عشر مبشرات لانتصار الإسلام وأن المستقبل لهذا الدين
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام
على أشرف الأنبياء والمرسلين، سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.
أما بعد.
حديثنا اليوم عن موضوع يلامس شغاف قلوب كل مؤمن، ويغذي روح الأمل
في النفس، ألا وهو "المبشرات بانتصار الإسلام". وذلك في زمن كثرت فيه الفتن،
وأحاطت بنا من كل جانب ظلمات اليأس والقنوط، حتى خيّل إلى بعض الناس أن نصر الله بعيد،
وأن هذا الدين في إدبار.
ولكن الحق سبحانه وتعالى يقول: ﴿وَلاَ تَيْأَسُواْ
مِن رَّوْحِ اللَّهِ إِنَّهُ لاَ يَيْأَسُ مِن رَّوْحِ اللَّهِ إِلاَّ الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ﴾
[يوسف، رقم: ٨٧]. فاليأس ليس من شيم المؤمنين، بل هو صفة الكافرين. لذلك، كان لزاماً
علينا أن نحيي في قلوبنا هذه البشائر الإلهية والنبوية، ليكون دافعاً لنا للعمل والجهاد
في سبيل إعلاء كلمة الله.
أهمية المبشرات في زمن الفتن:
إن الأمة الإسلامية تمر اليوم بمرحلة عصيبة،
تكاد تغلب فيها عوامل اليأس والإحباط على النفوس. وهذه المبشرات هي مشعل نور يبدد دياجير
الظلام الذي يرسله كل طاغية وكاره للحق.
وهي تذكرنا بأن سنة الله في نصر عباده المؤمنين
حتمية لا تتخلف، وأن الغد لهذا الدين لا محالة، لذا، فإحياء هذه المبشرات ليس ترفاً
فكرياً، بل هو ضرورة دينية وربانية؛ لنزرع في قلوبنا بذور الأمل المحرك للعزائم، ونهزم
اليأس القاتل للنفوس.
المبشرات بانتصار الإسلام في القرآن الكريم:
لقد جاء القرآن الكريم زاخراً بالآيات التي
تبشر بانتصار الإسلام وتمكينه في الأرض، وهي بمثابة الضمان الإلهي الرباني لهذه الأمة.
وهذه المبشرات تتنوع وتتعدد، ومن أهمها:
أولاً: تمام نور الله وإظهار الدين على
الأديان كلها:
- هذا هو الوعد الأكبر والأشمل، وهو أن هذا
الدين سيعم الأرض، وسيعلو على كل ما سواه من الأديان والنظم، مهما تآمر عليه أعداؤه.
- قال تعالى: ﴿يُرِيدُونَ أَنْ يُطْفِئُوا
نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَيَأْبَى اللَّهُ إِلَّا أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ
كَرِهَ الْكَافِرُونَ * هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ
لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ﴾ [التوبة:
٣٢-٣٣].
• نور الله: هو ما بعث به النبي صلى الله
عليه وسلم من الهدى ودين الحق. فهم يحاولون إطفاءه بأباطيلهم، ولكن الله يأبى إلا أن
يتم نوره.
• ليظهره على الدين كله: أي يعلوه على جميع
الأديان بالحجة والبيان، أو بالسيف والسنان. وهذا إخبار من الله بأن الإسلام سيكون
له السيادة في النهاية، مهما بلغت قوى الكفر.
ثانياً: وعد الاستخلاف والتمكين في الأرض:
- هذا وعد مباشر من الله للمؤمنين الصادقين
بأن يجعلهم قادة وحكاماً في الأرض، بعد أن كانوا مستضعفين خائفين.
- قال تعالى: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا
مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ
الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ
وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ
بِي شَيْئًا وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ [النور:
٥٥].
•قوله﴿ ليستخلفنهم في الأرض﴾: هذا وعد من
الله بأن يجعل أمة محمد خلفاء الأرض، أي أئمة الناس والولاة عليهم، تصلح بهم البلاد
وتخضع لهم العباد. وهو ما يسمى بـ"تمكين الأمة".
• لقد جمعت هذه الآية الكريمة بين ثلاث بشارات
عظيمة:
الاستخلاف (السيادة)، والتمكين (القوة والثبات)،
وإبدال الخوف أمناً.
