recent
أخبار عاجلة

خطبة الجمعة خيرُ النِّكاحِ أيسرُه للدكتور محمد عامر

  خيرُ النِّكاحِ أيسرُه  


  وَأَنكِحُوا الأَيَامَى مِنْكُمْ

  الاعتدال في الزواج

  كأنما تَنْحِتوُنَ الفِضِّةَ مِنْ أَرْضِ هذا الجَبَلِ

  قصة زواج جليبيب

 قصة زواج ابنة سعيد بن المسيب

 وأخيرأ خيرُ النِّكاحِ أيسرُه

.

أما بعد

عباد الله

يقول تعالى"وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً"

ويقول ﴿وَأَنكِحُوا الأَيَامَى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ﴾

وَقَدْ حَثَّ عَلَيْهِ النَّبِيُّ - صَلَّىَ اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أُمَّتَهُ خَاصَّةً الشَّبابَ، فَقالَ - صَلَّىَ اللهُ عَلَيْهَ وَسَلَّمَ -: «يا مَعْشَرَ الشَّبابِ مَنِ اسْتَطاعَ مِنْكُمُ الباءَةَ فَلْيَتَزَوَّجْ؛ فَإِنَّهُ أَغَضُّ لِلبَصَرِ، وَأَحْصَنُ لِلفَرْجِ»

ان ما يحزن والقلب ما انتشر في المجتمع من ظاهرة المغالاة في المهور، والإسراف في حفلات الزواج، وتنافُسِ الناس في البَذَخ، وإنفاق الأموال الطائلة في ذلك وصَرْف الأموال الكثيرة في هذه المحرَّمات، وكل ذلك مِمَّا أدَّى بكثيرٍ من الشباب إلى الانصراف عن الزواج؛ لعدم قُدرتهم على دفْع تكاليفه الباهظة

لذلك انتشرت حالات الزنا وقل الزواج وازدادت العنوسه حتى وصلت الى ملايين الحالات ولا حول ولا قوة الا بالله العلى العظيم

الاعتدال في الزواج

عباد الله

أنَّ من صفات المؤمنين التوسطَ والاعتدالَ في الإنفاق، فقال - تعالى - ﴿ وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا ﴾ [الفرقان: 67]، وقال - تعالى -: ﴿ وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ إِنْ يَكُونُوا فُقَرَاءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ ﴾ فعلى المسلمين أن يبادروا إلى امتثال أمْر الله، وأمر رسوله صلى الله عليه وسلم بتيسير الزواج وعدم التكلُّف فيه، وبذلك يُنجِزُ الله لهم ما وعَدَهم.

فعندما جاءت امرأة إلى النبي صلى الله عليه وسلم تعرض عليه النكاح فقام أحد الصحابة يريد نكاحًها, فقال له: "التمس ولو خاتما من حديد"،فقال يا رسول الله لا أجد فقال: "هل تحفظ شيئًا من القرآن؟" قال: نعم، قال: "زوَّجتكها بما معك من القرآن" متفق عليه.

وتعالو بنا لنطوف حول بستان الصحابة والتابعين لنقتبس من نور تيسيرهم في امور الزواج

كأنما تَنْحِتوُنَ الفِضِّةَ مِنْ أَرْضِ هذا الجَبَلِ

جاءَ رَجُلٌ إِلَىَ النَّبِيِّ - صَلَّىَّ اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقالَ: يا رَسوُلَ اللهِ: إِنِّيِ تَزَوَّجَتْ امْرَأَةً مِنَ الأَنْصارِ، فَقالَ لَهُ الَّنبِيُّ - صِلَّىَ اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «هَلْ نَظَرْتَ إِلَيْها، فَإِنَّ في عيُوُن الأَنْصارِ شَيْئًا؟»، قالَ: قَدْ نَظَرْتُ إِلَيْها، قالَ: «عَلَىَ كَمْ تَزَوَّجْتَ؟»، قَالَ: عَلَىَ أَرْبِعِ أَواقٍ مِنْ فِضَّةً، فَقالَ لَهُ الَّنِبُّي - صَلَّىَ اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «أَرْبَعُ أَواقٍ!»، مُسْتَكْثِرًا ذَلِكَ، «كَأَنَّما تَنْحِتوُنَ الفِضِّةَ مِنْ أَرْضِ هذا الجَبَلِ»، فَاسْتَكْثَرَ النَّبِيُّ - صَلَّىَ اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - هَذا القَدْرَ مِنَ المَهْرِ في النِّكاحِ، وَهُوَ أَرْبَعُ أَواقٍ، وَهُوَ شَيْءٌ يَسيِرُ

