recent
أخبار عاجلة

خطبة الجمعة سِعَةُ رَحْمَةِ اللَّهِ بَابُ الأَمَلِ وَسَبِيلُ النَّجَاةِ

  سِعَةُ رَحْمَةِ اللَّهِ بَابُ الأَمَلِ وَسَبِيلُ النَّجَاةِ

 


  سعةُ رحمةِ اللهِ بعبادِهِ.

   إنَّ مع العسرِ يُسرًا ومع الشدةِ فرجً.

  جريمةُ الانتحارِ (الأسبابُ والعلاجُ) – مبادرةُ صحِّحْ مفاهيمَكَ

الحمدُ للهِ نحمدُهُ ونستعينُهُ ونتوبُ إليهِ ونستغفرُهُ ونؤمنُ بهِ ونتوكلُ عليهِ ونعوذُ بهِ مِن شرورِ أنفسِنَا وسيئاتِ أعمالِنَا، ونشهدُ أنْ لا إلهَ إلَّا اللهُ وحدَهُ لا شريكَ له وأنَّ سيِّدَنَا مُحمدًا عبدُهُ ورسولُهُ . أمَّا بعدُ:

أولًا: سعةُ رحمةِ اللهِ بعبادِهِ.

إن رحمةَ اللهِ بعبادهِ رحمةٌ واسعةٌ. قال تعالى:" وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ ".(الأعراف: 156). 

وقال تعالى: {كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَة"(الأنعام: ٥٤). وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ، قَالَ: ” إِنَّ اللَّهَ لَمَّا قَضَى الخَلْقَ، كَتَبَ عِنْدَهُ فَوْقَ عَرْشِهِ: إِنَّ رَحْمَتِي سَبَقَتْ غَضَبِي “(البخاري)؛ 

وقَالَ أيضًا : “جَعَلَ اللَّهُ الرَّحْمَةَ مِائَةَ جُزْءٍ، فَأَمْسَكَ عِنْدَهُ تِسْعَةً وَتِسْعِينَ جُزْءًا وَأَنْزَلَ فِي الْأَرْضِ جُزْءًا وَاحِدًا ؛ فَمِنْ ذَلِكَ الْجُزْءِ يَتَرَاحَمُ الْخَلْقُ حَتَّى تَرْفَعَ الْفَرَسُ حَافِرَهَا عَنْ وَلَدِهَا خَشْيَةَ أَنْ تُصِيبَهُ” (البخاري)، 

وعَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ، أَنَّهُ قَالَ: قَدِمَ عَلَى رَسُولِ اللهِ بِسَبْيٍ فَإِذَا امْرَأَةٌ مِنَ السَّبْيِ تَبْتَغِي، إِذَا وَجَدَتْ صَبِيًّا فِي السَّبْيِ، أَخَذَتْهُ فَأَلْصَقَتْهُ بِبَطْنِهَا وَأَرْضَعَتْهُ، فَقَالَ لَنَا :«أَتَرَوْنَ هَذِهِ الْمَرْأَةَ طَارِحَةً وَلَدَهَا فِي النَّارِ؟» قُلْنَا: لَا، وَاللهِ وَهِيَ تَقْدِرُ عَلَى أَنْ لَا تَطْرَحَهُ، فَقَالَ : «لَلَّهُ أَرْحَمُ بِعِبَادِهِ مِنْ هَذِهِ بِوَلَدِهَا».(متفق عليه).

فرحمةُ اللهِ واسعةٌ، وبابُ التوبةِ مفتوحٌ، ومهما أسرفتَ على نفسِكَ من المعاصي والذنوبِ فلا تقنطْ من رحمةِ اللهِ.

قالَ تعالى: " قُلْ يَاعِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ}. (الزمر: 53). فهذه أرجى آية في القرآن وفرح بنزولها الرسول والصحابة الكرام فرحًا شديدًا.

