النصوص الشرعية بين الفهم الصحيح وسوء التأويل
الاحتكار
الحمد لله، والصلاة والسلام على سيدنا رسول
الله، وآله وصحبه ومن والاه واتبع هداه، أما بعد:
فإنَّ النصوصَ الشرعية من قرآنٍ كريمٍ وسنّةٍ
نبويةٍ؛ هي النورُ الذي يهدي العقول، والميزانُ الذي تُضبط به حياةُ الناس، غير أنَّ
الانتفاع بها لا يتحقق بمجرد قراءَتها، بل بوجوب بفهمها على مراد الله ورسوله، وفق
منهجٍ علميٍّ راسخ، ومن هنا كان الفهمُ الصحيح أساسَ الهداية، وكان سوءُ التأويل من
أعظم أسباب الانحراف والفتنة؛ إذ قد يُحمَل النصُّ على غير مقصوده، فيُتَّخَذ ذريعةً
للغلو أو التفريط، فالحاجة ماسّةٌ إلى تدبّرٍ واعٍ، وفهمٍ منضبطٍ، يقي من الزلل، ويقود
إلى الصراط المستقيم.
فالخطرُ كلُّ الخطر في العقول التي تُسيء
فهم تلك النصوص، والألسنة التي تُحرّف معانيها، والقلوب التي تتبع المتشابه ابتغاء
الفتنة، قال الله تعالى محذرًا: {فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ
مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ} [آل عمران:
٧]، فتراهم يأخذون بعض الحق ويتركون بعضه، ويحملون الكلام على غير ما وُضع له.
وإليك بيان منزلة الفهم السديد، ومقوماته
وأدواته، وأسباب الزيغ عنه
منزلة الفهم السديد:
قال تعالى: {أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ
وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا}
[النساء: ٨٢]، وقال أيضًا: {أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ
أَقْفَالُهَا} [محمد: ٢٤].
وعَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ رضي الله عنه
قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: «نَضَّرَ
اللَّهُ امْرَأً سَمِعَ مِنَّا حَدِيثًا، فَحَفِظَهُ حَتَّى يُبَلِّغَهُ، فَرُبَّ حَامِلِ
فِقْهٍ إِلَى مَنْ هُوَ أَفْقَهُ مِنْهُ، وَرُبَّ حَامِلِ فِقْهٍ لَيْسَ بِفَقِيهٍ»
[رواه أبو داود].
قال ابن بطال: "التفهم للعلم هو التفقه
فيه، ولا يتم العلم إلا بالفهم، وكذلك قال علي رضي الله عنه: "والله ما عندنا
إلا كتاب الله، أو فهم أُعطيه رجل مؤمن"، فجعل الفهم درجةً أخرى بعد حفظ كتاب
الله؛ لأن بالفهم له تتضح معانيه وأحكامه، وقد نفى صلى الله عليه وسلم العلم عمن لا
فهم له بقوله: «وَرُبَّ حَامِلِ فِقْهٍ لَيْسَ بِفَقِيهٍ»، وقال مالك: ليس العلم بكثرة
الرواية، وإنما هو نور يضعه الله فى القلوب، يعنى بذلك فهم معانيه واستنباطه، فمن أراد
التفهم فليحضر خاطره، ويفرغ ذهنه، وينظر إلى نشاط الكلام، ومخرج الخطاب، ويتدبر اتصاله
بما قبله، وانفصاله منه، ثم يسأل ربه أن يلهمه إلى إصابة المعنى، ولا يتم ذلك إلا لمن
علم كلام العرب، ووقف على أغراضها فى تخاطبها وأُيِّدَ بِجَوْدَةِ قريحة، وثاقب ذهن".
[شرح صحيح البخاري لابن بطال].
وقد
دعا النبي صلى الله عليه وسلم لابن عباس رضي الله عنهما قائلًا: «اللهم فقِّهه
في الدين وعلّمه التأويل» [رواه البخاري]، إشارةً إلى أن الفقهَ في الدين ليس مجرد
حفظٍ أو رواية، بل هو فهمٌ عميق، ونظرٌ ثاقب، يُنزِّل النصوص منازلها، ويضعها في سياقها
الصحيح، فبقدر ما يرزق العبد من فقهٍ صحيح، يكون قربُه من الحق، وبُعدُه عن الزلل والانحراف.
قيمة العقل في فهم النصوص:
إنَّ العقل السديد مفتاحٌ لفهم النصوص على
وجهها الصحيح، فهو الذي يميّز بين الظاهر والباطن، ويستخرج الحكمة من الأحكام، ويجمع
بين الأدلة في المسألة الواحدة، ومن ضيّع العقل أو أهمله، خسر الفهم، وتحولت النصوص
إلى حروفٍ جامدةٍ بلا حياة، بينما من أبدع استخدام عقله وفْق مراد الله، صار النص مصدر
هداية ونور في الدنيا والآخرة.
قال تعالى: {فَفَهَّمْناها سُلَيْمانَ}
[الأنبياء: ٧٩]، إذ وهبه الله فهمًا عميقًا للأمور، وعلمًا بالحكمة في تدبير الخلق،
فاستنار عقله بالمعرفة، وتمكّن من إدراك مقاصد الله في النصوص والأحداث، وتطبيقها على
الواقع بعدل وحكمة.
وعن عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ عُمَيْرٍ رضي
الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: «ثَلاثٌ مَنْ حُرِمَهُنَّ
حُرِمَ خَيْرَ الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ: عَقْلٌ يُدَارِي بِهِ النَّاسَ، وَحِلْمٌ يَرُدُّ
بِهِ السَّفِيهَ، وَوَرَعٌ يَحْجِزُهُ عَنِ الْمَعَاصِي» [العقل وفضله لابن أبي الدنيا].
