَّدْرِ» <رواه أبو داود>. فليكن هذا شعارك: لا تبلغني عن أحد شيئًا حتى يبقى قلبي سليمًا.

  السبب الرابع: مقابلة السيئة بالحسنة وبدء السلام

إن أقوى وسيلة عملية لاقتلاع الحقد من جذوره هي أن تعامل من أساء إليك بالإحسان. وهذا هو الخلق القرآني الرفيع: ﴿وَلَا تَسۡتَوِي ٱلۡحَسَنَةُ وَلَا ٱلسَّيِّئَةُۚ ٱدۡفَعۡ بِٱلَّتِي هِيَ أَحۡسَنُ فَإِذَا ٱلَّذِي بَيۡنَكَ وَبَيۡنَهُۥ عَدَٰوَة كَأَنَّهُۥ وَلِيٌّ حَمِيم ۝٣٤ وَمَا يُلَقَّىٰهَاۤ إِلَّا ٱلَّذِينَ صَبَرُوا۟ وَمَا يُلَقَّىٰهَاۤ إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍۢ﴾ [فصلت: ٣٤-٣٥]. إن هذا الدفع بالتي هي أحسن ليس سهلاً، بل هو شاق على النفس، ولهذا أخبر الله أنه لا يلقاه إلا ذو حظ عظيم، وهو من أعظم علامات سلامة الصدر. ويقول النبي : «لَا يَحِلُّ لِمُسْلِمٍ أَنْ يَهْجُرَ أَخَاهُ فَوْقَ ثَلَاثِ لَيَالٍ، يَلْتَقِيَانِ فَيُعْرِضُ هَذَا وَيُعْرِضُ هَذَا، وَخَيْرُهُمَا الَّذِي يَبْدَأُ بِالسَّلَامِ» <متفق عليه>. فبادر أنت بالسلام، وبادر بالهدية، فقد قال : «تَهَادُوا تَحَابُّوا» فالهدية تذهب وحر الصدر (أي حقده). أرسل رسالة طيبة، ابتسم في وجه من خاصمت، اذكر محاسنه، وسترى كيف يذوب جليد القطيعة، وكيف يزول ما في الصدر من غل.

  السبب الخامس: الرضا بقضاء الله وقسمته

إن كثيرًا من الأحقاد والضغائن تنشأ من التطلع إلى ما في أيدي الآخرين، وعدم الرضا بقسمة الله ورزقه. إن الحاسد في الحقيقة معترض على حكمة الله وتدبيره. ولو أن العبد أيقن أن الرزق مقسوم، وأن ما أصابه لم يكن ليخطئه، وما أخطأه لم يكن ليصيبه، لاستراح قلبه وسلم صدره. قال ابن القيم رحمه الله كلامًا نفيسًا يربط فيه بين سلامة الصدر والرضا: "وتستحيل سلامة القلب مع السخط وعدم الرضا، وكلما كان العبد أشد رضًا كان قلبه أسلم، فالخبث والدغل والغش قرين السخط، وسلامة القلب وبره ونصحه قرين الرضا". فالرضا يورث راحة البال، وسلامة الصدر، بينما السخط يورث الحسد والغل والأمراض.

  السبب السادس: تذكر قصر الحياة الدنيا وزوالها

إن الدنيا التي نتصارع من أجلها ونتحاسد عليها، ما هي إلا ظل زائل، ومتاع غرور. إنها لا تستحق أن نعادي بعضنا لأجلها، أو نقطع أرحامنا بسببها. تذكر أننا جميعًا ضيوف على هذه الأرض، وسنرحل عنها سريعًا، فلماذا نرحل بقلوب مثقلة بالأحقاد؟ لماذا لا نرحل بقلوب بيضاء نقية؟ إن تذكر الموت وقصر الأمل من أعظم ما يهون على النفس مشاق الدنيا، ويطهر القلب من أدرانها.

 الخاتمة: سلامة الصدر... مشروع حياة وسبيل نجاة.

