القول والفتيا بغير علم
خطورة الفتوي
ولا تقف ما ليس لك به علم
خُطورةُ الجَهْلِ وبَلاؤُهُ
الحمد لله الذى نصب الكائنات على ربوبيته
ووحدانيته حججاً، وحجب العقول والأَبصار أن تجد إلى تكييفه منهجاً، وأَوجب الفوز بالنجاة
لمن شهد له بالوحدانية شهادة لم يبغ لها عوجاً، وجعل قلوب أَوليائه متنقلة من منازل
عبوديته خوفاً ورجاً
وأَشهد أن لا إِله إِلا الله وحده لا شريك
له، ولا سمي له، ولا كفو له، ولا شبيه له، ولا صاحبة له ولا ولد، ولا يحصي أَحد ثناءً
عليه بل هو كما أَثنى على نفسه، وفوق ما يثنى عليه خلقه تعظيماً وعلواً وتمجيداً
وأَشهد أَن محمداً عبده ورسوله، وخيرته
من خلقه، وأَمينه على وحيه، وسفيره بينه وبين عباده، أَرسله ربه رحمة للعالمين، وقدوة
للعاملين، ومحجة للسالكين، وحجة على العباد أجمعين، صلى عليه صلاة تملأُ أَقطار الأَرض
والسماء، وسلم تسليماً كثيراً مباركاً مزيداً
اما بعد
فإن القول على الله بلا علم خطير فهو أعظم
من الشرك بالله كما قال ابن القيم رحمه الله, لأن الشرك بالله فرع عنه, قال الله جل
وعلا: ﵟقُلۡ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ ٱلۡفَوَٰحِشَ
مَا ظَهَرَ مِنۡهَا وَمَا بَطَنَ وَٱلۡإِثۡمَ وَٱلۡبَغۡيَ بِغَيۡرِ ٱلۡحَقِّ وَأَن
تُشۡرِكُواْ بِٱللَّهِ مَا لَمۡ يُنَزِّلۡ بِهِۦ سُلۡطَٰنٗا وَأَن تَقُولُواْ عَلَى
ٱللَّهِ مَا لَا تَعۡلَمُونَﵞ 33 الأعراف
أولا : خطورة الفتوي
إن الفتوي بدون علم كذب على الله، وافتراء
، وتغيير دينه وتبديله، ونفي ما أثبته وإثبات ما نفاه، وتحقيق ما أبطله وإبطال ما حققه،
وعداوة من والاه وموالاة من عاداه، وحب ما أبغضه وبغض ما أحبه، ووصفه بما لا يليق به
في ذاته وصفاته وأقواله وأفعاله، فليس في أجناس المحرمات أعظم عند الله منه، ولا أشد
إثما، وهو أصلُ الشرك والكفر، وعليه أُسِّسَت البدعُ والضلالات، فكل بدعة مضلة في الدين
أساسُها القولُ على الله بلا علم يقول الله تعالي ( إِنَّمَا يَفۡتَرِي ٱلۡكَذِبَ ٱلَّذِينَ
لَا يُؤۡمِنُونَ بِـَٔايَٰتِ ٱللَّهِۖ وَأُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلۡكَٰذِبُونَ ) النحل
يقول الإمام مالك - رحمه الله تعالى: (أخبرني
رجل أنه دخل على ربيعة بن أبي عبد الرحمن فوجده يبكي، فقال له: ما يبكيك؟ أمصيبة دخلت
عليك؟ فقال: لا، ولكن استُفْتِيَ من لا علم له )
والقول على رسول الله صلى الله عليه وسلم
بغير علم كالقول على الله لأن كلامه صلى الله عليه وسلم وحي من ربه لا يقول الا حقا
( وَمَا يَنطِقُ عَنِ ٱلۡهَوَىٰٓ 3 إِنۡ هُوَ إِلَّا وَحۡيٞ يُوحَىٰ 4 )النجم
واعلم أن الكاذب عليه صلى الله عليه وسلم
من أهل النار, كما صح في الحديث المتواترعَنِ الْمُغِيرَةِ رضي الله عنه قَالَ: سَمِعْتُ
النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ: "إِنَّ كَذِبًا عَلَيَّ لَيْسَ كَكَذِبٍ
عَلَى أَحَدٍ، مَنْ كَذَبَ عَلَيَّ مُتَعَمِّدًا فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنَ
النَّارِ"، سَمِعْتُ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ: "مَنْ نِيحَ
عَلَيْهِ يُعَذَّبُ بِمَا نِيحَ عَلَيْهِ" البخاري
وفي رواية عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ
النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: (تَسَمَّوْا بِاسْمِي وَلَا تَكْتَنُوا بِكُنْيَتِي،
وَمَنْ رَآنِي فِي الْمَنَامِ فَقَدْ رَآنِي، فَإِنَّ الشَّيْطَانَ لَا يَتَمَثَّلُ
فِي صُورَتِي، وَمَنْ كَذَبَ عَلَيَّ مُتَعَمِّدًا فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنَ
النَّارِ) البخاري.