قصة زواج جليبيب

كان جليبيب رجلاً فقيراً، لا يملك من الدنيا قليلاً ولا كثيراً، حتى ثوبه يبقى عليه السنوات بدرنه وغباره ووسخه، لا يجد إلا كسرة الخبز، ولكن الله نظر إلى قلبه فهداه إلى الإسلام، والذين يتفننون في القصور والدور قد لا يهديهم سُبحَانَهُ وَتَعَالَى سواء السبيل: {وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْراً لَأسْمَعَهُمْ وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ} [الأنفال:٢٣].

{جاء جليبيب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فتبسم صلى الله عليه وسلم لما رآه، وقال وهو يمازحه: يا جليبيب! أتريد الزواج؟ فقال: يا رسول الله! من يزوجني لا أسرة عندي ولا مال ولا دار ولا شيء من متاع الدنيا؟ فقال عليه الصلاة والسلام: اذهب إلى ذاك البيت من بيوت الأنصار، فأقرئهم مني السلام، وقل لهم: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم يأمركم أن تزوجوني، فذهب وطرق عليهم الباب، وكانوا من سادات الأسر، ومن كبريات العشائر في الأنصار، فخرج رب البيت، ورأى جليبيباً وهيئته، وفقره، وعوزه، فقال: ماذا تريد؟ فأخبره الخبر، فعاد إلى زوجته فشاورها، فاستكبرا الخبر، وقالوا: ليته غير جليبيب، فلا نسب ولا مال ولا دار، فشاوروا تلك البنت الصالحة التي تربت في مدرسة التوحيد، فقالت: وهل تردون رسول رسول الله صلى الله عليه وسلم؟!}

فتزوج بها وعمَّر بيته الذي أسسه من الفقر، فكوخه المسكنة، وإدامه التسبيح والتهليل والتكبير، وظلاله الصلاة في الهجير، والصيام في شدة الحر، وحضر معركة من المعارك، ولما انتهت بالنصر قال صلى الله عليه وسلم: {هل فقدتم أحداً من الناس؟ قالوا: فقدنا فلاناً وفلاناً، قال: وغيرهم؟ قالوا: ما فقدنا أحداً، قال: لكني فقدت جليبيباً، ثم قام عليه الصلاة والسلام، فتفقده في القتلى البواسل والشهداء الفواضل، فوجده قد قتل سبعة من الكفار وقتل بجانبهم، فتقدم إليه الرسول الكريم، والنبي العظيم، فقبل جبهته قبلة الجائزة للموحدين، وللشهداء العارفين، وللأبرار الخالدين، وقال: قتلت سبعة ثم قتلوك، أنت مني وأنا منك، أنت مني وأنا منك، أنت مني وأنا منك.

لقد كانت عظمة هؤلاء يوم اتصلوا بالواحد الأحد، عرفوا الله عز وجل؛ فعرَّفهم الله عز وجل على منازل الصديقين.