وهذا هو غاية ما يسعى إليه المسلم.
• وهذا الوعد العظيم مرتبط بشرط أساسي، وهو
الإيمان وعمل الصالحات، وعبادة الله وعدم الشرك به. قال تعالى: "يَعْبُدُونَنِي
لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا".
ثالثاً: وعد النصر والغلبة والرفعة:
- لقد تكفل الله سبحانه وتعالى بنصرة المؤمنين
في الدنيا والآخرة، وجعل النصر حقاً واجباً عليه.
- قال تعالى: ﴿وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ
الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الروم: ٤٧].
-وقال سبحانه: ﴿وَإِنَّ جُنْدَنَا لَهُمُ
الْغَالِبُونَ﴾ [الصافات: ١٧٣].
- وقال عز وجل: ﴿وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ
وَلِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [المنافقون: ٨].
-وقال تعالى: ﴿وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ
إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [آل عمران: ١٣٩].
• هذه الآيات تؤكد أن النصر والغلبة والرفعة
والعزة هي من صفات المؤمنين، وأنها منحة لهم
من الله، "وسُنة الله وعادته في نصر عباده المؤمنين على الكافرين
إذا قاموا بالواجب ...". وهذا يمنح
المؤمن يقيناً مطلقاً بأن العاقبة له ولدينه، مهما طال الطريق.
رابعاً: قصص الرسل والأنبياء: عبرة وعظة
وبشارة:
إن ذكر الله لقصص الأنبياء السابقين في
القرآن ليست مجرد سرد تاريخي، بل هي دروس وعبر، وفيها بشارة للمؤمنين بأن النصر دائماً
وأبداً للمتقين، وأن هلاك الظالمين سنة إلهية لا تتخلف.
نموذج من قصة موسى عليه السلام: قال تعالى:
﴿إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلَا فِي الْأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعًا يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً
مِنْهُمْ يُذَبِّحُ أَبْنَاءَهُمْ وَيَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ إِنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ
* وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ
أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ * وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَنُرِيَ
فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا مِنْهُمْ مَا كَانُوا يَحْذَرُونَ﴾ [القصص:
٤-٦].
• قصة فرعون الذي طغى وتجبر وقتل الأبناء
واستحيا النساء، ثم جاءه العقاب الإلهي.
وفي المقابل، يعد الله المستضعفين المؤمنين
بأن يجعلهم أئمة وقادة وورثة للأرض.
إنها بشارة لكل أمة مسلمة مستضعفة بأن النصر
قادم لا محالة، وأن الظلم مهما بلغت قوته فمصيره الزوال.
المبشرات بانتصار الإسلام في السنة النبوية:
- لقد حفلت دواوين السنة النبوية بمئات الأحاديث
التي تبشر بانتصار الإسلام وانتشاره، وتمكين أمة محمد في الأرض، وفتحها للبلدان، وعودتها
إلى أوروبا وغيرها.
هذه الأحاديث هي أخبار غيبية صادقة، أخبر
بها من لا ينطق عن الهوى، ليُثبِّت الله بها قلوب المؤمنين.
أولاً: بشارة فتح القسطنطينية ورومية (عودة
الإسلام إلى أوروبا):
- هذا من أعجب المبشرات التي تحققت بعضها
ولا يزال بعضها الآخر ينتظر التحقق.
عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو بن العاص
رضي الله عنه، قال : بَيْنَمَا نَحْنُ حَوْلَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ
وَسَلَّمَ نَكْتُبُ، إِذْ سُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
: أَيُّ الْمَدِينَتَيْنِ تُفْتَحُ أَوَّلًا : قُسْطَنْطِينِيَّةُ أَوْ رُومِيَّةُ
؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " مَدِينَةُ هِرَقْلَ
تُفْتَحُ أَوَّلًا ". يَعْنِي قُسْطَنْطِينِيَّةَ.
أخرجه أحمد في "المسند" ورجاله
رجال الصحيح، غير أبي قبيل، وهو ثقة. (11/ 224) رقم (6645)وأخرجه الدارمي في
"المسند"، المقدمة : باب من رخص في كتابة العلم،وقال حسين أسد : إسناده قوي
(1/ 430) رقم (503).>
• رومية هي روما عاصمة إيطاليا حالياً، وقسطنطينية
هي إسطنبول. وقد تحقق الفتح الأول بفتح القسطنطينية على يد الفتى العثماني الطموح محمد
بن مراد (محمد الفاتح) في 20 جمادى الأولى 857هـ/ 29 مايو 1453م.