فالمُفْتُونَ في الحقيقة موقعون عن رب العالمين،
وهو منصبٌ لا يُنكَر فضله، ولا يُجهَل قدرُه، وهو من أعلى المراتب السنيَّات، والأعمال
الزاكيات، قَالَ النووي - رَحِمَهُ اللهُ: "الْإِفْتَاءُ عَظِيم الْخَطَرِ، كَبِيرُ
الْموقع، كثيرُ الْفضل؛ لِأَن الْمُفْتِي وَارِثُ الْأَنْبِيَاء صلوَات الله وَسَلَامه
عَلَيْهِم، وقائمٌ بِفَرْض الْكِفَايَة، لكنه مُعَرَّضٌ للخطأ، وَلِهَذَا قَالُوا:
الْمُفْتِي مُوَقِّعُ عَن الله تَعَالَى" (آداب الفتوى للنووي:13)
وروي الترمذي عَنْ المُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ،
عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: «مَنْ حَدَّثَ عَنِّي حَدِيثًا وَهُوَ يَرَى
أَنَّهُ كَذِبٌ فَهُوَ أَحَدُ الكَاذِبِينَ»
فكل تلكم النصوص وغيرها كثير في الوحي تدل
على أن الواجب على المسلم أن لا ينسب إلى الله ورسوله كلاماً أو خبراً أو قولاً أو
نهياً إلا بعد أن يتأكد من صحة نسبته إلى من نسبه إليه فالأمر خطير كما قال صلى الله
عليه وسلم: ((إن كذب على ليس ككذب على غيري)), فالكذب كله محرم وهو على الله ورسوله
أشد تحريماً.
ولقد أنكر الله سبحانه على الذي يحللون
ويحرمون بأهوائهم: (قُلْ أَرَأَيْتُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ لَكُمْ مِنْ رِزْقٍ فَجَعَلْتُمْ
مِنْهُ حَرَاماً وَحَلالاً قُلْ أَاللَّهُ أَذِنَ لَكُمْ أَمْ عَلَى اللَّهِ تَفْتَرُونَ
* وَمَا ظَنُّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ)
[يونس: 59، 60]
فمن أَفتَى أحدا بغير علم كان إثمُ كل ما
يترتب على فتواه من مخالفة للشرع ومباينة للهدى وزره عليه روي أبو داود والحاكم عن
أبي هُرَيْرَةَ يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: «مَنْ أُفْتِيَ
بِغَيْرِ عِلْمٍ كَانَ إِثْمُهُ عَلَى مَنْ أَفْتَاهُ ))
وينبغي على كل عاقل أن يحذر القولَ على
الله تعالى بغير علم؛ فإن القول على الله تعالى بغير علم من أكبر الكبائر وأعظم الذنوب،
وقد جعله الله سبحانه وتعالى عديلَ الشرك، وتوعد عليه بالعذاب الأليم، فقال سبحانه
(وَلا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمْ الْكَذِبَ هَذَا حَلالٌ وَهَذَا حَرَامٌ
لِتَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ
لا يُفْلِحُونَ) [النحل: 116
فسمّى المفتين في شرع الله بغير علم، مفترين
على الله الكذب.
