recent
أخبار عاجلة

خطبة الجمعةالنُّصوصُ الشَّرعيَّةُ بينَ الفهمِ الصَّحيحِ وسوءِ التَّأويلِ ثروت سويف

 النُّصوصُ الشَّرعيَّةُ بينَ الفهمِ الصَّحيحِ وسوءِ التَّأويلِ



أولا: الفهم عن الله يحتاج إلى العلم ورجاحة العقل

ثانياً: أمثلة للفهم السقيم

ثالثاً: أمثلة لحسن الفهم

رابعاً: ففهمناها سليمان

 

الحمد لله الملك المعبود.. ذي العطاء والمن والجود.. واهب الحياة وخالق الوجود...

الذي اتصف بالصمدية وتفرد بالوحدانية والملائكة وأولو العلم على ذلك شهود...

الحمد له لا نُحصي ثناءً عليه، هو كما أثنى على نفسه حيث كان ولم يكن هناك وجود...

نحمده تبارك وتعالى ونستعينه فهو الرحيم الودود...

ونعوذ بنور وجهه الكريم من فكر محدود، وذهن مكدود، وقلب مسدود...

ونسأله الهداية والرعاية والعناية، وأن يجعلنا بفضله من الركَّع السجود...

وأشهد أن لا إله إلا الله الحي الحميد...

ذو العرش المجيد، الفعال لما يريد...

المحصي المبدئ المعيد.. خلق الخلق فمنهم شقي ومنهم سعيد...

قدم للعاصين بالوعيد، وبشر الطائعين بالجنة وبالمزيد...

حكَمٌ عدل ليس بظلام للعبيد...

لا يَشغَله شأن عن شأن، كل يوم هو في شأن جديد...

وأشهد أن سيدنا محمدًا عبده ورسوله ذو الخلق الحميد...

والرأي الرشيد، والقول السديد...

بلَّغ الرسالة على التحديد، وأدى الأمانة دون نقص أو مزيد...

أرشدنا إلى طريق الهداية والتسديد...

وحذرنا من التردي في الغَواية والضلال البعيد...

حمل السلاح في سبيل أشرف غاية بعزم من حديد...

وجمع الأمة تحت لواء أجلِّ راية.. راية التوحيد...

فاختصه ربه بالوسيلة والفضيلة وبشَّره بالمقام المحمود...

والظل الممدود، والحوض المورود، واللواء المعقود...

وجعله يوم القيامة شهيدًا على الشهود...

اللهم إنا نسألك كما أمرتنا أن تُصلي وتسلم وتبارك عليه وعلى آله...

كما صليت وسلمت وباركت على إبراهيم وآله في العالمين إنك حميد مجيد..

أما بعد

فإن الله تعالى خلقنا متفاوتين في الإدراك، في الوعي، في الفهم، في العقل.

هذه سنة الله في الخلق ليتكامل بعضه مع بعض. “…وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا سُخْرِيًّا ۗ …” سخريا هنا من السخرة وهي الخدمة حتى تدور عجلة الحياة.

روي البخاري ومسلم عن معاوية بن أبي سفيان امير المؤمنين قال سَمِعتُ النَّبيَّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم يقولُ: مَن يُرِدِ اللهُ به خَيرًا يُفَقِّهْه في الدِّينِ، وإنَّما أنا قاسِمٌ واللهُ يُعطي، ولَن تَزالَ هذه الأُمَّةُ قائِمةً على أمرِ اللهِ، لا يَضُرُّهم مَن خالَفَهم، حتَّى يَأتيَ أمرُ اللهِ.

أولا: الفهم عن الله يحتاج إلى العلم ورجاحة العقل

لقد أسند إلى العقل فهم النصوص الشرعية فهما صحيحا واستنباط الأحكام التي لا يوجد فيها نص من كتاب أو سنة. لكن بالضوابط المعروفة وما حديث معاذ عنا ببعيد

روى أحمد وأبو داود والترمذي وابن ماجه - باسناده - عن معاذ - رضي الله عنه حين بعثه الرسول صلى الله عليه وسلم إلى اليمن قاضياً ،قال: ((كيف تقضي يا معاذ؟ قال بكتاب الله قال فإن لم تجد قال بسنة رسول الله؟ قال: فإن لم تجد؟ قال: أجتهد رأيي ولا آلو ،فضرب رسول الله صلى الله عليه وسلم صدره وقال: الحمد لله الذي وفق رسول رسول الله لما يرضي الله ورسوله)) مسند احمد

