recent
أخبار عاجلة

خطبة الجمعة مملكة الرضا الشيخ عبدالناصربليح

 مملكة الرضا


الحمدلله رب العالمين والصلاة والسلام عيل أشرف المرسلين وبعد فياعباد الله 

يقول الله تعالي:" جَزَاؤُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ۖ رَّضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ ۚ ذَٰلِكَ لِمَنْ خَشِيَ رَبَّهُ"(البينة: 8).

 جزاؤهم عند ربهم يوم القيامة جنات إقامة واستقرار في منتهى الحسن، تجري من تحت قصورها الأنهار، خالدين فيها أبدًا، رضي الله عنهم فقبل أعمالهم الصالحة، ورضوا عنه بما أعدَّ لهم من أنواع الكرامات، ذلك الجزاء الحسن لمن خاف الله واجتنب معاصيه.

 عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم-، قَالَ: "إِنَّ اللَّهَ -عَزَّ وَجَلَّ- يَقُولُ لأَهْلِ الْجَنَّةِ: يَا أَهْلَ الْجَنَّةِ، فَيَقُولُونَ: لَبَّيْكَ رَبَّنَا وَسَعْدَيْكَ، وَالْخَيْرُ بَيْنَ يَدَيْكَ، فَيَقُولُ: هَلْ رَضِيتُمْ، فَيَقُولُونَ: وَمَا لَنَا لا نَرْضَى، وَقَدْ أَعْطَيْتَنَا مَا لَمْ تُعْطِ أَحَدًا مِنْ خَلْقِكَ، فَيَقُولُ: أَلا أُعْطِيكُمْ أَفْضَلَ مِنْ ذَلِكَ؟ قَالُوا: يَا رَبِّ، وَأَيُّ شَيْءٍ أَفْضَلُ مِنْ ذَلِكَ؟ فَيَقُولُ: أُحِلُّ عَلَيْكُمْ رضْوَانِي، فَلا أَسْخَطُ عَلَيْكُمْ بَعْدَهُ أَبَدًا"(متفق عليه).

الرضا : هو سرور القلب بمرّ القضاء وطيب نفسيّ للإنسان بما يصيبه أو يفوته مع عدم التّغيّر، وهو القناعة بما اعطاك الله وعدم النظر إلى ما في يد غيرك

ولكن هناك من جعل الدنيا أكبر همه، فتشتت شمله وجعل الله فقره بين وهناك من ملأ الله قلبه بالقناعة، فنال السعادة الحقيقية والطمأنينة القلبية، وانشرح صدره وذهبت عنه الهموم والأكدار .

عن أنَسِ بن مَالكٍ، قال: قال رَسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: "من كانتِ الآخِرةُ هَمَّهُ، جَعلَ اللهُ غِناهُ في قَلْبِه، وجَمَعَ لهُ شَمْلَهُ، وأتَتهُ الدُّنْيا وهي رَاغمةٌ، ومن كانتِ الدُّنْيا هَمَّهُ، جَعلَ الله فَقْرَهُ بَيْنَ عَيْنيهِ، وفَرَّقَ عليهِ شَمْلَهُ، ولم يَأْتِه من الدُّنْيا إلَّا ما قُدَّرَ لهُ "(الترمذي).

ولقد ضرب لنا رسول الله أروع الأمثلة في القناعة، والرضا فهو سيد الخلق وحبيب الحق، الذي كان يربط الحجر على بطنه من الجوع، ومع ذلك كان أطيب الناس نفراً وأغناهم قلباً. وحينما دخل عليه عمر بن الخطاب رضي الله عنه ووجد أثر الحصير في جنبه، بكى عمر رضي الله عنه، فقال له النبي : "أَمَا تَرْضَى أَنْ تَكُونَ لَنَا الآخِرَةُ وَلَهُمُ الدُّنْيَا؟"(مسلم).

أيها المؤمنون، إنَّ الرضا والقناعة هما الطريق إلى السعادة الدنيوية قبل الأخروية. وقد قيل: "من رضي بقضاء الله لم يُسخطه أحد، ومن قنع بما رزقه الله لم يحوجه أحد". فعلينا أن ننظر في أمور الدنيا إلى من هو أقل منا لنشكر النعمة، وفي أمور الدين إلى من هو أعلى منا لنتأسى بهم.