عَنْ أَبِي جُحَيْفَةَ قَالَ: قُلْتُ لِعَلِيِّ
رضي الله عنه: هَلْ عِنْدَكُمْ كِتَابٌ؟ قَالَ: "لَا، إِلَّا كِتَابُ اللَّهِ،
أَوْ فَهْمٌ أُعْطِيَهُ رَجُلٌ مُسْلِمٌ، أَوْ مَا فِي هَذِهِ الصَّحِيفَةِ"
[رواه البخاري].
عَنِ الشَّعْبِيِّ، قَالَ: "إِنَّمَا
كَانَ يُطْلَبُ هَذَا الْعِلْمُ مِمَّنِ اجْتَمَعَتْ فِيهِ خَصْلَتَانِ: الْعَقْلُ
وَالنُّسُكُ، فَإِنْ كَانَ نَاسِكًا وَلَمْ يَكُنْ عَاقِلًا، وَإِنْ كَانَ عَاقِلًا
وَلَمْ يَكُنْ نَاسِكًا لَمْ تَطْلُبْهُ، فَإِنَّ هَذَا الْأَمْرَ لَا يَنَالُهُ إِلَّا
النُّسَّاكُ الْعُقَلَاءُ" [العقل وفضله لابن أبي الدنيا].
ومما كتبه الفاروق عمر بن الخطاب رضي الله
عنه إلى أبي موسي الأشعري رضي الله عنه في شأن القضاء: "الفهمَ الفهمَ فيما
يتلجلج في نفسك مما ليس في قرآن ولا سنّة" [رواه ابن أبي شبة في تاريخ المدينة].
أقسام عقول البشر في فهم النص:
العقول الربانية:
هي عقولٌ أيقظها الإيمان، فسمت عن سفاسف
الأمور، واتجهت نحو الغاية التي خُلقت لها؛ فاستخدمت نورها في طاعة الله، وسخّرت فكرها
فيما ينفع الخلق ويُصلح أحوالهم، ويقودهم إلى الخير والرشد، لا تُفكّر لنفسها وحدها،
بل تحمل همَّ الإنسانية، وتعمل على تغيير واقعها نحو الأحسن، مستضيئةً بهدي الوحي،
ومستنيرةً ببصيرة الحق.
تلك عقولٌ أدركَت أن رسالتها أسمى من حدود
الذات، فبذلت وسعها في تبليغ مراد الله كما أراده، لا كما تهواه النفوس أو تُحرّفه
الأهواء، فكانت عاقبتها حميدة في الدنيا أثرًا طيبًا، وفي الآخرة أجرًا عظيمًا؛ لأنها
جمعت بين صفاء القصد، وصواب الفهم، وحسن العمل.
العقول الضيقة:
هي عقولٌ أُوتيت نصيبًا من الذكاء والفطنة،
لكنها ضيَّعت وجهتها، فحبست نفسها عند ظاهر الألفاظ، ووقفت عند حرفية النصوص دون أن
تنفذ إلى مقاصدها أو تستضيء بهداياتها الواسعة، فغفلت عن روح الشريعة، وأغلقت أبواب
الاجتهاد في تنزيل النصوص على واقع الناس، فصار فهمها قاصرًا، وأثرها محدودًا، إنها
عقول تشبثت بظاهرٍ مجرَّد، وغفلت عن فهم السياق والمآل، فلم تر في النص إلا كلماتٍ
تُحفظ، لا معاني تُفهم، ولا مقاصد تُستثمر في إصلاح الحياة، ومع ما مُنحت من قدرةٍ
على الفهم، إلا أنها عطّلت طاقتها عن إدراك مراد الله، فحرمت نفسها من نور البصيرة،
وحجبت غيرها عن سعة الشريعة ورحمتها ومقصودها.
العقول الفاسدة:
هي عقولٌ انحرفت عن جادّة الحق، فلم تقف
عند حدود الجهل فحسب، بل تجاوزته إلى التلاعب بالنصوص وتطويعها لخدمة الأهواء والمصالح،
تنظر إلى الوحي نظرةً سطحيةً مبتورة، تنتقي منه ما يوافق رغباتها، وتُقصي ما يخالفها،
ثم تُلبِس ذلك ثوبَ التأويل لتمنح باطلها مسحةً من الشرعية.
لا تقف عند ضعف الفهم، بل تمضي إلى تحريف
المعنى، وتوجيه النصوص لهدم الثوابت، وبثِّ الاضطراب في المجتمعات، وزعزعة الأمن الفكري
والقِيَمي، فهي بذلك لا تُسيء إلى نفسها فحسب، بل تُسهم في نشر الفتنة، وتُحدث شرخًا
في وعي الناس، حين تجعل من النص – الذي هو مصدر هداية – أداةَ تضليلٍ وإفساد.
وهذه العقولُ أخطرُ من غيرها؛ لأنها تجمع
بين سوء الفهم وفساد القصد، فلا تهتدي إلى الحق، ولا تدع غيرها يسلك سبيله، فكان علاجها
بالرجوع إلى منهج العلماء، وتجريد النية لله، والوقوف عند حدود النصوص بفهمٍ سليمٍ
يردّها إلى مقاصدها الصحيحة، ويصونها من العبث والتحريف.
عن عَبْد اللهِ بْن عَمْرِو رضي الله عنه
قال: سَمِعْتُ النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، يَقُولُ: «إِنَّ اللهَ لَا يَقْبِضُ
الْعِلْمَ انْتِزَاعًا يَنْتَزِعُهُ مِنَ النَّاسِ، وَلَكِنْ يَقْبِضُ الْعِلْمَ بِقَبْضِ
الْعُلَمَاءِ، حَتَّى إِذَا لَمْ يَتْرُكْ عَالِمًا، اتَّخَذَ النَّاسُ رُءُوسًا جُهَّالًا،
فَسُئِلُوا فَأَفْتَوْا بِغَيْرِ عِلْمٍ، فَضَلُّوا وَأَضَلُّوا» [متفق عليه].
