recent
أخبار عاجلة

خطبة الجمعةالنصوص الشرعية بين الفهم الصحيح وسوء التأويلالدكتور: مسعد الشايب

 النصوص الشرعية بين الفهم الصحيح وسوء التأويل 


1. نموذج من سوء التأويل عند أصحاب الفكر المتطرف في القرآن الكريم.

2. نموذج من سوء التأويل عند أصحاب الفكر المتطرف في السنة النبوية.

3. الخطبة الثانية: (طريقة الفهم الصحيح للنصوص الشرعية).

ثانيا: الموضوع:

الحمد لله رب العالمين، الحمد لله الذي هدانا للإسلام، وحنيفيته، ووهب لنا الأزهر، ووسطيته، وأشهد أن لا إله إلا الله، وحده لا شريك له، له الملك، وله الحمد، يحيي ويميت، وهو على كل شيء قدير، وأشهد أن سيدنا ونبينا محمدًا عبده ورسوله اللهم صلاة وسلاماً عليك ياسيدي يارسول الله 

 نموذج من سوء التأويل عند أصحاب الفكر المتطرف في القرآن الكريم))

 

أيها الأحبة الكرام: فمما ابتليت به الأمة الإسلامية ـ من قديم منذ ظهور الخوارج ـ الفكرُ التكفيريُّ المتشددُ، التحريضيُّ المتطرفُ، الذي يؤول النصوص الشرعية تأويلًا سيئًا، ويخرجها عن فهمها الصحيح، مؤديًا للغلو والتشدد المخالف للوسطية التي تميز بها الإسلام، ودعا لها الحق تبارك وتعالى، حينما قال: {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ}[البقرة:143]، أي: أمة عادلة، معتدلة بعيدة عن الغلو، والتنطع، والتشدد، الذي نهانا عنه النبي ، وبيّن أنه سببٌ للهلاك، فقال : (يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِيَّاكُمْ وَالْغُلُوَّ فِي الدِّينِ، فَإِنَّهُ أَهْلَكَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمُ الْغُلُوُّ فِي الدِّينِ)(رواه النسائي).

 

وقد حذرنا الحق تبارك من هؤلاء الذين يؤلون النصوص الشرعية تأويلًا سيئًا، فقال سبحانه: {فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ}[آل عمران: ٧]، فترى أصحاب هذا الفكر المتطرف يأخذون بعض الحق ويتركون بعضه، ويحملون الكلام على غير ما وُضع له.

فتعالوا بنا أحبتي في الله بإذن من الحق تبارك وتعالى في لقاء الجمعة الطيب المبارك؛ لنرى بعضًا من نماذج التأويل السيئ للنصوص الشرعية عند أصحاب الفكر المتطرف، ونرى الفهم الصحيح لها محذرين من اتباع التأويل الخاطئ المؤدي للفتنة والانحراف، فأعروني يا عباد الله القلوب، وأصغوا إلى بالآذان والأسماع، فأقول وبالله التوفيق: من نماذج التأويل السيئ للنصوص الشرعية عند أصحاب الفكر المتطرف:

 

1ـ ما كان في الآية المعروفة بآية الحاكمية، وهي: قولُ الله تعالى: {وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ}[المائدة: ٤٤]، وهي تعني عند أصحاب الفكر المتطرف أنه لا تشريع ولا حكم إلا لله مطلقًا، ولا مجال لحكم البشر وتشريعاتهم للقوانين المنظمة لمناحي وأمور الحياة المدنية الاجتماعية، ومِنْ ثّمَّ فقد كفّر أصحابُ الفكر المتطرف بهذه الآية الأوطان، والمجتمعات عمومًا كفروا الحكام والمحكومين، كفروا الشباب والشيوخ، كفروا الرجال والنساء، كفروا الفقهاء والعلماء والطلبة والمتعلمين، كفروا كل فئات المجتمع وأصنافه، وفئاته وطوائفه.