ختامًا، أيها الإخوة الكرام، لقد تجولنا في رحاب معنى عظيم من معاني الإيمان، وعبادة قلبية جليلة هي "سلامة الصدر". لقد رأينا كيف أن الله جعلها ميزان النجاة في الآخرة، وكيف جعلها النبي معيار الأفضلية بين الناس، ورأينا كيف أن السلف الصالح جعلوها أفضل الأعمال وأساس السلوك إلى الله. إن مشروع سلامة الصدر ليس مشروع يوم أو شهر، بل هو مشروع حياة كاملة، يحتاج منا إلى مجاهدة دائمة للنفس، وإلى يقظة مستمرة للقلب، لتنظيفه أولاً بأول مما قد يعلق به من شوائب. وليكن شعارنا في ذلك توجيه النبي الجامع لأنس بن مالك رضي الله عنه: «يا بُنيَّ إنْ قَدَرْتَ أن تُصْبحَ وتُمْسيَ ليسَ في قَلْبِكَ غِشٌّ لأحدٍ فافْعلْ» ثم قال له: «يا بُنيَّ وذلكَ من سُنّتي، ومن أحيا سُنّتي، فقد أحياني، ومن أحياني، كانَ مَعِي في الجنَّةِ» <رواه الترمذي>. فلنجعل هذا الهدف نصب أعيننا: أن نمسي ونصبح وليس في قلوبنا غش ولا حقد لأحد من المسلمين.

ولنحرص على الأسباب العملية المعينة، من كثرة الدعاء، وحسن الظن، وتجنب النميمة، ومقابلة الإساءة بالإحسان، وبذل السلام، والرضا بقضاء الله، وتذكر قصر الدنيا. وكلما زلت القدم، وضعفت النفس، عدنا سريعًا إلى الله نطلب منه أن يطهر قلوبنا، وأن يشرح صدورنا، وأن يجعلنا من عباده المخلصين.

فسلامه الصدر معنى عظيم من معاني الإيمان، وعبادة قلبية جليلة كادت أن تندثر في زمن طغت فيه الماديات، وقد رأيتم كيف جعلها الله سبحانه ميزان النجاة يوم القيامة، إذ لا ينفع هناك مال ولا بنون، ﴿إِلَّا مَنۡ أَتَى ٱللَّهَ بِقَلۡب سَلِيمٍ﴾. ورأيتم كيف جعلها النبي المصطفى معيار الأفضلية بين الناس، فسيد القوم هو "مخموم القلب، صدوق اللسان". ورأيتم كيف أن السلف الصالح، أولئك العمالقة الذين أدركوا حقائق الإيمان، جعلوا سلامة الصدر أفضل الأعمال، وأساس السلوك، وطريق الاخيار، حتى قال قائلهم: "أفضل طرق الجنة سلامة الصدر".

إن ما سمعناه اليوم ليس نظرياتٍ تُحفظ، ولا خطبًا تُلقى ثم تُنسى، بل هو منهج حياة، ومشروع عمر. إنه دعوة صريحة لأن نفتش في قلوبنا الآن، أن ننبش ما استقر فيها من غلٍ أو حقد أو حسد أو بغضاء. فلنسأل أنفسنا بصدق: هل في قلوبنا غش لأحد من المسلمين؟ هل نحمل ضغينة لأخ بسبب موقف عابر؟ هل نحسد أحدًا على خير آتاه الله إياه؟ إن كانت الإجابة نعم، فلنعلم أننا نحرم أنفسنا من نفحات الرحمة، وأن علينا أن نبادر فورًا إلى تطهير قلوبنا قبل أن نلقى الله وهي على هذه الحال.

