recent
أخبار عاجلة

خطبة الجمعة أثر استقرار الأسرة في بناء الإنسان خُطُورَةُ غِيَابِ التَّوَاصُلِ بَيْنَ الْآبَاءِ وَالْأَبْنَاءِ

 

 أثر استقرار الأسرة في بناء الإنسان  


  خُطُورَةُ غِيَابِ التَّوَاصُلِ بَيْنَ الْآبَاءِ وَالْأَبْنَاءِ

 

 الْأُسْرَةُ الْمُسْتَقِرَّةُ.. أَسَاسُ الْبِنَاءِ الْإِيمَانِيِّ وَالْإِنْسَانِيِّ

  الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ

 تَحَدِّيَاتٌ تُهَدِّدُ اسْتِقْرَارَ الْأُسْرَةِ

 عَوَامِلُ اسْتِقْرَارِ الْأُسْرَةِ

 أَثَرُ اسْتِقْرَارِ الْأُسْرَةِ عَلَى الْفَرْدِ وَالْمُجْتَمَعِ

الْخُطْبَةُ الثَّانِيَةُ

العنصر السابع :خُطُورَةُ غِيَابِ التَّوَاصُلِ بَيْنَ الْآبَاءِ وَالْأَبْنَاءِ

 

الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ؛ أَمَّا بَعْدُ:

فَإِنَّ الْأُسْرَةَ الْمُسْتَقِرَّةَ تُنْشِئُ إِنْسَانًا مُتَوَازِنًا فِي عَوَاطِفِهِ وَسُلُوكِهِ، وَاثِقًا بِنَفْسِهِ، قَادِرًا عَلَى تَحَمُّلِ الْمَسْئُولِيَّةِ، مُسْتَقِيمًا فِي أَخْلَاقِهِ، بَيْنَمَا يُؤَدِّي اضْطِرَابُ الْأُسْرَةِ وَتَفَكُّكُهَا إِلَى آثَارٍ نَفْسِيَّةٍ وَتَرْبَوِيَّةٍ وَاجْتِمَاعِيَّةٍ عَمِيقَةٍ قَدْ تَمْتَدُّ إِلَى الْمُجْتَمَعِ بِأَسْرِهِ، وَلِذَلِكَ رَبَطَ الْقُرْآنُ الْكَرِيمُ بَيْنَ الْحَيَاةِ الزَّوْجِيَّةِ السَّلِيمَةِ وَبَيْنَ السَّكَنِ النَّفْسِيِّ وَالطُّمَأْنِينَةِ؛ فَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً﴾.

وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُم مِّن بُيُوتِكُمْ سَكَنًا﴾؛ فَسَمَّى الْبَيْتَ سَكَنًا لِمَا يَمْنَحُهُ مِنْ طُمَأْنِينَةٍ وَاسْتِقْرَارٍ؛ فَالْبَيْتُ فِي الْقُرْآنِ يُعَبِّرُ عَنِ السَّكِينَةِ النَّفْسِيَّةِ وَالِاسْتِقْرَارِ الْإِنْسَانِيِّ فَضْلًا عَنِ الرَّاحَةِ الْبَدَنِيَّةِ، يَقُولُ الْعَلَّامَةُ الطَّاهِرُ ابْنُ عَاشُورٍ: “جَعَلَ فِي ذَلِكَ التَّزَاوُجِ أُنْسًا بَيْنَ الزَّوْجَيْنِ وَلَمْ يَجْعَلْهُ تَزَاوُجًا عَنِيفًا أَوْ مُهْلِكًا، وَجَعَلَ بَيْنَ كُلِّ زَوْجَيْنِ مَوَدَّةً وَمُحَبَّةً فَالزَّوْجَانِ يَكُونَانِ مِنْ قَبْلِ التَّزَاوُجِ مُتَجَاهِلَيْنِ فَيُصْبِحَانِ بَعْدَ التَّزَاوُجِ مُتَحَابَّينِ، وَجَعَلَ بَيْنَهُمَا رَحْمَةً فَهُمَا قَبْلَ التِّزَاوُجِ لَا عَاطِفَةَ بَيْنَهُمَا فَيُصْبِحَانِ بَعْدَ التَّزَاوُجِ مُتَحَابَّينِ، وَجَعَلَ بَيْنَهُمَا رَحْمَةً فَهُمَا قَبْلَ التَّزَاوُجِ لَا عَاطِفَةَ بَيْنَهُمَا فَيُصْبِحَانِ بَعْدَهُ مُتَرَاحِمَيْنِ كَرَحْمَةِ الْأُبُوَّةِ وَالْأُمُومَةِ”.

إِنَّ بِنَاءَ الْإِنْسَانِ بِنَاءً صَحِيحًا لَا يَتَحَقَّقُ بِمُجَرَّدِ تَوْفِيرِ الطَّعَامِ وَالشَّرَابِ أَوِ الْأُمُورِ الْمَادِّيَّةِ، وَإِنَّمَا يَحْتَاجُ إِلَى بِيئَةٍ أُسْرِيَّةٍ يَسُودُهَا الْحُبُّ وَالرَّحْمَةُ وَالِاحْتِرَامُ وَالتَّعَاوُنُ، حَيْثُ يَتَعَلَّمُ الْأَبْنَاءُ مَعَانِيَ الْإِيمَانِ وَالِانْضِبَاطِ وَالْعَطَاءِ وَتَحَمُّلِ الْمَسْؤُولِيَّةِ، وَلِهَذَا كَانَتِ الْعِنَايَةُ بِاسْتِقْرَارِ الْأُسْرَةِ مِنْ أَعْظَمِ مَقَاصِدِ الشَّرِيعَةِ الْإِسْلَامِيَّةِ؛ لِأَنَّهَا الطَّرِيقُ إِلَى بِنَاء الْفَرْدِ الصَّالِحِ وَالْمُجْتَمَعِ الْمُتَمَاسِكِ وَالْأُمَّةِ الْقَوِيَّةِ.

الْأُسْرَةُ الْمُسْتَقِرَّةُ.. أَسَاسُ الْبِنَاءِ الْإِيمَانِيِّ وَالْإِنْسَانِيِّ

لَقَدْ جَعَلَ الْإِسْلَامُ مَسْئُولِيَّةَ التَّرْبِيَةِ الْإِيمَانِيَّةِ أَمَانَةً عَظِيمَةً فِي أَعْنَاقِ الآبَاءِ وَالْأُمَّهَاتِ، قَالَ تَعَالَى: ﴿يَٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ قُوٓا۟ أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا﴾، قَالَ الْإِمَامُ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: “عَلِّمُوهُمْ وَأَدِّبُوهُمْ”؛ فَالْوِقَايَةُ مِنَ النَّارِ تَبْدَأُ بِالتَّرْبِيَةِ وَالتَّعْلِيمِ وَالتَّوْجِيهِ.

وَمِنْ أَعْظَمِ آثَارِ اسْتِقْرَارِ الْأُسْرَةِ أَنَّهَا تُهَيِّئُ بِيئَةً صَالِحَةً لِغَرْسِ الْإِيمَانِ فِي النُّفُوسِ؛ فَالطِّفْلُ الَّذِي يَنْشَأُ فِي بَيْتٍ تُتْلَى فِيهِ آيَاتُ الْقُرْآنِ، وَتُقَامُ فِيهِ الصَّلَاةُ، وَتُذْكَرُ فِيهِ أَسْمَاءُ اللَّهِ تَعَالَى، وَيَتَعَامَلُ أَهْلُهُ فِيمَا بَيْنَهُمْ بِالرَّحْمَةِ وَالصِّدْقِ وَالْأَمَانَةِ، يَتَشَرَّبُ هَذِهِ الْمَعَانِيَ دُونَ تَكَلُّفٍ؛ فَتَغْدُو جُزْءًا مِنْ تَكْوِينِهِ النَّفْسِيِّ وَالسُّلُوكِيِّ، وَلِهَذَا قَالَ النَّبِيُّ : «كُلُّكُمْ رَاعٍ وَكُلُّكُمْ مَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ»؛ فَحَمَّلَ الْوَالِدَيْنِ مَسْئُولِيَّةَ الرِّعَايَةِ وَالتَّوْجِيهِ، وَجَعَلَ صَلَاحَ الْأَبْنَاءِ ثَمَرَةً مِنْ ثِمَارِ الْقِيَامِ بِهَذِهِ الْأَمَانَةِ.