 

_ عباد الله وأحباب رسوله الكريم: إن فكرةُ الحاكمية كانت وسيلة الخوارج إلى ما كان منهم في عهد الإمام علي (رضي الله عنه) من الخروج عليه، وتكفيره وشقّ لصفِّ جيشه، ومن هذه الفكرة انبثقت سائر أقوالهم، كما أن الحاكمية هي الكلمة التي قال عنها الإمام علي (رضي الله عنه): (‌كَلِمَةُ ‌حَقٍّ أُرِيدَ بِهَا ‌بَاطِلٌ)(صحيح مسلم. رقم:1066).

 

ومن ثَمَّ لما خرجت الخوارج على سيدنا الإمام على (رضي الله عنه)؛ ذهب إليهم حبر الأمة وترجمان القرآن سيدنا عبد الله بن عباس(رضي الله عنهما)، وناظرهم في قضية الحاكمية، وآيات الحاكمية، وقال لهم: (هَاتُوا مَا نَقِمْتُمْ عَلَى أَصْحَابِ رَسُولِ اللهِ وَابْنِ عَمِّهِ). قالوا: (ثَلَاثٌ). فقال: (مَا هُنَّ؟). قالوا: (أَمَّا إِحْدَاهُنَّ: فَإِنَّهُ حَكَّمَ الرِّجَالِ فِي أَمْرِ اللهِ، وَاللهُ (عزّ وجلّ) يقول: {إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ}[الأنعام:57]، مَا شَأْنُ الرِّجَالِ وَالْحُكْمِ؟). فقال ابن عباس (رضي الله عنهما): (أَرَأَيْتَكُمْ إِنْ قَرَأْتُ عَلَيْكُمْ مِنْ كِتَابِ اللهِ (جَلَّ ثَنَاؤُهُ) وَسُنَّةِ نَبِيِّهِ مَا يَرُدُّ قَوْلَكُمْ أَتَرْجِعُونَ؟). قالوا: (نَعَمْ). فقال: (أَمَّا قَوْلُكُمْ: حَكَّمَ الرِّجَالِ فِي أَمْرِ اللهِ، فَإِنِّي أَقْرَأُ عَلَيْكُمْ فِي كِتَابِ اللهِ أَنْ قَدْ صَيَّرَ اللهُ حُكْمَهُ إِلَى الرِّجَالِ فِي ثَمَنِ رُبْعِ دِرْهَمٍ، فَأَمَرَ اللهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى أَنْ يَحْكُمُوا فِيهِ، أَرَأَيْتَ قَوْلَ اللهِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ، وَأَنْتُمْ حُرُمٌ، وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ}[المائدة:95] وَكَانَ مِنْ حُكْمِ اللهِ أَنَّهُ صَيَّرَهُ إِلَى الرِّجَالِ يَحْكُمُونَ فِيهِ، وَلَوْ شَاءَ لحكم فِيهِ، فَجَازَ مِنْ حُكْمِ الرِّجَالِ، أَنْشُدُكُمْ بِاللهِ أَحُكْمُ الرِّجَالِ فِي صَلَاحِ ذَاتِ الْبَيِّنِ، وَحَقْنِ دِمَائِهِمْ أَفْضَلُ أَوْ فِي أَرْنَبٍ؟). قالوا: (بَلَى، هَذَا أَفْضَلُ). قال: (وَفِي الْمَرْأَةِ وَزَوْجِهَا: {وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَابْعَثُوا حَكَمًا مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِنْ أَهْلِهَا}[النساء:35]، فَنَشَدْتُكُمْ بِاللهِ حُكْمَ الرِّجَالِ فِي صَلَاحِ ذَاتِ بَيْنِهِمْ، وَحَقْنِ دِمَائِهِمْ أَفْضَلُ مِنْ حُكْمِهِمْ فِي بُضْعِ امْرَأَةٍ؟ خَرَجْتُ مِنْ هَذِهِ؟). قالوا: (نَعَمْ)... فَرَجَعَ مِنْهُمْ أَلْفَانِ، وَخَرَجَ سَائِرُهُمْ، فَقُتِلُوا عَلَى ضَلَالَتِهِمْ، فَقَتَلَهُمُ الْمُهَاجِرُونَ وَالْأَنْصَارُ. (رواه النسائي في السنن الكبرى، والحاكم في المستدرك، والبيهقي في السنن الكبرى، وغيرهم، وقال الحافظ الذهبي هو على شرط الإمام مسلم).