معاشر المؤمنين: إن من أكبر الجنايات أن
يطلق المرء القول بالتحريم أو التحليل فيما لا علم له به إلا مجرد الظنون أو الشكوك
وتحكيم العقل والعواطف، فإن هذا من القول على الله بغير علم، وقد حرّم الله سبحانه
القول عليه بغير علم في الفتيا والقضاء، وجعله من أعظم المحرمات، بل جعله في المرتبة
العليا منها، فقال سبحانه: (قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّي الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ
مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا
بِاللَّهِ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَاناً وَأَنْ
تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ) [الأعراف: 33].
فرتب سبحانه المحرمات أربع مراتب، وبدأ
بأسهلها وهي الفواحش، ثم ثنى بما هو أشد تحريمًا منه وهو الإثم والبغي بغير الحق، ثم
ثلّث بما هو أعظم تحريمًا منها وهو الشرك به سبحانه، ثم ربّع بما هو أشد تحريمًا من
ذلك كله وهو القول على الله بلا علم.
وهذا يعم القول عليه سبحانه بلا علم في
أسمائه وصفاته وأفعاله وفي دينه وشرعه، ولهذا وجب على العبد أن لا يطلق لسانه بالتحريم
أو التحليل إلا بما علم أن الله سبحانه أحله أو حرمه
يا قوم: كما ذكرنا الفتوى توقيع عن رب العالمين،
وإخبار بشرع الله المتين، فللفتوى هيبتها وقدسيتها ومكانتها من دين الإسلام، والعجب
العجاب أنك تجد فئاماَ من الناس عندهم جرأة على الفتيا والإفتاء دون ورع ولا خوف، ولا
مبالاة ولا وازع ولا رادع، متكئ على أريكته، ويحلل ويحرم، ويبيح ويمنع، وحينما يسأل
في الطب أو الهندسة أو الفيزياء يتوقف عن الإجابة
أيها المؤمنون: إن كثيرًا من العامة يفتي
بعضهم بعضًا بما لا يعلمون، فتجدهم يقولون: هذا حلال وهذا حرام أو واجب أو غير واجب،
وهم لا يعلمون عن ذلك، أو لا يعلم أولئك أن فعلهم هذا جناية وسوء أدب مع الله تعالى،
فكيف يعلم العبد أن الأمر والحكم لله!! ثم يتقدم بين يدي الله بما لا علم له به، فيقول
في دين الله بلا علم.
عباد الله: إنما الناس ثلاثة نفر: رجل آتاه
الله علمًا، فهو يفتي به ويعلم الناس، وطالب علم يسمع الفتوى من العالم فينقلها كما
سمعها بعد أن علم موقعها، ورجل لا علم له، فهذا يقول لما لا يعلم: لا أعلم.
فمن تجاوز حده فقد أوقع نفسه في الحرام
وقال ابن عباس: "إن كل من أفتى الناس
في كل ما يسألونه عنه لمجنون "
روى البخاري رحمه الله عن النُّعْمانَ بنَ
بَشِيرٍ يقول: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يقول: «الحَلالُ بَيِّنٌ،
والحَرامُ بَيِّنٌ، وَبَيْنَهُما مُشَبَّهاتٌ لا يَعْلَمُها كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ،
فَمَنِ اتَّقَى المُشَبَّهاتِ اسْتَبْرأَ لِدِيْنِهِ وَعِرْضِهِ، وَمَنْ وَقَعَ فِي
الشُّبُهاتِ كَراعِيْ يَرْعَى حَوْلَ الحِمَى، يُوشِكُ أَنْ يُواقِعَهُ، أَلا وإِنَّ
لِكُلِّ مَلِكٍ حِمًى، أَلا إِنَّ حِمَى اللَّهِ فِي أَرْضِهِ مَحارِمُهُ، أَلا وإِنَّ
فِي الجَسَدِ مُضْغَةً إِذا صَلَحَتْ صَلَحَ الجَسَدُ كُلُّهُ، وإِذا فَسَدَتْ فَسَدَ
الجَسَدُ كُلُّهُ، أَلا وَهِيَ القَلْبُ».