وَلَا تَقْتَصِرُ مُهِمَّةُ الْأُسْرَةِ الْمُسْلِمَةِ عَلَى تَعْلِيمِ الْأَبْنَاءِ الْأَحْكَامَ وَالْعِبَادَاتِ، بَلْ تَتَجَاوَزُ ذَلِكَ إِلَى بِنَاءِ الرَّقَابَةِ الْإِيمَانِيَّةِ فِي الْقُلُوبِ، حَتَّى يَعْبُدَ الْأَبْنَاءُ رَبَّهُمْ عَنْ قَنَاعَةٍ وَمَحَبَّةٍ وَتَعْظِيمٍ، وَلِذَلِكَ كَانَ لُقْمَانُ الْحَكِيمُ يَبْدَأُ وَصَايَاهُ لِابْنِهِ بِتَقْرِيرِ أَصْلِ التَّوْحِيدِ قَبْلَ أَيِّ شَيْءٍ آخَرَ؛ فَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَإِذْ قَالَ لُقْمَٰنُ لِٱبْنِهِۦ وَهُوَ يَعِظُهُۥ يَٰبُنَيَّ لَا تُشْرِكْ بِٱللَّهِۖ إِنَّ ٱلشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾؛ فَالْعَقِيدَةُ هِيَ الْأَسَاسُ الَّذِي تُبْنَى عَلَيْهِ الْأَخْلَاقُ وَالسُّلُوكُ وَسَائِرُ الْأَعْمَالِ.

وَمِنْ دَلَائِلِ عِنَايَةِ الْإِسْلَامِ بِغَرْسِ الْإِيمَانِ دَاخِلَ الْأُسْرَةِ أَنَّ النَّبِيَّ وَجَّهَ الْآبَاءَ إِلَى تَعْوِيدِ أَبْنَائِهِمْ عَلَى الْعِبَادَةِ مُنْذُ الصِّغَرِ؛ فَقَالَ: «مُرُوا أَوْلَادَكُمْ بِالصَّلَاةِ وَهُمْ أَبْنَاءُ سَبْعِ سِنِينَ …»، وَلَمْ يَكُنِ الْمَقْصُودُ مُجَرَّدَ أَدَاءِ الصَّلَاةِ، وَإِنَّمَا تَنْشِئَةُ الْأَبْنَاءِ عَلَى صِلَةٍ دَائِمَةٍ بِاللَّهِ تَعَالَى، حَتَّى تُصْبِحَ الْعِبَادَةُ جُزْءًا مِنْ حَيَاتِهِمْ وَسُلُوكِهِمُ الْيَوْمِيِّ.

وَحِينَ تَسْتَقِرُّ الْأُسْرَةُ عَلَى طَاعَةِ اللَّهِ؛ فَإِنَّهَا تُخَرِّجُ أَفْرَادًا يَحْمِلُونَ الْقِيَمَ الْإِيمَانِيَّةِ إِلَى الْمُجْتَمَعِ كُلِّهِ؛ فَيَكُونُونَ دُعَاةَ خَيْرٍ وَإِصْلَاحٍ، يَصْدُقُونَ فِي حَدِيثِهِمْ، وَيُؤَدُّونَ الْأَمَانَاتِ، وَيَحْفَظُونَ الْحُقُوقِ، وَيَخْشَوْنَ اللَّهَ فِي السِّرِّ وَالْعَلَنِ، وَلِهَذَا كَانَ صَلَاحُ الْأُسْرَةِ مِنْ أَعْظَمِ أَسْبَابِ صَلَاحِ الْمُجْتَمَعَاتِ، كَمَا أَنَّ فَسَادَهَا مِنْ أَعْظَمِ أَسْبَابِ انْتِشَارِ الِانْحِرَافِ وَالِاضْطِرَابِ، قَالَ تَعَالَى: ﴿وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِٱلصَّلَوٰةِ وَٱصْطَبِرْ عَلَيْهَاۖ﴾؛ فَالْأَمْرُ يَحْتَاجُ إِلَى صَبْرٍ وَمُتَابَعَةٍ وَمُجَاهَدَةٍ، لَكِنَّهُ يُثْمِرُ أَجْيَالًا مُؤْمِنَةً تَعْرِفُ رَبَّهَا، وَتَسْتَقِيمُ عَلَى أَمْرِهِ، وَتُسْهِمُ فِي رُقِيِّ أُمَّتِهَا.

الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ

مِنَ الْأُمُورِ الَّتِي أُسِيءَ فَهْمُهَا لَدَى كَثِيرٍ مِنَ الرِّجَالِ “الْقِوَامَةُ” حَسْبَمَا نَصَّ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿ٱلرِّجَالُ قَوَّٰمُونَ عَلَى ٱلنِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ ٱللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ وَبِمَآ أَنفَقُوا۟ مِنْ أَمْوَٰلِهِمْۚ فَٱلصَّٰلِحَٰتُ قَٰنِتَٰتٌ حَٰفِظَٰتٌ لِّلْغَيْبِ بِمَا حَفِظَ ٱللَّهُۚ﴾، “الْقِوَامَةُ” تَكْلِيفٌ وَمَسْؤُولِيَّةٌ، وَلَيْسَتْ تَشْرِيفًا وَتَكْرِيمًا لِلرَّجُلِ، وَلَيْسَتْ أَدَاةً لِلتَّسَلُّطِ عَلَى الْمَرْأَةِ وَإِذْلَالِهَا، أَوِ التَّقْلِيلِ مِنْ كَرَامَتِهَا وَشَأْنِهَا.

قَالَ الْعَلَّامَةُ الطَّاهِرُ بْنُ عَاشُورٍ: “وَقِيَامُ الرِّجَالِ عَلَى النِّسَاءِ هُوَ قِيَامُ الْحِفْظِ وَالدِّفَاعِ، وَقِيَامُ الِاكْتِسَابِ وَالْإِنْتَاجِ الْمَالِيِّ”.

وَقَالَ الْأُسْتَاذُ الدُّكْتُورُ مُحَمَّدُ سَيِّدُ طَنْطَاوِي: “الرِّجَالُ يَقُومُونَ عَلَى شُئُونِ النِّسَاءِ بِالْحِفْظِ وَالرِّعَايَةِ وَالنَّفَقَةِ وَالتَّأْدِيبِ، وَغَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا تَقْتَضِيهِ مَصْلَحَتُهُنَّ”.

وَقَالَ الْعَلَّامَةُ الْبُوطِيُّ مَا خُلَاصَتُهُ: “الْقِوَامَةُ عَلَى الْأُسْرَةِ فِي نِظَامِ الْإِسْلَامِ وَشَرْعِهِ، قِوَامَةُ رِعَايَةٍ وَإِدَارَةٍ وَلَيْسَتْ قِوَامَةَ هَيْمَنَةٍ وَتَسَلُّطٍ.. ثُمَّ إِنَّهَا لَيْسَتْ عُنْوَانًا عَلَى أَفْضَلِيَّةٍ ذَاتِيَّةٍ عِنْدَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ، يَتَمَيَّزُ بِهَا الْأَمِيرُ أَوِ الْمُدِيرُ، وَإِنَّمَا يَنْبَغِي أَنْ تَكُونَ عُنْوَانًا عَلَى كَفَاءَةٍ يَتَمَتَّعُ بِهَا الْقَائِمُ بِأَعْبَاءِ هَذِهِ الْمَسْئُولِيَّةِ”.

تَحَدِّيَاتٌ تُهَدِّدُ اسْتِقْرَارَ الْأُسْرَةِ

تُوَاجِهُ الْأُسْرَةُ فِي عَصْرِنَا تَحَدِّيَاتٍ مُتَزَايِدَةً تَضْغَطُ عَلَى تَمَاسُكِهَا وَاسْتِقْرَارِهَا، وَتُلْقِي بِظِلَالِهَا عَلَى الْعَلَاقَاتِ بَيْنَ أَفْرَادِهَا، حَتَّى غَدَتْ كَثِيرٌ مِنَ الْبُيُوتِ مُهَدَّدَةً بِفِقْدَانِ السَّكِينَةِ الَّتِي أَرَادَهَا اللَّهُ لَهَا، وَقَدْ وَجَّهَ الْقُرْآنُ الْكَرِيمُ إِلَى أَنَّ مُوَاجَهَةَ الشَّدَائِدِ لَا تَكُونُ بِالْخِصَامِ وَالتَّنَازُعِ، وَإِنَّمَا بِالصَّبْرِ وَالرَّحْمَةِ وَحُسْنِ الْعِشْرَةِ؛ فَقَالَ سُبْحَانَهُ: ﴿وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾، وَالْمَعْرُوفُ كَلِمَةٌ جَامِعَةٌ لِكُلِّ خُلُقٍ كَرِيمٍ مِنْ رَحْمَةٍ وَلِينٍ وَصَبْرٍ وَإِحْسَانٍ.