فمهما كان حالُكَ لا تيأسْ ولا تقنطْ، لأنَّ الإسلامَ أمرَكَ بحفظِ النفسِ وعدمِ الاعتداءِ عليها فقالَ:{وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ}؛( البقرة: 195) ؛ 

وقال: {وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا} (النساء: 29)؛ لذلك توعد الله من قتل نفسه بعظيم العقوبة في الآخرة ؛ فعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ :” مَنْ قَتَلَ نَفْسَهُ بِحَدِيدَةٍ فَحَدِيدَتُهُ فِي يَدِهِ يَتَوَجَّأُ بِهَا فِي بَطْنِهِ فِي نَارِ جَهَنَّمَ خَالِدًا مُخَلَّدًا فِيهَا أَبَدًا؛ وَمَنْ شَرِبَ سَمًّا فَقَتَلَ نَفْسَهُ فَهُوَ يَتَحَسَّاهُ فِي نَارِ جَهَنَّمَ خَالِدًا مُخَلَّدًا فِيهَا أَبَدًا؛ وَمَنْ تَرَدَّى مِنْ جَبَلٍ فَقَتَلَ نَفْسَهُ فَهُوَ يَتَرَدَّى فِي نَارِ جَهَنَّمَ خَالِدًا مُخَلَّدًا فِيهَا أَبَدًا”( متفق عليه)؛ فدلَّ هذا الحديثُ على أنَّ من أقدمَ على قتلِ نفسِهِ بارتكابِ أحدِ الأفعالِ الواردةِ في هذا الحديثِ أو ما كانَ في معناها فإنَّ عقوبتَهُ العذابُ في جهنمَ بنفسِ الفعلِ الذي أجهزَ بهِ على نفسِهِ، فمن ألقى نفسَهُ من مكانٍ عالٍ مرتفعٍ أو موقعٍ شاهقٍ أو ضربَ نفسَهُ بحديدةٍ كالسيفِ أو السكينِ أو المسدسِ أو نحوِ ذلكَ أو تناولَ مادةً من الموادِ السامةِ القاتلةِ فأدَّى ذلكَ كلُّهُ إلى موتِهِ فإنهُ يعذَّبُ في النارِ بفعلتِهِ الشنعاءِ التي أقدمَ عليها، وهؤلاءِ ظنُّوا بفعلتِهِمُ الشنعاءِ أنهم يستريحونَ من عناءِ الدنيا ونصبِها؛ ولكنهم انتقلوا من عذابٍ إلى أشدَّ منهُ.

إنَّ الإسلامَ ـ في أمرِهِ بالدعوةِ إلى حفظِ النفسِ ـ يذهبُ إلى أدقَّ من ذلكَ؛ فنهى حتى عن تمنِّي الموتِ؛ ولا شكَّ أنَّ النهيَ عن الأدنى من بابِ الترقِّي في النهيِ؛ وفيهِ دلالةٌ على جُرمِ وعِظَمِ الجريمةِ العُليا وهي إزهاقُ النفسِ بأيِّ صورةٍ.

فعَنْ أَنَسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ :” لَا يَتَمَنَّيَنَّ أَحَدُكُمْ الْمَوْتَ لِضُرٍّ نَزَلَ بِهِ؛ فَإِنْ كَانَ لَا بُدَّ مُتَمَنِّيًا فَلْيَقُلْ: اللَّهُمَّ أَحْيِنِي مَا كَانَتْ الْحَيَاةُ خَيْرًا لِي وَتَوَفَّنِي إِذَا كَانَتْ الْوَفَاةُ خَيْرًا لِي” ( متفق عليه ).

وإذا كانَ الرسولُ نهى أن يتمنّى الإنسانُ الموتَ للضرِّ الذي نزلَ بهِ فكيفَ بمن يقتلُ نفسَهُ إذا نزلَ بهِ الضرُّ؟!!

ثانيًا: إنَّ مع العسرِ يُسرًا ومع الشدةِ فرجًا.

