recent
أخبار عاجلة

خطبة الجمعة بين نار الكبر وجنّة التواضع الشيخ عادل هندي

 بين نار الكبر وجنّة التواضع


 

الحمد لله رب العالمين، أحمده سبحانه وأشكره، وأتوب إليه وأستغفره، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، جعل التواضع رفعةً لأهله، وجعل الكبر مهلكةً لأصحابه، وأشهد أن سيدنا محمدًا عبد الله ورسوله، إمام المتواضعين، وسيد الخلق أجمعين، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه ومن سار على نهجه إلى يوم الدين... أما بعد:

فإنَّ الإسلام لم يأتِ ليبني العقول فحسب؛ وإنما جاء ليبني الإنسان كله؛ عقيدةً وعبادةً وسلوكًا وأخلاقًا. وما بعث الله نبيه -صلى الله عليه وسلم- إلا ليتمم مكارم الأخلاق، كما قال عليه الصلاة والسلام: «إنما بعثت لأتمم صالح الأخلاق».

 ومن أعظم الأخلاق التي يرفع الله بها الدرجات، ويشـرح بها الصدور، ويؤلف بها القلوب، خلق التواضع. ذلك الخلق الذي لا يصنعه المال، ولا تمنحه الشهادات، ولا تصنعه المناصب، إنما يصنعه الإيمان، ويثمره صدق العبودية لله، ويغرسه يقين العبد بأنه مهما علا فهو عبد، ومهما كثر ما يملك فهو فقير إلى الله.. ثم إننا إذا أردنا الحديث عن التواضع، فلا بد أن نقف أولًا عند نقيضه؛ لأن الأشياء تعرف بأضدادها.

أيها الأحبة الكرام:

لا يغيب عن شريف علمكم أنَّ أول معصية عُصـي الله بها في السماء كانت الكبر، حين أمر الله إبليس بالسجود لآدم فأبى واستكبر، وقال في كلمة واحدة جمعت أصل البلاء كله: ﴿أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ﴾. ولذلك كان الكبر أخطر أمراض القلوب، لأنه لا يكتفي بإفساد السلوك، بل يفسد الدين نفسه.

فالإنسان قد يتكبر على ربه كما فعل فرعون حين قال: ﴿أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى﴾ وقد يتكبر على رسل الله وأنبيائه كما فعلت أمم كثيرة فقالوا: ﴿أَبَشَـرٌ يَهْدُونَنَا﴾ وكما قالت قريش عن سيدنا وحبيبنا رسول الله (صلى الله عليه وسلَّم): {وَقَالُوا لَوْلَا نُزِّلَ هَذَا الْقُرْآنُ عَلَى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ} [الزخرف: 31]، وقد يتكبر على الناس فيحتقرهم ويزدريهم ويرى نفسه فوقهم، وهنا يأتي التعريف النبوي الجامع للكبر، حين قال صلى الله عليه وسلم: «الكبر بطر الحق وغمط الناس» وبطر الحق: أن ترد الحق إذا خالف هواك، وأمَّا غمط الناس: أن تحتقر عباد الله وتزدريهم.

أيها المسلمون:

ما أحوجنا إلى هذا الحديث في زمان كثرت فيه مظاهر التفاخر والاستعلاء، وانتشـرت فيه ثقافة الاستعراض، وصار بعض الناس يقيس قدره بما يملك، أو بما يلبس، أو بما يتابعه الناس عليه، حتى انتقل الكبر من المجالس إلى الشاشات، ومن الأسواق إلى المنصات، ومن الثياب والمراكب إلى الصور والمنشورات والحسابات الشخصية، فأصبح بعض الناس لا يتحرك إلا ليُرى، ولا يتكلم إلا ليُمدح، ولا ينشـر إلا ليُشار إليه بالبنان، وغفل كثيرون عن أن الله لا ينظر إلى الصور والأشكال، وإنما ينظر إلى القلوب والأعمال.

وما أكثر أسباب الكبر في زماننا!