وأما الجزء الثاني من البشرى وهو فتح رومية،
فهو إشارة إلى عودة الإسلام إلى أوروبا مرة أخرى بعد أن طرد منها مرتين (مرة من الأندلس
ومرة من البلقان)، ويظن المحققون أن هذا الفتح سيكون بالقلم واللسان لا بالسيف والسنان.
ثانياً: بشارة انتشار الإسلام وبلوغه ما
بلغ الليل والنهار:
- هذه بشارة كونية كبرى، تظهر فيها عظمة هذا
الدين وخلوده.
عَنْ تَمِيمٍ الدَّارِيِّ رضي الله عنه،
قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: لَيَبْلُغَنَّ
هَذَا الْأَمْرُ مَا بَلَغَ اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ، وَلَا يَتْرُكُ اللَّهُ بَيْتَ
مَدَرٍ وَلَا وَبَرٍ إِلَّا أَدْخَلَهُ اللَّهُ هَذَا الدِّينَ، بِعِزِّ عَزِيزٍ أَوْ
بِذُلِّ ذَلِيلٍ، عِزًّا يُعِزُّ اللَّهُ بِهِ الْإِسْلَامَ، وَذُلًّا يُذِلُّ اللَّهُ
بِهِ الْكُفْرَ".
<خرجه الإمام أحمد في مسنده، وابن حبان في
صحيحه، والحاكم في المستدرك وقال: صحيح الإسناد>
عَنْ تَمِيمٍ الدَّارِيِّ قَالَ : سَمِعْتُ
رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ : " لَيَبْلُغَنَّ
هَذَا الْأَمْرُ مَا بَلَغَ اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ، وَلَا يَتْرُكُ اللَّهُ بَيْتَ
مَدَرٍ وَلَا وَبَرٍ إِلَّا أَدْخَلَهُ اللَّهُ هَذَا الدِّينَ بِعِزِّ عَزِيزٍ، أَوْ
بِذُلِّ ذَلِيلٍ، عِزًّا يُعِزُّ اللَّهُ بِهِ الْإِسْلَامَ، وَذُلًّا يُذِلُّ اللَّهُ
بِهِ الْكُفْرَ ". وَكَانَ تَمِيمٌ الدَّارِيُّ يَقُولُ : قَدْ عَرَفْتُ ذَلِكَ
فِي أَهْلِ بَيْتِي لَقَدْ أَصَابَ مَنْ أَسْلَمَ مِنْهُمُ الْخَيْرُ وَالشَّرَفُ وَالْعِزُّ،
وَلَقَدْ أَصَابَ مَنْ كَانَ مِنْهُمْ كَافِرًا الذُّلُّ وَالصَّغَارُ وَالْجِزْيَةُ.<
أخرجه أحمد في "المسند" وقال الأرناؤط: إسناده صحيح على شرط مسلم (28/ 154) رقم (16957).>
-
هذا الحديث العظيم يخبر بأن الإسلام سيصل إلى كل مكان في الأرض، في كل
بيت من مدر (لبن) أو وبر (شعر)، أي في الحضر والبوادي، في جميع أنحاء المعمورة. وهذا
ما نراه بأم أعيننا اليوم من انتشار الإسلام في أوروبا وأمريكا وشرق آسيا، بل هو أسرع
الأديان نمواً في العالم.
قوله (ليبلغن هذا الأمر) أي: أمر الدين
وحكمه من الإيمان أو قبول الجزية (بعز عزيز) أي: مقرونا بعز من أراد الله تعالى له
أن يكون عزيزا، وهو بأن أراد له الإيمان لا قبول الجزية.
ثالثاً: بشارة تمكين الأمة وبلوغ ملكها
مشارق الأرض ومغاربها:
- هذا الحديث يكشف عن اتساع رقعة الدولة الإسلامية
في المستقبل.