قال الإمام بدر الدين العيني: "المراد
برفع العلم هنا قبْض أهله، وهم العلماء، لا محْوه من الصدور، لكن بموت أهله، واتخاذ
الناس رؤساء جهالًا، فيحكمون في دين الله تعالى برأيهم، ويفتون بجهلهم، قال القاضي
عياض: وقد وجد ذلك في زماننا، كما أخبر به عليه الصلاة والسلام، قال الشيخ قطب الدين:
قلتُ: هذا قوله مع توفر العلماء في زمانه، فكيف بزماننا؟!" [عمدة القاري شرح صحيح
البخاري].
وقال سيدنا عمر بن عبد العزيز: "من
عبد الله بغير علم كان ما يفسد أكثر مما يصلح" [الزهد لأحمد بن حنبل].
كَتَبَ الْجُنَيْدُ إِلَى إِبْرَاهِيمَ
بْنِ أَحْمَدَ الْمَارِسْتَانِيِّ رِسَالَةً فِيهَا: "يَا أَبَا إِسْحَاقَ، لَا
ضَيَّعَ اللَّهُ مَيْلِي إِلَيْكَ وَلَا إِقْبَالِي عَلَيْكَ... وَبَعْدُ يَا أَخِي،
فَاحْذَرْ مَيْلَ التَّأْوِيلِ عَنِ الْحَقَائِقِ وَخُذْ لِنَفْسِكَ بِأَحْكَمِ الْوَثَائِقِ،
فَإِنَّ التَّأْوِيلَ كَالصَّفَّاءِ الزَّلَّالِ الَّذِي لَا تَثْبُتُ عَلَيْهِ الْأَقْدَامُ،
وَإِنَّمَا هَلَكَ مَنْ هَلَكَ مِنَ الْمَنْسُوبِينَ
إِلَى الْعِلْمِ وَالْمُشَارِ إِلَيْهِمْ بِالْفَضْلِ بِالْمَيْلِ إِلَى خَطَأِ التَّأْوِيلِ
وَاسْتِيلَاءِ ذَلِكَ عَلَى عُقُولِهِمْ، وَهُمْ فِي ذَلِكَ عَلَى وُجُوهٍ شَتَّى،
وَإِنِّي أُعِيذُكَ بِاللَّهِ وَأَسْتَعِينُهُ لَكَ وَأُعِيذُكَ بِهِ مِنْ ذَلِكَ كُلِّهِ"
[حلية الأولياء].
منهج الراسخين في العلم في فهم النصوص:
قال الله تعالى: {فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ
إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ} [النحل: ٤٣].
جمع النصوص في المسألة الواحدة:
إنهم لا يكتفون بآيةٍ واحدة أو حديثٍ مفرد،
بل يدرسون النصوص المتعددة وسياقاتها، ويقارنونها، ويوازنوا بين المراد الإلهي في كل
نص، ليخرجوا بالاستنتاج الذي يحقق المقصد الشرعي بكماله وعدالته، هذا الجمع يُجنّب
الإنسان الانحراف عن المعنى الصحيح، ويقيه من الغلو أو التفريط، ويصونه من إساءة التطبيق
أو سوء التأويل، فالراسخون في العلم يعرفون أن النصوص متشابكة الأبعاد، وكل نص يُكمّل
الآخر، ومنها ما هو خاص ومنها ما هو عام، ومنها ما هو مجمل ومنها ما مفصل، وهكذا، وفهمها
في مجموعها هو السبيل لإدراك المقاصد الإلهية وتحقيق الهداية المرجوة.
فلا يجوز أن يأخذ الإنسان آية واحدة ويترك
غيرها، ومثال ذلك: قول الله تعالى: {وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ} [البقرة:
١٩١]، فقد يظن الجاهل أن الإسلام يأمر بقتل كل الناس، لكن إذا نظرنا إلى السياق وجمعنا
النصوص وجدنا أن الآية تتحدث عن حالة الحرب والقتال، وقد قال الله تعالى أيضًا: {لَا
يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ
مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ
الْمُقْسِطِينَ} [الممتحنة: ٨]، فتبين أن الإسلام يأمر بالعدل والإحسان مع المسالمين.
معرفة سبب النزول أو سبب ورود الحديث:
لأن هذا السياق يضيء المراد الإلهي، ويكشف
الحكمة من التشريع، فالنصوص لم تُنزل أو تُرْوَ عن عبث، بل جاءت في مواقف محددة، وردت
لتجيب عن قضية، أو تحكم في موقف، أو توجيه لأمر مهم؛ فمن أدرك سبب النزول أو سبب الحديث،
فَهِم المقصود الحقيقي، وتَمَكّن من تطبيق الحكم على الواقع بما يتوافق مع الشريعة.
أما من أغفل هذا العامل، فقد يُحمّل النص
معنى أوسع أو أضيق مما أراده الله، فيقع في سوء الفهم أو التأويل الخاطئ، وقد يؤدي
إلى اختلال التطبيق أو إثارة الفتنة بين الناس.
قال الشمس البرماوي: "ومما يُعتبر
أيضًا في إيقاع الاجتهاد:... أنْ يعرف أسباب النزول في الآيات، وأسباب قوله صلى الله
عليه وسلم الأحاديث؛ ليعرف المراد من ذلك وما يتعلق به من تخصيص أو تعميم" [الفوائد
السنية في شرح الألفية].
فهم النص في ضوء لغة العرب:
فهم القرآن والسنة لا يتمّ على الوجه الصحيح
إلا بإحكام العربية، والإلمام ببلاغتها وأدواتها ومعاني ألفاظها ومجازها؛ فالكلمة الواحدة
قد تحمل معاني متعددة بحسب السياق، والجملة قد يتغيّر مرادها بتغير الأسلوب أو الوزن
أو البناء، فمن عُني باللغة العربية، واستوعب مفرداتها وأوجه البيان فيها، استطاع أن
يفتح للنص آفاقًا من الفهم لم تكن لتظهر لمن لم يُمعن النظر في لغته، أما من أهمل اللغة،
فقد يفسّر النص تأويلًا خاطئًا، ويصطدم بالحقائق الشرعية أو يفوّت مراد الله.