عَنْ وَابِصَةَ الْأَسَدِيِّ قَالَ: أَتَيْتُ
رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم وَأَنَا أُرِيدُ أَنْ لَا أَدَعَ شَيْئًا مِنَ الْبِرِّ
وَالْإِثْمِ إِلَّا سَأَلْتُهُ عَنْهُ، وَحَوْلَهُ عِصَابَةٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ يَسْتَفْتُونَهُ،
فَجَعَلْتُ أَتَخَطَّاهُمْ، فَقَالُوا: إِلَيْكَ يَا وَابِصَةُ عَنْ رَسُولِ اللهِ
صلى الله عليه وسلم. فُقُلْتُ: دَعُونِي فَأَدْنُوَ مِنْهُ، فَإِنَّهُ أَحَبُّ النَّاسِ
إِلَيَّ أَنْ أَدْنُوَ مِنْهُ. قَالَ: " دَعُوا وَابِصَةَ، ادْنُ يَا وَابِصَةُ
" مَرَّتَيْنِ أَوْ ثَلَاثًا.
قَالَ: فَدَنَوْتُ مِنْهُ حَتَّى قَعَدْتُ
بَيْنَ يَدَيْهِ، فَقَالَ: " يَا وَابِصَةُ أُخْبِرُكَ أَمْ تَسْأَلُنِي ؟
" قُلْتُ: لَا بَلْ أَخْبِرْنِي. فَقَالَ: " جِئْتَ تَسْأَلُنِي عَنِ الْبِرِّ
وَالْإِثْمِ " فَقَالَ: نَعَمْ. فَجَمَعَ أَنَامِلَهُ فَجَعَلَ يَنْكُتُ بِهِنَّ
فِي صَدْرِي، وَيَقُولُ: " يَا وَابِصَةُ اسْتَفْتِ قَلْبَكَ، وَاسْتَفْتِ نَفْسَكَ
" ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، " الْبِرُّ مَا اطْمَأَنَّتْ إِلَيْهِ النَّفْسُ، وَالْإِثْمُ
مَا حَاكَ فِي النَّفْسِ وَتَرَدَّدَ فِي الصَّدْرِ، وَإِنْ أَفْتَاكَ النَّاسُ وَأَفْتَوْكَ
" رواه أحمد
وقال الفضيل بن عياض: (اتبع طُرُق الهدى؛
ولا يضرك قلة السالكين، وإياك وطرق الضلالة؛ ولا تغتر بكثرة الهالكين)، وأرشد النبي
- صلى الله عليه وسلم - إلى المخرج من تلك الفتاوى الضالة والمضلة وغيرها مما يجر إلى
الفتن؛ فقال - صلى الله عليه وسلم فيما روي احمد عَنْ عِرْبَاضِ بْنِ سَارِيَةَ، قَالَ:
صَلَّى لَنَا رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم الْفَجْرَ، ثُمَّ أَقْبَلَ عَلَيْنَا،
فَوَعَظَنَا مَوْعِظَةً بَلِيغَةً، ذَرَفَتْ لَهَا الْأَعْيُنُ ، وَوَجِلَتْ مِنْهَا
الْقُلُوبُ، قُلْنَا أَوْ قَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ، كَأَنَّ هَذِهِ مَوْعِظَةُ مُوَدِّعٍ،
فَأَوْصِنَا. قَالَ: " أُوصِيكُمْ بِتَقْوَى اللهِ وَالسَّمْعِ وَالطَّاعَةِ وَإِنْ
كَانَ عَبْدًا حَبَشِيًّا، فَإِنَّهُ مَنْ يَعِشْ مِنْكُمْ يَرَى بَعْدِي اخْتِلَافًا
كَثِيرًا، فَعَلَيْكُمْ بِسُنَّتِي وَسُنَّةِ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ الْمَهْدِيِّينَ،
وَعَضُّوا عَلَيْهَا بِالنَّوَاجِذِ، وَإِيَّاكُمْ وَمُحْدَثَاتِ الْأُمُورِ، فَإِنَّ
كُلَّ مُحْدَثَةٍ بِدْعَةٌ، وَإِنَّ كُلَّ بِدْعَةٍ ضَلَالَةٌ " مسند احمد
ثانيا ً: ولا تقف ما ليس لك به علم
أيها المسلمون: إذا علم هذا فما بال شباب
المسلمين وعوامهم يخوضون بالفتوى في النوازل والفتن؟! إنا لله وإنا إليه راجعون
قَوْلُهُ: (وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ
بِهِ عِلْمٌ)، قَالَ عَبْدُاللهِ بْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا: لَا تَقُلْ
مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ؛ (تفسير الطبري - ج- 17 - ص- 593).