 

إن آية سورة المائدة...التي استدل بها أصحاب الفكر المتطرف على الحاكمية، وكفروا بها الأوطان والمجتمعات، وردت في سياق الكلام على اليهود الذين ذهبوا لسيدنا رسول الله ، يطلبون حكمه في رجل وامرأة منهما ارتكبا فاحشة الزنا، فسألهم قائلًا: (مَا تَجِدُونَ فِي التَّوْرَاةِ فِي شَأْنِ الرَّجْمِ). فقالوا: ‌نفضحهم ‌ويجلدون. فقال عبد الله بن سلام: (كذبتم إن فيها الرجم، فأتوا بالتوراة). فنشروها، فوضع أحدهم يده على آية الرجم، فقرأ ما قبلها وما بعدها، فقال له عبد الله بن سلام: (ارفع يدك). فرفع يده فإذا فيها آية الرجم، فقالوا: صدق يا محمد فيها آية الرجم، فأمر بهما رسول الله صلى الله عليه وسلم فرجما. (صحيح البخاري. رقم:6841)، ولذا يقول ربنا قبل آية الحاكمية: {وَكَيْفَ يُحَكِّمُونَكَ وَعِنْدَهُمُ التَّوْرَاةُ فِيهَا حُكْمُ اللَّهِ ثُمَّ يَتَوَلَّوْنَ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَمَا أُولَئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ}[المائدة:43]، ثم يقول: {إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا لِلَّذِينَ هَادُوا وَالرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبَارُ بِمَا اسْتُحْفِظُوا مِنْ كِتَابِ اللَّهِ وَكَانُوا عَلَيْهِ شُهَدَاءَ فَلَا تَخْشَوُا النَّاسَ وَاخْشَوْنِ وَلَا تَشْتَرُوا بِآيَاتِي ثَمَنًا قَلِيلًا وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ}[المائدة:44].

 

فآية الحاكمية التي كفر بها أصحاب الفكر المتطرف المجتمعات والأوطان بسبب فهمهم السقيم لها نزلت في اليهود الذين فقدوا حقيقة الإيمان، وارتكبوا فظائع تشهد على كفرهم سجلها الحق تبارك وتعالى في قوله تعالى قبل آية الحاكمية: {يَاأَيُّهَا الرَّسُولُ لَا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ مِنَ الَّذِينَ قَالُوا آمَنَّا بِأَفْوَاهِهِمْ وَلَمْ تُؤْمِنْ قُلُوبُهُمْ وَمِنَ الَّذِينَ هَادُوا سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ سَمَّاعُونَ لِقَوْمٍ آخَرِينَ لَمْ يَأْتُوكَ يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ مِنْ بَعْدِ مَوَاضِعِهِ يَقُولُونَ إِنْ أُوتِيتُمْ هَذَا فَخُذُوهُ وَإِنْ لَمْ تُؤْتَوْهُ فَاحْذَرُوا وَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ فِتْنَتَهُ فَلَنْ تَمْلِكَ لَهُ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا أُولَئِكَ الَّذِينَ لَمْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يُطَهِّرَ قُلُوبَهُمْ لَهُمْ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ}[المائدة:41]، فهذه الآية تسجل على اليهود الآتي:

 

1ـ سرعة الوقوع في الكفر، قال تعالى: {يَاأَيُّهَا الرَّسُولُ لَا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ}.