قال الشمس البرماوي: "لأن القرآن والسنة
عربيان، فلا بُدَّ للمستدل بهما مِن معرفة لُغة العرب، بل هما أفصح الكلام العربي،
قال تعالى: {إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا} [يوسف: ٢]، وقال تعالى: {وَهَذَا
لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ} [النحل: ١٠٢]، وقال تعالى: {وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ
رَسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ} [إبراهيم: ٤]، وغير ذلك من الآيات" [الفوائد
السنية في شرح الألفية].
مراعاة "فقه المآلات وفقه الواقع":
لا بد لصناعة فهم صحيح أمين على هدي القرآن
وعلومه، من ثلاثة أركان عظام: وهي معرفة الوحي الشريف، ومعرفة مناهج فهمه، والإلمام
بالواقع إلمامًا صحيحًا، وإياك أن تكون ممن ادَّعى النص، وتمرد على المنهج، وغلبه الواقع
[الحق المبين في الرد على من تلاعب بالدين أ.د/ أسامة الأزهري].
قال تعالى: {وَلَا تَسُبُّوا الَّذِينَ
يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ} [الأنعام:
١٠٨]
.
قال الإمام الزمخشري: "رب طاعةٍ عُلِم
أنها تؤدي إلى مفسدة، فتخرج عن أن تكون طاعة، فيجب النهي عنها؛ لأنها معصية، لا لأنها
طاعة، كالنهي عن المنكر هو من أجل الطاعات، فإذا عُلِم أنه يؤدي إلى زيادة الشر انقلب
إلى معصية، ووجب النهي عن ذلك كما يجب النهي عن المنكر" [الكشاف عن حقائق التنزيل].
عَنْ عَائِشَةَ رضي الله عنها، أَنَّ النَّبِيَّ
صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ لَهَا: «يَا عَائِشَةُ، لَوْلاَ أَنَّ قَوْمَكِ
حَدِيثُو عَهْدٍ بِجَاهِلِيَّةٍ لَأَمَرْتُ بِالْبَيْتِ، فَهُدِمَ، فَأَدْخَلْتُ فِيهِ
مَا أُخْرِجَ مِنْهُ، وَأَلْزَقْتُهُ بِالأَرْضِ، وَجَعَلْتُ لَهُ بَابَيْنِ، بَابًا
شَرْقِيًّا، وَبَابًا غَرْبِيًّا، فَبَلَغْتُ بِهِ أَسَاسَ إِبْرَاهِيمَ» [متفق عليه].
قال أ.د/ موسى شاهين لاشين: "ويؤخذ
من الحديث: أنه إذا تعارضت المصالح، أو تعارضت مصلحة ومفسدة، وتعذر الجمع بين فعل المصلحة
وترك المفسدة، بدئ بالأهم؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم أخبر أن نقض الكعبة وردها
إلى ما كانت عليه من قواعد إبراهيم عليه السلام مصلحة، ولكن تعارضه مفسدة أعظم منه،
وهي خوف فتنة مَن أسلم قريبًا" [فتح المنعم].
الرجوع إلى فهم الصحابة:
لأنهم شهدوا التنزيل وعرفوا المقصود، قال
عبد الله بن عباس رضي الله عنهما: "التَّفْسِيرُ أَرْبَعَةُ أَوْجُهٍ، وَجْهٌ
تَعْرِفُهُ الْعَرَبُ مِنْ كَلَامِهَا، وَتَفْسِيرٌ لَا يُعْذَرُ أَحَدٌ بِجَهَالَتِهِ،
وَتَفْسِيرٌ تَعْلَمُهُ الْعُلَمَاءُ، وَتَفْسِيرٌ لَا يَعْلَمُهُ إِلَّا اللَّهُ تَعَالَى"
[الإتقان في علوم القرآن].
معرفة مقاصد الشريعة:
إن غياب المعرفة بمقاصد الشريعة، وغياب
المعرفة بالسنن الإلهية يتركان خللًا كبيرًا في الفهم، ومن لم يحط بأمثال هذه العلوم
فسد فهمه للنص، وفسد فهمه للواقع. [الحق المبين في الرد على من تلاعب بالدين أ.د/ أسامة
الأزهري].
قال الإمام ابن حجر الهيتمي: "ومن
قواعد الشافعي رضي الله عنه: أنه يستنبط من النص معنى يخصصه أو يعممه، ولا يستنبط منه
نصًّا يعود عليه بالبطلان" [الفتاوى الفقهية الكبرى].
أسباب سوء الفهم والتأويل الخاطئ:
تأخير البيان عن وقت الحاجة:
وهو من أعظم ما يوقع في اللبس ويُفضي إلى
الانحراف في فهم النصوص؛ إذ يكون الناسُ في موقفٍ يتطلب وضوح الحكم وبيان المراد، فإذا
غاب البيان أو تأخر، تفرّقت الأفهام، واشتغل كلٌّ بتفسير النص بحسب ظنه، فوقع الاختلاف،
وربما نشأت الفتنة.
والأصل في الشريعة أن البيان لا يُؤخَّر
عن وقت الحاجة، لأن المقصود من النص هو الهداية والإرشاد، وذلك لا يتحقق مع الغموض
أو الإبهام في موطن يقتضي الإيضاح، فإذا لم يُبيَّن المجمل، أو لم تُفصَّل الدلالة
في وقتها، فُتح الباب أمام التأويلات الخاطئة، والتطبيقات المنحرفة.
