recent
أخبار عاجلة

خطبة الجمعة تكاليف الزواج بين المبالغة والاعتدال الشيخ علاءالشال

تكاليف الزواج بين المبالغة والاعتدال  


  

   أولاً: التيسير في المهر والتكاليف منهج نبوي.

  ثانيًا: الغلو في المهر والتكاليف خطر على الفرد والمجتمع.

  ثالثًا: عودة إلى الجادة: أسس التيسير في الزواج.

الحمد لله الذي جعل الزواج ميثاقًا غليظًا، وجعل بين الأزواج مودة ورحمة، أحمده سبحانه وأشكره، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن سيدنا محمدًا عبده ورسوله، بعثه رحمة للعالمين، وقدوة للمؤمنين.

 اللهم صلِّ وسلم وبارك عليه، وعلى آله وصحبه أجمعين، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.

أما بعد،

فاتقوا الله عباد الله، واعلموا أن من أعظم نعم الله على عباده أن جعل لهم من أنفسهم أزواجًا يسكنون إليها.

ولقد أحاط الإسلام الزواج بسياج من التقدير، فجعله ميثاقًا غليظًا، ورغّب فيه، وحضّ عليه، وأرشد إلى أخلاقه وآدابه.

 ألا وإن من أهم ما عني به الإسلام: تيسير الزواج وعدم المغالاة في تكاليفه، فهي قضية تمس كيان الأسرة والمجتمع.

قصة افتتاحية من حياة الصحابة:

 جُليبيب رضي الله عنه

فلنقف مع قصة عظيمة من حياة الصحابة؛ رجل كان معدومًا في عرف الناس، لكنه عظيم عند الله، إنه الصحابي الجليل جُليبيب رضي الله عنه.

كان رجلًا فقيرًا، لا مال له، ولا جاه، ولا عشيرة، عليه أسمال بالية، ينام في المسجد، وكان في وجهه دمامة، لكنه صاحب ذكر لله، لا يغيب عن الصف الأول في كل الصلوات، ولا في كل الغزوات، ويكثر من الجلوس عند النبي صلى الله عليه وسلم.

جاء النبي صلى الله عليه وسلم ذات يوم إلى هذا الفقير المعدوم، فقال له: «يا جُلَيْبِيبُ ألا تتزوج؟»، فقال: «يا رسول الله، ومن يُزَوِّجُ جُلَيْبِيبًا؟ لا مال لي ولا جاه». لكن النبي عليه الصلاة والسلام قال له: «أنا أُزَوِّجُكَ يا جُلَيْبِيبُ».

لم يطلب منه النبي شيئًا، بل ذهب إلى بيت رجل من الأنصار وخطب له ابنته، فكانت البنت مؤمنة صادقة، قالت لأبيها: «أتردون على رسول الله أمره؟!».

 فوافقوا، وتم الزواج بلا مهر ولا نفقات ولا تكاليف.

هكذا كانت بساطة الزواج في عهد النبوة. يا لها من قصة نتعلم منها أن الزواج عبادة وتيسير، وليس استعراض مال أو تفاخر بجاه.

أما عناصر خطبتنا اليوم فستكون:

 أولاً: التيسير في المهر والتكاليف منهج نبوي

لقد كان النبي صلى الله عليه وسلم هو القدوة والأسوة في تيسير الزواج. فلم يبالغ في مهور بناته، ولا في تكاليف زواجهن.

روى الترمذي عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «أَلَا لَا تُغَالُوا صَدُقَةَ النِّسَاءِ، فإنها لو كانت مَكْرُمَةً في الدنيا أو تَقْوَى عند الله، لكان أولاكم بها النبي صلى الله عليه وسلم، ما علمت رسول الله صلى الله عليه وسلم نكح شيئًا من نسائه، ولا أنكح شيئًا من بناته، على أكثر من ثنتي عشرة أوقية»، وهي ما يعادل حوالي 480 درهمًا، وهو مهر زهيد جدًا لو نظرنا إلى حاله صلى الله عليه وسلم.