 

2ـ عدم انعقاد الإيمان في قلوبهم بل كان بمجرد ألسنتهم، وهو مذهب السادة الأشاعرة، قال تعالى: {مِنَ الَّذِينَ قَالُوا آمَنَّا بِأَفْوَاهِهِمْ وَلَمْ تُؤْمِنْ قُلُوبُهُمْ}، فهؤلاء لم يستقر معنى الإيمان في قلوبهم، وضمُّوا إلى ذلك النِّفاق.

 

3. ظهور العلامات المكفِّرة منهم المترتِّبة على عدم وجود التَّصديق في قلوبهم: قال تعالى: {سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ}، يقبلون الكذب من الأخبار. ويسمعون كلام النبي ليكذبوا عليه، كما أنهم {سَمَّاعُونَ لِقَوْمٍ آخَرِينَ لَمْ يَأْتُوكَ}، من أعداء المصطفى ، كما أنهم: {يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ مِنْ بَعْدِ مَوَاضِعِهِ}، إشارة إلى تحريفهم للتوراة، كما أنهم: {يَقُولُونَ إِنْ أُوتِيتُمْ هَذَا فَخُذُوهُ وَإِنْ لَمْ تُؤْتَوْهُ فَاحْذَرُوا}، أي: إن أفتاكم محمد بالجلد وتحميم الوجه، فأقبلوه منه، وإن لم تأتوه وأفاتكم بالرجم فاحذروا أن تقبلوه منه.

كما أن الحق تبارك وتعالى وصف الله نفاقهم بالفتنة، فقال تعالى: {وَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ فِتْنَتَهُ فَلَنْ تَمْلِكَ لَهُ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا}، فحكم الله عليهم بالضَّلال، والكُفر، وعلَّل صدور هذه الأفعال القبيحة إلى انعدام التَّصديق القلبي، ظهرت هذه الأفعال من خلال كفر القلب، والذي ظهر أثره على الجوارح، فقال تعالى: {أُولَئِكَ الَّذِينَ لَمْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يُطَهِّرَ قُلُوبَهُمْ}، ثم توعدهم بالخزي في الدُّنيا والعذاب في الآخرة، فقال تعالى: {لَهُمْ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ}.

 

فاليهود ارتكبوا كل هذا الفظائع، ومِن ثَمَّ ناسب وسمهم الحق تبارك وتعالى بالكُفر، فقال تعالى: {وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ}[المائدة: ٤٤]، أيضًا من نماذج التأويل السيئ للنصوص الشرعية عند أصحاب الفكر المتطرف:

 

(2) ((نموذج من سوء التأويل عند أصحاب الفكر المتطرف في السنة النبوية))

 

1ـ ما كان من قول النبي : (‌لَا ‌تُشَدُّ ‌الرِّحَالُ إِلَّا إِلَى ثَلَاثَةِ مَسَاجِدَ: الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ، وَمَسْجِدِ الرَّسُولِ ، وَمَسْجِدِ الْأَقْصَى)(متفق عليه: البخاري. رقم:1132. مسلم. رقم:1397).

هذا الحديث من الأحاديث التي اعتمد عليها أصحاب الفكر المتطرف في تحريم زيارة قبور الأولياء، والصالحين، وقد حملهم على هذا فهمهم الخطأ للحديث، وجهلهم بسيرة نبينا ، وعلم أصول الفقه، كالآتي:

 

فقد حملوا النهي في الحديث: (‌لَا ‌تُشَدُّ ‌الرِّحَالُ) على عمومه، فحرموا كل سفر، وكل شدٍّ للرحال وهذا غير مراد، وإنما المراد: النهي عن نذر شدّ الرحال والسفر لأجل العبادة والصلاة، فلا يصح إلا في المساجد الثلاثة، والسرُّ في ذلك أن العبادة والصلاة فيها أجرها وثوابها مضاعف:

 