وقد وضع النبي صلى الله عليه وسلم أسس البيان
عند الحاجة، فعَنْ صَفِيَّةَ بِنْتِ حُيَيٍّ رضي الله عنها، قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ
اللهِ صلى الله عليه وسلم مُعْتَكِفًا فَأَتَيْتُهُ لَيْلًا، فَحَدَّثْتُهُ، ثُمَّ
قُمْتُ، فَقَامَ مَعِي لِيَقْلِبَنِي، وَكَانَ مَسْكَنُهَا فِي حُجْرَةِ أُسَامَةَ
بْنِ زَيْدٍ، فَمَرَّ بِرَجُلَينِ مِنَ الْأَنْصارِ، فَلَمَّا رَأَيَا النَّبِيَّ صلى
الله عليه وسلم أَسْرَعَا، فَقَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم: «عَلَى رِسْلِكُمَا،
إِنَّهَا صَفِيَّةُ بِنْتُ حُيَيٍّ»، قَالَا: سُبْحَانَ اللهِ يَا رَسُولَ اللهِ! قَالَ:
«إِنَّ الشَّيْطَانَ يَجْرِي مِنَ الْإِنْسَانِ مَجْرَى الدَّمِ، وَإِنِّي خَشِيتُ
أَنْ يَقْذِفَ فِي قُلُوبِكُمَا شَيْئًا - أَوْ قَالَ: شَرًّا» [مصنف عبد الرزاق].
عدم مراعاة حال الإنسان عند التكلم أو التصرف:
فإغفالُ حال المخاطَب وظروفه عند البيان
أو الفتوى أو التوجيه يؤدي إلى سوء الفهم؛ فالكلامُ - وإن كان حقًّا في ذاته - قد يُؤتي
أثرًا عكسيًّا إذا وُجِّه لغير موضعه، أو قُدِّم في غير سياقه، أو أُعطي لمن لا يتهيأ
لفهمه على وجهه الصحيح.
فليس الناسُ سواءً في عقولهم، ولا في مداركهم،
ولا في أحوالهم؛ فمنهم المبتدئ والمتعلّم، ومنهم العاميّ والعالم، ومنهم من تحكمه ظروفٌ
خاصة أو نوازلُ دقيقة، ولكلٍّ خطابٌ يناسبه، وأسلوبٌ يليق به.
وقد كان النبي ﷺ يُخاطب الناس على قدر عقولهم، فيراعي أحوالهم،
ويُنزِّل الكلام منازلَه، فيجمع بين الحق وحسن العرض، وقال ابن مسعود: "ما مِنْ
رجل يحدِّث قومًا بحديثٍ لا تبلُغُه عقولُهم إلا كان فتنةً لبعضهم" [رواه مسلم
في المقدمة].
قال الإمام القرافي: "ولا تجمد على
المسطور في الكتب طول عمرك، بل إذا جاءك رجل من غير أهل إقليمك يستفتيك؛ لا تُجْرِه
على عرف بلدك، واسأله عن عرف بلده، وأَجْرِه عليه، وأفته به دون عرف بلدك والمقرر في
كتبك؛ فهذا هو الحق الواضح، والجمود على المنقولات أبدًا ضلال في الدين، وجهل بمقاصد
علماء المسلمين والسلف الماضين" [الفروق للقرافي = أنوار البروق في أنواء الفروق].
التسرُّع في تأويل الكلام والتسليم بصحة
كل ما ينقل عبر وسائل التواصل دون تثبت:
فالعجلةُ في تفسير الكلام، والحكمُ على
المقاصد من أول وهلة دون تثبّتٍ أو إحاطةٍ بالسياق من علامات الجهل؛ فيُحمَل الكلام
على غير مراده، وتُبنى عليه مواقفُ قد تكون بعيدةً عن الحق، ويزداد الخطر حين يقترن
ذلك بالثقة العمياء بكل ما يُتداول عبر وسائل التواصل، دون تمحيصٍ أو تحقّق.
فكم من نصٍّ اقتُطع من سياقه، أو خبرٍ زُخرف
بالباطل، فانتشر بين الناس حتى صار كأنه حقيقة، وهو في أصلِه محرَّفٌ أو مكذوب، وقد
أرشدنا الشرع إلى أصلٍ عظيم يحفظ العقول من الزلل، فقال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ
آمَنُوا إِن جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا} [الحجرات: ٦]، فالتثبّتُ قبل
الحكم، والتروّي قبل التأويل، من سمات العاقل الحصيف.
أخذ النصوص دون علم:
التجرؤُ على تناول النصوص الشرعية دون علمٍ
راسخ، ولا أدواتٍ تُعين على إدراك مرادها أمر خطير؛ فيتصدى لها من لم يُحكم أصولها،
ولم يُدرك قواعدها، فيحملها على ظاهرٍ قاصر، أو يُنزّلها في غير موضعها، فيقع في الزلل
ويُوقِع غيره فيه، لذا حذر النبي صلى الله عليه وسلم من ذلك حيث قَالَ: «مَنْ قَالَ
فِي الْقُرْآنِ بِرَأْيِهِ، أَوْ بِمَا لَا يَعْلَمُ فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ
مِنَ النَّار» [السنن الكبرى للنسائي].ِ
وعَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرٍو رضي الله
عنهما، أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: «بَلِّغُوا عَنِّي وَلَوْ آيَةً،
وَحَدِّثُوا عَنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَلَا حَرَجَ، وَمَنْ كَذَبَ عَلَيَّ مُتَعَمِّدًا
فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنَ النَّار» [متفق عليه].
الجهل واتِّباع الهوى وسوء النيَّة:
فالجهل يجعل الإنسان لا يدرك مقاصد النصوص،
ويقف عند الظاهر فقط، والهوى يزيّن له تأويلًا موافقًا لرغباته، وسوء النيّة يُحوّل
النص من هداية ورحمة إلى أداة للإفساد، أو للتسلط على الناس، وقد حذر الله تعالى من
ذلك، فقال: {فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ
مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ...} [آل عمران: ٧]، مشيرًا
إلى خطورة المزج بين الجهل والهوى في التعامل مع الوحي.