عَنْ ثَوْبَانَ رضي الله عنه، قَالَ: قَالَ
رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: إِنَّ اللَّهَ زَوَى لِي الْأَرْضَ،
فَرَأَيْتُ مَشَارِقَهَا وَمَغَارِبَهَا، وَإِنَّ أُمَّتِي سَيَبْلُغُ مُلْكُهَا مَا
زُوِيَ لِي مِنْهَا، وَأُعْطِيتُ الْكَنْزَيْنِ ؛ الْأَحْمَرَ وَالْأَبْيَضَ ، وَإِنِّي
سَأَلْتُ رَبِّي لِأُمَّتِي أَنْ لَا يُهْلِكَهَا بِسَنَةٍ بِعَامَّةٍ، وَأَنْ لَا
يُسَلِّطَ عَلَيْهِمْ عَدُوًّا مِنْ سِوَى أَنْفُسِهِمْ فَيَسْتَبِيحَ بَيْضَتَهُمْ
، وَإِنَّ رَبِّي قَالَ : يَا مُحَمَّدُ ؛ إِنِّي إِذَا قَضَيْتُ قَضَاءً فَإِنَّهُ
لَا يُرَدُّ، وَإِنِّي أَعْطَيْتُكَ لِأُمَّتِكَ أَنْ لَا أُهْلِكَهُمْ بِسَنَةٍ بِعَامَّةٍ،
وَأَنْ لَا أُسَلِّطَ عَلَيْهِمْ عَدُوًّا مِنْ سِوَى أَنْفُسِهِمْ يَسْتَبِيحُ بَيْضَتَهُمْ،
وَلَوِ اجْتَمَعَ عَلَيْهِمْ مَنْ بِأَقْطَارِهَا - أَوْ قَالَ : مَنْ بَيْنَ أَقْطَارِهَا
- حَتَّى يَكُونَ بَعْضُهُمْ يُهْلِكُ بَعْضًا، وَيَسْبِي بَعْضُهُمْ بَعْضًا ".
أخرجه مسلم في "صحيحه"، كتاب
: الفتن وأشراط الساعة باب هلاك
هذه الأمة بعضهم ببعض (8/ 171) رقم (2889).>
زوى أي جمع وقرب وصغر. فقد أراه الله الأرض كلها، وأخبره
بأن أمته ستبلغ ملكها ما أري له.
وقد تحقق هذا بالفعل عبر التاريخ، وتملك
المسلمون مشارق الأرض ومغاربها في عصور الخلافة الراشدة والأموية والعباسية والعثمانية،
وهذا الوعد الإلهي يتجدد كلما قام المسلمون بأسباب النصر والتمكين.
«فهذا الحديث فيه معجزات ظاهرة ، وقد وقعت كلها
بحمد الله كما أخبر به صلى الله عليه وسلم ، قال العلماء : المراد بالكنزين : الذهب
والفضة ، والمراد : كنزي كسرى وقيصر ملكي العراق والشام .
فيه إشارة إلى أن ملك هذه الأمة يكون معظم
امتداده في جهتي المشرق والمغرب ، وهكذا وقع ، وأما في جهتي الجنوب والشمال فقليل بالنسبة
إلى المشرق والمغرب ، وصلوات الله وسلامه على رسوله الصادق الذي لا ينطق عن الهوى ،
إن هو إلا وحي يوحى
.
قوله صلى الله عليه وسلم : ( فيستبيح بيضتهم
) أي : جماعتهم وأصلهم ، والبيضة أيضا العز والملك .
قوله سبحانه وتعالى : ( وإني قد أعطيتك لأمتك
ألا أهلكهم بسنة عامة ) أي : لا أهلكهم بقحط يعمهم ، بل إن وقع قحط فيكون في ناحية
يسيرة بالنسبة إلى باقي بلاد الإسلام ، فلله الحمد والشكر على جميع نعمه .
<شرح النووي على مسلم>
رابعاً: بشارة وجود الطائفة المنصورة على
الحق:
- هذه البشارة تطمئن المؤمنين بأن الحق لا
يموت، وبأن الله سيُبقي في هذه الأمة من يقاتل عليه حتى تقوم الساعة.
