الأسباب التى ينال بها العبد رحمة الله تعالى
الحمد لله الذي وسعت رحمته كل شيء، وكتب
على نفسه الرحمة، وسبقت رحمته غضبه، وهو أرحم الراحمين. أحمده سبحانه وأشكره على نعمه
التي لا تعد ولا تحصى، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الأسماء الحسنى
والصفات العلى، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، بعثه رحمة للعالمين، فصلوات الله وسلامه
عليه وعلى آله وصحبه أجمعين.
أما بعد: فيا أيها الناس، أوصيكم ونفسي
بتقوى الله عز وجل، فاتقوا الله حق تقاته، فهي السبيل الأعظم لنيل رحمته ورضوانه.
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ
إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران: 102].
قصة من قصص الصحابة عن رحمة الله
أيها الإخوة المؤمنون، أستهل حديثي معكم
بقصة عظيمة تبين لنا سعة رحمة الله، قصة حدثت في عهد النبي ﷺ وفي غزوة حنين: "قدم على رسول الله
صلى الله عليه وسلم بسبي، فإذا امرأة من السبي تبتغي"، فقدت صغيرها، فأخذت تبحث
عنه بين الأسرى، حتى وجدته فأخذته وألصقته ببطنها وأرضعته. فقال لنا رسول الله صلى
الله عليه وسلم: "أترون هذه المرأة طارحةً ولدها في النار؟ قلنا: لا، والله وهي
تقدر على ألا تطرحه"، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لله أرحم بعباده
من هذه المرأة بولدها". فهذا المشهد المؤثر يختصر لنا حقيقة عظيمة، وهي أن رحمة
الله أوسع وأشمل من أن يحيط بها عقل أو يبلغها فكر.
عناصر الخطبة الإجمالية
أيها المسلمون، إن رحمة الله تعالى هي أعظم
ما يسعى إليه المؤمن، وبها ينال السعادة في الدنيا والآخرة. فلا سعادة ولا فلاح إلا
برحمة الله. ولن ينال العبد هذه الرحمة العظيمة إلا بأسباب جعلها الله تعالى طرقاً
موصلة إليها. وإليكم أيها الإخوة في الله أبرز هذه الأسباب التي ننال بها رحمة الله
تعالى:
· أولاً: الإيمان بالله وتقواه.
· ثانياً: طاعة الله وطاعة رسوله ﷺ.
· ثالثاً: رحمة الخلق والإحسان إليهم.
· رابعاً: تلاوة القرآن الكريم والاستماع إليه.
· خامساً: الدعاء والاستغفار والتوبة إلى الله.
· سادساً: إقام الصلاة وإيتاء الزكاة والأعمال الصالحة.
شرح الأسباب بالأدلة والقصص
أولاً: الإيمان بالله وتقواه
إن الإيمان بالله هو أول وأعظم الأسباب
الجالبة لرحمة الله تعالى. فرحمة الله لا يمكن أن تحصل إلا لمن آمن به سبحانه، الإيمان
الحقيقي بجميع أركانه. قال الله تعالى: ﴿وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُهَا
لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَالَّذِينَ هُمْ بِآيَاتِنَا يُؤْمِنُونَ﴾
[الأعراف: 156]. فجعل الله التقوى سبباً لكتابة الرحمة، والتقوى هي أن يجعل العبد بينه
وبين عذاب الله وقاية بفعل أوامره واجتناب نواهيه.
ومن جميل ما يُروى عن الصحابة في رحمة بعضهم
ببعض: عن عامر بن عبد الله بن الزبير، عن أبيه، قال: قال أبو قحافة... وكان الصحابة
رضي الله عنهم يسعون في عتق رقاب أصحاب الضعفاء، وإنقاذهم من تعذيب صناديد قريش. فهذا
يدل على أن الإيمان الصادق يورث القلب رقة ورحمة.
ثانياً: طاعة الله وطاعة رسوله ﷺ
قال الله تعالى: ﴿وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ
لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ [آل عمران: 132]. فهذه الآية الكريمة تجعل طاعة الله ورسوله
سبباً لنيل رحمة الله. ومن طاعة الرسول ﷺ الاقتداء به في أخلاقه الكريمة ورحمته
بالخلق. قال الله تعالى عنه: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ﴾ [آل عمران:
159].
وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قيل: يا
رسول الله ادع على المشركين، قال: "إني لم أبعث لعاناً، وإنما بعثت رحمة".
ثالثاً: رحمة الخلق والإحسان إليهم
من أعظم أسباب نيل رحمة الله أن يرحم العبد
غيره من المخلوقات. قال رسول الله ﷺ: "الراحمون يرحمهم الرحمن، ارحموا
من في الأرض يرحمكم من في السماء". وفي رواية: "من لا يرحم الناس لا يرحمه
الله".