عن عَطَاءَ بْنِ أَبِي رَبَاحٍ قَالَ: إِنَّهُ
سَمِعَ ابْنَ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما يُخْبِرُ: أَنَّ رَجُلًا أَصَابَهُ جُرْحٌ فِي
عَهْدِ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم، ثُمَّ أَصَابَهُ احْتِلامٌ، فَأُمِرَ بِالاغْتِسَالِ،
فَمَاتَ، فَبَلَغَ ذَلِكَ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم، فَقَالَ: «قَتَلُوهُ قَتَلَهُمِ
اللهُ، أَلَمْ يَكُنْ شِفَاءَ الْعِيِّ السُّؤَالُ» [رواه أحمد في مسنده].
الآثار السلبية للتأويل الفاسد:
الفُرقة والاختلاف:
التأويلُ الفاسد للنصوص الشرعية لا يضرّ
النص نفسه، بل ينعكس أثره المدمر على المجتمع والأمة، إذ يُثير الفُرقة، ويغذي الاختلاف
بين الناس، فمن حمل النص على غير مقصده، أو فسَّرَه وفق هواه، أصبح سببًا للاختلاف
على الحق، وتشتّت الصفوف، وازدياد النزاعات، وربما نشبت الخصومات على أساس ظاهرٍ خاطئ
أو فهمٍ منحرف، وقد قال الله تعالى: {وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا
تَفَرَّقُوا} [آل عمران: ١٠٣].
وما الخوارج والباطنية ومن سار على دربهما
من المحْدَثين إلا أثر من آثار التأويل الفاسد للنصوص الشرعية والفهم غير السديد.
التكفير:
إن سوء التأويل والاستدلال قد يسحب صاحبه
إلى الكفر؛ لأنه يحكم على مخالفيه بالخروج عن الدين، مع أن الانحراف قد حدث من جهته،
وبذلك يشمله الحديث النبوي: «أَيُّمَا رَجُلٍ قَالَ لِأَخِيهِ: يَا كَافِرُ، فَقَدْ
بَاءَ بِهَا أَحَدُهُمَا» [متفق عليه].
اتفق أهل العلم على أن المسلم لا يخرج من
الملة إلا بإنكاره معلومًا من الدين بالضرروة، وقد عقد الإمام البخاري في صحيحه بابًا
بعنوان: «المعاصي من أمر الجاهلية، ولا يكفر صاحبها بارتكابها إلا بالشرك»؛ لقوله تعالى:
{إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ
يَشَاءُ} [النساء: ٤٨]؛ لأن الحكم بالكفر سيترتب عليه أحكام خطيرة كالتفريق بين الزوجين،
وعدم ثبوت التوارث ... إلخ، ثم إن الذي يتولى هذا هو القضاء المستند على أدلته؛ حتى
لا تعم الفوضى في المجتمع، وصدق الإمام الغزالي حينما قال: "لا يسارع إلى التكفير
إلا الجهلة" [فيصل التفرقة بين الإسلام والزندقة].
قال الفخر الرازي: "وأجمع المفسرون
على أن هذا الوعيد يتناول اليهود بسبب مخالفتهم حكم الله في واقعة الرجم، قال عكرمة:
قوله: {وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ} [المائدة: ٤٤] إنما يتناول من
أنكر بقلبه وجحد بلسانه، أما من عرف بقلبه كونه حكم الله، وأقر بلسانه كونه حكم الله،
إلا أنه أتى بما يضاده فهو حاكم بما أنزل الله، ولكنه تارك له، فلا يلزم دخوله تحت
هذه الآية، وهذا هو الجواب الصحيح" [مفاتيح الغيب].
الغلو والتطرف:
بعض الناس يأخذ آيات الجهاد دون فهم شروطها
وضوابطها، مع أن الإسلام دين الرحمة، قال الله تعالى عن صاحب الدعوة ﷺ: {وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً
لِلْعَالَمِينَ} [الأنبياء: ١٠٧].
تشويه صورة الإسلام:
وهو ما يفعله أولئك الذين لا يتقنون مسائل
العلم وفي نفس الوقت يتصدرون المشهد؛ مما ينتج عنه تشويه الإسلام في عيون الآخرين.
وحتى نفهم مراد الله السليم؛ لا بد من الامتثال لأمر الشرع الحنيف بسؤال المتخصصين
وأهل الذكر، مصداقًا لقول الله تعالى: {وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الأَمْنِ أَوِ
الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُوْلِي الأَمْرِ
مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ} [النساء:٨٣].
وعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ رضي
الله عنه قَالَ: "لَا يَزَالُ النَّاسُ بِخَيْرٍ مَا أَخَذُوا الْعِلْمَ عَنْ
أَكَابِرِهِمْ وَعَنْ عُلَمَائِهِمْ وَأُمَنَائِهِمْ، فَإِذَا أَخَذُوهُ مِنْ أَصَاغِرِهِمْ
وَشِرَارِهِمْ هَلَكُوا" [رواه الأصبهاني في "حليلة الأولياء"].
إحباط الناس وتقنيطهم من رحمة الله تعالى:
يفهم بعض المغالين من قوله تعالى: {إِنَّمَا
يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ} [المائدة: ٢٧] تكفير أو تفسيق مرتكب المعصية،
وأن الله لا يتقبل منه عملًا مع أن رحمة الله وسِعَت كل شيء.
قال أبو عبيد القاسم بن سلام: "مذهب
الخوارج الذين مرقوا من الدين بالتأويل، فكفروا الناس بصغار الذنوب وكبارها، وقد علمت
ما وصفهم به رسول الله صلى الله عليه وسلم من المروق وما أذن فيهم من سفك دمائهم، ثم
قد وجدنا الله يكذب مقالتهم، وذلك أنه حكم في السارق بقطع اليد وفي الزاني والقاذف
بالجلد، ولو كان الذنب يكفر صاحبه ما كان الحكم على هؤلاء إلا القتل ...، وكذلك قول
الله فيمن قتل مظلوما: {فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا} [الإسراء: ٣٣]، فلو
كان القتل كفرًا ما كان للولي عفو ولا أخذ دية، ولزمه القتل) [الإيمان ومعالمه وسننه
واستكماله ودرجاته للقاسم بن سلام].