فالصلاة في المسجد الحرام بمائة ألف صلاة، والصلاة في المسجد النبوي بألف صلاة، والصلاة في المسجد الأقصى خمسمائة صلاة، كما أن هذه الثلاثة مساجد الأنبياء، يقول نبينا : (فَضْلُ الصَّلَاةِ فِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ عَلَى غَيْرِهِ مِائَةُ ‌أَلْفِ ‌صَلَاةٍ، وَفِي مَسْجِدِي هَذَا ‌أَلْفُ ‌صَلَاةٍ وَفِي مَسْجِدِ بَيْتِ الْمَقْدِسِ ‌خَمْسُمِائَةِ صَلَاةٍ)(الشعب للبيهقي.رقم:3845. مسند البزار. رقم:4142).

 

ومن العلماء والفقهاء مَنْ حمل النهي على ما بعد من المساجد لا ما قرب منها، فلا يستثنى من البعيد إلا المساجد الثلاثة المعروفة، فلا مانع من شد الرحال إليها.

 

قلت (ابن الشايب): ومما يدل على أن المراد بالحديث النهي عن نذر الصلاة، وليس التطوع، ويدل على أن المراد به المساجد القريبة لا البعيدة، أن سيدنا رسول الله كان يخرج إلى قباء كل يوم سبت، ورغب الأمة في شد الرحال إليه، وكذلك في مسجد الخيف، والروضة الشريفة، وخرج سيدنا أبو هريرة (رضي الله عنه) للصلاة في مسجد الطور، وكل ذلك رجاء البركة، والتماس الأجر من الزيارة لها.

عباد الله: البر لا يبلى، والذنب لا ينسى، والدّيّان لا يموت، اعمل ما شئت كما تدين تدان، فادعوا الله وأنتم موقنون بالإجابة، فالتائب من الذنب كمَنْ لا ذنب له.

 

(الخطبة الثانية)

((طريقة الفهم الصحيح للنصوص الشرعية))

 

الحمد لله رب العالمين، أعدّ لمَنْ أطاعه جنات النعيم، وسعرّ لمَنْ عصاه نار الجحيم، وأشهد أن لا إله إلا الله ولي الصالحين، وأصلي وأسلم على خاتم الأنبياء والمرسلين سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد:

أيها الأحبة الكرام: رأينا نموذجين من نماذج التأويل السيئ لنصوص القرآن الكريم والسنة النبوية المطهرة، ولعل السادة المأمومون يتساءلون، كيف نفهم النصوص الشرعية فهمًا صحيحًا. وأقول: إن ذلك لا يتأتى إلا بالخطوات الآتية:

 

1ـ جمع النصوص في المسألة الواحدة: فلا تكتفي بآيةٍ واحدة أو حديثٍ مفرد، بل تدرس النصوص المتعددة وسياقاتها، وتقارن وتوازن بينها، وتوازن بين المراد الإلهي في كل نص، لتخرج بالاستنتاج الذي يحقق المقصد الشرعي بكماله وعدالته، هذا الجمع يُجنّب الإنسان الانحراف عن المعنى الصحيح، ويقيه من الغلو أو التفريط، ويصونه من إساءة التطبيق أو سوء التأويل.

 

2ـ معرفة سبب نزول الآية أو سبب ورود الحديث: فهذه المعرفة تكشف الحكمة من التشريع، فالنصوص لم تُنزل أو تُرْوَ عن عبث، بل جاءت في مواقف محددة، وردت لتجيب عن قضية، أو تحكم في موقف، أو توجيه لأمر مهم؛ فمن أدرك سبب النزول أو سبب الحديث، فَهِم المقصود الحقيقي، وتَمَكّن من تطبيق الحكم على الواقع بما يتوافق مع الشريعة.

 

3ـ إتقان وإحكام اللغة العربية: ففهم القرآن والسنة على الوجه الصحيح لا يتم إلا بإتقان وإحكام اللغة العربية، فهي لغة القرآن الكريم، والسنة النبوية المطهرة، والإلمام بها وببلاغتها وأدواتها ومعاني ألفاظها ومجازها؛ هو السبيل لفهم النصوص الشرعية.، وصدق الله إذ يقول: قال تعالى: {إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ}[يوسف:2].

