مختصر خطبة
النصوص الشرعية بين الفهم الصحيح وسوء التأويل
الحمد لله ..
والصلاة والسلام على رسول الله..
أمَّا بعد:
يقول الله تعالى محذرًا:
{هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ
مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا
الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ
الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ
فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ
إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ}
#عبادالله:
إعلموا جيدًا أنه من أخطر الأمور التى تواجه
العقول ، المزج بين الجهل والهوى في التعامل مع الوحي.
#أيهاالإخوة:
في زمن القص واللصق في الدين ، أصبح فى
مجتمعاتنا آلاف من المفتين...
فصعُب علينا التفريق بين القابض علي دينه
, والقابض بدينه..
يمسك أحدهم بهاتفه، فيفتح تطبيقا ، أو يدخل
موقعا ،أو يسمع مقطعا ، فيخرج ليكفر مجتمعاً.
ورحم الله من قال :
فى مصر مائة ألف دار من الإفتاء ومواطن
واحد اسمه المفتى..
فالفقهُ عندَ الناسِ أمرٌ هيّنٌ ** والكلّ يفتي دائمًا ويصيبُ..
والكلُّ في علمِ الحديثِ مُحَدِّثٌ ** والكلُّ في علمِ الكلامِ خطيبُ..
لو كلّنا عَلِمَ الحدودَ لعقلهِ ** ما عاثَ فينا جاهلٌ وكذوبُ..
#تأملوا
لتعرفوا كيف يضيع الدين حين يُفهم بتأويل
خاطئ
.
في زمن الفتنة الكبرى، جاء رجل من الخوارج
إلى الصحابي الجليل عبد الله بن عمر رضي الله عنهما، والرجل ملابسه توحي بالتقوى، وجبهته
فيها أثر السجود.
سأل الرجلُ ابنَ عمر بسؤال شرعي دقيق:
"يا ابن عمر، ما تقول في دم البعوض إذا قتله
المحرم؟
هل عليه فدية؟".
فنظر إليه ابن عمر بغضب وقال له:
"انظروا إلى هذا! يسأل عن دم البعوض، وقد قتلوا الحسين بن علي بدمٍ بارد! وسمعت
النبي ﷺ يقول: هما ريحانتاي من الدنيا".
هذه القصة تلخيص لمأساة سوء التأويل .
إنسان يتشدد في دم بعوضة لأنه قرأ نصاً
عن الصيد للمحرم، وفي نفس الوقت يستحل دم ابن بنت رسول الله لأنه فسر النصوص الشرعية بما يرضي نزواته!
#ومما قرأت
مناظرة جرت بين الإمام أبو حنيفة وبين الخوارج،
وكان الخوارج يرون أن مرتكب الكبيرة كافر، وأما أبو حنيفة فيرى أن مرتكب الكبيرة مذنب
وليس بكافر.
فقد جاء وفد من هؤلاء الخوارج يريدون مناظرة
أبي حنيفة
وقالوا له: "هاتان جنازتان على باب
المسجد، أما إحداهما فجنازة رجل شرب الخمر حتى كظته وحشرج بها فمات، والأخرى جنازة
امرأة زنت، حتى إذا أيقنت بالحبل قتلت نفسها".
فقال الإمام متسائلاً: "من أي الملل
كانا؟ أمن اليهود؟"قالوا: "لا"،
قال: "أمن النصارى؟"قالوا:
"لا"،
قال: "أفمن المجوس؟"قالوا:
"لا".
قال: "فمن أي الملل كانا؟"
قالوا: "ملة تشهد أن لا إله إلا الله
وأن محمداً عبده ورسوله"،
قال: "فأخبروني عن هذه الشهادة، أهي
من الإيمان ثلث أو ربع أو خمس؟"
قالوا: "إن الإيمان لا يكون ثلثاً
ولا ربعاً ولا خمساً"،
قال: "فكم هي من الإيمان؟"
قالوا: "الإيمان كله"،
قال: " فما سؤالكم إياي عن قوم زعمتم
وأقررتم أنهما كانا مؤمنين".
ويمضي الخوارج مع الإمام في الحوار فيقولون
له: "دع عنك هذا، أمن أهل الجنة هما أم من أهل النار؟"
قال: "أما إذا أبيتم فإني أقول فيهما
ما قاله نبي الله إبراهيم في قوم كانوا أعظم جرماً منهما: {فَمَن تَبِعَنِي فَإِنَّهُ
مِنِّي وَمَنْ عَصَانِي فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ}
وأقول فيهما ما قاله نبي الله عيسى في قوم
كانوا أعظم جرماً منهما: {إِن تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِن تَغْفِرْ
لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ} ،
وأقول فيهما ما قال نبي الله نوح إذ: {قَالُوا
أَنُؤْمِنُ لَكَ وَاتَّبَعَكَ الْأَرْذَلُونَ، قَالَ وَمَا عِلْمِي بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ،
إِنْ حِسَابُهُمْ إِلَّا عَلَى رَبِّي لَوْ تَشْعُرُونَ، وَمَا أَنَا بِطَارِدِ الْمُؤْمِنِينَ}
وأقول ما قال نوح عليه السلام: {لاَ أَقُولُ
لِلَّذِينَ تَزْدَرِي أَعْيُنُكُمْ لَن يُؤْتِيَهُمُ اللّهُ خَيْراً اللّهُ أَعْلَمُ
بِمَا فِي أَنفُسِهِمْ إِنِّي إِذاً لَّمِنَ الظَّالِمِينَ}
وعندما سمع الخوارج هذا المنطق ألقوا سلاحهم
وانصرفوا.