الخطبة الثانية: الاحتكار
يُعَدُّ الاحتكار من أخطر الآفات الاقتصادية
والاجتماعية التي تصدّى لها الإسلام بحزمٍ شديد، لا سيما في أوقات الأزمات والشدائد؛
إذ يتحوّل حينها إلى سلوكٍ جائرٍ يختنق به المجتمع، وتضيق به معايش الناس، فهو حينئذ
ليس مجرد حبسٍ للسلع، بل اعتداءٌ على حاجات الخلق، وإخلالٌ بميزان العدالة والتكافل،
سواء تعلّق الأمر بالطعام أو الدواء أو سائر الضَّروريات التي تقوم بها حياة الناس.
ومن ثمّ، جاء التحذير منه صريحًا، لما يخلّفه
من قسوةٍ في القلوب، وغلاءٍ في الأسعار، وفسادٍ في روح المجتمع التي تقوم على الرحمة
والتعاون، لا على الاستغلال والجشع، وإليك طرفا من بيان ذلك.
مفهوم الاحتكار
هو سلوكٌ يقوم على حبس السلع الضرورية
- ولاسيما الأقوات -، ومنع تداولها بين الناس في وقتٍ تشتد فيه حاجتهم إليها، ترقُّبًا
لارتفاع أسعارها، طمعًا في تحقيق أرباحٍ فاحشة على حساب معاناة الآخرين وضيق عيشهم.
الاحتكار خطيئة وأكل لأموال الناس بالباطل:
ورغم أن لفظ "الاحتكار" لم يَرِدْ
بعينه في القرآن الكريم، فإن معانيه حاضرةٌ في نصوصه، حيث جاءت الآيات محذِّرةً من
الظلم، وزاجرةً عن أكل أموال الناس بغير حق، ومؤكِّدةً على إقامة العدل وصيانة حقوق
العباد، منها قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُم
بَيْنَكُم بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَن تَكُونَ تِجَارَةً عَن تَرَاضٍ مِّنكُمْ وَلا تَقْتُلُوا
أَنفُسَكمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا} [النساء: ٢٩].
والمحتكر يأكل أموال الناس بالاضطرار لا
بالتراضي.
بل ذهب بعض العلماء في تفسير قوله تعالى:
{وَلا تَقْتُلُوا أَنفُسَكمْ}، أي: بأكل بعضكم أموال بعض، يقول الشيخ محمد أبو زهرة:
"وقد اختلف العلماء في معنى قوله تعالى: {وَلا تَقْتُلُوا أَنفسَكمْ} .. وقال
بعضهم: إن المعنى لَا تقتلوا أنفسكم بأكل بعضكم أموال بعض، وبارتكاب المعاصي، فإن ذلك
مفرق لجمعكم مفسد لأمركم مذهب لوحدتكم، وبذلك تقتل الأمم والتجمعات، وقد ارتضى هذا
ابن بشير فقال: {وَلا تَقْتُلُوا أَنفسَكُمْ} أي بارتكاب محارم الله تعالى ومعاصيه،
وأكل أموالكم بينكم، وإن هذا هو الذي نرتضيه، وهو يتضمن في ثناياه النهي عن القتل بكل
ضروبه؛ لأنه داخل في محارم الله" [زهرة التفاسير].
وفي السنة النبوية المطهَّرة يتجلّى الموقف
الحازم من هذه الآفة؛ إذ يصف النبي صلى الله عليه وسلم المحتكر بأنه واقعٌ في الخطيئة،
تحذيرًا من فعله وزجرًا عن سلوكه، حيث قال صلى الله عليه وسلم: «مَنِ احْتَكَرَ فهوَ
خَاطِئٌ» [رواه مسلم].
وفي هذا البيان النبوي دلالةٌ واضحة على
أن الاحتكار ليس مجرد مخالفةٍ اقتصادية، بل ذنبٌ يأثم به صاحبه لما فيه من إضرارٍ بالناس
واستغلالٍ لحاجاتهم.
قال الإمام النووي: "وهذا الحديث صريح
في تحريم الاحتكار، ... قال العلماء: والحكمة في تحريم الاحتكار دفع الضرر عن عامة
الناس، كما أجمع العلماء على أنه لو كان عند إنسان طعام واضطر الناس إليه، ولم يجدوا
غيره، أجبر على بيعه دفعًا للضرر عن الناس" [شرح النووي على مسلم].
ولا يكتفي الشرع في بيان سوء حال المحتكر
وارتكابه للخطايا، بل توعَّد صاحبَ هذه الفعلةِ الشَّنعاء بعقوبة معجَّلة له في الدنيا،
جزاء ما ارتكبه، فقد روى البخاري في [التاريخ الكبير]، عن النَّبِيِّ صلى الله عليه
وسلم: «مَنِ احْتكَرَ عَلَى المُسْلِمِينَ طَعامَهُمْ ضَرَبَهُ اللَّهُ بِبَلاءٍ أَوْ
جُذامٍ»، وقد روي: أن طعامًا ألقي على باب المسجد فخرج عمر بن الخطاب رضي الله عنه
- وهو أمير المؤمنين - فقال: ما هذا الطعام؟، فقالوا طعام جلب إلينا أو علينا، فقال
له بعض الذين معه يا أمير المؤمنين قد احتكر، قال ومن احتكره؟ قالوا احتكره فروخ وفلان
مولى عمر بن الخطاب، فأرسل إليهما فأتياه، فقال: ما حملكما على احتكار طعام المسلمين؟
فقالوا: يا أمير المؤمنين نشتري بأموالنا ونبيع، فقال عمر رضي الله عنه: سمعت رسول
الله صلى الله عليه وسلم يقول: «من احتكر على المسلمين طعامهم ضربه الله بالجذام والإفلاس»،
فقال عند ذلك فروخ: يا أمير المؤمنين، فإني أعاهد الله وأعاهدك على أن لا أعود إلى
احتكار طعام أبدا، فتحول إلى بَرِّ مصر، وأما مولى عمر فقال نشتري بأموالنا ونبيع،
فزعم أبو يحيى أحد رواته أنه رأى مولى عمر مجذوما مشدوخًا" [الزواجر عن اقتراف
الكبائر].