==

فالكلمة الواحدة قد تحمل معاني متعددة بحسب السياق، والجملة قد يتغيّر مرادها بتغير الأسلوب أو الوزن أو البناء، فمن عُني باللغة العربية، واستوعب مفرداتها وأوجه البيان فيها، استطاع أن يفتح للنص آفاقًا من الفهم لم تكن لتظهر لمن لم يُمعن النظر في لغته، أما من أهمل اللغة، فقد يفسّر النص تأويلًا خاطئًا، ويصطدم بالحقائق الشرعية أو يفوّت مراد الله.

 

4ـ مراعاة (فقه المآلات وفقه الواقع): أي: دراسة ومعرفة ما يترتب على الكلام من المآلات، ومراعاة واقع الحياة، فلا بد لصناعة فهم صحيح أمين على هدي القرآن وعلومه، من ثلاثة أركان عظام: وهي معرفة الوحي الشريف، ومعرفة مناهج فهمه، والإلمام بالواقع إلمامًا صحيحًا، وإياك أن تكون ممن ادَّعى النص، وتمرد على المنهج، وغلبه الواقع. (الحق المبين).

فعن النبي ، قال: (يَا عَائِشَةُ، لَوْلاَ أَنَّ قَوْمَكِ حَدِيثُو عَهْدٍ بِجَاهِلِيَّةٍ لَأَمَرْتُ بِالْبَيْتِ، فَهُدِمَ، فَأَدْخَلْتُ فِيهِ مَا أُخْرِجَ مِنْهُ، وَأَلْزَقْتُهُ بِالأَرْضِ، وَجَعَلْتُ لَهُ بَابَيْنِ، بَابًا شَرْقِيًّا، وَبَابًا غَرْبِيًّا، فَبَلَغْتُ بِهِ أَسَاسَ إِبْرَاهِيمَ)(صحيح مسلم. رقم:1333).

ويؤخذ من هذا الحديث: أنه إذا تعارضت المصالح، أو تعارضت مصلحة ومفسدة، وتعذر الجمع بين فعل المصلحة وترك المفسدة، بدئ بالأهم؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم أخبر أن نقض الكعبة وردها إلى ما كانت عليه من قواعد إبراهيم عليه السلام مصلحة، ولكن تعارضه مفسدة أعظم منه، وهي خوف فتنة مَن أسلم قريبًا. (فتح المنعم).

 

5ـ معرفة مقاصد الشريعة: فغياب المعرفة بمقاصد الشريعة، وغياب المعرفة بالسنن الإلهية يتركان خللًا كبيرًا في الفهم، فعلى سبيل المثال: نرى كثيرًا من أصحاب التأويل السيئ يحرم إخراج زكاة الفطر بالنقود، وأقسم بالله غير حانث أن بعضهم ألزم بعض الناس بإخراجها حبوبًا بعد أن أخرجوها نقودًا، ولم ير في المذاهب الفقهية سعة.

 

فاللهمّ أرنا الحق حقا، وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلا، وارزقنا اجتنابه، اللهمّ علمنا من لدنك علما نصير به خاشعين، وشفّع فينا سيّد الأنبياء والمرسلين، واكتبنا من الذاكرين، ولا تجعلنا من الغافلين ولا من المحرومين، ومتعنا بالنظر إلى وجهك الكريم في جنات النّعيم،

اللهم ارفع عنا الوباء والبلاء والغلاء، وأمدنا بالدواء والغذاء والكساء، اللهم اصرف عنّا السوء بما شئت، وكيف شئت إنك على ما تشاء قدير، وبالإجابة جدير، اللهمّ آمين، اللهمّ آمين.

 

  

google-playkhamsatmostaqltradent