فمن الناس من يتكبر بماله كقارون، ومنهم من يتكبر بمنصبه وسلطانه كفرعون، ومنهم من يتكبر بعلمه، كحال الذي آتاه الله آياته فانسلخ منها فأتبعه الشيطان فكان من الغاوين، ومنهم من يتكبر بجماله أو نسبه أو شهرته أو أولاده أو أتباعه، كالوليد بن المغيرة، قال تعالى: {ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيدًا * وَجَعَلْتُ لَهُ مَالًا مَمْدُودًا * وَبَنِينَ شُهُودًا * وَمَهَّدْتُ لَهُ تَمْهِيدًا * ثُمَّ يَطْمَعُ أَنْ أَزِيدَ * كَلَّا إِنَّهُ كَانَ لِآيَاتِنَا عَنِيدًا * سَأُرْهِقُهُ صَعُودًا} [المدثر: 11 - 17]، بل قد يتكبر بعض الناس بطاعته وعبادته، فيرى نفسه خيرًا من العُصاة، وربما هلك بهذا الشعور وهو لا يشعر، وهذا من أخطر أنواع الكِبر الخفية عن الناس اليوم. ولذلك كان السلف يخافون من الكبر أكثر من خوفهم من كثير من المعاصي الظاهرة.

وإنَّ كبر العابد بطاعته، وكبر العالم بعلمه، وكبر الداعية بدعوته، وكبر المستقيم باستقامته، أخطر من كثير من صور الكبر الظاهرة؛ لأنه يلبس ثوب الدين والصلاح، وكم من عاصٍ أورثه ذنبه ذلًا وانكسارًا فدخل به الجنة، وكم من مطيع أورثته طاعته عجبًا وكبرًا فكان ذلك سبب هلاكه..

وإني لأذكر أنّي قرأت نصيحة وحكمة لسيدي أحمد بن عطاء الله السكندري، يقول فيها: ((الناس يمدحونك لما يظنونه فيك، فكن أنت ذامًّا لنفسك لما تستيقنه منها، فالعاقل لا يترك يقين ما عنده لظن ما عند الناس))، ويقول سيدنا سفيان بن عيينة -رحمه الله-: ((من كانت معصيته في شهوة فأرجو له التوبة، فإن آدم عصـى مشتهيًا فتاب الله عليه، ومن كانت معصيته في كبر فأخشى عليه، فإن إبليس عصى مستكبرًا فلعنه الله))، وقد قيل: (للشر باب، والكِبر مفتاحه)..

عباد الله:

إنَّ للكبر آثارًا مدمِّرة وعواقب مخيفة؛ فالمتكبر محروم من الانتفاع بالهداية، ومحجوب عن عطاءات ربه، قال تعالى: ﴿سَأَصْرِفُ عَنْ آيَاتِيَ الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ﴾ والمتكبر ينازع الله صفةً من صفاته؛ ففي الحديث القدسي: «الكبرياء ردائي والعظمة إزاري، فمن نازعني واحدًا منهما قذفته في النار»، والمتكبر لا يحبه الله، قال تعالى: ﴿إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْتَكْبِرِينَ﴾.

ولذلك كان المتكبِّر مهددًا بالخزي يوم القيامة، فقد أخبر النبي -صلى الله عليه وسلم- أنَّ المتكبرين يحشـرون يوم القيامة أمثال الذر في صور الرجال، يغشاهم الذل من كل مكان.

تخيلوا -إخواني الكرام- ذلك الرجل الذي كان يملأ الدنيا صخبًا واستعلاءً وسيطرة وحديثًا وفرض رأي، والذي كان إذا دخل مجلسًا رأى نفسه فوق أهله، وإذا تكلم رأى أنه لا يخطئ، وإذا نُصح رأى أن غيره لا يفهم، فإذا به يوم القيامة صغيرًا حقيرًا تطؤه الأقدام، ويحيط به الذل من كل جانب، جزاء وفاقًا.

ثم انظروا إلى الدنيا نفسها، أين الملوك؟ وأين الجبابرة؟ وأين أصحاب القصور؟ وأين أصحاب المناصب؟ وأين الذين كانت تُفتح لهم الأبواب وتُرفع لهم الرؤوس؟ لقد جمعهم القبر جميعًا، فلم يبق مال ولا جاه ولا سلطان، وإنما بقي العمل الصالح.