هذا إلى جانب ما رواه ابن ماجة، عن عمر
بن الخطاب رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «الْجَالِبُ مَرْزُوقٌ،
وَالْمُحْتَكِرُ مَلْعُونٌ» [رواه ابن ماجة].
الاحتكار خيانة للأمانة:
خيانةُ الأمانة من أفظع ما يتلبّس به التاجر،
إذ جعله الإسلام أمينًا على أقوات العباد وحاجاتهم، لا متحكِّمًا فيها بهواه، ولا مستغلًّا
لضرورات الناس وآلامهم، فإذا ضاقت السبل، واشتدّت الأزمات، كان واجب الأمانة أن ييسّر
ولا يعسّر، وأن يُفرِّج ولا يُضيِّق؛ فمن احتكر في مثل هذه المواطن، فقد خان الأمانة،
ونقض ميثاق الرحمة الذي يقوم عليه التعامل في الإسلام.
وقد جاء الشرع مؤكِّدًا هذا المعنى تأكيدًا
بالغًا؛ فقال الله تعالى: {إِنَّ اللَّهَ يَأمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الأَمَانَاتِ
إِلَى أَهْلِهَا} [النساء: ٥٨]، فجعل أداء الأمانة أصلًا من أصول الدين، لا يستقيم
المجتمع إلا به، كما قال سبحانه: {وَلَا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ} [هود:
٨٥]، فنهى عن كل صور الظلم التي تُنقِص حقوق الناس أو تُضيّق عليهم معايشهم.
الاحتكار مضاد للتوكل:
الاحتكارُ صورةٌ من صور ضعف التوكّل على
الله، بل هو في حقيقته مناقضٌ لروحه؛ إذ يظنّ المحتكر أن رزقه إنما يتحقّق بالتضييق
على الخلق، وحبس الأقوات، وانتظار شدّة الناس ليغتنم حاجتهم، وهذا وهمٌ يناقض عقيدة
المؤمن، الذي يوقن أن الرزق بيد الله، يُؤتيه من يشاء بغير حساب، وأن البركة لا تُنال
بالاستغلال، بل بالصدق والإحسان.
وقد عبّرت السنة النبوية عن هذا المعنى
بقول النبي صلى الله عليه وسلم: «الجالبُ مرزوقٌ»، فبيّن أن من يسعى في تيسير السلع
وجلبها للناس يُبارَك له في رزقه، لأنه نفع الخلق وخفّف عنهم، فالمؤمن الحقّ يرى في
سَعة الخير للناس سَعةً له، ويعلم أن ما عند الله لا يُنال بمعصيته، وأن التوكّل الصادق
يدفعه إلى السعي الشريف، لا إلى الاحتكار الجشع؛ فحيثما وُجد الإيمان الصادق، غابت
الأنانية، وحضرت الرحمة، وساد العدل.
فقه الجسد الواحد.. التكافل لا الاستغلال:
التكافلُ لا الاستغلال… تلك هي روح الإسلام
حين تشتدُّ الأزمات، ويضيق الحال، وتُختبَر معادن النفوس، ففي مثل هذه اللحظات يتجلّى
معنى الحديث الشريف: "«مَثَلُ الْمُؤْمِنِينَ فِي تَوَادِّهِمْ وَتَرَاحُمِهِمْ
وَتَعَاطُفِهِمْ مَثَلُ الْجَسَدِ، إِذَا اشْتَكَى مِنْهُ عُضْوٌ تَدَاعَى لَهُ سَائِرُ
الْجَسَدِ بِالسَّهَرِ وَالْحُمَّى» [رواه مسلم]، حيث لا يعيش الفرد لنفسه، بل ينبض
قلبه بألم غيره، ويسعى لرفع الضيق عن إخوانه، كما يسعى الجسدُ كلُّه لشفاء عضوٍ تألَّم.
ومن هنا تنبثق الأخلاق الحقيقية للمسلم؛
فهو لا يرى في حاجة أخيه فرصةً للربح والمساومة، بل يراها بابًا للقُربة إلى الله،
وميدانًا للبذل والإحسان، يواسي، ويُيسّر، ويقدّم، طمعًا في أجرٍ أعظم من كل مكسبٍ
زائل.
أما المحتكر، فإنه ينفصل عن هذا الجسد الحيّ،
ويعتزل روح الجماعة، ليبني مصلحته على جراح الآخرين، ويقتات على آلامهم.
إجراءات عملية لمواجهة آفة الاحتكار:
الوعي بعدم نشر الشائعات، إذ المحتكر يعيش
على شائعات "نقص السلع" ليدفع الناس للتهافت على الشراء، والتأكد من مصدر
ما يشاع من الأخبار الاقتصادية.
الاستهلاك الرشيد وتجنب حمى التخزين، إذ
الاندفاع إلى شراء كميات زائدة عن الحاجة، خوفا من فقدها أو نقصها، هو غاية ما يطلبه
التاجر المحتكر من المستهلك، إذ بذلك ينخفض المعروض في السوق، ويرتفع السعر تلقائيًا
نتيجة زيادة الطلب.
البحث عن البديل، عند ارتفاع سعر سلعة بسبب
الاحتكار، توجّه مباشرة نحو البحث عن منتج بديل أو سلعة منافسة لتغطية الحاجة، دون
الاعتماد على المحتكر.
التكافل الاجتماعي في الأزمات، إذا كنت
تمتلك فائضًا من سلعة معينة، فلا تكن عونًا للمحتكر على أخيك، فالمشاركة المجتمعية
تخفف الضغط على السوق.
مراجع للاستزادة:
المستصفى لحجة الإسلام الغزالي
مقاصد الشريعة للشيخ الطاهر بن عاشور
أحكام الاحتكار في الشريعة الإسلامية، أ.د
عباس عبد اللاه شومان.