recent
أخبار عاجلة

خطبة الجمعة سلامة الصدر وأثرها في السلم المجتمعي

 سلامة الصدر وأثرها في السلم المجتمعي

 

 


١ ـ إصلاح القلوب أعظم أنواع الإصلاح

٢ ـ مفهوم سلامة القلب

٣ ـ حرص الإسلام على سلامة القلوب والتأليف بين المسلمين ونهيه عن التدابر التقاطع

٤ ـ نقاء قلوب المهاجرين والأنصار وصفاء صدورهم

٥ ـ الأسباب المعينة على سلامة الصدر.

٦ ـ سلامة الصدر أقصر طرق الجنة

لا شك أن بعثة محمد -صلى الله عليه وسلم- أعظم مشروع إصلاحي عرفه التاريخ؛ فببعثته -صلى الله عليه وسلم- صلحت الأرض وزكت النفوس وتطهرت القلوب وعُرفت الحياة على حقيقتها والغاية منها كما صلحت أحوال الناس وتعاملاتهم.

إن البرية يوم مبعث أحمد *** نظر الإله لها فبدّل حالها

إمام المرسلين صلى الله عليه وسلم وسلامة الصدر:

ففي حديث أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها قالت : يا رسولَ اللهِ! هل أتى عليك يومٌ كان أشدَّ من يومِ أُحُدٍ؟ فقال ( لقد لقيتُ من قومِك. وكان أشدَّ ما لقِيتُ منهم يومَ العقبةِ. إذ عرضتُ نفسي على ابنِ عبدِ يا ليلِ بنِ عبدِ كلالٍ. فلم يُجِبْني إلى ما أردتُ. فانطلقتُ وأنا مهمومٌ على وجهي. فلم أَستَفِقْ إلا بقرنِ الثعالبِ. فرفعتُ رأسي فإذا أنا بسحابةٍ قد أظلَّتْني. فنظرتُ فإذا فيها جبريلٌ. فناداني. فقال: إنَّ اللهَ عزَّ وجلَّ قد سمع قولَ قومِك لك وما رَدُّوا عليكَ. وقد بعث إليك ملَكَ الجبالِ لتأمرَه بما شئتَ فيهم. قال: فناداني ملكُ الجبالِ وسلَّم عليَّ. ثم قال: يا محمدُ! إنَّ اللهَ قد سمِع قولَ قومِك لكَ. وأنا ملَكُ الجبالِ. وقد بعثَني ربُّك إليك لتأمرَني بأمرِك. فما شئتَ؟ إن شئتَ أن أُطبقَ عليهم الأخشبَينِ ). فقال له رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ ( بل أرجو أن يخرجَ اللهُ من أصلابِهم من يعبدُ اللهَ وحدَه، لا يشركُ به شيئًا ).

أي قلب يحتمل كل هذا؟

أين نفس أعظم من هذه؟

أي رجل يقاسي مثل هذا؟

إنه القدوة صلى الله عليه وسلم، يسجل من الصحراء منهج الخيرية لجميع البشر من غاب ومن حضر، ويسجل قوة الهدف وسلامة المبادئ لمن حاد وعبث وفسد وأفسد، يعطي لكل حقود وحسود درساً عبودياً يحاسب عليه عندما يلقى ربه بقلب عفن ملئ بأوثان الجاهلية والعقائد الفلسفية والأخلاق الرذيلة.

ضيق مجاري الحقد..والبغصاء وملأ القلوب والصدور سلاما ومحبة فكانوا خير القرون

فماذا نحن فاعلون؟

إن الإسلام ليضع الموانع حماية لإتباعه من أن يقعوا في مهاوي الردى، وهذا والله عين الرحمة التي هي شعار الإسلام ومبدأه ومنتهاه، فما من حكم أو أمر أو نهي إلا وتجد في طياته الرحمات، ومن هنا يلزمنا من باب السببية أن نرحم أنفسنا ونرحم خاصة قلوبنا من منابع الحقد ومستنقعات الحسد، فهذا نبينا صلى الله عليه وسلم الذي ما عرف قلبه الغل والحسد يحذر من منابعه ففي

الحديث: ((عن عبد الله بن مسعود -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((لا يُبَلِّغُنِي أحدٌ من أصحابي عن أحدٍ شيئًا، فإنِّي أحبُّ أن أخرج إليكم وأنا سَلِيم الصَّدر)) رواه أبو داود وحسنه بعض العلماء.