ويمكن إعمال العقل لاستخراج حكم من نص او القياس علي حكم اخر او استنباط حكم لأجل ضرورة عصرية في زمن معين او لمناسبة حال اشخاص معينين في الواقع اذ لسنا أمة متحجره ولم تعدم الامة ابناءها المجتهدين

فجعل من اجتهاد العقل أساساً للحكم ومادة للقضاء عند فقدان النص لكن هذا الاجتهاد ليس بالهوى ،لكن يكون في إطار الوحي والشريعة وفالاختلاف بين الناس ليس فقط فى الألسن واللون، بل فى القدرات، فمن الناس من لا عقل له فلا عتاب عليه، قال تعالي: « يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ (269) البقرة . وحسابه دقيق

هذا هو ديدن العلماء المصلحون المتقون ولذلك فان خشية العلماء لله جاءت من عقولهم وامعان تفكيرهم

يقول العلى القدير فى سورة فاطر: « وَمِنَ النَّاسِ وَالدَّوَابِّ وَالْأَنْعَامِ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ كَذَلِكَ إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ غَفُورٌ »ٌ28 فاطر

روى احمد عن ابي الدرداء قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: «مَنْ سَلَكَ طَرِيقًا يَطْلُبُ فِيهِ عِلْمًا سَلَكَ اللَّهُ بِهِ طَرِيقًا إِلَى الْجَنَّةِ، وَإِنَّ الْمَلَائِكَةَ لَتَضَعُ أَجْنِحَتَهَا رِضًا لِطَالِبِ الْعِلْمِ، وَإِنَّهُ لَيَسْتَغْفِرُ لِلْعَالِمِ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ، حَتَّى الْحِيتَانُ فِي الْمَاءِ، وَفَضْلُ الْعَالِمِ عَلَى الْعَابِدِ كَفَضْلِ الْقَمَرِ عَلَى سَائِرِ الْكَوَاكِبِ، إِنَّ الْعُلَمَاءَ هُمْ وَرَثَةُ الْأَنْبِيَاءِ، لَمْ يُوَرِّثُوا دِينَارًا وَلَا دِرْهَمًا، وَإِنَّمَا وَرِثُوا الْعِلْمَ، فَمَنْ أَخَذَ بِهِ، أَخَذَ بِحَظٍّ وَافِرٍ»

فالفهم في دين الله يحتاج ألا يكون فهما مستقلا عن علمائنا من أهل التخصص وألا يكون فهما مصادما للنصوص.

ان آتي بآية وأصادمها بحديث أو آية وأصادمها بآية أخرى أو قول أحد العلماء أو ما شابه ذلك ثم تقول هذا هو الدين. لا يا أخي خرج الدين كله من مشكاة واحدة من مصدر واحد لا تصادم ولا تضاد.

المشكلة في عقلي أنا في قصور فهمي أنا…. لكن إذا كنت تريد أن تحمل الناس على شيء فهذا خطؤك أنت.

لا يصلين أحدكم العصر إلا في بني قريظة”.

وقد يكون النص موجودا ويقاس علي حسب الفهم

روي البخاري عَنِ ابْنِ عُمَرَ، قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَنَا لَمَّا رَجَعَ مِنَ الأَحْزَابِ: «لاَ يُصَلِّيَنَّ أَحَدٌ العَصْرَ إِلَّا فِي بَنِي قُرَيْظَةَ» فَأَدْرَكَ بَعْضَهُمُ العَصْرُ فِي الطَّرِيقِ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: لاَ نُصَلِّي حَتَّى نَأْتِيَهَا، وَقَالَ بَعْضُهُمْ: بَلْ نُصَلِّي، لَمْ يُرَدْ مِنَّا ذَلِكَ، فَذُكِرَ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَلَمْ يُعَنِّفْ وَاحِدًا مِنْهُمْ

ثانياً: أمثلة للفهم السقيم  :

لو أخذنا النصوص بظواهرها دون ربط بينها سنهلك … يعني أضرب مثالا لذلك أو عدة أمثلة حدثت في زمن الرسول صلى الله عليه وسلم