قال لقمان لابنه:"أوصيك بخصال تقرّبك من الله وتباعدك من سخطه: أن تعبد الله لا تشرك به شيئا، وأن ترضى بقدر الله فيما أحببت وكرهت"( مدارج السالكين).

عباد الله: هكذا هي حياة الإنسان لا تدوم على حال، ولا يستقر لها قرار، وكلما تطلع المرء إلى أمر طلب غيره، وكلما كان على حال تاقت نفسه إلى حال أخرى، وكلما اشتهى شيئاً وحصل عليه سعى إلى غيره، وكلما وصل إلى منصب أو مكانة طمع في غيرها.

ولله در القائل

صغيرٌ يطلبُ الكِبرا *** وشيخٌ ود لو صَغُرا

وخالٍ يشتهي عملا ً*** وذو عملٍ به ضَجِرا

ورب المال في تعب *** وفي تعب من افتقرا

وذو الأولاد مهمومٌ *** وطالبهم قد انفطرا

ومن فقد الجمال شكا *** وقد يشكو الذي بُهِرا

ويبغي المجد في لهفٍ *** فإن يظفر به فترا

شُكاةٌ ما لها حَكَمٌ *** سوى الخصمين إن حضرا

وصدق سيدى وحبيبي رسول الله صلي الله عليه وسلم حينما قال في الحديث الذي رواه البخاري

عَنْ عَطَاءٍ قَالَ: سَمِعْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما يَقُولُ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ:"لَوْ ‌كَانَ ‌لِابْنِ ‌آدَمَ وَادِيَانِ مِنْ مَالٍ لَابْتَغَى ثَالِثًا، وَلَا يَمْلَأُ جَوْفَ ابْنِ آدَمَ إِلَّا التُّرَابُ، وَيَتُوبُ اللَّهُ عَلَى مَنْ تَابَ"(متفق عليه).

وانواع الرضا ثلاث

الرضا بقضاء الله وقدره: والتسليم لأمره، واليقين بأنَّ ما أصابك لم يكن ليخطئك، وأنَّ تدبير الله لك خيرٌ من تدبيرك لنفسك.النظر إلى الفقراء وأهل البلاء: لتدرك حجم النعم التي تعيش فيها من صحة وأمن ورزق، ففي الحديث المتفق عليه، من حديث أبي هريرة رضي الله عنه بلفظ: "انْظُرُوا إِلَى مَنْ هُوَ أَسْفَلَ مِنْكُمْ وَلَا تَنْظُرُوا إِلَى مَنْ هُوَ فَوْقَكُمْ، فَإِنَّهُ أَجْدَرُ أَنْ لَا تَزْدَرُوا نِعْمَةَ اللهِ عَلَيْكُمْ" مسلم

فالله سبحانه هو الذي يُقلّب القلوب وهو المُعطي والمانع، فنسأله دائماً أن يرزقنا القناعة

كلنا راحلون فاحذر ان تاخذك الدنيا وتترك الرضا ...

فانظرْ يا عبدَ اللهِ: كم تحملُ من نعمٍ وأنتَ غيرُ راضٍ!! أما تعلمُ أنَّ نعمَ اللهِ عليكَ مغدقةٌ وأنتَ لا تشعرُ!! أما تعلمُ أنكَ تملكُ الدنيا وأنتَ لا تشكرُ!! فعَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ مِحْصَنٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ : «مَنْ أَصْبَحَ مِنْكُمْ آمِنًا فِي سِرْبِهِ، مُعَافًى فِي جَسَدِهِ، عِنْدَهُ قُوتُ يَوْمِهِ، فَكَأَنَّمَا حِيزَتْ لَهُ الدُّنْيَا». أخرجهُ الترمذيُّ وابنُ ماجهَ.

هِيَ القناعةُ فالزمْها تَعِـشْ مَلِكاً *** لـو لم يَكُنْ منك إلا راحةُ البدنِ

وانظر لمن مَلَكَ الدنيـا بأجْمَعِهَا *** هل راحَ منها بغيرِ القُطْنِ والكَفَنِ

فلماذا التسخطُ؟ ولماذا التشكي؟ وأنتَ آمِنٌ في نفسِكَ ومالِكَ وأهلِكَ، معافًى في بدنِكَ، عندكَ قوتُ يومِكَ، بل قوتُ عامٍ أو يزيدُ..

