الفهمِ الصَّحيحِ وسوءِ التَّأويلِ
المقدمة
الفهمِ الصَّحيحِ وسوءِ التَّأويلِ
- قصة ابن عباس مع الخوارج
القصة الثانية : غزوة بني قريظة
قصة الصحابي الجليل عدي بن حاتم رضي الله
عنه
وأخيرا
.
أما بعد
يقول تعالى ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ
الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ
فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ
الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ
فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا﴾
وقال النبي ﷺ: «إِيَّاكُمْ وَالْغُلُوَّ فِي الدِّينِ،
فَإِنَّمَا أَهْلَكَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمُ الْغُلُوُّ فِي الدِّينِ»
وقد أمرنا الله بالتسليم الكامل لها، فقال
تعالى: ♦﴿فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ
ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾
[النساء: 65]
عباد الله
أنكر الله سبحانه على الذي يحللون ويحرمون
بأهوائهم: (قُلْ أَرَأَيْتُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ لَكُمْ مِنْ رِزْقٍ فَجَعَلْتُمْ
مِنْهُ حَرَاماً وَحَلالاً قُلْ أَاللَّهُ أَذِنَ لَكُمْ أَمْ عَلَى اللَّهِ تَفْتَرُونَ
* وَمَا ظَنُّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ)
[يونس: 59، 60]، وقال سبحانه: (وَلا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمْ الْكَذِبَ
هَذَا حَلالٌ وَهَذَا حَرَامٌ لِتَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ إِنَّ الَّذِينَ
يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لا يُفْلِحُونَ) [النحل: 116].
لذلك من أكبر الجنايات أن يطلق المرء القول
بالتحريم أو التحليل فيما لا علم له به إلا مجرد الظنون أو الشكوك وتحكيم العقل والعواطف،
فإن هذا من القول على الله بغير علم، وقد حرّم الله سبحانه القول عليه بغير علم في
الفتيا والقضاء، وجعله من أعظم المحرمات، بل جعله في المرتبة العليا منها، فقال سبحانه:
(قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّي الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالإِثْمَ
وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ
مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَاناً وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ)
[الأعراف: 33].
وتعالو بنا لنطوف حول بستان الصحابه رضوان
الله عليهم في النُّصوصُ الشَّرعيَّةُ بينَ الفهمِ الصَّحيحِ وسوءِ التَّأويلِ:
القصة الاولى : قصة ابن عباس مع الخوارج
قصة ابن عباس رضي الله عنه مع الخوارج حين
خرجوا على عليّ رضي الله عنه، فذهب إليهم وناظرهم حتى رجع منهم ألفان . وما كان خروجهم
إلا بسبب سوء الفهم للنصوص واتباع المتشابه.
فعن ابن عباس رضي الله عنه قال: لما خرجت
الحرورية اجتمعوا في دار - على حدتهم - وهم ستة آلاف وأجمعوا أن يخرجوا على علي بن
أبي طالب وأصحاب النبي -صلى الله عليه وسلم- معه، قال: جعل يأتيه الرجـل فيقول: يا
أمير المؤمنين إن القوم خارجون عليك، قال: دعهم حتى يخرجوا فإني لا أقاتلهم حتى يقاتلوني
وسوف يفـعلون. فلما كان ذات يوم قلت لعلي: يا أمير المؤمنين: أبرد عن الصلاة فلا تفـتـني
حتى آتي القوم فأكلمهم، قال: إني أتخوفهم عليك. قلت: كلا إن شاء الله تعالى وكنت حسن
الخلق لا أوذي أحدًا. قال: فلبست أحسن ما أقدر عليه من هذه اليمانية، قال أبو زميل:
كان ابن عباس جميلاً جهيرًا. قال: ثم دخلت عليهم وهم قائلون في نحر الظهيرة. قال: فدخلت
على قوم لم أر قط أشد اجتهادًا منهم، أيديهم كأنها ثفن (*) الإبل، وجوههم معلمة من
آثار السجود، عليهم قمص مرحضة، وجوههم مسهمة من السهر. قال: فدخلت. فقالوا: مرحبًا
بك يا ابن عباس! ما جاء بك؟ وما هذه الحلة، قال: قلت ما تعيبون علي؟ لقد رأيت على رسول
الله أحسن ما يكون من هذه الحلل، ونزلت ((قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَتِي
أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْق)) قالوا: فما جاء بك؟ قال: جئت
أحدثكم عن أصحاب رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ومن عند صهر رسول الله -صلى الله عليه
وسلم- عليهم نزل الوحي، وهم أعلم بتأويله، وليس فيكم منهم أحد، فقال بعضهم: لا تخاصموا
قريشاً فإن الله تعالى يقول: ((بَلْ هُمْ قَوْمٌ خَصِمُونَ))، وقال رجلان أو ثلاثة
لو كلمتهم.