قال سُبْحَانَهُ مخاطبًا نبينا صلى الله
عليه وسلم: ﴿ قُلْ مَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُتَكَلِّفِينَ
﴾ [ص: 86].
قال ابن كثير (رحمهُ اللهُ): قَوْلُهُ:
(وَمَا أَنَا مِنَ الْمُتَكَلِّفِينَ) أَيْ: وَمَا أَزِيدُ عَلَى مَا أَرْسَلَنِي اللَّهُ
بِهِ، وَلَا أَبْتَغِي زِيَادَةً عَلَيْهِ بَلْ مَا أُمِرْتُ بِهِ أَدَّيْتُهُ لَا
أَزْيَدُ عَلَيْهِ وَلَا أَنْقَصُ مِنْهُ وَإِنَّمَا أَبْتَغِي بِذَلِكَ وَجْهَ اللَّهِ
عَزَّ وَجَلَّ وَالدَّارَ الْآخِرَةَ؛ (تفسير ابن كثير - ج-7 - ص- 82).
نبينا صلى الله عليه وسلم يحذرنا مِن الإفتاء
بغير عِلْمٍ وأنه إغواءُ الناس وإضلالُهم:
روى الشيخانِ عَنْ عَبْدِاللَّهِ بْنِ عَمْرِو
بْنِ العَاصِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا، قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله
عليه وسلم يَقُولُ: إِنَّ اللَّهَ لاَ يَقْبِضُ العِلْمَ انْتِزَاعًا يَنْتَزِعُهُ
مِنَ العِبَادِ، وَلَكِنْ يَقْبِضُ العِلْمَ بِقَبْضِ العُلَمَاءِ، حَتَّى إِذَا لَمْ
يُبْقِ عَالِمًا اتَّخَذَ النَّاسُ رُؤُوسًا جُهَّالًا، فَسُئِلُوا فَأَفْتَوْا بِغَيْرِ
عِلْمٍ، فَضَلُّوا وَأَضَلُّوا؛ (البخاري - حديث: 100 / مسلم - حديث: 2673).
قَوْلُهُ: (لَا يَقْبِضُ الْعِلْمَ) الْمُرَادُ
بِهِ عِلْمُ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَمَا يَتَعَلَّقُ بِهِمَا فالمفتي بغير علم ضلَّ
عن الحق، وأضل غيره ممن اتبعه في فتواه.
قَوْلُهُ: (وَلَكِنْ يَقْبِضُ العِلْمَ
بِقَبْضِ العُلَمَاء)، يَعْنِي لَا يَقْبِضُ الْعِلْمَ مِنَ الْعِبَادِ بِأَنْ يَرْفَعَهُ
مِنْ بَيْنِهِمْ إِلَى السَّمَاءِ وَلَكِنْ يَرْفَعُ الْعِلْمَ بِمَوْتِ الْعُلَمَاءِ)
(مرقاة المفاتيح )).
روى أبو داود عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ
اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: مَنْ
أُفْتِيَ بِغَيْرِ عِلْمٍ كَانَ إِثْمُهُ عَلَى مَنْ أَفْتَاهُ؛ (حديث حسن)).