وَمِنْ أَبْرَزِ التَّحَدِّيَاتِ الْمُعَاصِرَةِ:

١مَا أَفْرَزَتْهُ وَسَائِلُ التَّوَاصُلِ مِن مُقَارَنَاتٍ مُسْتَمِرَّةٍ بَيْنَ النَّاسِ:

حَيْثُ تُعْرَضُ الْحَيَاةُ فِي صُوَرٍ مُنْتَقَاةٍ تُخْفِي الْمَتَاعِبَ وَتُظْهِرُ الزِّينَةَ؛ فَيَتَوَهَّمُ الْمَرْءُ أَنَّ السَّعَادَةَ مَقْصُورَةٌ عَلَى مَا يَرَاهُ عِنْدَ الْآخَرِينَ؛ فَتَضْعَفُ فِي قَلْبِهِ مَشَاعِرُ الرِّضَا، وَيَرْتَفِعُ سَقْفُ تَوَقُّعَاتِهِ مِنَ الْحَيَاةِ وَشَرِيكِهَا وَأُسْرَتِهِ، وَهُنَا يَأْتِي التَّوْجِيهُ النَّبَوِيُّ الْحَكِيمُ لِيُعِيدَ لِلْإِنْسَانِ تَوَازُنَهُ، إِذْ قَالَ : «انْظُرُوا إِلَى مَنْ هُوَ أَسْفَلَ مِنْكُمْ، وَلَا تَنْظُرُوا إِلَى مَنْ فَوْقَكُمْ، فَإِنَّهُ أَجْدَرُ أَنْ لَا تَزْدَرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ».

فَالسَّعَادَةُ الْحَقِيقِيَّةُ لَا تُقَاسُ بِكَثْرَةِ الْمَظَاهِرِ، وَإِنَّمَا بِمَا يَمْلَأُ الْقُلُوبَ مِنْ قَنَاعَةٍ وَطُمَأْنِينَةٍ؛ فَكَمْ مِنْ بَيْتٍ فَسِيحِ الْأَرْجَاءِ ضَاقَتْ بِهِ النُّفُوسُ بِسَبَبِ التَّطَلُّعِ الدَّائِمِ إِلَى مَا فِي أَيْدِي الْآخَرِينَ، وَقَدْ حَذَّرَ الْقُرْآنُ مِنْ هَذَا الْمَسْلَكِ الَّذِي يُورِثُ الْحَسَدَ وَالتَّسَخُّطَ؛ فَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَلَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَىٰ مَا مَتَّعْنَا بِهِۦٓ أَزْوَٰجًا مِّنْهُمْ زَهْرَةَ ٱلْحَيَوٰةِ ٱلدُّنْيَا﴾، وَأَوْصَى النَّبِيُّ أَبَا هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَائِلًا: «وَارْضَ بِمَا قَسَمَ اللَّهُ لَكَ تَكُنْ أَغْنَى النَّاسِ»؛ فَالْغِنَى الْحَقِيقِيُّ غِنَى النَّفْسِ، وَالرِّضَا حِصْنٌ يَحْفَظُ الْبُيُوتَ مِنْ كَثِيرٍ مِنْ أَسْبَابِ النِّزَاعِ وَالشِّقَاقِ.

٢التَّهَاوُنُ فِي حِفْظِ أَسْرَارِ الْحَيَاةِ الزَّوْجِيَّةِ:

حَتَّى أَصْبَحَ بَعْضُ النَّاسِ يُخْرِجُونَ مَا يَنْبَغِي أَنْ يَبْقَى مَسْتُورًا إِلَى دَائِرَةِ النَّشْرِ وَالْحَدِيثِ وَالتَّدَاوُلِ، وَمَتَى فُقِدَتِ الثِّقَةُ بَيْنَ الزَّوْجَيْنِ، وَتَبَدَّدَتِ الْخُصُوصِيَّةُ الَّتِي تَقُومُ عَلَى الْعَلَاقَةِ الزَّوْجِيَّةِ، تَصَدَّعَتْ أَرْكَانُ الْمَوَدَّةِ وَاهْتَزَّ بُنْيَانُ الْأُسْرَةِ، وَلِذَلِكَ شَدَّدَ الْإِسْلَامُ فِي حِفْظِ هَذِهِ الْأَمَانَةِ، وَعَدَّ إِفْشَاءَ أَسْرَارِ الْحَيَاةِ الزَّوْجِيَّةِ مِنْ أَقْبَحِ الْأَخْلَاقِ وَأَشَدِّهَا خَطَرًا.

فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ : «إِنَّ مِنْ أَشَرِّ النَّاسِ عِنْدَ اللَّهِ مَنْزِلَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ، الرَّجُلَ يُفْضِي إِلَى امْرَأَتِهِ، وَتُفْضِي إِلَيْهِ، ثُمَّ يَنْشُرُ سِرَّهَا»، وَفِي رِوَايَةٍ أُخْرَى: «إِنَّ أَعْظَمَ الْأَمَانَةِ عِنْدَ اللَّهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، الرَّجُلَ يُفْضِي إِلَى امْرَأَتِهِ وَتُفْضِي إِلَيْهِ، ثُمَّ يَنْشُرُ سِرَّهَا».

فَالْأَسْرَارُ الزَّوْجِيَّةُ لَيْسَتْ أَحَادِيثَ عَابِرَةً، بَلْ هِيَ أَمَانَاتٌ تُصَانُ، وَحُقُوقٌ تُحْفَظُ، وَعُنْوَانٌ عَلَى صِدْقِ الْمَوَدَّةِ وَكَمَالِ الْوَفَاءِ، وَمَا أَحْوَجَ الْأُسَرَ الْيَوْمَ إِلَى اسْتِحْضَارِ هَذِهِ الْمَعَانِي الْإِيمَانِيَّةِ وَالتَّرْبَوِيَّةِ، حَتَّى تَبْقَى الْبُيُوتُ عَامِرَةً بِالْمَحَبَّةِ وَالثِّقَةِ وَالرِّضَا، قَادِرَةً عَلَى مُوَاجَهَةِ تَحَدِّيَاتِ الْعَصْرِ بِرُوحٍ مِنَ الْحِكْمَةِ وَالتَّعَاوُنِ؛ فَتَظَلَّ الْأُسْرَةُ كَمَا أَرَادَهَا اللَّهُ تَعَالَى مَوْطِنًا لِلسَّكَنِ، وَمَصْدَرًا لِلْأَمْنِ، وَحِصْنًا يَحْفَظُ الْأَفْرَادَ وَالْمُجْتَمَعَاتِ مِنْ أَسْبَابِ الِاضْطِرَابِ وَالتَّفَكُّكِ.

عَوَامِلُ اسْتِقْرَارِ الْأُسْرَةِ

١حُسْنُ اخْتِيَارِ الزَّوْجَيْنِ:

فَلِكَيْ تَقُومَ الْأُسْرَةُ عَلَى أَسَاسٍ مَتِينٍ، دَعَا الْإِسْلَامُ إِلَى حُسْنِ اخْتِيَارِ الزَّوْجَيْنِ، وَجَعَلَ مِعْيَارَ ذَلِكَ قَائِمًا عَلَى الدِّينِ وَالْخُلُقِ وَصَلَاحِ الظَّاهِرِ وَالْبَاطِنِ، مَعَ التَّأْكِيدُ عَلَى دَوْرِ الْوَلِيِّ فِي اخْتِيَارِ الْأَصْلَحِ وَالْأَنْسَبِ، قَالَ : «تُنْكَحُ الْمَرْأَةُ لِأَرْبَعٍ: لِمَالِهَا وَلِحَسَبِهَا وَجَمَالِهَا وَلِدِينِهَا، فَاظْفَرْ بِذَاتِ الدِّينِ، تَرِبَتْ يَدَاكَ»، وَقَالَ : «إِذَا جَاءَكُمْ مَنْ تَرْضَوْنَ دِينَهُ وَخُلُقَهُ فَأَنْكِحُوهُ، إِلَّا تَفْعَلُوا تَكُنْ فِتْنَةٌ فِي الْأَرْضِ وَفَسَادٌ».