وقد علمنا أن الطريق إلى ذلك يبدأ بخطوات عملية: بصدق اللجوء إلى مقلب القلوب بالدعاء، بحسن الظن بإخواننا والتماس العذر لهم، بهجر مجالس الغيبة والنميمة التي تملأ القلب أدرانًا، بمقابلة السيئة بالحسنة وبذل السلام والهدية، بالرضا بقسمة الله وحسن تدبيره، وبتذكر أننا في دار ممر لا دار مقر، وأن الدنيا لا تستحق أن نلوث قلوبنا من أجلها. فلنعقد العزم من هذه اللحظة على أن نكون من أهل القلوب السليمة، أن نمسي ونصبح وليس في قلوبنا غش لأحد، وأن نلقى الله بقلب نقيٍّ طاهر، لعل الله أن يجمعنا في جنات النعيم، إخوانًا على سرر متقابلين، قد نزع الله ما في صدورنا من غل، متحابين فيه، وهذا هو الفوز العظيم.

  الدعاء  

فاللهم يا مقلب القلوب ثبت قلوبنا على دينك، واجعل قلوبنا سليمة من الغل والحسد والحقد، واملأها إيمانًا ومحبةً ورحمةً لجميع خلقك، واجعلنا ممن يأتونك بقلب سليم، فتدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.

اللهم يا مقلب القلوب والأبصار، ويا مصرف القلوب كيف تشاء، ويا من بيده ملكوت كل شيء، نسألك بوجهك الكريم، وباسمك الأعظم، أن تثبت قلوبنا على دينك، وأن تصرفها إلى طاعتك، وأن تشرح صدورنا للإسلام. اللهم اجعل في قلوبنا نورًا، وفي ألسنتنا نورًا، وفي أسماعنا نورًا، وفي أبصارنا نورًا. اللهم ارزقنا قلبًا سليمًا، نقيًا تقيًا، لا إثم فيه ولا بغي ولا غل ولا حسد.

اللهم طهّر قلوبنا من الغل والحقد والضغائن والشحناء والبغضاء، وانزعها من صدورنا نزعًا كما نزعتَها من صدور أهل الجنة، حتى نلقاك بها بيضاء نقية، لا تحمل حقدًا على أحد من المسلمين. اللهم اجعل قلوبنا على قلب رجل واحد، لا اختلاف بيننا ولا تباغض، وألّف بين قلوبنا كما ألّفت بين قلوب عبادة الصالحين، فإنك تؤلف بين القلوب، ولا يقدر على ذلك أحد سواك.

اللهم إن نسألك لسانًا صادقًا، وقلبًا سليمًا. اللهم اسلل سخيمة قلوبنا، وأذهب غِلّها وحقدها، واملأها إيمانًا ويقينًا ومحبة ورحمة لجميع المؤمنين. اللهم اجعلنا ممن يحبون لإخوانهم ما يحبون لأنفسهم، ويكرهون لهم ما يكرهون لأنفسهم، ولا يجدون في أنفسهم غشًا ولا حسدًا لأحد على خير أعطيته إياه.

يا رب العالمين، اجعلنا مفاتيح للخير، مغاليق للشر، مسلمي الصدور، طاهري القلوب، ناصحين للخلق، رحماء بالمؤمنين. اللهم إنا نسألك سلامة الصدر، وسخاوة النفس، وصدق اللسان، وتواضع الجنان. اللهم جنبنا الحسد والبغضاء، فإنها الحالقة التي تحلق الدين، فلا تجعل في قلوبنا ذرة من حقد، ولا مثقال ذرة من كبر، ولا شائبة من رياء.

اللهم يا وليّ المؤمنين، أدم على مجتمعاتنا المحبة والوئام، واصرف عنها أسباب الفرقة والخصام، واجعلنا إخوانًا متحابين على سرر الإيمان متقابلين. اللهم أصلح ذات بيننا، وألف بين قلوبنا، واهدنا سبل السلام. اللهم اجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وممن قال الله فيهم: ﴿وَنَزَعۡنَا مَا فِي صُدُورِهِم مِّنۡ غِلٍّ إِخۡوَٰنًا عَلَىٰ سُرُر مُّتَقَٰبِلِينَ﴾.

اللهم أحينا على سلامة الصدر، وأمتنا على سلامة الصدر، واحشرنا يوم القيامة مع الذين أتوك بقلب سليم.

 

 

google-playkhamsatmostaqltradent