قَالَ علي الهروي (رَحِمَهُ اللهُ): كُلُّ
جَاهِلٍ سَأَلَ عَالِمًا عَنْ مَسْأَلَةٍ فَأَفْتَاهُ الْعَالِمُ بِجَوَابٍ بَاطِلٍ،
فَعَمِلَ السَّائِلُ بِهَا وَلَمْ يَعْلَمْ بُطْلَانَهُ فَإِثْمُهُ عَلَى الْمُفْتِي
إِنْ قَصَّرَ فِي اجْتِهَادِهِ) (مرقاة المفاتيح )
تأملوا -رعاكم الله ورحمكم- هذه الحادثة
والقصة التي رواها أبو داود عَنْ جَابِرٍ، قَالَ: «خَرَجْنَا فِي سَفَرٍ فَأَصَابَ
رَجُلًا مِنَّا حَجَرٌ فَشَجَّهُ فِي رَأْسِهِ، ثُمَّ احْتَلَمَ، فَسَأَلَ أَصْحَابَهُ،
فَقَالَ: هَلْ تَجِدُونَ لِي رُخْصَةً فِي التَّيَمُّمِ؟ قَالُوا: مَا نَجِدُ لَكَ
رُخْصَةً وَأَنْتَ تَقْدِرُ عَلَى الْمَاءِ، فَاغْتَسَلَ فَمَاتَ، فَلَمَّا قَدِمْنَا
عَلَى النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم أُخْبِرَ بِذَلِكَ فَقَالَ: قَتَلُوهُ قَتَلَهُمُ
اللهُ، أَلَا سَأَلُوا إِذْ لَمْ يَعْلَمُوا، فَإِنَّمَا شِفَاءُ الْعِيِّ السُّؤَالُ،
إِنَّمَا كَانَ يَكْفِيهِ أَنْ يَتَيَمَّمَ
قَوْلُهُ: (فَشَجَّهُ فِي رَأْسِهِ) الشَّجُّ:
هُوَ كَسْرُ الرَّأْسِ.
قَوْلُهُ: (احْتَلَمَ) أَيْ أَصَابَتْهُ
جَنَابَةٌ
قَوْلُهُ: (قَتَلُوهُ) أَسْنَدَ النَّبِيُّ
صلى الله عليه وسلم الْقَتْلَ إِلَيْهِمْ؛ لِأَنَّهُمْ تَسَبَّبُوا لَهُ بِتَكْلِيفِهِمْ
لَهُ بِاسْتِعْمَالِ الْمَاءِ مَعَ وُجُودِ الْجُرْحِ فِي رَأْسِهِ; لِيَكُونَ أَدَلَّ
عَلَى الْإِنْكَارِ عَلَيْهِمْ.
قَوْلُهُ: (قَتَلَهُمُ اللَّهُ): هَذَا
دُعَاءٌ عَلَيْهِم، قَالَهُ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم، زَجْرًا وَتَهْدِيدًا.
قَوْلُهُ: (الْعِيِّ): هُوَ الجَهْل.
قَوْلُهُ: (السُّؤَالُ)؛ أيْ: لَا شِفَاءَ
لِدَاءِ الْجَهْلِ إِلَّا التَّعَلُّمُ، عَابَهُمْ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ
بِالْإِفْتَاءِ بِغَيْرِ عِلْ-م، وَأَلْحَقَ بِهِمُ الْوَعِيدَ بِأَنْ دَعَا عَلَيْهِمْ
إحذر لسانك أن تقول فتُتبتلي إن البـــــــــــــلاءَ
مُوكَّل بالمنـــــــــــــطق
كان الإمام الكسائي رحمه الله راعياً للغنم
حتى بلغ 40 عاماً!
وفي يوم من الأيام وهو يسير رأى أمّاً تحث
ابنها على الذهاب إلى الحلقة لحفظ القرآن، والولد لا يريد الذهاب..
فقالت لابنها : "يا بني اذهب إلى الحلقة
لتتعلم، حتى إذا كبرت لا تكون مثل هذا الراعي!!"
فقال الكسائي :
"أنا يضرب بي المثل في الجهل؟!!"..
فذهب، فباع غنماته، وانطلق إلى التعلم وتحصيله،
فأصبح :
- إماماً في اللغة!
- إماماً في القراءات!