فاحمدْ ربَّكَ على العافيةِ؛ والعيشةِ الكافيةِ؛ والساعةِ الصافيةِ، فكم في الأرضِ من وحيدٍ وطريدٍ وشريدٍ وفقيدٍ، وكم من رجلٍ قد غُلِبَ، ومن مالُهُ سُلِبَ، وملكُهُ قد نُهِبَ، وكم من مسجونٍ ومغبونٍ ومدينٍ ومفتونٍ ومجنونٍ، وكم من سقيمٍ وعقيمٍ ويتيمٍ، ومن يلازمُهُ الغريمُ والمرضُ الأليمُ؛ واعلمْ بأنَّ للهمِّ مفتاحًا وهو السرورُ، وللذنبِ ربٌّ غفورٌ.

رغيفُ خبزٍ يابسٌ تأكلُهُ في عافيةٍ *** وكوزُ ماءٍ باردٍ تشربُهُ من صافيةٍ

وغرفةٌ ضيقةٌ نفسُكَ فيها راضيةٌ *** ومصحفٌ تدرسُهُ مستندًا لساريةٍ

خيرٌ من السكنى بأبراجِ القصورِ العاليةِ *** وبعدَ قصرٍ شاهقٍ تُصلى بنارٍ حاميةٍ

فيا من تشكو من توالي الهمومِ والأحزانِ، من قلةِ المالِ، من الفقرِ والحاجةِ… كنْ راضيًا صابرًا محتسبًا قنوعًا، ولتكنْ لكَ في رسولِ اللهِ أسوةٌ حسنةٌ وقدوةٌ طيبةٌ؛ انظرْ إلى طعامِهِ، وانظرْ إلى فراشِهِ ولباسِهِ، وانظرْ إلى مسكنِهِ.. لتدركَ أنَّكَ في نعمٍ كثيرةٍ وخيراتٍ وافرةٍ.

عن عمر بن الخطاب عن رسول الله صلي الله عليه وسلم:"أتاني جبريلُ، فقالَ : يا محمَّدُ ربُّكَ يَقرأُ عليكَ السَّلامَ ويقولُ إنَّ مِن عبادي مَن لا يَصلحُ إيمانُهُ إلَّا بالغِنى ولَو أفقرتُهُ لَكَفرَ وإنَّ مِن عبادي من لا يَصلحُ إيمانُهُ إلَّا بالفَقرِ ولَو أغنيتُهُ لَكَفرَ وإنَّ من عبادي مَن لا يصلُحُ إيمانُهُ إلَّا بالسُّقمِ ولَو أصحَحتُهُ لَكَفرَ وإنَّ مِن عبادي مَن لا يَصلحُ إيمانُهُ إلَّا بالصِّحَّةِ، ولَو أسقَمتُهُ لكفَرَ"(أخرجه الخطيب البغدادي في  (تاريخ بغداد/3044).

عباد الله ماذا ينتظر الإنسان من الدنيا إلا غنىً مطغياً أو فقراً منسياً أو مرضاً مفنداً أو موتاً مجهزاً مصداقا لحديث رسول الله الذي رواه الترمذي عن أَبي هريرة رضي الله عنه: أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قَالَ:"بَادِرُوا بِالأعْمَالِ سَبْعًا، هَلْ تَنْتَظِرُونَ إِلاَّ فَقْرًا مُنْسِيًا، أَوْ غِنَىً مُطْغِيًا، أَوْ مَرَضًا مُفْسدًا، أَوْ هَرَمًا مُفَنِّدًا، أَوْ ‌مَوْتًا ‌مُجْهِزًا، أَوْ الدَّجّالَ، فَشَرُّ غَائِبٍ يُنْتَظَرُ، أَوْ السَّاعَةَ وَالسَّاعَةُ أدْهَى وَأمَرُّ؟!"(الترمذي، وقال:"حديث حسن")..

إن ملك الموت يتفقدنا كل يوم بل الموت يأتي في لحظة عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: " مَا مِنْ بَيْتٍ إِلا وَمَلَكُ الْمَوْتِ يَقِفُ عَلَى بَابِهِ كُلَّ يَوْمٍ خَمْسَ مَرَّاتٍ، فَإِذَا وَجَدَ الإِنْسَانَ قَدْ نَفِدَ أَكْلُهُ، وَانْقَطَعَ أَجَلُهُ، أَلْقَى عَلَيْهِ غَمَّ الْمَوْتِ فَغَشِيَتْهُ كُرُبَاتُهُ، وَغَمَرَتْهُ سَكَرَاتُهُ، فَمِنْ أَهْلِ بَيْتِهِ النَّاشِرَةُ شَعَرَهَا، وَالضَّارِبَةُ وَجْهَهَا، وَالْبَاكِيَةُ لِشَجْوِهَا، وَالصَّارِخَةُ بِوَيْلِهَا.