قال: قلت أخبروني ما تنقمون على ابن عم
رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وختنِه، وأول من آمن به، وأصحاب رسول الله معه؟
قالوا: ننقم عليه ثلاثاً.
قال: وما هنّ؟
قالوا: أولهن أنه حكّم الرجال في دين الله،
وقد قال الله: ((إِنِ الحُكْمُ إِلاَّ لِلَّهِ))، فما شأن الرجال والحكم بعد قول الله
عز وجل.
قال: قلت وماذا؟
قالوا: وقاتل ولم يَسْبِ ولم يغنم، لئن
كانوا كفارًا لقد حلت له أموالهم ولئن كانوا مؤمنين لقد حرمت عليه دماؤهم.
قال: قلت وماذا؟
قالوا: محا نفسه من أمير المؤمنين. فإن
لم يكن أمير المؤمنين فهو أمير الكافرين.
قال: قلت أعندكم سوى هذا؟ قالوا: حسبنا
هذا.
قال: أرأيتم إن قرأت عليكم من كتاب الله
المحكم، وحدثتكم من سنة نبيه -صلى الله عليه وسلم- ما لا تنكرون [ ينقض قولكم ] أترجعون؟
قالوا: نعم.
قال: قلت أما قولكم: حكّم الرجال في دين
الله، فإن الله تعالى يقول: ((يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَقْتُلُوا الصَّيْدَ
وَأَنْتُمْ حُرُمٌ))، إلى قوله: ((يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِّنكُمْ)). وقال في
المرأة وزوجها: ((وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَابْعَثُوا حَكَماً مِّنْ أَهْلِهِ
وَحَكَماً مِّنْ أَهْلِهَا)). أنشدكم الله أحكم الرجال في حقن دمائهم وأنفسهم، وإصلاح
ذات بينهم أحق أم في أرنب ثمنها ربع درهم، وفي بضع امرأة. وأن تعلموا أن الله لو شاء
لحكم ولم يصير ذلك إلى الرجال.
قالوا: اللهم في حقن دمائهم، وإصلاح ذات
بينهم.
قال: أخرجت من هذه؟
قالوا: اللهم نعم.
قال: وأما قولكم قاتل ولم يسب ولم يغنم،
أتسبون أمكم عائشة، أم تستحلون منها ما تستحلون من غيرها، فقد كفرتم، وإن زعمتم أنها
ليست أم المؤمنين فقد كفرتم، وخرجتم من الإسلام، إن الله يقول: ((النَّبِيُّ أَوْلَى
بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنفُسِهِمْ وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ))، فأنتم مترددون
بين ضلالتين، فاختاروا أيهما شئتم، أخرجت من هذه؛ فنظر بعضهم إلى بعض.
قالوا: اللهم نعم.