ويترجم علماء الأمة هذا القول إلى واقع عملي عبودية لله ومحبة لرسول الله صلى الله عليه وسلم فقد دخل رجل على عمر بن عبد العزيز -رحمه الله تعالى- فذكر له عن رجل شيئًا، فقال له عمر: إن شئت نظرنا في أمرك، فإن كنت كاذبًا، فأنت من أهل هذه الآية: ﴿ إِن جَاءكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا ﴾ [الحجرات: ٦] وإن كنت صادقًا، فأنت من أهل هذه الآية: ﴿ هَمَّازٍ مَّشَّاء بِنَمِيمٍ ﴾ [القلم: ١١]، وإن شئت عفونا عنك. فقال: العفو، يا أمير المؤمنين، لا أعود إليه أبدًا)

لو كنا هكذا لما وجدنا الغيبة والنميمة تكاد تكون فاكهة المجالس وطعامها وشرابها

لو كنا نغلق أبواب الشر لعرفنا من يفتحها فنأخذ بيده إلى أبواب الخير ولما اختلط علينا الأمر

لو كنا نربي على مثل هذا لوجدنا الجيل المبارك الذي يعمل لدنياه وآخرته على تقوى من الله ورضوان فيعم السلام والأمن المجتمعي

إصلاح القلوب أعظم أنواع الإصلاح

ومن أعظم أنواع الإصلاحات إصلاح القلوب؛ لأن القلب هو ملك الأعضاء وقائدُها لذلك علق الرسول -صلى الله عليه وسلم- صلاح الجسد كله بصلاح القلب في الحديث المشهور المتفق على صحته حديث النعمان بن بشير -رضي الله عنه- وفيه: "ألا وإن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله وإذا فسدت فسد الجسد كله ألا وهي القلب".

قال الحسن البصري -رحمه الله-: داو قلبك؛ فإن حاجة الله إلى العباد صلاح قلوبهم، يعني أن مراد الله من عباده ومطلوبة صلاح قلوبهم.

مفهوم سلامة القلب والصدر

والحديث عن القلب -يا عباد الله- حديث ذو شجون، لكن لعلنا ننبه إلى جانب واحد من جوانب إصلاح القلب جانب تشتد الحاجة إليه، ويجدر التنبيه عليه في وقت انشغل أكثر الناس فيه بالظواهر واستهانوا بأمر البواطن مع أن الله تعالى لا ينظر إلى الأجساد والصور، ولكن ينظر إلى القلوب والأعمال

هذا الجانب -يا عباد الله- هو سلامةالصدر أي:

طهارته من الغل والحقد والبغي والحسد؛ فإن الإسلام قد حرص حرصا أكيدا على تأليف القلوب بين المسلمين وإشاعة المحبة والمودة وإزالة العداوة والتشاحن لذلك امتنّ الله على رسوله -صلى الله عليه وسلم- بأن أوجد له طائفة من المؤمنين متآلفة قلوبهم؛ فقال -سبحانه-: (هُوَ الَّذِي أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ وَبِالْمُؤْمِنِينَ * وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ لَوْ أَنْفَقْتَ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مَا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ إِنَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ)[الأنفال: ٦٢- ٦٥].

حرص الإسلام على سلامة القلوب والتأليف بين المسلمين ونهيه عن التدابر التقاطع :

والحديث عن سلامة القلوب من أيسر الأحاديث وأسهلها عند الكلام؛ لكنه في الوقت ذاته من أشد الأمور وأصعبها عند التطبيق ولكنه يسير على من يسّره الله عليه إذ كلنا يعرف أن نجاة العبد يوم القيامة مرتبطة بسلامة قلبه، قال تعالى عن إبراهيم -عليه السلام-: (وَلَا تُخْزِنِي يَوْمَ يُبْعَثُونَ * يَوْمَ لَا يَنْفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ * إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ) [الشعراء: ٨٧ - ٨٩].

وكلنا يعرف نهي النبي -صلى الله عليه وسلم- عن التدابر قال -عليه الصلاة والسلام-: "لا تباغضوا ولا تحاسدوا ولا تدابروا وكونوا عباد الله إخوانا، ولا يحلّ لمسلم أن يهجر أخاه فوق ثلاث"

وروى ابن ماجه في سننه بسند صحيح عن عبدالله بن عمرو -رضي الله عنه- ما قال: قيل يا رسول الله أي الناس أفضل؟ قال: "كل مخموم القلب صدوق اللسان، قالوا: صدوق اللسان نعرفه؛ فما مخموم القلب؟ قال: هو التقي النقي الذي لا إثم فيه، ولا بغي، ولا غل، ولا حسد".