.قصة زواج ابنة سعيد بن المسيب

هذا سعيد بن جبير رضي الله عنهم- الذي لم تفُته تكبيرة الإحرام أربعين سنة في مسجد النبي -صلى الله عليه وسلم-، كان يتردّد عليه طلبة العلم، ومن ضمن الذين كانوا يتردّدون عليه ويحافظون على حضور دروسه تلميذ نبيه يسمَّى عبد الله بن أبي وداعة، فافتقده سعيد بن المسيّب أيامًا، فدخل عليه بعدها فقال: أين كنت يا عبد الله؟ قال: لقد توفِّيَت زوجتي فانشغلت بها، قال: ألا آذنتَنا حتى نحضرَها ونصلى عليها ؟! ثم قال له: يا عبد الله: هل تزوجت غيرها؟. قال: يرحمك الله يا إمام، ومن يزوّجني ولا أملك إلا درهمين أو ثلاثة؟! قال: أنا أزوِّجك، قال: وتفعل؟! قال: نعم، ثم حمد الله وأثنى عليه وصلّى على نبيه -صلى الله عليه وسلم- وزوّج تلميذه بدرهمين. قال عبد الله: فخرجت وأنا مهموم؛ من أين أستدِين؟! ومن أين أوفّر الصداق؟! ومن أين آتي بالمال؟! فبينما كنت في منزلي بعد صلاة المغرب وكنت صائمًا وقد قرّبت فطوري وكان خبزًا وزيتًا قال: فإذا بالباب يطرق، فقلت: من؟ قال: سعيد، قال: فحضرني كلّ من اسمه سعيد إلا سعيد بن المسيّب؛ لأنه لم يغادر بيته إلى مسجده منذ أربعين عامًا، قال: ففتحت الباب فإذا سعيد بن المسيب! إمام أهل المدينة العالم الكبير، قال: قلت: يرحمك الله لو أرسلتَ إلي لأتيتك، قال: لا، أنت أحقّ أن تؤتى، إني تذكّرت أنك رجل كنت ذا زوجة وأنك تبيت عزبًا هذه الليلة، فخشيت أن تبيت وحدَك وهذه زوجتك، قال: فدفعها إليّ وأغلق الباب، قال: فوجدتها من أحفَظ النساء لكتاب الله ولسنّة رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، ومن أجمل ما رأت عيناي. فلما جاء الغد خرجت من البيت فقالت الى اين فقلت الى سعيد بن المسيب لأتعلم العلم فقالت اجلس اعلمك علم سعيد فلما استمعت اليها فلا ادري أهي أعلم أم سعيد

هذه قصة تعلمنا ، كيف نختار الزوج، وكيف نيسّر المهر، وكيف نعين الشباب على الزواج، وكيف يكون النكاح الشرعي الذي ينبغي أن يكون عليه المسلمون الذين يقتَدون بخيار الأمة من الصحابة والتابعين لهم بإحسان.

عباد الله أقول ما تسمعون واستغفر الله العظيم لى ولكم

الخطبة الثانية

الحمد لله على فضله وإحسانه، والشكر له على توفيقه وامتنانه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له تعظيمًا لشأنه، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله الداعي إلى رضوانه، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا.

أما بعد:

وأخيرا

عباد الله

احفظوا قول النبي - صَلَّىَ اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «ِإنَّ أَعْظَمَ النِّكاحِ بَرَكَةً أَيْسَرَهُ مَؤوُنَةً فينبغي علينا إذا أردنا لبناتنا وأبنائنا الحياة السعيدة المستمرة أن نيسر المهر، وأن لا نغالي فيه؛ فإن المغالاة في المهور سبب للشقاء -يا عباد الله-، كما بين ذلك النبي -صلى الله عليه وسلم- الذي لا ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى، يقول النبي -صلى الله عليه وسلم-: "إن من يمن المرأة - أي: من بركتها، من فعلها الحسن، من سعادتها المستقبلية- إن من يمن المرأة تيسير خطبتها وتيسير صداقها وتيسير رحمها"

ويقول عليه الصلاة والسلام: "أيسرهن مهرًا أكثرهن بركة" رواه أحمد والحاكم والبيهقي وضعفه الألباني، ويقول عمر بن الخطاب -رضي الله عنه: "ألا لا تغالوا في صداق النساء؛ فإنه لو كانت مكرمة في الدنيا أو تقوى لكان أولى بذلك رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، فإنه لم يصدق أحدًا من نسائه ولم يصدق أحدا من بناته أكثر من اثنتي عشرة أوقية" رواه أبو داود وابن ماجه وقال الألباني: حسن صحيح، وهي ما يقارب خمسمائة ريال، لم يصدق امرأة من نسائه ولا امرأة من بناته أكثر من اثنتي عشرة أوقية، فلا ينبغي للإنسان أن يغالي في المهر، فلا خير في المغالاة

عباد الله! صلوا وسلموا على من أمركم الله بالصلاة والسلام عليه، فقال: إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً [الأحزاب:56] وقد قال صلى الله عليه وسلم: {من صلى علي صلاة واحدةً، صلى الله عليه بها عشراً}.

اللهم صلِّ على حبيبك ونبيك محمد، اللهم اعرض عليه صلاتنا وسلامنا في هذه الساعة المباركة، وارض اللهم عن أصحابه الأطهار من المهاجرين والأنصار، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، وعنَّا معهم بمنك وكرمك يا أكرم الأكرمين!

google-playkhamsatmostaqltradent