روي الامام احمد عن ابْنَ عَبَّاسٍ، يُخْبِرُ: أَنَّ رَجُلًا أَصَابَهُ جُرْحٌ فِي عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، ثُمَّ أَصَابَهُ احْتِلامٌ، فَأُمِرَ بِالاغْتِسَالِ، فَمَاتَ، فَبَلَغَ ذَلِكَ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَالَ: «قَتَلُوهُ قَتَلَهُمِ اللَّهُ، أَلَمْ يَكُنْ شِفَاءَ الْعِيِّ السُّؤَالُ»

قال تعالي {لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ} أَيْ: لَوْ كَانَتْ لَنَا عُقُولٌ نَنْتَفِعُ بِهَا أَوْ نَسْمَعُ مَا أَنْزَلَهُ اللَّهُ مِنَ الْحَقِّ، لَمَا كُنَّا عَلَى مَا كُنَّا عَلَيْهِ مِنَ الْكُفْرِ بِاللَّهِ وَالِاغْتِرَارِ بِهِ، وَلَكِنْ لَمْ يَكُنْ لَنَا فَهْمٌ نَعِي بِهِ مَا جَاءَتْ بِهِ الرُّسُلُ، وَلَا كَانَ لَنَا عَقْلٌ يُرْشِدُنَا إِلَى اتِّبَاعِهِمْ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {فَاعْتَرَفُوا بِذَنْبِهِمْ فَسُحْقًا لأصْحَابِ السَّعِيرِ}

قال تعالي {أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَ إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلًا (44) الفرقان

من هذا الأمر أيضا ربط النصوص والمقاصد لشرعية ببعضها:

الرسول أرسل سرية (سرية يعني فرقة من الجيش للإستطلاع وهوعمل المخابرات الآن) فأمير السرية غضب منهم، فعلوا شيئا أغضبه (شيء من هذا القبيل) فقال اجمعوا لي حطبا. فجمعوا حطب… نسمع لأميرنا فهو نائب عن رسول الله .

جمعوا الحطب…. قال فأشعلوا فيه النار…. أشعلوا النار…. قال القوا بأنفسكم فيها. …نعم!

إلقوا بأنفسكم فيها، ألست أميركم؟

بلى. ألم يأمركم رسول الله بطاعتي؟

قالوا بلى. قال فألقوا بأنفسكم فيها.

فنظر بعضهم إلى بعض يعني ماذا ؟

فهدى الله أحدهم فقال والله ما اتبعنا رسول الله إلا لنخرج منها (يعني نحن اتبعنا الرسول لكي نفر من النار)  لا أظن أن الأمر النبوي الذي جاء لهداية الناس ونجاتهم من النار يأتي بالعكس (ادخلوا النار).

فهدأ الرجل وهدأ غضبه.

فلما رجعوا وذكروا ذلك لرسول الله قال : (إنما الطاعة في المعروف والله لو دخلوها ما خرجوا منها)  إشارة إلى أنهم سيكونوا قد قتلوا أنفسهم ماتوا منتحرين.

فالرسول قعد قاعدة: الطاعة للأمير أو المسؤول أو كذا لكن في المعروف وليست طاعة مطلقة. هذا ليس إلهنا الذي يأمرنا. هذا بشر.

ففي غضبة يريد الناس أن تلقي نفسها في النار …. فصحح الرسول هذا الفهم قال: ” إنما الطاعة في المعروف

تعال للناس التي تقتل وتسفك الدماء وتظلم وكذا وفي النهاية يقول لك أنا عبد مأمور  أنا أنفذ الأوامر. (خليه ينفعك يوم يقف العباد بين يدي الله.                     “وَقَالُوا رَبَّنَا إِنَّا أَطَعْنَا سَادَتَنَا وَكُبَرَاءَنَا فَأَضَلُّونَا السَّبِيلَا * رَبَّنَا آتِهِمْ ضِعْفَيْنِ مِنَ الْعَذَابِ وَالْعَنْهُمْ لَعْنًا كَبِيرًا”).

 عبد الله بن عباس مع الخوارج :

الخوارج في سطر واحد يعني أيام الفتنة نتج على أثرها الخوارج خرجوا على سيدنا علي وقالوا أنه ليس أمير المؤمنين هو أمير الكافرين إلى غير ذلك…. وكانوا ستة آلاف رجل.

