خطبة بعنوان احتكار السلع وغلاء الأسعار
الحمد لله رب العالمين،
الذي أمر عباده بالعدل في الأمور، وعدم الظلم للآخرين، ومحبة الخير للمسلمين، والحرص
على نفع الناس أجمعين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له القائل في كتابه
{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ
إِلاَّ أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ}(البقرة)، وأشهد أن محمدا عبده
ورسوله أرحم الخلق بعباد الله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه أجمعين،
أما بعد:
عباد الله:
من أسباب غلاء الأسعار
في خِضَمِّ وغضون ارتفاع
الأسعار ظهرت طائفة من التجار لا ترى المصلحة إلا لنفسها، ولا تسعى إلا لتحقيق مآربها،
ناسية أو متناسية مصلحة إخوانهم الآخرين، ناسية قول النبي -صلى الله عليه وسلم-، كما
في الصحيحين من حديث أنس -رضي الله عنه-: "لا يؤمن أحدكم حتى يُحب لأخيه ما يُحب
لنفسه".
عباد الله:
لقد عانى كثير من المسلمين
من غلاء الأسعار وخاصة في الأعوام الأخيرة ولا يزال ذلك في ازدياد، وهذا بطبعه أثَّر
على معيشة كثير من الناس، وأدى بهم إلى زيادة الحاجة والعوز ، وخاصة الفقراء، ولكن
غاب عن الجميع أن الغلاء له أسباب كثيرة ومتعددة، ومن ذلك ـ حسب ما يظهر لي ـ:
أولاً: كثرة الذنوب
والمعاصي وبعد الناس عن دينهم: وهي من أهم الأسباب التي أظهرت هذا الوباء العظيم، ومن
المشاهد أن بعضاً من المسلمين أصبحوا مفرطين في كثير من الأحكام الشرعية، ليس ذلك فقط
بل أصبحوا يقعون في بعض الكبائر غير مبالين بغضب الله تعالى وسخطه، ومعلوم أن الذنوب
تسبب هلاك الحرث والنسل، وتسبب انتشار الفساد في البر والبحر، قال تعالى:{ظَهَرَ الْفَسَادُ
فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي
عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ}(الروم:41)، وقال تعالى:{وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ
مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ}(الشورى:30).
والله تعالى يبتلي عباده
ببعض ما كسبت أيديهم لكي ينتبهوا ويراجعوا أنفسهم، وقال صلى الله عليه وسلم: (يا معشر
المهاجرين خصال خمس إذا ابتليتم بهن وأعوذ بالله أن تدركوهن: لم تظهر الفاحشة في قوم
قط حتى يعلنوا بها إلا فشا فيهم الطاعون والأوجاع التي لم تكن مضت في أسلافهم الذين
مضوا، ولم ينقصوا المكيال والميزان إلا أخذوا بالسنين وشدة المؤنة وجور السلطان عليهم،
ولم يمنعوا زكاة أموالهم إلا منعوا القطر من السماء ولولا البهائم لم يمطروا، ولم ينقضوا
عهد الله وعهد رسوله إلا سلط الله عليهم عدوهم من غيرهم فأخذوا بعض ما كان في أيديهم،
وما لم تحكم أئمتهم بكتاب الله عز وجل ويتحروا فيما أنزل الله إلا جعل الله بأسهم بينهم)
(رواه البيهقي والحاكم، وصححه الألباني في صحيح الجامع رقم 7978)، فهل يعي المسلمون
معنى هذا الحديث العظيم في أحوالهم التي يعيشونها الآن.
ثانياً: حب المال، والإكثار
منه: فحب المال والحرص على كسبه بأي طريق حتى ولو كان عن طريق الحرام أمر مشاهد للجميع،
وخاصة مع انتشار المعاملات الربوية، واختلاط الحلال بالحرام، قال تعالى:{وَتُحِبُّونَ
الْمَالَ حُبّاً جَمّاً}(الفجر:20)، وعندما يطغى ذلك على الناس يصبح الأمر خطيراً جدا،
ويتسبب في مخالفات شرعية كثيرة، قال صلى الله عليه وسلم: (فوالله لا الفقر أخشى عليكم
ولكن أخشى عليكم أن تبسط عليكم الدنيا كما بسطت على من كان قبلكم فتنافسوها كما تنافسوها
وتهلككم كما أهلكتهم)(متفق عليه).