وتأملوا -معشر المؤمنين- في تعبير النبي -صلى الله عليه وسلم- بـ "مخموم القلب"، والمخموم: من خممت البيت إذا كنسته أي أنه ينظف قلبه في كل وقت بين الفينة والأخرى مما يدل على أن الأمر ليس بالسهل ولابد له من مجاهدة وصبر ولا يقوى عليه إلا الأشدّاء من الناس لذلك استحق رتبة أفضل الناس وكان عند الله بالمكانة العليا

نقاء قلوب المهاجرين والأنصار وصفاء صدورهم

وهكذا هو حال صحابة رسول الله -صلى الله عليه وسلم- الذين أثنى الله على أخلاقهم وجعل لهم نصيباً من الفيء والغنائم، فقال -سبحانه-: (لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا) [الحشر: ٨]، وهم المهاجرون، ثم قال: (وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ) [الحشر: ٩]، وهم الأنصار فيا لها من شهادة حيث يكشف الله عن مكنون صدورهم ويخبر أنهم لا يحملون في قلوبهم غلاً ولا حقداً أو حسداً على إخوانهم المهاجرين لكونهم أفضل منهم؛ فقد جمع المهاجرون بين النصرة والهجرة.

ثم بين الله حال من جاء بعد الصحابة إلى يوم القيامة وما ينبغي أن يكونوا عليه من محبة للصحابة وللمؤمنين بصفة عامة وسلامة للصدر عليهم فقال: (وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ) [الحشر: ١٠]؛ فما أجمل أن يتمثل المؤمن هذا الدعاء وأن يلهج به صباح مساء؛ فإن كثيراً من الناس اليوم يتورع عن أكل الحرام أو النظر الحرام ويترك قلبه يرتع في مهاوي الحقد والحسد والغل.

قال ابن رجب -رحمه الله- عن بعض السلف: "أفضل الأعمال سلامة الصدور وسخاوة النفوس، والنصيحة للأمة وبهذه الخصال بلغ من بلغ لا بكثرة الاجتهاد في الصوم والصلاة"، أرأيتم كيف شهد النبي -صلى الله عليه وسلم- لرجل من أصحابه بالجنة مع شهادة الرجل على نفسه أنه ليس كثير صلاة فما السر في ذلك؟

عن أنس بن مالك -رضي الله عنه- قال: "كنا جلوساً مع الرسول -صلى الله عليه وسلم- فقال: "يطلع عليكم الآن رجل من أهل الجنة" فطلع رجل من الأنصار تنطف لحيته من وضوئه قد علق نعليه في يده الشمال؛ فلما كان الغد قال النبي -صلى الله عليه وسلم- مثل ذلك، فطلع ذلك الرجل مثل المرة الأولى، فلما كان اليوم الثالث قال النبي -صلى الله عليه وسلم- مثل مقالته أيضا، فطلع ذلك الرجل على مثل حالته الأولى فلما قام النبي -صلى الله عليه وسلم- تبعه عبدالله بن عمرو بن العاص فقال: إني لا حيت أبي فأقسمت ألا أدخل عليه ثلاثاً فإن رأيت أن تؤويني إليك حتى تمضي فعلت فقال: نعم قال أنس وكان عبدالله يحدّث أنه بات معه تلك الليالي الثلاث؛ فلم يره يقوم من الليل شيئاً غير أنه إذا تعار وتقلب على فراشه ذكر الله -عز وجل- وكبر حتى يقوم لصلاة الفجر قال عبدالله: غير أني لم أسمعه يقول إلا خيرا، فلما مضت الثلاث ليال، وكدت أن أحقر عمله قلت: يا عبدالله إني لم يكن بيني وبين أبي أيُّ غضبٍ ولا هجر ولكن سمعت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يقول لك ثلاث مرار: يطلع عليكم الآن رجل من أهل الجنة فطلعت أنت، فأردت أن آوي إليك لأنظر ما عملك فأقتدي به فلم أرك تعمل كثير عمل، فما الذي بلغ بك ما قال الرسول -صلى الله عليه وسلم-؟ فقال: ما هو إلا ما رأيت غير أني لا أجد في نفسي لأحد من المسلمين غشاً، ولا أحسد أحداً على خير أعطاه الله إياه، فقال عبدالله: "هذه التي بلغت بك وهي التي لا نطيق"

معاشر المسلمين: ما أجمل أنْ يكون الإنسانُ سليمَ الصدرِ تجاه المسلمين, نقيَّ الفؤادِ مِن الغلِّ والحقد, يَعْذُرهم ولا يقف عند زلاتهم وأخطائهم, يلتمس الأعذار لهم, ويحمل ما يبدر منهم على أحسن محمل.

بهذا والله يعيش الإنسان, ويرتاح الجنان, وصفو الخاطر, ويهنأ البال.