عَنْ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ ، عَنِ النَّبِيِّ
صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، أَنَّهُ قَالَ : " لَنْ يَبْرَحَ هَذَا الدِّينُ
قَائِمًا يُقَاتِلُ عَلَيْهِ عِصَابَةٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ، حَتَّى تَقُومَ السَّاعَةُ
"<أخرجه مسلم في "صحيحه"، كتاب : الإمارة باب قوله
صلى الله عليه وسلم : " لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق " (6/
53) رقم (1922).>
- عن جَابِر بْنَ عَبْدِ اللَّهِ يَقُولُ
: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ : " لَا
تَزَالُ طَائِفَةٌ مِنْ أُمَّتِي يُقَاتِلُونَ عَلَى الْحَقِّ ظَاهِرِينَ إِلَى يَوْمِ
الْقِيَامَةِ
".
أخرجه مسلم في "صحيحه"، كتاب
: الإمارة باب قوله صلى الله عليه وسلم : " لا تزال طائفة
من أمتي ظاهرين على الحق " (6/ 53) رقم (1923).>
عن عُمَيْرَ بْنَ هَانِئٍ ، قَالَ : سَمِعْتُ
مُعَاوِيَةَ عَلَى الْمِنْبَرِ، يَقُولُ : سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ
عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ : " لَا تَزَالُ طَائِفَةٌ مِنْ أُمَّتِي قَائِمَةً
بِأَمْرِ اللَّهِ، لَا يَضُرُّهُمْ مَنْ خَذَلَهُمْ، أَوْ خَالَفَهُمْ حَتَّى يَأْتِيَ
أَمْرُ اللَّهِ وَهُمْ ظَاهِرُونَ عَلَى النَّاسِ ".
أخرجه مسلم في "صحيحه"، كتاب
: الإمارة باب قوله صلى الله عليه وسلم : " لا تزال طائفة
من أمتي ظاهرين على الحق " (6/ 53) رقم (1037).>
وعن مُعَاوِيَةَ بْنَ أَبِي سُفْيَانَ ، قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ
وَسَلَّمَ : " مَنْ يُرِدِ اللَّهُ بِهِ خَيْرًا يُفَقِّهْهُ فِي الدِّينِ، وَلَا
تَزَالُ عِصَابَةٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ يُقَاتِلُونَ عَلَى الْحَقِّ ظَاهِرِينَ عَلَى
مَنْ نَاوَأَهُمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ ".
نَاوَأَهُمْ أي عاداهم
أخرجه مسلم في "صحيحه"، كتاب
: الإمارة باب قوله صلى الله عليه وسلم : " لا تزال طائفة
من أمتي ظاهرين على الحق " (6/ 53) رقم (1037).>
هذالنصوص تبين أن هناك جماعة من المسلمين ستظل قائمة على
الحق، ظاهرة عليه، ناصرة له، لا يضرها من يتخلى عنها أو يعاديها، بل هي مستمرة في جهادها
ودعوتها حتى يأتي أمر الله. وهذا يمنع القنوط من أمة بكاملها، ويربط الأمل بهذه الطائفة
المباركة.
خامساً: بشارة إبدال الخوف أمناً وسير الراكب
وحده لا يخاف إلا الله:
هذه صورة من صور التمكين الكامل، حيث يعم
الأمن في ربوع الأرض.
عَنْ خَبَّابِ بْنِ الْأَرَتِّ رضي الله
عنه، قَالَ: شَكَوْنَا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ
مُتَوَسِّدٌ بُرْدَةً لَهُ فِي ظِلِّ الْكَعْبَةِ، قُلْنَا لَهُ : أَلَا تَسْتَنْصِرُ
لَنَا، أَلَا تَدْعُو اللَّهَ لَنَا ؟ قَالَ : " كَانَ الرَّجُلُ فِيمَنْ قَبْلَكُمْ
يُحْفَرُ لَهُ فِي الْأَرْضِ فَيُجْعَلُ فِيهِ، فَيُجَاءُ بِالْمِنْشَارِ فَيُوضَعُ
عَلَى رَأْسِهِ، فَيُشَقُّ بِاثْنَتَيْنِ، وَمَا يَصُدُّهُ ذَلِكَ عَنْ دِينِهِ، وَيُمْشَطُ
بِأَمْشَاطِ الْحَدِيدِ مَا دُونَ لَحْمِهِ مِنْ عَظْمٍ أَوْ عَصَبٍ ، وَمَا يَصُدُّهُ
ذَلِكَ عَنْ دِينِهِ، وَاللَّهِ لَيُتِمَّنَّ هَذَا الْأَمْرَ حَتَّى يَسِيرَ الرَّاكِبُ
مِنْ صَنْعَاءَ إِلَى حَضْرَمَوْتَ لَا يَخَافُ إِلَّا اللَّهَ أَوِ الذِّئْبَ عَلَى
غَنَمِهِ، وَلَكِنَّكُمْ تَسْتَعْجِلُونَ ".< أخرجه البخاري في "صحيحه"،
كتاب المناقب باب علامات النبوة في الإسلام
(4/ 201) رقم (3612).>
في هذا الحديث تطمين للمؤمنين بأن الله
سيمنّ عليهم بالأمن والسلامة، حتى يسافر الراكب وحده لمسافات بعيدة، لا يخاف من ظلم
إنسان أو حيوان مفترس على نفسه أو ماله. وهذا يستلزم قيام دولة قوية عادلة تطبق شرع
الله، وتوفر الأمن لمواطنيها. وهو حلم يسعى إليه كل مسلم، وهو من علامات التمكين الكامل.