قال: وأما قولكم محا نفسه من أمير المؤمنين،
فأنا آتيكم بما ترضون، فإن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- دعا قريشًا يوم الحديبية
أن يكتب بينه وبينهم كتابًا فكاتب سهيل بن عمرو وأبا سفيان. فقال: اكتب يا علي هذا
ما قاضى عليه محمد رسول الله، فقالوا: والله لو كنا نعلم أنك رسول الله ما صددناك عن
البيت، ولا قاتلناك، ولكن اكتب محمد بن عبد الله. فقال: والله إني لرسول الله حقًا
وإن كذبتموني، اكتب يا على: محمد بن عبد الله ، فرسول الله -صلى الله عليه وسلم- كان
أفضل من علي -رضي الله عنه- وما أخرجه من النبوة حين محا نفسه. أخرجت من هذه؛ قالوا:
اللهم نعم. فرجع منهم ألفان، وبقي منهم أربعة آلاف فقتلوا على ضلالة.
القصة الثانية : غزوة بني قريظة
قال النبي ﷺ لأصحابه: «لَا يُصَلِّيَنَّ أَحَدُكُمْ
الْعَصْرَ إِلَّا فِي بَنِي قُرَيْظَةَ»، فمن الصحابة من فهم النص على ظاهره فأخّر
الصلاة حتى وصل إلى بني قريظة بعد خروج الوقت، ومنهم من فهم أن النبي ﷺ أراد الحث على الإسراع، فصلوا في الطريق.
ولم يُعنِّف النبي ﷺ أحدَ الفريقين، بل أقر كلاًّ على اجتهاده
مع العلم بأن الفهم الأول كان أخطأ. وهذا يدل على سعة صدره ﷺ مع حرص الصحابة على تنفيذ أمره.
القصة الثالثه قصة الصحابي الجليل عدي بن
حاتم رضي الله عنه
حين نزل قول الله تعالى: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا
حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ﴾
[البقرة: 187].
فأخذ عدي عقالين –أي خيطين– أبيض وأسود،
فوضعهما تحت وساده، وجعل ينظر إليهما في الليل ليتبين له الأبيض من الأسود،
فلما أصبح أتى النبي ﷺ وأخبره بما فعل، فتبسم النبي ﷺ وقال: «إِنَّ وِسَادَكَ إِذًا لَعَرِيضٌ»
أي: كأنك توسدت الأفق! ثم قال: «إِنَّمَا هُوَ سَوَادُ اللَّيْلِ وَبَيَاضُ النَّهَارِ».
هذه القصة نموذج بديع لحسن نية الصحابي،
ولكنها في الوقت نفسه نموذج لسوء الفهم الظاهر الذي صرفه النبي ﷺ بلطف وحكمة إلى الفهم الصحيح.
فدلَّ ذلك على أن حسن النية لا يكفي، بل
لا بد من العلم والفهم الصحيح للنصوص على مراد الله ورسوله.
أقول ما تسمعون واستغفر الله العظيم لى
ولكم
الخطبة الثانية
الحمد لله على فضله وإحسانه، والشكر له
على توفيقه وامتنانه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له تعظيمًا لشأنه، وأشهد
أن محمدًا عبده ورسوله الداعي إلى رضوانه، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا
كثيرًا.
أما بعد:
وأخيرا
فاعلموا عباد الله أن الفهم الصحيح للنصوص
الشرعية إنما يكون باتباع منهج السلف الصالح من الصحابة والتابعين، الذين جمعوا بين
العلم والعمل والورع والفهم السليم.
فالواجب علينا أن نرد ما اختلفنا فيه إلى
كتاب الله وسنة رسوله ﷺ، وأن نأخذ النصوص بفهم سلف الأمة، وأن نعرف
مقاصد الشريعة العامة، وألا نتعصب للرأي أو الهوى، وأن نستعين بالعلماء الراسخين في
العلم، فهم ورثة الأنبياء.
عباد الله: إن الله تعالى قد أمرنا بأمر
بدأ فيه بنفسه فقال سبحانه: ﴿ إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ
يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا ﴾ [الأحزاب:
56..
هذا وما كان من توفيقٍ فمن الله وحده، وما
كان من خطأٍ، أو سهوٍ، أو نسيانٍ، فمني ومن الشيطان، وأعوذ بالله أن أذكركم به وأنساه،
وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمدٍ وعلى آله وأصحابه الأطهار الأخيار ومَن تبعهم
بإحسانٍ إلى يوم الدين.