بل إن النبي صلى الله عليه وسلم جعل البركة في قلة المؤونة، فقال: «إن أعظم النكاح بركة أيسره مؤنة». وأيضًا قوله عليه الصلاة والسلام: «خير النكاح أيسره». وبين لنا أن تيسير الزواج من علامات يمن المرأة، فقال: «إن من يمن المرأة تيسير خطبتها، وتيسير صداقها».

وانظر إلى هدي صحابته رضوان الله عليهم، نرى أنس بن مالك يخبرنا أن الصحابي الجليل عبد الرحمن بن عوف – وكان من أغنياء الصحابة – أنه تزوج امرأة بمهر قليل جدًا قدره "وزن نواة" من ذهب.

وفي قصة علي بن أبي طالب رضي الله عنه حين تزوج فاطمة الزهراء رضي الله عنها، ابنة رسول الله، قال له النبي: «أعطها شيئًا» فقال علي: ما عندي شيء، قال: «فأين درعك الحطمية؟» فأعطاه إياه. فهذا مهر سيدة نساء العالمين درع! بيعت بأربعمائة درهم، فأعطى النبي أبا بكر ليشتري لها ما يصلحها من متاع البيت. وأولم النبي على هذا الزواج بشاة واحدة.

 ثانيًا: الغلو في المهر والتكاليف خطر على الفرد والمجتمع

عباد الله، إن مما ابتُلي به كثير من الناس اليوم هو الغلو في المهور والمبالغة في تكاليف الزواج من قصور أفراح باهظة، وولائم مسرفة، وجهاز مفروشات مرتفع الثمن. وهذا أمر خطير له عواقب وخيمة:

  تعقيد الزواج: يحول دون زواج الشباب ويجعلهم يعزفون عنه.

  انتشار العنوسة: يعطل زواج الفتيات لارتفاع التكاليف.

 الديون والضغوط: يدفع الزوج لبدء حياته مثقلًا بالديون والهموم.

 الانحرافات: يدفع الشباب للطرق المحرمة لتعسر الزواج.

هذا الغلو جعل عمر بن الخطاب رضي الله عنه يخطب في الناس قائلًا: «لا تُغَالوا صُدُقَ النِّسَاءِ». وقد ذكر أهل العلم أن هديه صلى الله عليه وسلم وسنة خلفائه الراشدين كانت على التيسير.

 ثالثًا: عودة إلى الجادة: أسس التيسير في الزواج

فما العمل؟ ليعلم الجميع أن الدين والخلق هما الأساس وليس كثرة المال. فقد قال عليه الصلاة والسلام: «إذا أتاكم من ترضون دينه وخلقه فزوجوه» (رواه الترمذي). وعلى ولي الأمر ألا يغلو في طلباته، وأن ينظر لمصلحة ابنته، وليتذكر قصة العالم الجليل سعيد بن المسيب، الذي رفض تزويج ابنته لولي العهد، وزوجها لتلميذه الفقير أبي وداعة على مهر بسيط جدًا، فلما جاء ليلة الزفاف، قال لأبي وداعة: «إنك كنت رجلا عَزْبًا، فكرهت أن تبيت الليلة وحدك، وهذه امرأتك».

خاتمة ودعاء

 

اللهم وفق شبابنا وفتياتنا للزواج الصالح الميسر، اللهم بارك لهم في أزواجهم وذرياتهم، اللهم احفظ بيوتنا من الهموم والديون، واجعلها بيوت طاعة وسعادة. اللهم أصلح أحوال المسلمين، وارزقنا القناعة والرضا، إنك على كل شيء قدير.

وَآخِرُ دَعْوَانَا أَنِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، وَصَلَّى اللَّهُ عَلَى نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ.

google-playkhamsatmostaqltradent