• وفي الحديث حث على الصبر وعدم استعجال النصر،
فهذه البشارات العظيمة لا تأتي بين عشية وضحاها، بل تحتاج إلى صبر وعمل دؤوب وثبات
على الحق.
الخاتمة:
في ختام هذه المحاضرة، نخلص إلى حقيقة إيمانية
كبرى؛ وهي أن تلك المبشرات الربانية والنبويّة التي استعرضناها—من وعدٍ بالاستخلاف
والتمكين، وبشارةٍ بفتح المدائن وانتشار الدين في مشارق الأرض ومغاربها—ليست مجرد مسكنات
للآلام أو ترفاً عاطفياً، بل هي حقائق قطعية تضعنا أمام مسؤولية العمل لا التواكل.
إن اليقين بنصر الله هو الوقود الذي ينسف
اليأس من النفوس، لكنه في الوقت ذاته "عقدٌ" بين العبد وربه؛ فكما أن المستقبل
لهذا الدين بسنّة الله التي لا تتخلف، فإن هذا النصر مرهونٌ بنصرنا لمنهجه في واقعنا،
وبذل الجهد في الإعداد والصبر والدعوة على بصيرة.
فلنغادر مجلسنا هذا ونحن نرفع رؤوسنا ثقةً
بوعد الله، مستحضرين أن الفجر قادم لا محالة مهما ادلهمّ ليل التحديات، ولنجعل من هذه
البشارات دافعاً لنهضة عملية تليق بأمةٍ كُتب لها التمكين، مستلهمين ذلك من قوله تعالى:
﴿إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ
يَقُومُ الْأَشْهَادُ﴾
إن هذه المبشرات ليست مجرد كلمات للتسلية،
بل هي نور يقذفه الله في قلوب عباده لتحركهم للعمل والجهاد في سبيله. إنها دعوة لنا
جميعاً:
للتخلص من اليأس: فلا مجال لليأس مع وجود
هذه النصوص القاطعة.
للتزود بالأمل: فالأمل هو وقود الحياة والعمل.
لأخذ الأسباب: فالنصر يأتي من عند الله،
ولكنه مرتبط بأخذ الأسباب وبذل الجهد.
للدعوة والصبر: فلنكن من الطائفة المنصورة
التي تدعو إلى الله على بصيرة.
لقد رأينا كيف وعد الله بإتمام نوره، واستخلاف
المؤمنين، ونصرهم على أعدائهم.