قَالَ الْإِمَامُ النَّوَوِيُّ: “الصَّحِيحُ فِي مَعْنَى هَذَا الْحَدِيثِ أَنَّ النَّبِيَّ أَخْبَرَ بِمَا يَفْعَلُهُ النَّاسُ فِي الْعَادَةِ؛ فَإِنَّهُمْ يَقْصِدُونَ هَذِهِ الْخِصَالَ الْأَرْبَعَ، وَآخِرُهَا عِنْدَهُمْ “ذَاتُ الدِّينِ”؛ فَاظْفَرْ أَنْتَ أَيُّهَا الْمُسْتَرْشِدُ بِذَاتِ الدِّينِ لِأَنَّهُ أَمَرَ بِذَلِكَ، وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ الْحَثُّ عَلَى مُصَاحَبَةِ أَهْلِ الدِّينِ فِي كُلِّ شَيْءٍ؛ لِأَنَّ صَاحِبَهُمْ يَسْتَفِيدُ مِنْ أَخْلَاقِهِمْ وَبَرَكَتِهِمْ وَحُسْنِ طَرَائِقِهِمْ وَيَأْمَنُ الْمَفْسَدَةَ مِنْ جِهَتِهِمْ”.

وَقَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ حَجَرٍ الْعَسْقَلَانِيُّ: “وَالْمَعْنَى أَنَّ اللَّائِقَ بِذِي الدِّينِ وَالْمُرُوءَةِ أَنْ يَكُونَ الدِّينُ مَطْمَحَ نَظَرِهِ فِي كُلِّ شَيْءٍ، لَا سِيَّمَا فِيمَا تَطُولُ صُحْبَتُهُ فَأَمَرَهُ النَّبِيُّ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – بِتَحْصِيلِ صَاحِبَةِ الدِّينِ الَّذِي هُوَ غَايَةُ الْبُغْيَةِ”.

مَعَ الْأَخْذِ فِي الِاعْتِبَارِ بِأَنَّ الْكَفَاءَةَ فِي الزَّوَاجِ مُعْتَبَرَةٌ عِنْدَ الْفُقَهَاءِ، مِنَ النَّاحِيَةِ الْمَادِّيَّةِ وَالْعِلْمِيَّةِ وَالِاجْتِمَاعِيَّةِ؛ لِأَنَّ هَذَا أَبْقَى لِاسْتِمْرَارِ الْحَيَاةِ الْأُسْرِيَّةِ.

قَالَ الْمَوْصِلِيُّ الْحَنَفِيُّ: “وَالْكَفَاءَةُ تُعْتَبَرُ فِي النِّكَاحِ فِي النَّسَبِ، وَفِي الدِّينِ وَالتَّقْوَى، وَفِي الصَّنَائِعِ، وَفِي الْحُرِّيَّةِ، وَفِي الْمَالِ، وَإِذَا تَزَوَّجَتْ غَيْرَ كُفْءٍ فَلِلْوَلِيِّ أَنْ يُفَرِّقَ بَيْنَهُمَا”.

٢التَّقَارُبُ بَيْنَ الشَّرِيكَيْنِ مِنْ أَهَمِّ مَعَايِيرِ الِاخْتِيَارِ الصَّحِيحِ:

إِنَّ التَّقَارُبَ الْفِكْرِيَّ وَالثَّقَافِيَّ وَالْبِيئِيَّ مِنْ أَهَمِّ الْأُسُسِ الَّتِي يَنْبَغِي مُرَاعَاتُهَا عِنْدَ اخْتِيَارِ شَرِيكِ الْحَيَاةِ، لِمَا لَهُ مِنْ أَثَرٍ كَبِيرٍ فِي تَحَقُّقِ الِاسْتِقْرَارِ وَالسَّعَادَةِ الزَّوْجِيَّةِ؛ فَعِنْدَمَا يَتَقَارَبُ الزَّوْجَانِ فِي طَرِيقَةِ التَّفْكِيرِ وَالْقِيَمِ وَالْمَبَادِئِ وَالْعَادَاتِ الِاجْتِمَاعِيَّةِ، يُصْبِحُ التَّفَاهُمُ بَيْنَهُمَا أَكْثَرَ سُهُولَةً، وَتَقِلُّ الْخِلَافَاتُ النَّاتِجَةُ عَنِ اخْتِلَافِ وِجْهَاتِ النَّظَرِ أَوْ أَنْمَاطِ الْحَيَاةِ، كَمَا أَنَّ التَّقَارُبَ فِي الْبِيئَةِ الِاجْتِمَاعِيَّةِ وَالثَّقَافِيَّةِ يُسَاعِدُ عَلَى بِنَاءِ لُغَةٍ مُشْتَرَكَةٍ فِي التَّعَامُلِ مَعَ مُخْتَلِفِ الْمَوَاقِفِ وَالتَّحَدِّيَاتِ، وَيُسْهِمُ فِي تَرْبِيَةِ الْأَبْنَاءِ ضِمْنَ رُؤْيَةٍ مُتَقَارِبَةٍ، لِذَلِكَ فَإِنَّ نَجَاحَ الْعَلَاقَةِ الزَّوْجِيَّةِ لَا يَعْتَمِدُ عَلَى الْمَشَاعِرِ وَحْدَهَا، بَلْ يَحْتَاجُ أَيْضًا إِلَى قَدْرٍ مُنَاسِبٍ مِنَ التَّوَافُقِ الْفِكْرِيِّ وَالثَّقَافِيِّ وَالِاجْتِمَاعِيِّ الَّذِي يُوَلِّدُ الِاحْتِرَامَ الْمُتَبَادَلَ وَيُهَيِّئُ لِحَيَاةٍ أُسْرِيَّةٍ مُسْتَقِرَّةٍ وَمُتَوَازِنَةٍ.

٣الشُّعُورُ بِالْمَسْئُولِيَّةِ:

عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ، قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ يَقُولُ: «كُلُّكُمْ رَاعٍ وَكُلُّكُمْ مَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ، الْإِمَامُ رَاعٍ وَمَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ، وَالرَّجُلُ رَاعٍ فِي أَهْلِهِ وَهُوَ مَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ، وَالْمَرْأَةُ رَاعِيَةٌ فِي بَيْتِ زَوْجِهَا وَمَسْئُولَةٌ عَنْ رَعِيَّتِهَا، وَالْخَادِمُ رَاعٍ فِي مَالِ سَيِّدِهِ وَمَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ»، قَالَ: وَحَسِبْتُ أَنْ قَدْ قَالَ: «وَالرَّجُلُ رَاعٍ فِي مَالِ أَبِيهِ وَمَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ، وَكُلُّكُمْ رَاعٍ وَمَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ»؛ فَحَمَّلَ كُلَّ فَرْدٍ مَسْؤُولِيَّتَهُ فِي حِمَايَةِ الْأُسْرَةِ وَرِعَايَتِهَا، لِأَنَّ صَلَاحَهَا صَلَاحٌ لِلْأُمَّةِ كُلِّهَا.

وَكَانَ السَّلَفُ الصَّالِحُ يُدْرِكُونَ هَذَا الْمَعْنَى؛ فَكَانَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ يَقُولُ: “أَدِّبِ ابْنَكَ؛ فَإِنَّكَ مَسْئُولٌ عَنْهُ، مَاذَا أَدَّبْتَهُ؟ وَمَاذَا عَلَّمْتَهُ؟ وَهُوَ مَسْئُولٌ عَنْ بِرِّكَ وَطَوَاعِيَتِهِ لَكَ”؛ فَقَدْ سَمِعُوا النَّبِيَّ يَقُولُ: «أَكْرِمُوا أَوْلَادَكُمْ وَأَحْسِنُوا أَدَبَهُمْ»، لِأَنَّ التَّرْبِيَةَ الصَّالِحَةَ تَحْفَظُ الْمُجْتَمَعَ مِنَ الْفَسَادِ؛ فَحَاجَتُهُ إِلَيْهَا آكَدُ مِنْ حَاجَتِهِ إِلَى الْعُقُوبَاتِ؛ فَالْأُسْرَةُ الْمُسْتَقِرَّةُ قَدْ تَبْدُو أَصْغَرَ وَحْدَةٍ فِي الْمُجْتَمَعِ، لَكِنَّهَا فِي الْحَقِيقَةِ أَعْظَمُ تَأْثِيرًا؛ لِأَنَّهَا تَصْنَعُ الْإِنْسَانَ الَّذِي يَرْتَقِي بِمُجْتَمَعِهِ وَوَطَنِهِ.