أما من يجعل قلبَه مستودعًا لزلات الناس, وقاموسًا للأخطاء والعثرات, وأرضًا خصبةً للغل والحقد والكراهة, يُدقق في أقوالهم وما صدر منهم, ويحمل في خاطره قبيح ما يراه منهم: فهذا نفسُه منه في بلاء, وقلبُه من الآلامِ أحرُّ من الرمضاءِ.

حيلتُه الكتمان, ومطيّتُه سوءُ الظنّ, وهذان الداءَان هما أعظم أسباب الهلاك, وأكثرُ مصادرِ الأمراضِ والحقدِ والهجران.

فسلامةُ الصدر - يا أمة الإسلام- هي من أعظم أسباب رضا الله تعالى, وإدخالِه لصاحبه الجنة.

تأملوا في حديث الرجل الذي سبق ذكره عن النبيّ صلى الله عليه وسلم قال: «يطلع عليكم الآن رجل من أهل الجنة», وكرر ذلك ثلاثًا, فعمل عبدُ الله بنُ عمروٍ حيلةً لينام عند هذا الرجل, وينظرَ في أعماله التي أوجبت له الجنة وهو بين أظهرهم, فلم يره يقوم من الليل شيئًا, غير أنه إذا تقلَّب على فراشه ذكر الله -عز وجل- وكبر حتى يقوم لصلاة الفجر، فلم يجده قوّامًا ولا صوَّامًا, ولا كثير قراءةٍ للقرآن, ولا مشتغلاً بالدعوة, ولا كثير الإنفاق وتفريج الْكُرب, قال عبد الله: فكدت أن أحتقر عمله, فقلت له: يا عبدَ الله, أردت أن آوي إليك لأنظر ما عملك فأقتدي به, فلم أرك تعمل كثير عمل، فما الذي بلغ بك ما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم؟

فقال: ما هو إلا رأيت, غير أني لا أجد في نفسي لأحد من المسلمين غشًا, ولا أحسد أحدًا على خير أعطاه الله إياه.

فقال عبد الله: هذه التي بلغت بك وهي التي لا نطيق».

قال شيخ الإسلام رحمه الله: يُشِيرُ إلَى خُلُوِّهِ وَسَلَامَتِهِ مِنْ جَمِيعِ أَنْوَاعِ الْحَسَدِ.

وَبِهَذَا أَثْنَى اللَّهُ تَعَالَى عَلَى الْأَنْصَارِ فَقَالَ: {وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ}.

قَالَ الْمُفَسِّرُونَ: لَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً, أَيْ حَسَدًا وَغَيْظًا مِمَّا أُوتِيَ الْمُهَاجِرُونَ. ا.ه

ويا سبحان الله, يُبَشَّر بالجنة وهو ليس معروفًا بأعماله الصالحة الظاهرة, بل ولا يُعرف حتى اسْمُه, لكنْ لِسَلامة قلبِه ضُمِنَتْ له الجنة وهو بين الأحياء.

نسأل الله تعالى أنْ يُصلح فساد قلوبِنا, ويجمع ذات بينِنِا, إنه سميعٌ قريبٌ مُجيب.

يا من تحمل أحقادًا مضى عليها أعوامًا طويلة, وتستذكرُ مواقفَ مُؤلمةً حدثت منذ أزمانٍ بعيدة, ماذا تستفيد من ذلك سوى الهمِّ والغمِّ والنكد, ماذا لو حلّلتهم وسامحتهم لوجه الله تعالى.

كن سليم الصدر تجاه الناس, المواقف والآلامُ ذهبت وانتهت, فلماذا تُبقيها في صدرك, وتستذكرها كلّ وقتك؟

أعرفتم أيها المسلمون أهمية سلامة الصدور وأي مكانة لها عن ربنا العزيز الغفور؟!

الأسباب المعينة على سلامة الصدر :

أيها الإخوة المؤمنون: بعد أن عرفنا ما لسلامة الصدر من الأجر العظيم والخير العميم لعلنا نلتمس الأسباب المعينة على ذلك لنجاهد أنفسنا على تطبيقها علَّ الله تعالى أن يجعلنا من أهل القلوب السليمة؛ فمن ذلك:

الدعاء:

فهو من أعظم الأسباب وقد تقدم دعاء المؤمنين، (رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ)[الحشر: 10]، وكان من دعاء النبي -صلى الله عليه وسلم-، "وأسألك قلباً سليما"

حسن الظن بالناس وحمل الكلام على أحسن المحامل:

وهذا كثيراً ما يوقع الناس في التباغض أن يحمل الإنسان الكلمة التي خرجت من أخيه على محمل سيء ويفسرها تفسيراً خاطئاً لا يكون المقابل بالضرورة يقصده، قال عمر -رضي الله عنه-: "لا تظن بكلمة خرجت من أخيك شراً وأنت تجد لها في الخير محملاً وإليكم هذه القصة فقد جاء أحد الناس إلى الإمام الشافعي يعوده في مرضه، فقال له: قوّى الله ضعفك"، فقال الشافعي-رحمه الله-: "لو قوّى ضعفي لقتلني قال الزائر: والله ما أردت إلا الخير فقال الإمام: أعلم أنك لو سببتني ما أردت إلا الخير".