فهذا الحديث النبوي الشريف يبين أن الرحمة
التي يبديها العبد تجاه إخوانه من البشر وحتى الحيوانات، هي سبب مباشر لنيل رحمة الله.
ومن أروع القصص التي تدل على رحمة الصحابة، ما ورد عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه
سمع بكاء صبي، فأتى إلى أمه وقال لها: "ويحك، إنكِ أم سوء، ما لي أرى ابنك لا
يقر منذ الليلة من البكاء؟" فأصلحت أمره وأرضعته، فعُرف عنه شدة اهتمامه برعيته
ورحمته بالضعفاء.
رابعاً: تلاوة القرآن الكريم والاستماع
إليه
القرآن الكريم هو أعظم رحمة أنزلها الله
على عباده. قال الله تعالى: ﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا
لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ [الأعراف: 204]. فالاستماع إلى القرآن بتدبر وخشوع سبب لنيل
الرحمة. وقد وصف الله القرآن بأنه رحمة للمؤمنين، قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ
قَدْ جَاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَشِفَاءٌ لِمَا فِي الصُّدُورِ وَهُدىً
وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [يونس: 57].
خامساً: الدعاء والاستغفار والتوبة إلى
الله
الدعاء هو عبادة عظيمة، وهو من أعظم أسباب
نيل رحمة الله. قال الله تعالى: ﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ
لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا
إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ [الزمر: 53]. وقال تعالى: ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءًا
أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ يَجِدِ اللَّهَ غَفُورًا رَحِيمًا﴾
[النساء: 110].
وقد حث النبي ﷺ على الدعاء بخشوع، ومن ذلك دعاء الاستغفار:
"اللهم اغفر لي وارحمني واهدني وعافني وارزقني". وبين النبي ﷺ أن من أسباب نيل مغفرة الله ورحمته أيضاً،
ترديد الأذان والدعاء بعده: "من قال حين يسمع المؤذن: أشهد أن لا إله إلا الله
وحده لا شريك له، وأن محمداً عبده ورسوله، غفر له ما تقدم من ذنبه".
سادساً: إقام الصلاة وإيتاء الزكاة والأعمال
الصالحة
قال الله تعالى: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ
وَآتُوا الزَّكَاةَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾. وأكد النبي ﷺ على فضل الصلاة في محو الخطايا، فعن أبي
هريرة رضي الله عنه أن النبي ﷺ قال: "أرأيتم لو أن نهراً بباب أحدكم
يغتسل فيه كل يوم خمساً، ما تقول ذلك يبقي من درنه؟ قالوا: لا يبقي من درنه شيئاً،
قال: فذلك مثل الصلوات الخمس، يمحو الله به الخطايا".
كما أن من الأعمال الصالحة الجالبة للرحمة،
صيام رمضان وقيام ليلة القدر. قال ﷺ: "من صام رمضان إيماناً واحتساباً
غفر له ما تقدم من ذنبه، ومن قام ليلة القدر إيماناً واحتساباً غفر له ما تقدم من ذنبه".
خاتمة ودعاء
أيها المسلمون، هذه بعض الأسباب العظيمة
التي ينال بها العبد رحمة الله تعالى، فاسعوا إليها رحمكم الله، واجتهدوا في طاعته،
وارحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء. واسألوا الله من فضله وكرمه أن يجعلكم من
الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه، أولئك الذين هداهم الله وأولئك هم أولو الألباب.
واعلموا أن رحمة الله أقرب إلى المتقين
المحسنين، كما قال تعالى: ﴿إِنَّ رَحْمَةَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ﴾ [الأعراف:
56]. فلا تقنطوا من رحمة الله مهما عظمت ذنوبكم، فباب التوبة مفتوح، ورحمة الله أوسع
من كل شيء.
اللهم ارحمنا برحمتك الواسعة، وتغمدنا برحمتك
في الدنيا والآخرة. اللهم إنا نسألك رحمة من عندك تهدي بها قلوبنا، وتجمع بها شملنا،
وتصلح بها ذات بيننا، وتؤمن بها روعاتنا. اللهم ارحم موتانا واشف مرضانا، واقض ديوننا،
وفرج همومنا، واجعلنا من عبادك الصالحين المتقين المرحومين. اللهم ارحم هذا الجمع من
المؤمنين، اللهم استر عوراتهم، وآمن روعاتهم، وارفع درجاتهم في الجنات، واغفر لهم ولآبائهم
وأمهاتهم، وأصلح نياتهم وذرياتهم. ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب
النار. والحمد لله رب العالمين.
.
·