وَقَالَ ابْنُ الْمُسَيِّبِ لِابْنِهِ: “يَا بُنَيَّ، إِنِّي لَأَزِيدُ فِي صَلَاتِي مِنْ أَجْلِكَ، رَجَاءَ أَنْ أُحْفَظَ فِيكَ، وَتَلَا هَذِهِ الْآيَةَ: ﴿وَكَانَ أَبُوهُمَا صَٰلِحًا﴾”.

٤غَرْسُ الْقِيَمِ الدِّينِيَّةِ فِي نُفُوسِ الْأَبْنَاءِ:

إِنَّ مِنْ أَجَلِّ الرَّسَائِلِ الَّتِي تَضْطَلِعُ بِهَا الْأُسْرَةُ، وَأَعْظَمَ الْأَمَانَاتِ الَّتِي حَمَّلَهَا اللَّهُ لِلْآبَاءِ وَالْأُمَّهَاتِ، أَنْ تُنْشِئَ أَبْنَاءَهَا عَلَى الْإِيمَانِ وَالتَّقْوَى، وَأَنْ تَغْرِسَ فِي قُلُوبِهِمْ مَعَانِيَ الْعُبُودِيَّةِ لِلَّهِ تَعَالَى؛ فَتَرْبِطَهُمْ بِخَالِقِهِمْ مُنْذُ نُعُومَةِ أَظْفَارِهِم完整، وَتُحَبِّبَ إِلَيْهِمُ الصَّلَاةَ وَالْقُرْآنَ، وَتُعَوِّدَهُمُ الصِّدْقَ وَالْأَمَانَةَ وَالْعِفَّةَ وَبِرَّ الْوَالِدَيْنِ وَالْإِحْسَانَ إِلَى النَّاسِ؛ فَالْأَبْنَاءُ صَفْحَةٌ بَيْضَاءُ، وَمَا يُغْرَسُ فِيهَا فِي الصِّغَرِ يُثْمِرُ صَلَاحًا وَاسْتِقَامَةً فِي الْكِبَرِ.

وَلِذَلِكَ وَجَّهَ الْقُرْآنُ الْكَرِيمُ إِلَى رِعَايَةِ الْأَبْنَاءِ دِينِيًّا وَتَرْبَوِيًّا فَقَالَ سُبْحَانَهُ عَنْ وَصِيَّةِ لُقْمَانَ لِابْنِهِ: ﴿يَٰبُنَيَّ لَا تُشْرِكْ بِٱللَّهِۖ إِنَّ ٱلشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ ﴿يَٰبُنَيَّ أَقِمِ ٱلصَّلَوٰةَ وَأْمُرْ بِٱلْمَعْرُوفِ وَٱنْهَ عَنِ ٱلْمُنكَرِ﴾.

قَالَ الْإِمَامُ الْقُرْطُبِيُّ: “وَصَّى ابْنَهُ بِأَعْظَمِ الطَّاعَاتِ وَهِيَ الصَّلَاةُ وَالْأَمْرُ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيُ عَنِ الْمُنْكَرِ، وَهَذَا إِنَّمَا يُرِيدُ بِهِ بَعْدَ أَنْ يَمْتَثِلَ ذَلِكَ هُوَ فِي نَفْسِهِ وَيَزْدَجِرَ عَنِ الْمُنْكَرِ، وَهُنَا هِيَ الطَّاعَاتُ وَالْفَضَائِلُ أَجْمَعُ، … ﴿وَٱصْبِرْ عَلَىٰ مَآ أَصَابَكَۖ﴾ يَقْتَضِي حَضًّا عَلَى تَغْيِيرِ الْمُنْكَرِ وَإِنْ نَالَكَ ضَرَرٌ؛ فَهُوَ إِشْعَارٌ بِأَنَّ الْمُغَيِّرَ يُؤْذَى أَحْيَانًا، وَهَذَا الْقَدْرُ عَلَى جِهَةِ النَّدْبِ وَالْقُوَّةِ فِي ذَاتِ اللَّهِ، وَأَمَّا عَلَى اللُّزُومِ فَلَا… وَقِيلَ: أَمَرَهُ بِالصَّبْرِ عَلَى شَدَائِدِ الدُّنْيَا كَالْأَمْرَاضِ وَغَيْرِهَا، وَأَلَّا يَخْرُجَ مِنَ الْجَزَعِ إِلَى مَعْصِيَةِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ، وَهَذَا قَوْلٌ حَسَنٌ لِأَنَّهُ يَعُمُّ، قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿إِنَّ ذَٰلِكَ مِنْ عَزْمِ ٱلْأُمُورِ﴾ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: مِنْ حَقِيقَةِ الْإِيمَانِ الصَّبْرُ عَلَى الْمَكَارِهِ، وَقِيلَ: إِنَّ إِقَامَةَ الصَّلَاةِ وَالْأَمْرَ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيَ عَنِ الْمُنْكَرِ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ، أَيْ مِمَّا عَزَمَهُ اللَّهُ وَأَمَرَ بِهِ، قَالَهُ ابْنُ جُرَيْجٍ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يُرِيدَ أَنَّ ذَلِكَ مِنْ مَكَارِمِ الْأَخْلَاقِ وَعَزَائِمِ أَهْلِ الْحَزْمِ السَّالِكِينَ طَرِيقَ النَّجَاةِ، وَقَوْلُ ابْنِ جُرَيْجٍ أَصْوَبُ”.

٥الْعِشْرَةُ بِالْمَعْرُوفِ:

يَقُولُ الْإِمَامُ الْأَكْبَرُ مُحَمَّدُ سَيِّدُ طَنْطَاوِي فِي تَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَعَاشِرُوهُنَّ بِٱلْمَعْرُوفِۚ﴾: “وَالْمُعَاشَرَةُ: مُفَاعَلَةٌ مِنَ الْعِشْرَةِ وَهِيَ الْمُخَالَطَةُ وَالْمُصَاحَبَةُ، أَيْ: وَصَاحِبُوهُنَّ وَعَامِلُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ، أَيْ: بِمَا حَضَّ عَلَيْهِ الشَّرْعُ وَارْتَضَاهُ الْعَقْلُ مِنَ الْأَفْعَالِ الْحَمِيدَةِ، وَالْأَقْوَالِ الْحَسَنَةِ”.

وَقَالَ الْحَافِظُ ابْنُ كَثِيرٍ: “وَقَوْلُهُ: ﴿وَعَاشِرُوهُنَّ بِٱلْمَعْرُوفِۚ﴾ أَيْ: طَيِّبُوا أَقْوَالَكُمْ لَهُنَّ، وَحَسِّنُوا أَفْعَالَكُمْ وَهَيْئَاتِكُمْ بِحَسَبِ قُدْرَتِكُمْ، كَمَا تُحِبُّ ذَلِكَ مِنْهَا؛ فَافْعَلْ أَنْتَ بِهَا مِثْلَهُ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ : «خَيْرُكُمْ خَيْرُكُمْ لِأَهْلِهِ، وَأَنَا خَيْرُكُمْ لِأَهْلِي»، وَكَانَ مِنْ أَخْلَاقِهِ : أَنَّهُ جَمِيلُ الْعِشْرَةِ، دَائِمُ الْبِشْرِ، يُدَاعِبُ أَهْلَهُ، وَيَتَلَطَّفُ بِهِمْ، وَيُوسِعُهُمْ نَفَقَتَهُ، وَيُضَاحِكُ نِسَاءَهُ، وَكَانَ إِذَا صَلَّى الْعِشَاءَ يَدْخُلُ مَنْزِلَهُ يَسْمُرُ مَعَ أَهْلِهِ قَلِيلًا قَبْلَ أَنْ يَنَامَ، يُؤَانِسُهُمْ بِذَلِكَ ، وَقَدْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾”.

عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَالَ: “قَدِمَ النَّبِيُّ خَيْبَرَ؛ فَلَمَّا فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْحِصْنَ… خَرَجْنَا إِلَى الْمَدِينَةِ، قَالَ: فَرَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ يُحَوِّي- وَضَعَ كِسَاءً حَوْلَ سَنَامِ الْبَعِيرِ لِيُرْكَبَ عَلَيْهِ- لَهَا وَرَاءَهُ بِعَبَاءَةٍ، ثُمَّ يَجْلِسُ عِنْدَ بَعِيرِهِ فَيَضَعُ رُكْبَتَهُ؛ فَتَضَعُ صَفِيَّةُ رِجْلَهَا عَلَى رُكْبَتِهِ حَتَّى تَرْكَبَ”.

وَعَنِ الْعِرْبَاضِ بْنِ سَارِيَةَ التَّمِيمِيِّ، قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ يَقُولُ: «إِنَّ الرَّجُلَ إِذَا سَقَى امْرَأَتَهُ الْمَاءَ أُجِرَ» قَالَ: فَقُمْتُ إِلَيْهَا فَسَقَيْتُهَا مِنَ الْمَاءِ، وَأَخْبَرْتُهَا بِمَا سَمِعْتُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ”.

وَعَنْ عَائِشَةَ، أَنَّهَا سُئِلَتْ كَيْفَ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ إِذَا خَلَا فِي بَيْتِهِ؛ فَقَالَتْ: “كَانَ أَلْيَنَ النَّاسِ وَأَكْرَمَ النَّاسِ، كَانَ رَجُلًا مِنْ رِجَالِكُمْ إِلَّا أَنَّهُ كَانَ ضَحَّاكًا بَسَّامًا”.

عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، كَيْفَ حُبُّكَ لِي؟ قَالَ: «كَعُقْدَةِ الْحَبْلِ» فَكُنْتُ أَقُولُ: كَيْفَ الْعُقْدَةُ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ فَيَقُولُ: «عَلَى حَالِهَا».

وَعَنْ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَنْ أَحَبُّ النَّاسِ إِلَيْكَ؟ قَالَ: «عَائِشَةُ..».

عَنْ عَائِشَةَ: أَنَّهَا قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللهِ : «إِذَا أَرَادَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ بِأَهْلِ بَيْتٍ خَيْرًا أَدْخَلَ عَلَيْهِمُ الرِّفْقَ».

عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ، أَنَّ النَّبِيَّ قَالَ: «مَا رُزِقَ أَهْلُ بَيْتٍ الرِّفْقَ إِلَّا نَفَعَهُمْ وَلَا صُرِفَ عَنْهُمْ إِلَّا ضَرَّهُمْ».

وَعَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: كَانَتْ صَفِيَّةُ مَعَ رَسُولِ اللهِ فِي سَفَرٍ، وَكَانَ ذَلِكَ يَوْمَهَا فَأَبْطَأَتْ فِي الْمَسِيرِ؛ فَاسْتَقْبَلَهَا رَسُولُ اللهِ وَهِيَ تَبْكِي وَتَقُولُ: “حَمَلْتَنِي عَلَى بَعِيرٍ بَطِيءٍ؛ فَجَعَلَ رَسُولُ اللهِ يَمْسَحُ بِيَدَيْهِ عَيْنَيْهَا وَيُسْكِتُهَا”.

وَعَنْ عَائِشَةَ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا، أَنَّهَا كَانَتْ مَعَ النَّبِيِّ فِي سَفَرٍ قَالَتْ: فَسَابَقْتُهُ فَسَبَقْتُهُ عَلَى رِجْلَيَّ؛ فَلَمَّا حَمَلْتُ اللَّحْمَ سَابَقْتُهُ فَسَبَقَنِي فَقَالَ: «هَذِهِ بِتِلْكَ السَّبْقَةِ».

وَعَنْ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ قَالَ: “لَا أَمَلُّ ثَوْبِي مَا وَسِعَنِي، وَلَا أَمَلُّ زَوْجَتِي مَا أَحْسَنَتْ عِشْرَتِي، وَلَا أَمَلُّ دَابَّتِي مَا حَمَلَتْنِي، إِنَّ الْمَلَالَ مِنْ سَيِّئِ الْأَخْلَاقِ”.

٦التَّغَافُلُ وَالتَّغَافُرُ:

عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللهِ الْخُزَاعِيِّ، قَالَ: سَمِعْتُ عُثْمَانَ بْنَ زَائِدَةَ، يَقُولُ: “الْعَافِيَةُ عَشَرَةُ أَجْزَاءٍ تِسْعَةٌ مِنْهَا فِي التَّغَافُلِ”، قَالَ: فَحَدَّثْتُ بِهِ أَحْمَدَ بْنَ حَنْبَلٍ؛ فَقَالَ: “الْعَافِيَةُ عَشَرَةُ أَجْزَاءٍ كُلُّهَا فِي التَّغَافُلِ”.

وَكَانَ السَّلَفُ الصَّالِحُ يَحْرَصُونَ عَلَى حِمَايَةِ بُيُوتِهِمْ مِنْ أَسْبَابِ النَّازُعِ وَالِانْشِغَالِ؛ فَهَذَا عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ كَانَ إِذَا دَخَلَ بَيْتَهُ تَرَكَ هُمُومَ الْحُكْمِ، وَأَقْبَلَ عَلَى أَهْلِهِ بِوَجْهٍ طَلْقٍ وَكَلِمَةٍ طَيِّبَةٍ، إِدْرَاكًا مِنْهُ أَنَّ صَلَاحَ الْبَيْتِ أَسَاسٌ لِصَلَاحِ الْمُجْتَمَعِ.

إِنَّ مِعْيَارَ تَذَكُّرِ الْفَضْلِ عِنْدَ الْخِلَافِ بَيْنَ الزَّوَجَيْنِ يَجِبُ أَنْ يَكُونَ حَاضِرًا، بَلْ هُوَ سَيِّدُ الْمَوْقِفِ قَالَ تَعَالَى: ﴿وَأَن تَعْفُوٓا۟ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَىٰۚ وَلَا تَنسَوُا۟ ٱلْفَضْلَ بَيْنَكُمْۚ إِنَّ ٱللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾.

أَثَرُ اسْتِقْرَارِ الْأُسْرَةِ عَلَى الْفَرْدِ وَالْمُجْتَمَعِ

كُلَّمَا سَادَتِ الْمَوَدَّةُ وَالرَّحْمَةُ وَالتَّفَاهُمُ أَرْجَاءَ الْأُسْرَةِ، انْعَكَسَ ذَلِكَ خَيْرًا عَلَى أَفْرَادِهَا وَعَلَى الْمُجْتَمَعِ بِأَسْرِهِ، إِذْ إِنَّ اسْتِقْرَارَ الْأُسْرَةِ لَيْسَ مَصْلَحَةً خَاصَّةً بِأَفْرَادِهَا فَحَسْبُ، بَلْ هُوَ أَسَاسٌ لِاسْتِقْرَارِ الْأُمَّةِ وَقُوَّتِهَا.

١بِنَاءُ الشَّخْصِيَّةِ النَّفْسِيَّةِ الْمُتَوَازِنَةِ:

وَقَدْ أَشَارَ الْقُرْآنُ الْكَرِيمُ إِلَى هَذِهِ الْغَايَةِ الْعَظِيمَةِ مِنْ بِنَاءِ الْأُسْرَةِ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَمِنْ ءَايَٰتِهِۦٓ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَٰجًا لِّتَسْكُنُوٓا۟ إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةًۚ﴾؛ فَالسَّكِينَةُ الَّتِي يَفِيضُ بِهَا الِاسْتِقْرَارُ الْأُسْرِيُّ تَنْعَكِسُ طُمَأْنِينَةً عَلَى الْقُلُوبِ وَاسْتِقَامَةً فِي السُّلُوكِ.

٢غَرْسُ الْقِيَمِ وَالْأَخْلَاقِ:

كَمَا قَالَ النَّبِيُّ : «مَا نَحَلَ وَالِدٌ وَلَدَهُ أَفْضَلَ مِنْ أَدَبٍ حَسَنٍ»؛ فَحُسْنُ الْأَدَبِ مِيرَاثٌ يَبْقَى أَثَرُهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ.