فَيَقُولُ مَلَكُ الْمَوْتِ عليه السلام: وَيْلُكُمْ مِمَّ الْفَزَعُ؟ وَفِيمَ الْجَزَعُ؟ وَاللَّهِ مَا أَذْهَبْتُ لِوَاحِدٍ مِنْكُمْ رِزْقًا، وَلا ‌قَرَّبْتُ ‌لَهُ ‌أَجَلا، وَلا أَتَيْتُهُ حَتَّى أُمِرْتُ، وَلا قَبَضْتُ رُوحَهُ حَتَّى اسْتَأْمَرْتُ، وَإِنَّ لِي فِيكُمْ عَوْدَةً ثُمَّ عَوْدَةً، حَتَّى لا أُبْقِيَ مِنْكُمْ أَحَدًا ".

قَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم: " فَوَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ لَوْ يَرَوْنَ مَكَانَهُ وَيَسْمَعُونَ كَلامَهُ لَذَهِلُوا عَنْ مَيِّتِهِمْ، وَلَبَكَوْا عَلَى نُفُوسِهِمْ، حَتَّى إِذَا حُمِلَ الْمَيِّتِ عَلَى نَعْشِهِ رَفْرَفَتْ رُوحُهُ فَوْقَ النَّعْشِ وَهُوَ يُنَادِي بِأَعْلَى صَوْتٍ: يَا أَهْلِي وَيَا وَلَدِي، لا تَلْعَبَنَّ بِكُمُ الدُّنْيَا كَمَا لَعِبَتْ بِي وَلا تَغُرَّنَّكُمْ كَمَا غَرَّتْنِي، جَمَعْتُ الْمَالَ مِنْ حِلِّهِ وَمِنْ غَيْرِ حِلِّهِ ثُمَّ خَلَّفْتُهُ لِغَيْرِي، فَالْمَهْنَأَةُ لَهُ وَالتَّبِعَةُ عَلَيَّ فَاحْذَرُوا مِثْلَ مَا حَلَّ بِي " التذكرة بأحوال الموتى وأمور الآخرة

ولله در القائل

ألا قـل لـماشٍ عـلى قـبرنا غـفولٌ بـأشياء حلـت بـنا

سيـندم يـوماً لتفريطـــه كـما قـد نـدمنـا لـتفريطنا

لمثل هذا جاء جبريل عليه السلام يوصي سيد الأنام وبدر التمام في الحديث الذي روه الطبراني في "الأوسط" عن سهل بن سعد رضي الله تعالى عنهما قال: جاء جبريل عليه السلام إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: "يا محمدُ! عِشْ ما شئتَ؛ فإنكً ميتٌ، واعمَلْ ما شِئْتَ؛ فإنَّكَ تُجْزَى، وأَحْبِبْ مَنْ ‌شئتَ؛ ‌فإنكَ ‌مُفَارِقٌ، واعلم أن شرفَ المؤمنِ قيامُ الليلِ، وعزَّتَهُ استغناؤه عنِ النَّاسِ":

عش ما شئت فإنك ميت ، وأحبب ما شئت ومن شئت فإنك مفارق , واعمل ما شئت فإنك مجزي به .

في الرضا السعادة والغنى الكامل :

عَنِ الْحَسَنِ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم:مَنْ يَأْخُذُ مِنْ أُمَّتِي خَمْسَ خِصَالٍ ، فَيَعْمَلُ بِهِنَّ ، أَوْ يُعَلِّمُهُنَّ مَنْ يَعْمَلُ بِهِنَّ ؟ قَالَ : قُلْتُ : أَنَا يَا رَسُولَ اللهِ ، قَالَ : فَأَخَذَ بِيَدِي فَعَدَّهُنَّ فِيهَا ، ثُمَّ قَالَ : اتَّقِ الْمَحَارِمَ تَكُنْ أَعْبَدَ النَّاسِ ، وَارْضَ بِمَا قَسَمَ اللهُ لَكَ تَكُنْ أَغْنَى النَّاسِ ، وَأَحْسِنْ إِلَى جَارِكَ تَكُنْ مُؤْمِنًا ، وَأَحِبَّ لِلنَّاسِ مَا تُحِبُّ لِنَفْسِكَ تَكُنْ مُسْلِمًا ، وَلاَ تُكْثِرِ الضَّحِكَ ، فَإِنَّ كَثْرَةَ الضَّحِكِ تُمِيتُ الْقَلْبَ. "(أحمد).