البعد عن مجالسة النمامين الذين ينقلون الكلام بغرض الإفساد:

فهم رسل إبليس في الوقيعة بين الناس، قال يحيى بن كثير: "الذي يعمل النمام في ساعة لا يعمله الساحر في شهر، ولو كان كلام النمام صحيحاً فرد كيده في نحره واعف عمن أساء إليك أو تكلم فيك"، قال الرسول -صلى الله عليه وسلم- "لا يبلغني أحد عن أحد من أصحابي شيئاً فإني أحب أن أخرج إليكم وأنا سليم الصدر".

إهداء الهدية:

فإن لها أثراً في تطييب الخواطر وإذهاب وغر الصدور وقد جاء في الحديث "تهادوا حابوا"

الرضا عن الله وبما قسمه للعبد:

فهو من أفضل العلاج، قال ابن القيم -رحمه الله-: "وتستحيل سلامة القلب مع السخط وعدم الرضا وكلما كان العبد أشد رضاً كان قلبه أسلم فالخبث والدغل والغش قرين السخط وسلامة القلب وبره ونصحه قرين الرضا".

تذكر ما لسليم الصدر عند الله من الأجر العظيم: فإن الله وصف أهل الجنة بقوله، (وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ إِخْوَانًا عَلَى سُرُرٍ مُتَقَابِلِينَ * لَا يَمَسُّهُمْ فِيهَا نَصَبٌ وَمَا هُمْ مِنْهَا بِمُخْرَجِينَ)[الحجر: ٤٧-

أيها المؤمنون: إن الصدر إذا انشرح اتسع للعبادة, وتلذذ بها واستأنس القلب بالحياة الدنيا؛ لأنها مطية للدار الآخرة, وإن الصدر إذا ضاق صعُبت العبادة, وثقُلت واستوحش القلب بالدنيا وبأهلها, قال الله تعالى: (فَمَنْ شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ فَهُوَ عَلَى نُورٍ مِنْ رَبِّهِ فَوَيْلٌ لِلْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ أُولَئِكَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ) [الزمر: 22], عن قتادة -رضي الله عنه- في قوله: (فَمَنْ شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ): "قالوا: يا رسول الله؛ فهل ينفرج الصدر؟ قال: نعم. قالوا: هل لذلك علامة؟ قال: نعم التجافي عن دار الغرور والإنابة إلى دار الخلود والاستعداد للموت قبل نزول الموت".

أيها الناس: لقد امتن الله على نبيه فقال له (أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ) [الشرح: ١], فشرح صدره ويسر أمره, ومن لم يشر الله صدره فلن ييسر أمرُه, ولقد أعطى الله نبيه القرآن وجعله شفاء لأمراض الصدور (وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ) [الإسراء: ٨٢], عن ابن مسعود -رضي الله عنه- قال: "إن العسل فيه شفاء من كل داء, والقرآن شفاء لما في الصدور".

ومعلوم أن محبة الناس وأُلفتهم ومحبتهم سبب لانشراح الصدر, فعن أبي هريرة قال: قال رسول الله: "المؤمن يألف, ولا خير فيما لا يألف و لا يؤلف".

أيها الأحبة: لقد وصف النبي المسلم بأوصاف تدل على انشراح صدره, سبب في إيمانه وحبه الخير, فعن أبي هريرة -رضي الله عنه- أَنَّ رسولَ الله قال: "المؤمِنُ غِرّ كريم, والفاجر خَبّ لئيم". [أخرجه أبو داود ، والترمذي]. الغر: الذي لم يجرب الأمور، وإنما جعل المؤمن غرا نسبة له إلى سلامة الصدر, وحسن الباطن، والظن في الناس., فكأنه لم يجرب بواطن الأمور، ولم يطلع على دخائل الصدور، فترى الناس منه في راحة، لا يتعدى إليهم منه شر، بل لا يكون فيه شر فيتعدى. الخب: الخداع المكار الخبيث، ولذلك قابل به "الغر"؛ لأن الناس يتأذون به، لما يصلهم من شره.