٣بِنَاءُ رُوحِ الْمَسْئُولِيَّةِ وَالِانْضِبَاطِ:

فَالْأُسْرَةُ الْوَاعِيَةُ لَا تَكْتَفِي بِتَوْفِيرِ الرِّعَايَةِ الْمَادِّيَّةِ، بَلْ تُعَوِّدُ أَبْنَاءَهَا عَلَى الِانْضِبَاطِ الذَّاتِيِّ وَمُحَاسَبَةِ النَّفْسِ، وَتَغْرِسُ فِيهِمْ قِيمَةَ الِالْتِزَامِ بِالطَّاعَةِ وَالْعِبَادَةِ، قَالَ تَعَالَى: ﴿وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِٱلصَّلَوٰةِ وَٱصْطَبِرْ عَلَيْهَاۖ﴾؛ فَالْأَمْرُ بِالصَّلَاةِ نُمُوذَجٌ لِلتَّرْبِيَةِ الْمُسْتَمِرَّةِ الَّتِي تَبْنِي شَخْصِيَّةً جَادَّةً وَمُنْضَبِطَةbg.

٤التَّحْصِيلُ وَالنَّجَاحُ الْعَمَلِيُّ:

فَالْبَيْتُ الْهَادِئُ الْمُطْمَئِنُّ يُوَفِّرُ لِلْأَبْنَاءِ بِيئَةً مُنَاسِبَةً لِلتَّعَلُّمِ وَالتَّفْكِيرِ وَالْإِبْدَاعِ، وَيَمْنَحُهُمُ الدَّعْمَ النَّفْسِيَّ الَّذِي يُعِينُهُمْ عَلَى الِاجْتِهَادِ وَتَحْقِيقِ الْإِنْجَازَاتِ.

٥حِمَايَةُ الْأَبْنَاءِ مِنَ الِانْحِرَافَاتِ:

فَالْمُتَابَعَةُ الْحَكِيمَةُ، وَالْحِوَارُ الْبَنَّاءُ، وَإِشْبَاعُ الْحَاجَاتِ النَّفْسِيَّةِ وَالْعَاطَفِيَّةِ، كُلُّهَا عَوَامِلُ تُقَلِّلُ مِنْ تَأَثُّرِ الْأَبْنَاءِ بِرُفَقَاءِ السُّوءِ أَوِ الدَّعَوَاتِ الْمُنْحَرِفَةِ، قَالَ النَّبِيُّ : «مَا مِنْ عَبْدٍ يَسْتَرْعِيهِ اللهُ رَعِيَّةً يَمُوتُ يَوْمَ يَمُوتُ وَهُوَ غَاشٌّ لِرَعِيَّتِهِ إِلَّا حَرَّمَ اللهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ»، مِمَّا يَدُلُّ عَلَى خُطُورَةِ التَّقْصِيرِ فِي رِعَايَةِ الْأَبْنَاءِ وَتَوْجِيهِهِمْ.

٦بِنَاءُ الْمُجْتَمَعِ وَتَمَاسُكُهُ:

إِنَّ الِاسْتِقْرَارَ الْأُسْرِيَّ يَحُدُّ مِنْ مَظَاهِرِ الْجَرِيمَةِ وَالْعُنْفِ وَالتَّفَكُّكِ الِاجْتِمَاعِيِّ، وَيُعَزِّزُ قِيَمَ التَّكَافُلِ وَالتَّرَاحُمِ بَيْنَ أَفْرَادِ الْمُجْتَمَعِ، وَمِنْ هُنَا كَانَ الِاهْتِمَامُ بِالْأُسْرَةِ فِي الْإِسْلَامِ اهْتِمَامًا بِبِنَاءِ الْمُجْتَمَعِ كُلِّهِ، إِذْ إِنَّ قُوَّةَ الْأُمَمِ تَبْدَأُ مِنْ قُوَّةِ بُيُوتِهَا، وَصَلَاحُ الْمُجْتَمَعَاتِ ثَمَرَةٌ لِصَلَاحِ الْأُسَرِ وَاسْتِقْرَارِهَا.

الْخُطْبَةُ الثَّانِيَةُ

خُطُورَةُ غِيَابِ التَّوَاصُلِ بَيْنَ الْآبَاءِ وَالْأَبْنَاءِ

إِنَّ التَّوَاصُلَ الْفَعَّالَ بَيْنَ الْآبَاءِ وَالْأَبْنَاءِ هُوَ حَجَرُ الْأَسَاسِ لِبِنَاءِ عَلَاقَاتٍ أُسْرِيَّةٍ صِحِّيَّةٍ وَمُسْتَقِرَّةٍ، لَكِنْ فِي الْعَصْرِ الْحَدِيثِ، تُعَانِي بَعْضُ الْأُسَرِ مِنْ غِيَابِ التَّوَاصُلِ أَوْ عَلَى الْأَقَلِّ ضَعْفِ جَوْدَةِ التَّوَاصُلِ بَيْنَ أَفْرَادِهَا، مِمَّا يُؤَدِّي إِلَى مُشْكِلَاتٍ نَفْسِيَّةٍ وَسُلُوكِيَّةٍ، وَيَفْتَحُ الْبَابَ أَمَامَ تَأْثِيرَاتٍ سَلْبِيَّةٍ خَارِجِيَّةٍ.

وَتَسْلِيطُ الضَّوْءِ عَلَى خُطُورَةِ هَذِهِ الْآفَةِ، وَأَهَمِّيَّةِ إِعَادَةِ بِنَاءِ جُسُورِ التَّوَاصُلِ بَيْنَ الْآبَاءِ وَالْأَبْنَاءِ يَتَجَلَّى فِيمَا يَلِي:

غِيَابُ التَّوَاصُلِ بَيْنَ الْآبَاءِ وَالْأَبْنَاءِ … جِدَارٌ صَامِتٌ يَهْدِمُ الْأُسْرَةِ مِنَ الدَّاخِلِ

إِنَّ مِنْ أَخْطَرِ مَا ابْتُلِيَتْ بِهِ بَعْضُ الْأُسَرِ فِي عَصْرِنَا أَنِ اجْتَمَعَتِ الْأَجْسَادُ تَحْتَ سَقْفٍ وَاحِدٍ، وَتَفَرَّقَتِ الْقُلُوبُ فِي عَوَالِمَ شَتَّى؛ فَالْأَبُ مَشْغُولٌ، وَالْأُمُّ مُنْهَمِكَةٌ، وَالْأَبْنَاءُ أَسْرَى الشَّاشَاتِ وَالْأَجْهَزَةِ، حَتَّى أَصْبَحَ الصَّمْتُ لُغَةً سَائِدَةً فِي كَثِيرٍ مِنَ الْبُيُوتِ، وَغَابَ الْحِوَارُ الَّذِي كَانَ يَوْمًا نَبْضَ الْأُسْرَةِ وَرُوحَهَا، وَإِنَّ الْأُسْرَةَ الَّتِي يَنْقَطِعُ فِيهَا التَّوَاصُلُ تُشْبِهُ شَجَرَةً حُرِمَتْ مِنَ الْمَاءِ؛ قَدْ تَبْقَى وَاقِفَةً زَمَنًا، لَكِنَّهَا تَذْبُلُ شَيْئًا فَشَيْئًا حَتَّى تَسْقُطَ.

وَقَدْ ضَرَبَ الْقُرْآنُ أَرْوَعَ الْأَمْثِلَةِ فِي التَّوَاصُلِ الْأُسْرِيِّ؛ فَجَاءَتْ قِصَصُ الْأَنْبِيَاءِ مَلِيئَةً بِالْحِوَارِ الْهَادِئِ وَالْكَلِمَةِ الْحَانِيَةِ؛ فَهَذَا لُقْمَانُ الْحَكِيمُ يُخَاطِبُ ابْنَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿يَٰبُنَيَّ لَا تُشْرِكْ بِٱللَّهِۖ﴾، وَيُكَرِّرُ هَذَا النِّدَاءَ الْمُفْعَمَ بِالْمَحَبَّةِ وَالشَّفَقَةِ: ﴿يَٰبُنَيَّ أَقِمِ ٱSnلَّوٰةَ﴾، وَذَاكَ إِبْرَاهِيمُ الْخَلِيلُ عَلَيْهِ السَّلَامُ، وَهُوَ مَأْمُورٌ بِأَمْرٍ عَظِيمٍ، لَا يَغْفُلُ عَنْ مُحَاوَرَةِ ابْنِهِ وَاسْتِشَارَتِهِ؛ فَيَقُولُ: ﴿يَٰبُنَيَّ إِنِّىٓ أَرَىٰ فِي ٱلْمَنَامِ أَنِّىٓ أَذْبَحُكَ فَانظُرْ مَاذَا تَرَىٰۚ﴾، إِنَّهَا مَدْرَسَةُ الْقُرْآنِ فِي بِنَاءِ الْأَجْيَالِ؛ مَدْرَسَةُ الْحِوَارِ لَا الْإِهْمَالِ، وَالْقُرْبِ لَا الْجَفَاءِ.