قال تعالى:"مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ "(النحل: 97).

وقد رُوى عن الحسن البصريّ وغيره أنه قال: الحياة الطيبة: القناعة

عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو -رضي الله عنه-، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- قَالَ: " قَدْ أَفْلَحَ مَنْ أَسْلَمَ وَرُزِقَ كَفَافًا وَقَنَّعَهُ اللَّهُ بِمَا آتَاهُ "(مسلم).

وعَنْ فَضَالَةَ بْنِ عُبَيْدٍ أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- يَقُولُ: " طُوبَى لِمَنْ هُدِىَ إِلَى الإِسْلاَمِ وَكَانَ عَيْشُهُ كَفَافًا وَقَنِعَ "(الترمذي).

قال الشافعي:

دع الأيامَ تفعل ما تشاءُ  

                            وطِبْ نفساً بما حَكَمَ القضاءُ

ولا تَجْزعْ لحادثِة الليالي 

                                   فما لحوادثِ الدنيا بقاءُ

وكن رجلاً على الأهوالِ جَلْداً 

                            وشيمتُكَ المروةُ والوفاءُ

وإِن كثرتْ عيوبُكَ في البرايا  

                                    وسرَّكَ أن يكون لها غطاءُ

تسترْ بالسَّخاءِ فكل عَيْبٍ  

                                       يغطيه كما قيلَ السخاءُ

قالت رابعة وقيل ابن سعدان

فليتك تحلو والحياة مريرة 

                               وليتك ترضى والأنام غضاب

وليت الذي بيني وبينك عامر 

                                وبيني وبين العالمين خراب

إذا صح منك الود فالكل هين 

                             وكل الذي فوق التراب تراب


  

 اياك والتباهي والفخر (أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ)

إنّ التباهي والتعالي على الناس يُعدّ من أبغض الأخلاق إلى الله، وقد حذّرنا الله -سبحانه وتعالى- من هذا المسلك في كتابه العزيز بقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ﴾ [لقمان: 18]. فالله -عز وجل- هو صاحب الفضل والمنّة في كل ما يملكه الإنسان. وما المال والجاه إلا ابتلاء واستخلاف، قال تعالى: ﴿وَأَنْفِقُوا مِمَّا جَعَلَكُمْ مُسْتَخْلَفِينَ فِيهِ﴾ [الحديد: 7].

حذر منه الشرع أشد التحذير، حتى إن رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: " إنَّ اللهَ عزَّ وجلَّ أذهبَ عنكم عُبَّيَّةِ الجاهليةِ (أي: كبرها) وفخرَها بالآباءِ ، الناسُ بنو آدمَ ، وآدمُ من ترابٍ ، مؤمنٌ تقيٌّ ، وفاجرٌ شقيٌّ ، لَيَنتهينَّ أقوامٌ يفتخرون برجالٍ إنما هم فحمُ جهنَّمَ، أو ليكوننَّ أهونَ على اللهِ من الجُعلانِ ؛ التي تدفعُ النَّتنَ بأنفِها"رواه الترمذي.

ان بني إسرائيل لما بسطت لهم الدنيا ومهدت باهوا في الحلية والنساء، والطيب والثياب.

وروى عن قتادة في قوله تعالى: {أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ} [التكاثر: 1]، قال: نزلت في اليهود

روي الترمذي عَنْ مُطَرِّفٍ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: انْتَهَيْتُ إِلَى رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم وَهُوَ يَقُولُ: {أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ} [التكاثر: 1]، يَقُولُ ابْنُ آدَمَ: مَالِي مَالِي، وَمَا ‌لَكَ ‌مِنْ ‌مَالِكَ إِلَّا مَا أَكَلْتَ فَأَفْنَيْتَ، أَوْ لَبِسْتَ فَأَبْلَيْتَ، أَوْ تَصَدَّقْتَ فَأَمْضَيْتَ "

وروى الحاكم وصححه، عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول اللهِ صلى الله عليه وسلم: "ما أَخْشَى عَلَيْكُمُ الفَقْرَ، وَلَكِنْ أَخْشَى عَلَيْكُمُ التَّكاثُرَ" (2).