عرض ابن عباس وهو حبر الأمة وابن عم رسول الله أن يذهب إليهم ليحاججهم (يعني يحاورهم في سبيل أن يهتدوا)

فذهب إليهم رضوان الله عليه وقال ما نقمتم على ابن عم رسول الله وصهره؟

قالوا ثلاثة أشياء. ما هي ؟

قالوا نزع نفسه من إمارة المؤمنين فهو أمير الكافرين.

الثانية أنه حكم الرجال ولا حكم إلا لله.

الثالثة أنه قاتل فلم يأسر ولم يسبي (السبايا :الأسرى من النّساء أو الرّجال الذين يَقعون في الأسر بعد انتهاء المعركة )

(طبعا الثلاثة مستندين فيها إلى أدلة شرعية قال الله قال رسوله)

قال أرأيتم إن حاججتكم أترجعون عما أنتم فيه؟ قالوا بلى.

قال أما الأولى نزع نفسه من إمارة المؤمنين فهو أمير الكافرين فإن رسول الله قد فعلها من قبله لما كان في صلح الحديبية وكان الكاتب عليا قال له رسول الله أكتب (بسم الله الرحمن الرحيم ) وثيقة الصلح  فقال سهيل -وكان سفير قريش وقتها – قال لا ندري (ما الرحمن ولا الرحيم ) بل اكتب ما نعرف: (باسمك اللهم) قال امحها يا علي. محاها وكتب باسمك اللهم. ….. هذا ما عاهد عليه محمد رسول الله سهيل بن عمرو.

قال سهيل: ما نعترف أنك رسول الله. لو أنك رسول الله لاتبعناك. قال امحها يا علي. امسح كلمة رسول الله.

قال والله لا أمحها فإني لأعلم أنك رسول الله.

قال أرينيها (النبي كان أميا صلى الله عليه وسلم) فأراها علي للنبي فمحاها بيده. قال وهو هو رسول الله. يعني الأمر لم يتغير. خرجتم من هذه؟ قالوا خرجنا.

قال أما الثانية ( حكم الرجال ولا حكم إلا لله ) فإن الله عزوجل أمر من قتل أرنبا بربع دينار (هذا في الحج والعمرة حرام على المحرم أن يصطاد أي شيء بري. فمن ضمن الأشياء التي كانوا يصطادوها الغزلان، الأرانب البرية، إلى آخره) فرب العزة قال: “…وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ…” يرى ما يساويها من الأنعام كالبقر والغنم إلى آخره. “…يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ …” قال أيحكم الله الرجال في أرنب بربع دينار ولا يحكم الرجال في حقن الدماء؟

 وقال تعالى في شأن الزوجين: “وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَابْعَثُوا حَكَمًا مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِنْ أَهْلِهَا إِنْ يُرِيدَا إِصْلَاحًا يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُمَا ۗ …”. فهل يحكم في نزاع بين الزوجين الرجال ولا يحكموا في حقن الدماء؟

فنظر بعضهم إلى بعض. قال خرجتم منها؟ قالوا خرجنا.

قال: أما الثالثة (فإنه قاتل ولم يأسر ولم يسبي) يعني لم يأخذ أسرى . قال ما تقولون في عائشة؟ قالوا زوج نبينا أم المؤمنين. قال أيسركم أن تعامل عائشة بمثل ما يعامل غيرها؟ لو قلتم ذلك لكفرتم ولو ادعيتم أنها ليست أمكم لكذبتم بالقرآن. قال تعالى: “النَّبِيُّ أَوْلَىٰ بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ ۖ وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ ۗ …”. خرجتم من هذه؟

قالوا خرجنا.

قال سبحان الله فالتفت بعضهم إلى بعض فخرج منهم ألفان وبقي أربعة آلاف.

إذا المسألة التي أريد أن أسوقها بين يدي الحديث: لا تنخدع بكل من قال لك قال الله قال رسول الله. نعم قال الله صدق الله العظيم، صدق رسول الله. لكن ما هو فهم العلماء لهذا النص ولهذه الآية؟ ما هي دلالة الحديث؟ هل هذا الأمر أمر وجوب أم أمر استحباب؟ هل هذا نهي بالتحريم أم بالكراهة أم بمخالفة الأولى أم بالإباحة؟

ثالثاً: أمثلة للفهم الصحيح  :

اجتهاد الصحابي عمرو بن العاص لما كان في إحدى السرايا اسمها (ذات السلاسل)  فاحتلم وكان هو أمير السرية وكانت ليلة شاتية باردة فخاف على نفسه فتيمم وصلى بالناس إماما …. بعد الصلاة أخبر الناس أنه حدث له كذا وكذا …. فاختلفوا عليه (يعني أنت صليت فاسكت لكن هو يخبرهم)

 قال أبو بكر من ولّاه علينا؟

قالوا رسول الله. قال نسأل رسول الله إذا رجعنا.