قلت صدق الله
(يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشَاءُ وَمَنْ
يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو
الْأَلْبَابِ)
#ومثل ذلك
يروى عن الشيخ محمد متولي الشعراوي :
«كنت أناقش أحد الشباب المتشددين فسألته:
هل تفجير ملهى ليلي في إحدى الدول المسلمة حلال أم حرام؟ فقال لي: طبعا حلال وقتلهم
جائز. فقلت له: لو أنك قتلتهم وهم يعصون الله ما هو مصيرهم؟ قال: النار طبعا. فقلت
له: الشيطان أين يريد أن يأخذهم؟ فقال: إلى النار طبعا. فقلت له: إذن تشتركون أنتم
والشيطان في نفس الهدف وهو إدخال الناس إلى النار!،
وذكرت له حديث النبي عليه الصلاة والسلام
لما مرت جنازة يهودي وبكى النبي عليه الصلاة والسلام فقالوا: ما يبكيك يا رسول الله؟
فقال: نفس أفلتت مني إلى النار.
فقلت: لاحظ الفرق بينكم وبين رسول الله
صلى الله عليه وسلم الذى يسعى لهداية الناس وإنقاذهم من النار، أنتم في وادٍ والحبيب
محمد صلى الله عليه وسلم في وادٍ».
#باختصار
العقول تجاه فهم النص تنقسم إلى ثلاثة:
العقول الربانية: وهى عقول عرفت السنة ومقاصد
السنة
العقول الضيقة:وهى عقول وقفت عند ظاهر النص
العقول الفاسدة: وهى عقول انحرفت تحت مسمى
التفكير والبحث فتركت النص واتبعت الهوى
قال ابن القيم-رحمه الله-فى ( كتاب الروح ):
"سوء الفهم عن الله ورسوله أصل كل بدعة وضلالة
نشأت في الإسلام , بل هو أصل كل خطأ في الأصول والفروع ,
وهل أوقع القدرية والمرجئة والخوارج والمعتزلة
والجهمية والرافضة وسائر طوائف أهل البدع إلا سوء الفهم عن الله ورسوله , حتى صار الدين
بأيدي أكثر الناس هو موجب هذه الأفهام , والذي فهمه الصحابة ومن تبعهم عن الله ورسوله
فمهجور لا يلتفت إليه ولا يرفع هؤلاء به رأسا."
#والخلاصة
مسائل الدين لا تؤخذ من المفكرين، ولا من
المثقفين، فضلًا عن غيرهم من الأدباء والصحفيين، فضلا عن أن يخوض فيها تافهون ومنحرفون...
مسائل الإفتاء هي من العلماء وإلى العلماء.
أحكام الدين لا يستفتى فيها إلا العلماء
المعروفون بطول باعهم في العلم، تحصيلًا وتبليغًا، والمشهود لهم بدقة الفهم، ومعرفة
حال المستفتين، ومآلات الفتوى، العلماء الذين يعظِّمون النص، فلا يلتفّون على الأحكام
الشرعية بتعليلات وهمية، ولا يوردون على النصوص القطعية احتمالاتٍ جدليةً.
قال ابن سيرين: إن هذا العلم دين، فانظروا
عمن تأخذون دينكم.
أقول قولي هذا واستغفرُ الله لي ولكموالتائب
من الذنب كمن لا ذنب له.... ..!
الخطبة الثانية
عن
الإحتكار
وهو سلوكٌ يقوم على حبس السلع الضرورية
- ولا سيما الأقوات -، ومنع تداولها بين الناس في وقتٍ تشتد فيه حاجتهم إليها، ترقُّبًا
لارتفاع أسعارها، طمعًا في تحقيق أرباحٍ فاحشة على حساب معاناة الآخرين وضيق عيشهم.
ولذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم : لا
يحتكر إلا خاطئ . رواه مسلم
.
وروى أحمد عن ابن عمر عن النبي صلى الله
عليه وسلم قال : من احتكر طعاماً أربعين ليلة فقد برئ من الله تعالى وبرئ الله تعالى
منه . وهذا الوعيد والجزاء الذي فيه تعظيم العذاب على هذا الشخص يدل على أن الفعل من
كبائر الذنوب
.
مع الدعاء...............!