ورأينا كيف أخبر الصادق المصدوق بفتح القسطنطينية
ورومية، وانتشار الإسلام في كل مكان، وتمكين الأمة وبلوغ ملكها مشارق الأرض ومغاربها،
ووجود الطائفة المنصورة حتى قيام الساعة، وإبدال الخوف أمناً. إنها بشارة تلو الأخرى
تنسف كل أشكال اليأس وتؤكد أن الغد للإسلام. فلنرفع رؤوسنا عالياً، ولنعمل بجد وإخلاص،
ولنستبشر بنصر الله القادم. قال تعالى: ﴿إِنْ يَنْصُرْكُمُ اللَّهُ فَلَا غَالِبَ لَكُمْ
وَإِنْ يَخْذُلْكُمْ فَمَنْ ذَا الَّذِي يَنْصُرُكُمْ مِنْ بَعْدِهِ وَعَلَى اللَّهِ
فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ﴾ [آل عمران: ١٦٠]
الدعاء
اللهم يا رب العالمين، يا ذا الجلال والإكرام،
يا قوي يا عزيز يا جبار يا منتقم يا غالب يا نصير المستضعفين، لك الحمد حمداً كثيراً
طيباً مباركاً فيه، كما ينبغي لجلال وجهك وعظيم سلطانك. اللهم إنا نشكرك على نعمك التي
لا تعد ولا تحصى،
اللهم إنا نسألك بأسمائك الحسنى وما تضمنته
من الصفات العلى، وبجلال وجهك الكريم، وبعزتك التي لا ترام، وقدرتك التي لا تعجزه السماوات
والأرض، أن تنصر الإسلام والمسلمين في كل مكان. اللهم انصر إخواننا المستضعفين في فلسطين
والشام والعراق واليمن وكل بقاع الأرض، اللهم أيدهم بنصر من عندك، وثبت أقدامهم، وانصرهم
على عدوهم وعدوك.
اللهم إنا نستبشر بوعدك الصادق الذي لا
يتخلف: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ
فِي الْأَرْضِ﴾، اللهم فأتمم نور دينك، وأظهره على الدين كله ولو كره الكافرون والمشركون
والمنافقون. اللهم مكن لهذه الأمة في الأرض، واجعلها أئمة للمتقين، وقادة للعالمين،
واجعل راية لا إله إلا الله خفاقة على مشارق الأرض ومغاربها.
اللهم أبدل خوفنا أمناً، وضعفنا قوة، وذلنا
عزاً، وفرقتنا وحدة، وجهلنا علماً، وفقرنا غنى.
اللهم أصلح أحوال المسلمين، واجمع كلمتهم
على الحق والهدى، وألف بين قلوبهم، ووحد صفوفهم، وأخرج من أسر الضعف والهزيمة النفسية
التي أوقعهم فيها أعداؤهم.
اللهم إنا نسألك أن تجعلنا من الطائفة المنصورة
الظاهرة على الحق، الذين لا يضرهم من خذلهم ولا من خالفهم حتى يأتي أمرك وهم على ذلك.
اللهم اجعلنا من المجاهدين في سبيلك حق
جهادك، ومن الصابرين الثابتين عند نزول البلاء والمحن.
اللهم لا تجعل للكافرين علينا سبيلاً، ولا
تمكنهم من رقابنا، ولا تسلط علينا من لا يخافك فينا ولا يرحمنا.
اللهم أعز الإسلام والمسلمين، وأذل الشرك
والمشركين، ودمّر أعداء الدين، واجعل دائرة السوء عليهم يا قوي يا متين. اللهم عليك
بأعدائك أعداء الدين، فإنهم لا يعجزونك، اللهم شتت شملهم، وفرق جمعهم، وزلزل أقدامهم،
وألقِ الرعب في قلوبهم، واجعل تدبيرهم تدميراً عليهم.
اللهم ارحم شهداء المسلمين، وتقبلهم في
عليين، واشف جرحى المسلمين، وفك أسراهم، ورد غائبهم سالماً، واجمع شملهم، وارحم ضعفهم،
وأغثهم يا مغيث المستغيثين.
اللهم إن هذا الدين دينك، وهذه الأمة أمة
نبيك محمد صلى الله عليه وسلم، وقد وعدتهم بالنصر والتمكين، فلا تخلف وعدك يا رب العالمين،
فإنك لا تخلف الميعاد. اللهم إنا نستبطئ النصر، وأنت لا تستبطئه، ولكن حكمتك تأبى إلا
أن تأتي به في الوقت الذي تراه مناسباً. اللهم فأنزل علينا الصبر والثبات، وارزقنا
اليقين بأن النصر قادم لا محالة، وأن العاقبة للمتقين.
اللهم تقبل منا صالح الأعمال، واغفر لنا
ذنوبنا وتقصيرنا، واجعلنا ممن يستحقون وعدك بالاستخلاف في الأرض. اللهم اجعلنا ممن
يعبدونك لا يشركون بك شيئاً، واجعلنا من الصالحين العاملين المتقين.
اللهم آمين يا أرحم الراحمين، يا حي يا
قيوم يا ذا الجلال والإكرام.
وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه
أجمعين، والحمد لله رب العالمين.