فلما رجعوا إلى رسول الله وأخبروه. قال ما حملك على ذلك يا عمرو؟

قال يا رسول الله كنا قريبين من العدو فخشيت أن أوقد نارا فيعلمون قلة عددنا (يوقد نار يعني لتدفئة الماء) وخشيت أن أغتسل بالماء البارد وتذكرت قول الله تعالى ” ولا تقتلوا أنفسكم…” فتيممت. فأقره رسول الله على اجتهاده.

روي مسلم عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ، أَنَّ نَبِيَّ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: " كَانَ فِيمَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ رَجُلٌ قَتَلَ تِسْعَةً وَتِسْعِينَ نَفْسًا، فَسَأَلَ عَنْ أَعْلَمِ أَهْلِ الْأَرْضِ فَدُلَّ عَلَى رَاهِبٍ، فَأَتَاهُ فَقَالَ: إِنَّهُ قَتَلَ تِسْعَةً وَتِسْعِينَ نَفْسًا، فَهَلْ لَهُ مِنْ تَوْبَةٍ؟ فَقَالَ: لَا، فَقَتَلَهُ، فَكَمَّلَ بِهِ مِائَةً، ثُمَّ سَأَلَ عَنْ أَعْلَمِ أَهْلِ الْأَرْضِ فَدُلَّ عَلَى رَجُلٍ عَالِمٍ، فَقَالَ: إِنَّهُ قَتَلَ مِائَةَ نَفْسٍ، فَهَلْ لَهُ مِنْ تَوْبَةٍ؟ فَقَالَ: نَعَمْ، وَمَنْ يَحُولُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ التَّوْبَةِ؟ انْطَلِقْ إِلَى أَرْضِ كَذَا وَكَذَا، فَإِنَّ بِهَا أُنَاسًا يَعْبُدُونَ اللهَ فَاعْبُدِ اللهَ مَعَهُمْ، وَلَا تَرْجِعْ إِلَى أَرْضِكَ، فَإِنَّهَا أَرْضُ سَوْءٍ، فَانْطَلَقَ حَتَّى إِذَا نَصَفَ الطَّرِيقَ أَتَاهُ الْمَوْتُ، فَاخْتَصَمَتْ فِيهِ مَلَائِكَةُ الرَّحْمَةِ وَمَلَائِكَةُ الْعَذَابِ، فَقَالَتْ مَلَائِكَةُ الرَّحْمَةِ: جَاءَ تَائِبًا مُقْبِلًا بِقَلْبِهِ إِلَى اللهِ، وَقَالَتْ مَلَائِكَةُ الْعَذَابِ: إِنَّهُ لَمْ يَعْمَلْ خَيْرًا قَطُّ، فَأَتَاهُمْ مَلَكٌ فِي صُورَةِ آدَمِيٍّ، فَجَعَلُوهُ بَيْنَهُمْ، فَقَالَ: قِيسُوا مَا بَيْنَ الْأَرْضَيْنِ، فَإِلَى أَيَّتِهِمَا كَانَ أَدْنَى فَهُوَ لَهُ، فَقَاسُوهُ فَوَجَدُوهُ أَدْنَى إِلَى الْأَرْضِ الَّتِي أَرَادَ، فَقَبَضَتْهُ مَلَائِكَةُ الرَّحْمَةِ "، قَالَ قَتَادَةُ: فَقَالَ الْحَسَنُ ذُكِرَ لَنَا، أَنَّهُ لَمَّا أَتَاهُ الْمَوْتُ نَأَى بِصَدْرِهِ

اجتهد سعد بن معاذ في بني قريظة وحكم فيهم باجتهاده فصوبه النبي صلى الله عليه وسلم وقال: «لقد حكمت فيهم بحكم الله من فوق سبع سموات»