آثَارُ الْغِيَابِ.. حِينَ يَبْحَثُ الْأَبْنَاءُ عَنْ آذَانٍ أُخْرَى تَسْمَعُهُمْ

إِنَّ الِابْنَ الَّذِي لَا يَجِدُ أُذُنًا مُصْغِيَةً فِي بَيْتِهِ سَيَبْحَثُ عَنْهَا خَارِجَهُ، وَالْبِنْتَ الَّتِي لَا تَجِدُ مَنْ يَفْهَمُ مَشَاعِرَهَا سَتَلْتَمِسُ ذَلِكَ عِنْدَ غَيْرِ أَهْلِهَا، وَهُنَا تَبْدَأُ الْفَجْوَةُ، وَتَتَّسِعُ الْمَسَافَةُ، وَتَتَسَلَّلُ الْمُؤَثِّرَاتُ الْمُنْحَرِفَةُ إِلَى الْقُلُوبِ وَالْعُقُولِ، وَكَمْ مِنْ انْحِرَافٍ فِكْرِيٍّ أَوْ خُلُقِيٍّ كَانَتْ بِدَايَتُهُ كَلِمَةً لَمْ يَجِدْ صَاحِبُهَا مَنْ يَسْمَعُهَا، أَوْ مُشْكِلَةً لَمْ يَجِدْ مَنْ يُشَارِكُهُ حَمْلَهَا.

لَقَدْ حَمَّلَ الْإِسْلَامُ الْوَالِدَيْنِ مَسْئُولِيَّةَ الرِّعَايَةِ وَالتَّوْجِيهِ؛ فَقَالَ سُبْحَانَهُ: ﴿يَٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ قُوٓا۟ أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا﴾، وَقَالَ النَّبِيُّ : «كُلُّكُمْ رَاعٍ وَكُلُّكُمْ مَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ»، وَمِنْ أَعْظَمِ الرِّعَايَةِ أَنْ يَعْرِفَ الْأَبُ أَحْوَالَ أَبْنَائِهِ، وَأَنْ تُدْرِكَ الْأُمُّ مَا يَدُورُ فِي نُفُوسِ أَوْلَادِهَا، وَأَنْ يَكُونَ الْبَيْتُ مَلَاذًا آمِنًا يَجِدُ فِيهِ الْأَبْنَاءُ الْفَهْمَ قَبْلَ اللَّوْمِ، وَالنُّصْحَ قَبْلَ الْعِقَابِ.

جُسُورُ التَّوَاصُلِ… طَرِيقُ الْعَوْدَةِ إِلَى دِفْءِ الْأُسْرَةِ

إِنَّ النَّبِيَّ ، مَعَ عِظَمِ مَسْئُولِيَّاتِهِ، كَانَ يُخَاطِبُ الصِّغَارَ وَيُجَالِسُهُمْ وَيُعَلِّمُهُمْ؛ فَيَقُولُ لِابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا: «يَا غُلَامُ إِنِّي أُعَلِّمُكَ كَلِمَاتٍ…»، وَعَنْ كُلَيْبِ بْنِ مَنْفَعَةَ، عَنْ جَدِّهِ، أَنَّهُ أَتَى النَّبِيَّ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَنْ أَبَرُّ؟ قَالَ: «أُمَّكَ، وَأَبَاكَ، وَأُخْتَكَ، وَأَخَاكَ، وَمَوْلَاكَ الَّذِي يَلِي ذَلِكَ، حَقًّا وَاجِبًا، وَرَحِمًا مَوْصُولَةً».

فَمَا أَحْوَجَ الْآبَاءَ إِلَى هَذَا الْهَدْيِ النَّبَوِيِّ الْكَرِيمِ؛ أَنْ يَتَحَوَّلَ الْبَيْتُ مِنْ مَكَانٍ لِلسَّكَنِ فَقَطْ إِلَى مَدْرَسَةٍ لِلْمَحَبَّةِ وَالْحِوَارِ وَالتَّرْبِيَةِ، وَأَنْ يَجْعَلُوا بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ أَبْنَائِهِمْ جُسُورًا مِنَ الثِّقَةِ، وَأَبْوَابًا مَفْتُوحَةً لِلْحِوَارِ؛ فَإِنَّ الْكَلِمَةَ الطَّيِّبَةَ تَبْنِي مَا لَا تَبْنِيهِ الْأَمْوَالُ، وَالْإِنْصَاتَ الصَّادِقَ يُصْلِحُ مَا قَدْ تَعْجِزُ عَنْهُ الْعُقُوبَاتِ، وَإِنَّ الْأُسْرَةَ الَّتِي يَكْثُرُ فِيهَا الْحِوَارُ، وَيَغْمُرُهَا التَّفَاهُمُ، وَتُبْنَى عَلَاقَاتُهَا عَلَى الرَّحْمَةِ وَالْمَوَدَّةِ، هِيَ أُسْرَةٌ أَقْرَبُ إِلَى الثَّبَاتِ فِي وَجْهِ الْفِتَنِ، وَأَقْدَرُ عَلَى تَنْشِئَةِ جِيلٍ صَالِحٍ نَافِعٍ لِدِينِهِ وَأُمَّتِهِ.

لَا تَقْطَعُوا الصِّلَةَ حَتَّى وَإِنْ أَسَاءَ أَحَدُكُمَا إِلَى الْآخَرِ

قَدْ يُسِيءُ الْأَبُ إِلَى وَلَدِهِ بِصُوَرٍ كَثِيرَةٍ، وَقَدْ يُسِيءُ الْوَلَدُ إِلَى أَبِيهِ كَذَلِكَ، وَلَكِنْ لَا يَمْنَعُ ذَلِكَ الْوَلَدَ مِنْ بِرِّهِ بِوَالِدَيْهِ؛ فَقَدْ أَمَرَ اللَّهُ تَعَالَى بِمُصَاحَبَتِهِمَا حَتَّى مَعَ الشِّرْكِ فَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَصَاحِبْهُمَا فِي ٱلدُّنْيَا مَعْرُوفًاۖ﴾.

لَمْ يَقُلْ: ﴿وَصَاحِبْهُمَا فِي ٱالدُّنْيَا﴾ فَقَطْ، بَلْ قَالَ ﴿مَعْرُوفًاۖ﴾، وَالْمَعْرُوفُ: اسْمٌ لِكُلِّ فِعْلٍ يُعْرَفُ بِالْعَقْلِ وَالشَّرْعِ حُسْنُهُ؛ فَتُحْسِنُ الْكَلَامَ مَعَهُمَا، وَتَخْفِضُ صَوْتَكَ فِي الْحَدِيثِ مَعَهُمَا وَبِحَضْرَتِهِمَا، وَتَصِلُهُمَا بِمَالِكَ، وَتَظَلُّ خَادِمًا لَهُمَا مَا حَيِيتَ، وَهَذَا الَّذِي يَرْتَضِيهِ الشَّرْعُ مِنْكَ وَيَقْتَضِيهِ عَلَيْهِ الْكَرَمُ.

وَقَالَتِ السَّيِّدَةُ أَسْمَاءُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا: قَدِمَتْ أُمِّي وَهِيَ مُشْرِكَةٌ فِي عَهْدِ قُرَيْشٍ إِذْ عَاهَدُوا رَسُولَ اللَّهِ مَعَ أَبِيهَا فَاسْتَفْتَيْتُ النَّبِيَّ فَقُلْتُ: إِنَّ أُمِّي قَدِمَتْ وَهِيَ رَاغِبَةٌ أَفَأَصِلُهَا؟ قَالَ: «نَعَمْ صِلِي أُمَّكِ».

وَعَنْ بَهْزِ بْنِ حَكِيمٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ، قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ مَنْ أَبَرُّ؟ قَالَ: «أُمَّكَ ثُمَّ أُمَّكَ ثُمَّ أُمَّكَ ثُمَّ أَبَاكَ ثُمَّ الْأَقْرَبَ».

 

 

google-playkhamsatmostaqltradent