ثالثاً: تلاعب التجار
والمحتكرين بالسلع التي يحتاج إليها الناس:
فبعضهم يقوم بتخزينها،
وإخفائها من أجل رفع ثمنها لتحصيل أكبر كسب ممكن، ويتضح ذلك خلال بعض المواسم، كدخول
شهر رمضان وغيره، وهذا فيه إضرار بالناس وخاصة الفقراء وأصحاب الحاجات، ، وهو أيضاً
منهي عنه شرعاً قال صلى الله عليه وسلم(لا ضرر ولا ضرار)(رواه أحمد ومالك في الموطأ،
وصححه الألباني في الإرواء ج8 رقم2653)، ولأنه من الظلم الواضح البيّن الذي أمر الله
باجتنابه، قال الله تعالى في الحديث القدسي: (يا عبادي إني حرمت الظلم على نفسي وجعلته
بينكم محرماً فلا تظالموا..)(رواه مسلم).
فاحتكار السلع يحمل
في طياته بذور الهلاك والدمار لما يسببه من ظلم وغلاءٍ في الأسعار، وإهدارٍ لتجارة
المسلمين وصناعتهم، وتضييق لأبواب العمل والرزق. وهو نوعٌ من محبة الذات وتقديم النفس
على الآخرين. ويؤدي إلى تضخم الأموال في طائفةٍ قليلةٍ من الناس كما في قوله تعالى:{كَيْ
لا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الأَغْنِيَاءِ مِنْكُمْ} (الحشر:7).
عباد الله: مما سبق
ذكره يتبين أن تلك الأمراض المعضلة التي بدأت تدب في الناس ـ وهي الغلاء واحتكار السلع
ـ غالبها من ضعف الإيمان، وحب الدنيا وإيثارها على العاجلة، وأنا أقول لمن يقع في ذلك:
كم ستعيش في الدنيا، وكم ستملك، وإلى متى التمتع بملذاتها؟ أليست لك نهاية؟ أليس لك
لقاء بملك الموت؟ ألا تعلم أنك ستقف بين يدي رب العالمين فيجازيك بما فعلت؟ فليتق الله
كل من تسول له نفسه احتكار السلع ورفع أسعارها،
والاحتكار ليس محصورا
في الطعام والشراب، بل إنه على الصحيح من قولي العلماء يشمل أشياء عدة، فكل ما يضطر
إليه الناس وما لا يستغنى عنه لا يجوز احتكاره،
لا مواد بناء، ولا أطعمة، ولا أشربة،
ولا خدمات، ولا سوى ذلك؛ فكل ما لا يستغنى عنه فلا يجوز احتكاره، فمن أقدم على ذلك
فقد أجرم جرما عظيما؛ فإنه قد استغل حاجة إخوانه المستضعفين، فقد قال صلى الله عليه
وسلم: (لا يحتكر إلا خاطئ)(رواه مسلم)، والخاطىء هو الآثم، وقال أيضاً: (من احتكر حكرة
يريد أن يغلي بها على المسلمين، فهو خاطئ)(رواه أحمد، ).
وقد ورد أن النبي -صلى
الله عليه وسلم- قال: "مَنْ احتكر طعاما أربعين يوما برئ من الله وبرئ الله منه،
وأيما أهل عرصة -أي: مكان- أصبح فيهم امرؤ
جائع فقد برئت منهم ذمة الله".
وقد ورد أن النبي -صلى
الله عليه وسلم- قال: "مَنْ احتكر على المسلمين طعاما ضربه الله بالجذام والإفلاس"،
انظروا: "ضربه الله بالجذام والإفلاس"، معاملة له بنقيض قصده، فإنه لما سعى
إلى أن يقلل السلع في الأسواق وأن يزداد المال عنده لكي يغتني ولكي يربح، أصابه الله
بالإفلاس، وهو الفقر الشديد، وأيضا وعده بوعيد وهو أن يصيبه الجذام، والجذام مرض تتساقط
منه الأعضاء ويتساقط منه اللحم، لأنه لما سعى إلى احتكار هذه السلع مع حاجة الناس إليها
فإن الناس سيمرضون وسيصيبهم العناء، فعاقبه الله بأشد الأمراض وهو الجذام
وليعلموا معاشر التجار أنه لن تنفعهم أموالهم ولا أملاكهم فتمنع عنهم عقاب
الله، وليعلموا أنهم موقوفون بين يدي خالقهم فيسألهم عن كل ما جمعوه، أهو من حلال أم
من حرام.