فهم سعد بن معاذ لحكم الله

روي البخاري عَنْ أَبِي أُمَامَةَ هُوَ ابْنُ سَهْلِ بْنِ حُنَيْفٍ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَالَ: لَمَّا نَزَلَتْ بَنُو قُرَيْظَةَ عَلَى حُكْمِ سَعْدٍ هُوَ ابْنُ مُعَاذٍ، بَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَكَانَ قَرِيبًا مِنْهُ، فَجَاءَ عَلَى حِمَارٍ، فَلَمَّا دَنَا قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «قُومُوا إِلَى سَيِّدِكُمْ» فَجَاءَ، فَجَلَسَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَالَ لَهُ: إِنَّ هَؤُلاَءِ نَزَلُوا عَلَى حُكْمِكَ، قَالَ: فَإِنِّي أَحْكُمُ أَنْ تُقْتَلَ المُقَاتِلَةُ، وَأَنْ تُسْبَى الذُّرِّيَّةُ، قَالَ: «لَقَدْ حَكَمْتَ فِيهِمْ بِحُكْمِ المَلِكِ»

واجتهد الصحابيان اللذان خرجا في سفر فحضرت الصلاة وليس معهما ماء فصليا ثم وجدا الماء في الوقت فأعاد أحدهما ولم يعد الآخر فصوبهما

روي الحاكم عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ، قَالَ: خَرَجَ رَجُلَانِ فِي سَفَرٍ فَحَضَرَتِ الصَّلَاةُ وَلَيْسَ مَعَهُمَا مَاءٌ فَتَيَمَّمَا صَعِيدًا طَيِّبًا، فَصَلَّيَا ثُمَّ وَجَدَا الْمَاءَ فِي الْوَقْتِ فَأَعَادَ أَحَدُهُمَا الصَّلَاةَ وَالْوُضُوءَ وَلَمْ يُعِدِ الْآخَرُ، ثُمَّ أَتَيَا رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَذَكَرَا ذَلِكَ لَهُ، فَقَالَ لِلَّذِي لَمْ يُعِدْ: «أَصَبْتَ السُّنَّةَ وَأَجْزَأَتْكَ صَلَاتُكَ» وَقَالَ لِلَّذِي تَوَضَّأَ وَعَادَ: «لَكَ الْأَجْرُ مَرَّتَيْنِ» . «هَذَا حَدِيثٌ صَحِيحٌ عَلَى شَرْطِ الشَّيْخَيْنِ

ولما كان علي رضي الله تعالى عنه باليمن أتاه ثلاثة نفر يختصمون في غلام فقال كل منهم هو ابني فأقرع علي بينهم فجعل الولد للقارع وجعل عليه للرجلين ثلثي الدية فبلغ النبي صلى الله عليه وسلم فضحك حتى بدت نواجذه من قضاء علي رضي الله عنه.

روي النسائي في السنن عن عبدالله بن عباس رضي الله عنه قال قال رجلٌ : يا نبيَّ اللهِ ، إنَّ أبي مات ولم يحُجَّ ، أفأحُجُّ عنه ؟ قال : أرأيتَ لو كان على أبيك ديْنٌ ، أكنتَ قاضيَه ؟ قال : نعم ، قال : فديْنُ اللهِ أحقُّ

حديث من كان يؤمن بالله فلا يصلين العصر الا في بنى قريظه فاجتهد بعضهم وصلاها في الطريق وقال: لم يرد منا التأخير وإنما أراد سرعة النهوض فنظروا إلى المعنى واجتهد آخرون وأخروها إلى بني قريظة فصلوها ليلا نظروا إلى اللفظ وهؤلاء سلف أهل الظاهر وهؤلاء سلف أصحاب المعاني

روي مسلم عَنْ أَبِي ذَرٍّ، أَنَّ نَاسًا مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالُوا لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: يَا رَسُولَ اللهِ، ذَهَبَ أَهْلُ الدُّثُورِ بِالْأُجُورِ، يُصَلُّونَ كَمَا نُصَلِّي، وَيَصُومُونَ كَمَا نَصُومُ، وَيَتَصَدَّقُونَ بِفُضُولِ أَمْوَالِهِمْ، قَالَ: " أَوَلَيْسَ قَدْ جَعَلَ اللهُ لَكُمْ مَا تَصَّدَّقُونَ؟ إِنَّ بِكُلِّ تَسْبِيحَةٍ صَدَقَةً، وَكُلِّ تَكْبِيرَةٍ صَدَقَةً، وَكُلِّ تَحْمِيدَةٍ صَدَقَةً، وَكُلِّ تَهْلِيلَةٍ صَدَقَةً، وَأَمْرٌ بِالْمَعْرُوفِ صَدَقَةٌ، وَنَهْيٌ عَنْ مُنْكَرٍ صَدَقَةٌ، وَفِي بُضْعِ أَحَدِكُمْ صَدَقَةٌ، قَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ، أَيَأتِي أَحَدُنَا شَهْوَتَهُ وَيَكُونُ لَهُ فِيهَا أَجْرٌ؟ قَالَ: «أَرَأَيْتُمْ لَوْ وَضَعَهَا فِي حَرَامٍ أَكَانَ عَلَيْهِ فِيهَا وِزْرٌ؟ فَكَذَلِكَ إِذَا وَضَعَهَا فِي الْحَلَالِ كَانَ لَهُ أَجْرٌ»