أيها المؤمنون،

حذَّر بعض الصالحين من كلمات ثلاث، فقالوا: احذروا ثلاث كلمات أهلكت أصحابها، [أنا، وعندي، ولي]، أمـا “أنا” فقد قالها إبليس -بقياس خاطئ- وتكبّر على أن يسجد لآدم حين أُمِر من الله تعالى، فقال (أنا خير منه) فلعنه الله وطرده وذريته من رحمته سبحانه، وأما “عندي” فقد قالها قارون: ﴿إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِندِي﴾، حتى خسف الله به وبماله وداره الأرض، وأما “لي” فقد قالها فرعون: ﴿أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْـرَ﴾ حتى أغرقه الله في باطن البحر... وكانت عاقبة الجميع الخسران والهلاك.

أيها الأحبة في الله،

وإذا كان الكبر نارًا تحرق القلوب، فإن التواضع جنة يعيش فيها الإنسان قبل أن يدخل جنة الآخرة، والتواضع ليس ضعفًا؛ بل قوة. وليس ذلًا للخلق؛ بل رفعة عند الخالق. وليس احتقارًا للنفس؛ بل معرفة حقيقية بحجم النفس أمام عظمة الله. ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم: «ما تواضع أحد لله إلا رفعه الله».

كلما انحنى العبد لله ارتفع عند الله، وكلما عرف قدر نفسه عرف قدر ربه، ومن أجل ذلك قدم الله التواضع في صفات عباده الصالحين فقال: ﴿وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا﴾ وقال في وصية لقمان لابنه: ﴿وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحًا﴾. إنها دعوة إلى أن يكون الإنسان كبيرًا عند الله لا كبيرًا في أعين الناس.

والتواضع هو أن تعرف قدر نفسك فلا تتعالى على الناس، وأن تقبل الحق ممن جاء به صغيرًا كان أو كبيرًا، وأن ترى فضل الله عليك قبل أن ترى فضل نفسك، ولهذا قال الفضيل بن عياض -رحمه الله-: (التواضع أن تخضع للحق وتنقاد له وتقبلـه ممَّن قاله)، ولذلك كان أهل التواضع أحب الناس إلى الله وأحبهم إلى الخلق، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: «ما تواضع أحد لله إلا رفعه الله».

أيها المسلمون،

إذا انتقلنا إلى سير الأنبياء وجدنا التواضع تاجًا على رؤوسهم جميعًا. فهذا موسى عليه السلام، وهو كليم الله، وصاحب المعجزات العظيمة، لم تمنعه منزلته عند الله من أن يقول للخضـر بأدب المتعلم المتواضع: ﴿هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلَى أَنْ تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْدًا﴾.

ما أعظمها من كلمة! نبي كريم يطلب العلم بأدب، ويعرض نفسه على معلم آخر بتواضع جم، ليعلم الأمة أن العلم لا يجتمع مع الكبر.

وهذا سليمان -عليه السلام- الذي جمع الله له بين النبوة والملك، وسخر له الجن والإنس والطير والريح، لم يمنعه ذلك كله من أن يقبل الخبر من هدهد صغير، فلما قال الهدهد: ﴿أَحَطتُ بِمَا لَمْ تُحِطْ بِهِ﴾ لم يغضب سليمان ولم يتكبر، وإنما قال: ﴿سَنَنظُرُ أَصَدَقْتَ أَمْ كُنتَ مِنَ الْكَاذِبِينَ﴾. إنه التواضع الذي يجعل صاحبه يقبل الحق ولو جاءه على لسان من هو دونه.

وإذا أردتم أن تروا التواضع مجسدًا في صورة بشـر، فانظروا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم (الذي صعد إلى السماء السابعة وقد رفع الله شأنه وأعلى مقامه)، انظروا إليه: كان سيد ولد آدم، ومع ذلك يجلس بين أصحابه حتى يدخل الغريب فيقول: أيكم محمد؟ كان يأكل كما يأكل العبد. ويجلس كما يجلس العبد، ويحلب شاته، ويخصف نعله، ويرقّع ثوبه، ويحمل التراب مع أصحابه يوم الخندق، ويشاركهم الجوع والتعب، ولما دخل مكة فاتحًا بعد سنوات الأذى والاضطهاد، لم يدخلها متعاليًا متكبرًا، وإنما دخلها مطأطئ الرأس تواضعًا لله حتى كادت لحيته تمس رحله، ودخل عليه رجل فارتعد من هيبته فقال له: «هون عليك، فإني لست بملك، إنما أنا ابن امرأة كانت تأكل القديد بمكة».