عباد الله: إن سبب شرح الصدور ترك الغيبة والنميمة وترك الحسد, "لا تحاسدوا ولا تباغضوا ولا تدابروا وكونوا عباد الله إخواناً"

وإن من الأسباب المعينة على سلامة الصدور: محبة المؤمنين, فعن النبي –عليه الصلاة والسلام- قال: "مثل المؤمنين في توادهم وتعاطفهم وتراحمهم مثل الجسد, إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالحمى والسهر"

قال الفضيل: "لم يدرك عندنا من أدرك بكثرة صيام ولا صلاة, وإنما أدرك بسخاء الأنفس وسلامة الصدر والنصح للأمة", وقال السقطي: "من أخلاق الأبدال: سلامة الصدر والنصيحة للإخوان". وقال قاس الجوعي: "أصل الدين الورع, وأفضل العبادة مكابدة الليل, وأفضل طرق الجنة سلامة الصدر".

قال سفيان بن دينار: "قلت لأبي بشير وكان من أصحاب علي: أخبرني عن أعمال من كان قبلنا؟ قال: كانوا يعملون يسيرا ويؤجرون كثيرا. قلت: ولم ذاك؟ قال: لسلامة صدورهم".

(سلامة الصدر)أقصر طرق الجنة

لو سألتُ كلَّ واحدٍ منكم معاشر الحضورِ الكرام: ما هي قائمةُ أمنياتِك وغايةُ مطامعِك؟

لا شك أن الإجاباتِ ستختلف، فكلٌّ منا له أحلامُه وآمالُه.

إلا أن ثمَّةَ أمنيةً لا بد أننا سنجدها متكررةً في كل الإجابات، بل إننا سنجدُها في أعلى القوائم.

لعلكم عرفتُم ما هي؟

إنها دخولُ الجنة.

الجنةُ! وما أدراك ما الجنة؟!

تلك الدار التي جمعت كلَّ صنوفِ المتع، وكَمُلَت فيها كلُّ لذائذ النعيم.

تلك الدار التي ما إن تضع رجلَك فيها حتى ينسيك نعيمُها كلَّ بؤس، وتُغَيِّبُ بهجتُها كلَّ تعبٍ وكلَّ كدر.

(إِنَّ أَصْحَابَ الْجَنَّةِ الْيَوْمَ فِي شُغُلٍ فَاكِهُونَ (٥٥) هُمْ وَأَزْوَاجُهُمْ فِي ظِلَالٍ عَلَى الْأَرَائِكِ مُتَّكِئُونَ (٥٦) لَهُمْ فِيهَا فَاكِهَةٌ وَلَهُم مَّا يَدَّعُونَ (٥٧) سَلَامٌ قَوْلًا مِّن رَّبٍّ رَّحِيمٍ).

اللهم اجعلنا من سكانها وأهلِ الدرجاتِ العلى فيها.

الطريقٍ إلى الجنة، لا تحتاجُ فيه إلى عظيمِ اجتهاد، ولا طولِ ترحال، ولا كثيرِ حرمانٍ من المحابِّ والشهوات. فهو طريقٌ يوصلك إلى أعظمِ أمانيك وأغلى أحلامك، بأقلِّ الجهود، وأيسرِ السبل.

يقول الأكفانيُّ رحمه الله: "أقصر طرق الجنَّة سَلَامة الصَّدر".

وقال سفيان بن دينار: قلت لأبي بَشِير: أخبرني عن أعمالِ من كان قَبْلنا؟ قال: كانوا يعملون يسيرًا، ويُؤْجَرون كثيرًا. قلت: ولم ذاك؟ قال: لسَلَامة صدورهم.

وقد يظنُّ الظانُّ أنهم حين يدخلون الجنةَ فلن يكونوا من خيارِ أهلِها وذلك ليُسْرِ عملهم. ولكن الحقيقةَ أنهم يتربعون على عرشِ الأفضليةِ بين الناس بشهادةِ رسولِ الله صلى الله عليه وسلم.

قيل لرسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليْهِ وسلَّمَ: أيُّ الناسِ أفضلُ؟

فقال: (كلُّ مخمومِ القلبِ صدوقِ اللسانِ)

قالوا: صدوقُ اللسانِ نعرفُه فما مخمومُ القلبِ؟

قال: (هو التقيُّ النقيُّ لا إثمَ فيه ولا بغيَ ولا غِلَّ ولا حسدَ).