الخطبة الثانية

الحمد لله، أعظَمَ للمتقين العاملين أجورَهم، وشرح بالهدى والخيراتِ صدورَهم، أشهد أن لا إله إلا الله وحدَه لا شريكَ له، وفّق عبادَه للطاعات وأعان، وأشهد أنّ نبيَّنا محمّدًا عبدُ الله ورسوله خير من علَّمَ أحكامَ الدِّين وأبان، صلّى الله عليه وعلى آله وأصحابِه أهلِ الهدى والإيمان،وعلى التابعين لهم بإيمان وإحسان ما تعاقب الزمان، وسلّم تسليمًا مزيدا.

أما بعد

فقد ضرب الله لنا الأمثال في القرآن الكريم الفهم الصحيح

رابعاً: فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ :

وقد ضرب لنا القرآن الكريم في هذا الأمر مثالا بنبيين كريمين، نبي الله داوود وابنه سليمان. “وَدَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ إِذْ يَحْكُمَانِ فِي الْحَرْثِ إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ الْقَوْمِ وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شَاهِدِينَ * فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ ۚ وَكُلًّا آتَيْنَا حُكْمًا وَعِلْمًا …”.

نبي الله داوود جاءته قضية عادية. … رجل كان يمضي بغنمه فمرت الغنم بأرض خضراء فيها حرث ( زرع ) فالغنم بهيمة لا تميز أن هذه أرض صاحبها أو أرض غيره… فماذا فعلت ؟  نزلت على الحرث فأهلكته ؛ يعني أكلته كله. …. الرجل لم يمنع غنمه. …. تركها ترعى ، وتأكل حتى أتت على الحرث كله!!!

لما رأى صاحب الحرث أرضه وقد جردت من كل زرع وحرث…. ذهب يشكو إلى نبي الله داوود…. فحسب نبي الله داوود قيمة الزرع وقيمة الغنم فكانت القيمة مماثلة فخرج صاحب الغنم ليس معه إلا الكلب يعني كلب الغنم.

فلما رأى سليمان ذلك قال لو حكمت بينكما لحكمت بغير ذلك…. فبلغت مقالته لأبيه داوود عليه السلام قال فبم كنت تحكم؟

قال أرى أن يأخذ صاحب الزرع الغنم فينتفع من ألبانها وأصوافها وأن يتولى صاحب الغنم الزرع حتى يعود كما كان. “ففهمناها سليمان وكلا آتينا حكما وعلما”.

والنبي ذكر لنا كما في الحديث الصحيح عن أبي هريرة أن امرأتان اختصمتا لنبي الله سليمان. امرأة عدا الذئب على ابن إحداهما فأكله فأخذت ابن الثانية فاختصمتا (واحدة ابنها هلك والثانية ابنها حي) فكل من المرأتين تدعيان أن هذا ولدها…. ليس هناك إثبات لذلك.

فقال نبي الله سليمان علي بالسكين أشقه بينهما فقالت امرأة لا تفعل يا نبي الله ودعه لها.

قال إذن أنت أمه.!! ( لأن الأم تتمنى أن لو يعيش ابنها حتى و لو مع غيرها) قال إذا أنت أمه ولم تتكلم الأخرى لأنها تعلم أنه ليس ابنها. “ففهمناها سليمان …”.

فالأمور ربما نختلف في استيعابها ومن أجل ذلك جعل الله هذا التنوع في الخلق قال تعالى : “وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافُ أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوَانِكُمْ ۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَاتٍ لِلْعَالِمِينَ”.

 

google-playkhamsatmostaqltradent