وكان -صلى الله عليه وسلم- في بيته في خدمة أهله، حتى سُئلت أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها: ما كان رسول الله يصنع في بيته؟ فقالت: (كان في مهنة أهله)، فكان يعين أهل بيته فيما يحتاجون إليه.

الله أكبر! ما أعظمها من مدرسة تربوية! وما أحوجنا إليها في زمن كثرت فيه ثقافة الاستعراض والتفاخر والتباهي.

أيها المؤمنون،

إنَّ المتواضعين أحب الناس إلى القلوب، فالناس قد يهابون المتكبر، لكنهم لا يحبونه، وقد يخضعون لصاحب السلطة، لكنهم لا يلتفون حوله حُبًّا، أما المتواضع فإنه يملك القلوب قبل أن يملك المواقف، لأن النفوس جبلت على حب من أحسن إليها وتواضع لها.. ولذا قال أبو الفتح البستي:

أحسن إلى الناس تستعبد قلوبهم *** فلطالما استعبد الإحسانُ إنسانًا

والسؤال الذي يطرح نفسه هنا الآن:

كيف نربي أنفسنا على التواضع؟

نعم؛ إذا أردنا أن نتعلم التواضع عمليًا، وأن نحوله من كلمات تُقال إلى سلوك يُعاش، فهناك وسائل عظيمة تعين على ذلك:

أولها: أن تتذكر أصل خلقك ونهاية أمرك؛ فأنت مخلوق من ماء مهين، خرجت من بطن أمك ضعيفًا لا تملك لنفسك نفعًا ولا ضرًا، وستخرج من الدنيا يومًا محمولًا على الأكتاف، ثم توضع في قبر ضيق لا ينفع فيه مال ولا جاه ولا شهرة.

وثانيها: أن تعلم أن كل نعمة عندك هي من فضل الله، كما قال سليمان عليه السلام: ﴿هَذَا مِنْ فَضْلِ رَبِّي﴾، فلا مالك من صنعك، ولا علمك من حولك، ولا صحتك من قوتك، وإنما هو فضل الله عليك.

وثالثها: أن تكثر من قراءة سيرة النبي صلى الله عليه وسلم وسير الصالحين والمتواضعين، فإن النفوس تتربى بالقدوات أكثر مما تتربى بالكلمات.

ورابعها: أن تتهم نفسك بالتقصير دائمًا، فإن رأيت من هو أكبر منك سنًا فقل: سبقني إلى الطاعة والخير، وإن رأيت من هو أصغر منك فقل: سبقتُه إلى الذنوب والمعاصي، وإن رأيت الناس في مثل سنك فقل: هم خير مني وأنا لا أعلم.

وخامسها: أن تصاحب أهل التواضع وأهل الخير، فإن المرء على دين خليله.

وسادسها: أن تقبل الحق حيث كان، وممن جاء به، فلا يمنعك منصبك ولا علمك ولا مكانتك من الرجوع إلى الحق إذا تبين لك.

وسابعها: أن تتذكر دائمًا مصير المتكبرين وعاقبتهم في الدنيا والآخرة.

وثامنها: أن تكثر من الدعاء، وأن تقول: اللهم اهدني لأحسن الأخلاق، لا يهدي لأحسنها إلا أنت.

ومن الوسائل العملية كذلك:

أن تُسَلِّم على من تعرف ومن لا تعرف، وأن تجلس حيث ينتهي بك المجلس، وأن تخدم أهلك بيدك، وأن تزور المرضى، وأن تجالس الفقراء والمساكين، وأن تفرح بنجاح الآخرين كما تفرح بنجاح نفسك، وأن تترك التفاخر والاستعراض وطلب المدح والثناء.

عباد الله (ختامًا):

إن المتواضع محبوب عند الله، محبوب عند الناس، مطمئن القلب، سعيد الروح، واسع الصدر. أما المتكبر فإنه يعيش أسير نفسه، معذبًا بعظمة موهومة، يطلب رفعة الناس فيحرم رفعة الله. فاخفضوا أجنحة التواضع، وألينوا جانبكم للمؤمنين، واعلموا أن الرفعة الحقيقية ليست فيما تملكون، وإنما فيما تحملون من إيمان وأخلاق.

وصل اللهم علي سيدنا محمد وعي آله وصحبه وسلم 

اللهم أتنا في الدنيا حسنة وفي الأخرة حسنة وقنا عذاب النار

google-playkhamsatmostaqltradent