عباد الله: جاء في الأثر
أن الناس في زمن الخليفة عمر بن الخطاب رضي الله عنه جاءوا إليه وقالوا: نشتكي إليك
غلاء اللحم فسعره لنا، فقال: أرخصوه أنتم؟ فقالوا: نحن نشتكي غلاء السعر واللحم عند
الجزارين ونحن أصحاب الحاجة فتقول: أرخصوه أنتم؟فقالوا:وهل نملكه حتى نرخصه؟ وكيف نرخصه
وهو ليس في أيدينا؟ فقال قولته الرائعة: اتركوه لهم. فدلهم رضي الله عنه إلى طريقة
سديدة لمعالجة سعر هذه السلعة وذلك بتركها، فهل يعي المسلمون ذلك ويتركوا ما غلا سعره
إلى ما هو دونه كي يعلم هؤلاء المحتكرون أن الناس يمكنهم ترك سلعتهم فيرخصونها.
بل إن علي بن أبي طالب
رضي الله عنه يطرح بين أيدينا طريقة أخرى في مكافحة الغلاء وهي إرخاص السلعة عبر إبدالها
بسلعة أخرى؛ فعن رزين بن الأعرج مولى لآل العباس قال: (غلا علينا الزبيب بمكة فكتبنا
إلى على بن أبى طالب بالكوفة أن الزبيب قد غلا علينا, فكتب أن أرخصوه بالتمر)أي استبدلوه
بشراء التمر الذي كان متوفرا في الحجاز وأسعاره رخيصة فيقل الطلب على الزبيب فيرخص.
وإن لم يرخص فالتمر خير بديل. فانتبهوا عباد الله لتلك التوجيهات، فأنتم بيدكم بعض
علاج مشكلة الغلاء واحتكار السلع، فإذا وجد التجار أن الناس زهدوا فيما عندهم من السلع
الغالية أرخصوها
فاتقوا الله عباد الله:
واعلموا أن التاجر الذي يرأف بالناس يرأف الله به، ومن يرحمهم يرحمه الله، ومن ييسر
عليهم ييسر الله عليه، ومن صدق في بيعه وشراءه نال الأجر العظيم والثواب الجزيل، ويكفيه
شرفاً وفخراً أن ينال الجنة بفضل الله تعالى ورحمته، قال صلى الله عليه وسلم(التاجر
الصدوق الأمين مع النبيين والصديقين والشهداء)(رواه الترمذي
).
عليكم بالتعلق بالله عند غلاء الأسعار
قيل لبعض السلف
:
"غلت اﻷسعار قال
:
أخفضوها بالاستغفار
"
قيل ﻷعرابي
:
لقد أصبح رغيف الخبز
بدينار فأجاب :
والله ما همني ذلك ولو
أصبحت حبة القمح بدينار!
أنا أعبد الله كما أمرني
وهو يرزقني كما وعدني !!!
أتى الناس إلى سلمة
بن دينار فقالوا له : يا أبا حازم: أما ترى قد غلا السعر !!! فقال
:
" وما يغمكم من ذلك
"؟!!
إن الذي يرزقنا في الرخص
هو الذي يرزقنا في الغلاء ..
كلام جميل لشيخ اﻹسلام
ابن تيمية في غلاء اﻷسعار
قال شيخ اﻹسلام ابن
تيمية رحمه الله :-
( فالغلاء بارتفاع اﻷسعار
، والرخص بانخفاضها هما من
جملة الحوادث التي لا
خالق لها إلا الله وحده ، ولا يكون شيء منها إلا بمشيئته وقدرته ، لكن هو سبحانه قد
جعل بعض أفعال العباد سبباً في بعض الحوادث ،
كما جعل قتل القاتل
سبباً في موت المقتول ، وجعل ارتفاع اﻷسعار قد يكون بسبب ظلم العباد، وانخفاضها قد
يكون بسبب إحسان بعض الناس ).
هذا وصلوا على سيدنا
محمد.