- ويضرب به المثل في العلم وكبر الهمة!
: الجواهر و الدرر - لابن حجر.
* ذكر الخطيب البغدادي رحمه الله في
"تاريخ بغداد "
أن الإمام الكسائي زار هارون الرشيد ومعه
اليزيدي ( تلميذ أبي عمرو البصري) فقدم الرشيد الكسائي فصلي المغرب بهم
فتوقف عند قوله [ قل يا أيها الكافرون
] وارتج ، فكبر وركع ..
فلمّا سلم تبسم اليزيدي وقال : أترتج [
قل يا أيها الكافرون ] على مقرئ الكوفة ؟
فقدِمتْ صلاة العشاء ، فقدّموا اليزيدي
وأمّ بالرشيد والكسائي هذه المرة ..
فتوقف عند [ الحمدلله رب العالمين ] وارتج
في الفاتحة .. !!
فلما سلّم قال الكسائي: " إحذر لسانك
أن تقول فتُتبتلي إن البـــــــــــــلاءَ مُوكَّل بالمنـــــــــــــطق
اقول قولي هذا واستغفر الله لي ولكم
الخطبة الثانية
الحمد لله معز من أطاعه واتقاه، ومذل من
خالف أمره وعصاه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن سيدنا ونبينا
محمداً عبد الله ورسوله، أكمل الله به الدين وأتم به النعمة وأقام به الحجة، وسد كل
طريق إلى الجنة إلا من طريقه، فصلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله وأصحابه.
أما بعد
ففي صحيح البخاري عن أبي موسى الأشعري قال:
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إنَّ بيْنَ يَدَيِ السَّاعَةِ أيَّامًا، يُرْفَعُ
فيها العِلْمُ، ويَنْزِلُ فيها الجَهْلُ، ويَكْثُرُ فيها الهَرْجُ والهَرْجُ: القَتْلُ).
صحيح البخاري:
ثالثا : خُطورةُ الجَهْلِ وبَلاؤُهُ
لا شك أن أثر الجهل في حياة الخلق مميتٌ
مادياً ومعنوياً إن الإفتاء بغير علم يؤدي للشقاق والفوضى، والشك في المسلمات من أمور
الدين، ويؤدي إلى الهلاك،
قال بعض السلف: ما عصي الله بذنب أقبح من
الجهل. وقيل للإمام سهل: يا أبا محمد! أي شيء أقبح من الجهل؟ قال: الجهل بالجهل، قيل:
صدقت؛ لأنه يسد باب العلم بالكلية. وقال بعض العلماء: الجهل على أربعة أضرب:
الأول: خلو النفس من العلم.
والثاني: اعتقاد الشيء بخلاف ما هو عليه.
والثالث: فعل الشيء على خلاف ما حقه أن
يفعل، سواء كان الاعتقاد فيه اعتقاداً صحيحاً أو فاسداً.