وسليمُ الصدرِ يا عباد الله له صفاتٌ يتحلى بها، وسماتٌ يتزين بها:

فمن ذلك أنه كثيرُ الصفح، عظيمُ العفو، يعفو عن زوجِه وأولادِه، يعفو عن خدمِه وعمّالِه، يعفو عن رئيسِه ومرؤوسيه، يعفو عن أساتذتِه وطلابِه، بل يعفو حتى عن ألدِّ أعدائِه وخُصمائِه.

هو كثيرُ الصفح فيصفحُ المرةَ تلوَ المرة، لا يكلُّ ولا يملُّ. جاء رجلٌ إلى النبيِّ صلى الله عليه وسلم، فقال: يا رسولَ اللهِ، كم نعفو عن الخادمِ؟ فصمَتَ، ثم أعادَ عليه الكلامَ، فصَمَتَ، فلما كان في الثالثةِ قال: (اعفُوا عنه في كل يومٍ سبعين مرةً).

هو عظيمُ العفو، فيعفو ولو كَبُرَ الخطأ، ويعفو ولو عَظُمَ الأذى. قدوته في ذلك سادةُ الخلقِ من الأنبياءِ والصالحين.

هذا يوسفُ عليه السلام!

رماه إخوانُه وأقربُ الناس إليه في البئر. بسببِهم انتقلَ من الحرية إلى العبودية، بسببِهم ابتليَ فلبث في السجن بضعَ سنين، بسببهم تغرَّبَ عن أمه وأبيه السنينَ الطوال، فلما لقيهم بعد كلِّ تلك المآسي والمعاناة، إذا به يتكلم بالعجبِ العجاب، وينطقُ بالعذبِ الزُّلال (قَالَ لَا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ ۖ يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ ۖ وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ).

وهذا محمدٌ صلى الله عليه وسلم!

تقول له عائشة: هلْ أتَى عَلَيْكَ يَوْمٌ كانَ أشَدَّ مِن يَومِ أُحُدٍ؟

فقالَ: (لقَدْ لَقِيتُ مِن قَوْمِكِ ما لَقِيتُ، وكانَ أشَدَّ ما لَقِيتُ منهمْ يَومَ العَقَبَةِ، إذْ عَرَضْتُ نَفْسِي علَى ابْنِ عبدِ يالِيلَ بنِ عبدِ كُلالٍ، فَلَمْ يُجِبْنِي إلى ما أرَدْتُ، فانْطَلَقْتُ وأنا مَهْمُومٌ علَى وجْهِي، فَلَمْ أسْتَفِقْ إلَّا وأنا بقَرْنِ الثَّعالِبِ، فَرَفَعْتُ رَأْسِي، فإذا أنا بسَحابَةٍ قدْ أظَلَّتْنِي.

فَنَظَرْتُ فإذا فيها جِبْرِيلُ، فَنادانِي فقالَ: إنَّ اللَّهَ قدْ سَمِعَ قَوْلَ قَوْمِكَ لَكَ، وما رَدُّوا عَلَيْكَ، وقدْ بَعَثَ إلَيْكَ مَلَكَ الجِبالِ لِتَأْمُرَهُ بما شِئْتَ فيهم.

فَنادانِي مَلَكُ الجِبالِ فَسَلَّمَ عَلَيَّ، ثُمَّ قالَ: يا مُحَمَّدُ، إنْ شِئْتَ أنْ أُطْبِقَ عليهمُ الأخْشَبَيْنِ.

فقالَ النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ: بَلْ أرْجُو أنْ يُخْرِجَ اللَّهُ مِن أصْلابِهِمْ مَن يَعْبُدُ اللَّهَ وحْدَهُ لا يُشْرِكُ به شيئًا).

إنها الأخلاقُ العاليةُ، والقلوبُ الراقيةُ، والنفوسُ السامية (أُولَٰئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ ۖ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ).

ومن صفاتِ سليمِ الصدر أنه لا يسجّلُ العداوات، ولا يحفظُ السيئات، ولا يُشغِلُ نفسَه بالخصومات. لن تجدَ في قاموسه الحقد ولا التدابر، ولا الهجر ولا التقاطع.

يضع نصبَ عينيه الوصيةَ النبويةَ الغاليةَ حين قال صلى الله عليه وسلم: (لا تَباغَضُوا، ولا تَحاسَدُوا، ولا تَدابَرُوا، وكُونُوا عِبادَ اللَّهِ إخْوانًا، ولا يَحِلُّ لِمُسْلِمٍ أنْ يَهْجُرَ أخاهُ فَوْقَ ثَلاثَةِ أيَّامٍ)

يفرُّ من البغضاءِ لأنه يعلم أنها الحالقةُ التي تحلقُ الدين الذي طالما عملَ في بنائِه ورَفْعِ عمادِه. ما يلبث أن ينزغَ الشيطان بينه وبين أخيه، حتى يكون هو أسرعَ في الاعتذار، وأسهلَ في تناسي الخصومة.