وتقدم في حديث "الصحيحين": "مَا الفَقْرَ أَخْشَى عَلَيْكُمْ، وَلَكِنْ أَخْشَى أَنْ تُبْسَطَ الدُّنْيا عَلَيْكُمْ كَمَا بُسِطَتْ عَلَى مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ، فَتَنافَسُوهَا كَمَا تَنافَسُوها، فَتُهْلِكَكُمْ كَمَا أَهْلَكَتْهُمْ".

وقد نهى ديننا الحنيف عن التفاخر والتعالي على الناس بسبب النسب، وجعله من بقايا الجاهلية. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " أَرْبَعٌ في أُمَّتي مِن أمْرِ الجاهِلِيَّةِ لا يَتْرُكُونَهُنَّ: الفَخْرُ في الأحْسابِ، والطَّعْنُ في الأنْسابِ، والاسْتِسْقاءُ بالنُّجُومِ، والنِّياحَةُ "رواه مسلم.

تواضعوا:

قال النبي صلى الله عليه وسلم: "إن الله أوحى إلي أن تواضعوا..". وفي هذا علاج لكثير من آفات النفوس وإعجاب المرء بنفسه أو بشيء مما أنعم الله به عليه. وإذا جعل الإنسان التواضع شعارا له كان من ذوي الخصال الحميدة والشيم الكريمة من الرحمة وحسن الخلق وسلامة الصدر، لذلك نجد الله عزّوجلّ يعد المتواضعين الذين لا يقوم في نفوسهم خاطر الاستعلاء والمباهاة بما أنعم الله عزّوجلّ عليهم بقوله: {تِلْكَ الدَّارُ الآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الأرْضِ وَلا فَسَادًا وَالْعَاقِبَةُ للْمُتَّقِينَ}( القصص: 83).

وقد اشتهر عن علي رضي الله عنه وأرضاه أنه قال:

الناس من جهة التمثيل أكفاء أبوهم آدم والأم حواء

نفس كنفس وأرواح مشاكلة وأعظم خلقت فيهم وأعضاء

فإن يكن لهم من أصلهم نسب يفاخرون به فالطين والماء

نسأل الله تعالى أن يرزقنا الإخلاص والصدق والتواضع، وأن يجنبنا مساوئ الأخلاق، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.

الخطبة الثانية

خطر إدمان السوشيال ميديا وأثره على الأسرة»

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد ، وعلى آله وصحبه أجمعين.

أما بعد عباد الله: 

فإن من أخطر ما ابتُليت به الأسر في زماننا: الإفراط في استخدام وسائل التواصل الاجتماعي حتى تحولت عند بعض الناس إلى نوع من الإدمان

فكم ضيعت من أوقات!

وكم فرقت بين الأزواج!

وكم أفسدت من أخلاق الأبناء والبنات!

أصبح الأب منشغلًا بهاتفه، والأم في عالم آخر، والأبناء أسرى للشاشات، وغابت جلسات الأسرة، وضعف الحوار، وقلت المودة.

قال الله تعالى:

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا﴾ [التحريم: 6].

وقال النبي : 

«كلكم راعٍ وكلكم مسؤول عن رعيته» متفق عليه.

ومن أخطار السوشيال ميديا:

نشر المقارنات والحسد والتفاخر

ضياع الأوقات فيما لا ينفع.

نشر الشائعات والأكاذيب.

ضعف الروابط الأسرية.

تعريض الأبناء للأفكار المنحرفة والمحتويات الفاسدة.

وقد قال :

«من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه».

فليتق الله الآباء والأمهات، وليكن استخدام هذه الوسائل بقدر الحاجة، مع مراقبة الأبناء، وتنظيم أوقات الاستخدام، وإحياء جلسات الأسرة والقرآن والذكر.

عباد الله

إن الأسرة التي يجتمع أفرادها على طاعة الله، والحوار، والمودة؛ أسرة مباركة مستقرة، وإن البيت الذي تسيطر عليه الشاشات قد يفقد دفأه وروحه.

اللهم أصلح لنا ديننا الذي هو عصمة أمرنا، وأصلح لنا دنيانا التي فيها معاشنا، وأصلح لنا أزواجنا وذرياتنا

google-playkhamsatmostaqltradent