والرابع: قول خلاف الحق
ومن الملاحظ أن الموصوفين بالجهل في القرآن
الكريم ثلاثة أنواع من الناس كلهم مذمومون: إما كافر جاحد لرسالة نبيه، وإما مشرك أو
منافق مضيع للأمانة الكبرى التي كلف بها الإنسان ، وإما مؤمن عاص استزله الشيطان، وغلبته
شهوته فوقع في ما يجب الاستغفار منه، ويمكن القول إن الجهالة سبب كبير للمعاصي والذنوب،
بل هي مصدرها ومنشؤها . قال أبو العالية: «سألت أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم عن قوله:
{إنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهَالَةٍ}
[النساء:17] فقالوا لي: كل من عصى الله فهو جاهل»
فقد يقتل المرء نفسه بجهله، لأن الجهل رديف
الموت كما قال أمير الشعراء
وَالجَهلُ مَوتٌ فَإِن أوتيتَ مُعجِزَةً
فَابعَث مِنَ الجَهلِ أَو فَابعَث مِنَ الرَجَمِ
الجهل هو أكبر داء كما قال بعض السلف: ما
عصي الله بذنب أقبح من الجهل
روى أن عابداً من بني إسرائيل كان يعبد
الله سبحانه وتعالى في صومعة فوق الجبل ، وذات يوم خرج كعادته لكي يتجول متأملاً في
ملكوت الله تعالى حول صومعته ، وأثناء تجوله هذا رأى في طريقه جثة آدمي تنبعث منها
رائحة كريهة ، فمال العابد إلى اتجاه آخر حتى يتفادى شم هذه الرائحة . عند ذلك ظهر
له الشيطان في صورة رجل من الصالحين الناصحين ، وقال له : لقد تبخرت حسناتك ولم يعد
لك رصيد منها عند الله فقال له العابد : ولم ؟ قال : لأنك أبيت أن تشم رائحة آدمي مثلك
. وعندما ظهر الألم على وجه العابد قال له الشيطان
مشفقاً وناصحاً إذا أردت أن يغفر الله لك
زلتك فإني ناصحك بأن تصطاد فأراً جبلياً وتعلقه في رقبتك على أن تعبد الله به طوال
حياتك . ونفذ العابد الجاهل نصيحة الشيطان الذي كان يتحين له الفرص ؛ فاصطاد الفأر
الجبلي ، وظل يتعبد به حاملاً النجاسة أكثر من ستين عاماً إلى أن مات ( فبطلت كل عبادته
) . وقد ورد أن النبي (صلى الله عليه وسلم) قال معلقاً على الخبر :" مسألة علم
ـ أو مجلس علم ـ خير من عبادة ستين سنة وقيل للإمام سهل: يا أبا محمد! أي شيء أقبح
من الجهل؟ قال: الجهل بالجهل، قيل: صدقت؛ لأنه يسد باب العلم بالكلية.
وفي الجهل قبل الموت موت لأهله وأجسامهم
قبل القبور قبور.
وأرواحهم في وحشة من جسومهم وليس لهم حتى
النشور نشور.
وقال اخر
والجهل داء قاتل وشفاءه أمران في التركيب
متفقان.
نص من القرآن أو من سنة وطبيب ذاك العالم
الرباني.
ما تأخرت الامة الا بسبب الجهل واذا كان
الجهل كان المرض والفقر ذلك الثالوث المرعب
هذا وصلوا وسلموا رحمكم الله على خير البرية
وأزكى البشرية محمد بن عبد الله بن عبد المطلب، صاحب الحوض والشفاعة، وقد قال في قوله: {إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ
يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا
تَسْلِيماً} [الأحزاب:٥٦] وقال صلوات الله وسلامه عليه في الحديث الصحيح: {من صلى عليَّ
صلاةً واحدة صلى الله عليه بها عشراً} .
اللهم صلِّ على محمد وعلى آل محمد كما صليت
على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميدٌ مجيد، وبارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت
على إبراهيم وعلى آل إبراهيم في العالمين إنك حميدٌ مجيد.
اللهم أعز الإسلام والمسلمين، وأذل الشرك
والمشركين، ودمر أعداء الدين، واجعل هذا البلد آمناً مطمئناً وسائر بلاد المسلمين.
اللهم انصر من نصر الدين، واخذل من خذل
عبادك المؤمنين، اللهم فرج هم المهمومين من المسلمين، ونفس كرب المكروبين، واقض الدين
عن المدينين، واشفِ مرضانا ومرضى المسلمين، برحمتك يا أرحم الرحمين.
اللهم آمنا في أوطاننا، وأصلح أئمتنا وولاة
أمورنا، واجعل ولايتنا في من خافك واتقاك، واتبع رضاك يا رب العالمين، اللهم وفق ولي
أمرنا لما تحبه وترضاه من الأقوال والأفعال والأعمال يا حي يا قيوم، اللهم أصلح له
بطانته يا ذا الجلال والإكرام، اللهم ما سألناك من الخير فأعطنا، وما لم نسألك فابتدئنا،
وما قصرت عنه آمالنا من الخيرات فبلغنا.
عباد الله! اذكروا الله العظيم يذكركم،
واشكروه على نعمه يزدكم، ولذكر الله أكبر، والله يعلم ما تصنعون