وهو يخشى طالت الشحناءُ أن يُحرم المغفرة، وأن يباعدَ بينه وبين الجنة. يقول النبي صلى الله عليه وسلم: (تُفْتَحُ أبْوابُ الجَنَّةِ يَومَ الاثْنَيْنِ، ويَومَ الخَمِيسِ، فيُغْفَرُ لِكُلِّ عَبْدٍ لا يُشْرِكُ باللَّهِ شيئًا، إلَّا رَجُلًا كانَتْ بيْنَهُ وبيْنَ أخِيهِ شَحْناءُ، فيُقالُ: أنْظِرُوا هَذَيْنِ حتَّى يَصْطَلِحا، أنْظِرُوا هَذَيْنِ حتَّى يَصْطَلِحا، أنْظِرُوا هَذَيْنِ حتَّى يَصْطَلِحا).

ومن صفات سليمِ الصدرِ أنه لا يتَقَصَّى العثرات، ولا يبحثُ عن الزلات، بل يحسنُ الظنَّ في إخوانه، ويلتمسُ لهم الأعذار، ويحملُ أفعالَهم وأقوالَهم على أحسنِ المحامل، ويبتعدُ عن كل ما يفسدُ سلامةَ صدره تجاهَهُم.

يقول النبيُّ صلى الله عليه وسلم: (يا معشرَ من آمنَ بلسانِه ولم يدخلْ الإيمانُ قلبَه، لا تغتابوا المسلمين، ولا تتَّبعوا عوراتِهم، فإنه من اتَّبعَ عوراتِهم يتَّبعُ اللهُ عورتَه، ومن يتَّبعِ اللهُ عورتَه يفضحُه في بيتِه).

قال ابنُ سيرين: إذا بلغكَ عن أخيك شيءٌ فالتمسْ له عذرًا، فإن لم تجد فقل: لعل له عذرًا لا أعرفه.

ومن صفاتِ سليمِ الصدرِ أنه يحبُّ الخيرَ لإخوانه، ولا يحَسِدُهم على فضلٍ أعطاهم اللهُ إياه، بل يرجو لهم كلَّ خير، ويحبَّ لهم ما يحبُّ لنفسه. قال صلى الله عليه وسلم: (لَا يُؤْمِنُ أحَدُكُمْ، حتَّى يُحِبَّ لأخِيهِ ما يُحِبُّ لِنَفْسِهِ).

قال ابن عباس: " "إني لأسمعُ أن الغيثَ قد أصاب بلدًا من بلدان المسلمين فأفرحُ به، ومالي به سائمة".

وكلُّ النفوسِ قد يصيبُها شيءٌ من الحسد، لكنَّ سليمَ الصدرِ إن نما في قلبه شيءٌ من ذلك، كَبَتَ الحسدَ وأخفاه، وطوَّعَ نفسَه لمحبةِ الخيرِ لأخيه، وألزمَها الدعاءَ له سراً وجهراً بأن يباركَ اللهُ له فيما أعطاه. وكما قيل: "مَا خلا جَسَدٌ من حسدٍ، لَكِنَّ اللَّئِيمَ يبديه والكريمَ يخفيه".

ومن صفاتِ سليمِ الصدرِ أنه مرتاحُ البال، بعيدٌ عن الغموم، سليمٌ من الخصومات. فهو بذلك في جنة الدنيا قبل جنة الآخرة، يتنعمُ بجزءٍ من نعيمها قبل أن يكون من أهلها الذين قال اللهُ فيهم يبين عِظَمَ نعيمِهم (وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِم مِّنْ غِلٍّ إِخْوَانًا عَلَىٰ سُرُرٍ مُّتَقَابِلِينَ)، ويقول النبي صلى الله عليه وسلم واصفا حالَهم: (قُلُوبُهُمْ علَى قَلْبِ رَجُلٍ واحِدٍ، لا اخْتِلَافَ بيْنَهُمْ ولَا تَبَاغُضَ).

هذا هو سليمُ الصدر، وهذا هو قلبُه المنعم، وروحُه المطمئنة، ونفسُه الهادئة، ووعدُ الصدقِ الذي ينتظره في الآخرة.

فهل اشتقت لتكون أنت ذاك الرجل؟!

(اسْتَعِنْ باللَّهِ وَلَا تَعْجِزْ) (وإنما الحِلمُ بالتَّحلُّمِ، ومن يتحرَّ الخيرَ يُعطَهْ ومن يتَّقِ الشرَّ يُوَقَه)

 

google-playkhamsatmostaqltradent