إنَّ كلَّ واحدٍ منَّا يمرُّ بشدائدَ ومحنٍ، شدائدَ متنوعةٍ ومتفرقةٍ ومختلفةٍ، فمنكُم مَن يمرُّ بشدةٍ اجتماعيةٍ، وآخرُ يمرُّ بشدةٍ اقتصاديةٍ، وثالثٌ يمرُّ بشدةٍ نفسيةٍ، ورابعٌ يمرُّ بشدةٍ مرضيةٍ …………إلخ. كلُّ هذه الشدائدِ والمحنِ بعدَهَا فرجٌ قريبٌ، فبعدَ الجوعِ شبعٌ، وبعدَ الظمأِ ريٌّ، وبعدَ السهرِ نومٌ، وبعدَ المرضِ عافيةٌ، سوفَ يصلُ الغائبُ، ويهتدِي الضالُّ، ويُفكُّ العانِي، وينقشعُ الظلامُ { فَعَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَ بِالْفَتْحِ أَوْ أَمْرٍ مِنْ عِنْدِهِ }. (المائدة: 52).أدعية ومناجاة

بشِّر الليلَ بصبحٍ صادقٍ سوفَ يطاردهُ على رؤوسِ الجبالِ ومساربِ الأوديةِ، بشِّر المهمومَ بفرجٍ مفاجئٍ يصلُ في سرعةِ الضوءِ ولمحِ البصرِ، بشِّر المنكوبَ بلطفٍ خفيٍّ وكفٍّ حانيةٍ وادعةٍ، صبحُ المهمومينَ والمغمومينَ لاح، فانظرْ إلى الصباحِ وارتقبْ الفتحَ مِن الفتّاحِ، إذا رأيتَ الصحراءَ تمتدُّ وتمتدُّ، فاعلمْ أنَّ وراءَهَا رياضًا خضراءَ وارفةَ الظلالِ، وإذا رأيتَ الحبلَ يشتدُّ ويشتدُّ فاعلمْ أنَّهُ سوفَ ينقطعُ. مع الدمعةِ بسمةٌ، ومع الخوفِ أمنٌ، ومع الفزعِ سكينةٌ. فلا تضق ذرعًا، فمِن المحالِ دوامُ الحالِ، وأفضلُ العبادةِ انتظارُ الفرجِ، الأيامُ دولٌ، والدهرُ قُلّبٌ، والليالِي حبالَى، والغيبُ مستورٌ، والحكيمُ كلُّ يومٍ هو في شأنٍ، ولعلَّ اللهَ يحدثُ بعدَ ذلك أمرًا، وإنَّ مع العسرِ يُسرًا، إنَّ مع العسرِ يُسرًا. فعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: قَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ :”يَا غُلامُ، احْفَظِ اللَّهَ يَحْفَظْكَ، احْفَظِ اللَّهَ تَجِدْهُ أَمَامَكَ، تَعَرَّفْ بِاللَّهِ فِي الرَّخَاءِ يَعْرِفْكَ فِي الشِّدَّةِ، وَاعْلَمْ أَنَّ مَا أَصَابَكَ لَمْ يَكُنْ لِيُخْطِئَكَ، وَمَا أَخْطَأَكَ لَمْ يَكُنْ لِيُصِيبَكَ، وَاعْلَمْ أَنَّ الْخَلائِقَ لَوِ اجْتَمَعُوا عَلَى أَنْ يُعْطُوكَ شَيْئًا لَمْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يُعْطِيَكَ لَمْ يَقْدِرُوا عَلَيْهِ، أَوْ يَصْرِفُوا عَنْكَ شَيْئًا أَرَادَ أَنْ يُصِيبَكَ بِهِ لَمْ يَقْدِرُوا عَلَى ذَلِكَ، فَإِذَا سَأَلْتَ فَسَلِ اللَّهَ، وَإِذَا اسْتَعَنْتَ فَاسْتَعِنْ بِاللَّهِ، وَاعْلَمْ أَنَّ النَّصْرَ مَعَ الصَّبْرِ، وَأَنَّ الْفَرَجَ مَعَ الْكَرْبِ، وَأَنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا، وَاعْلَمْ أَنَّ الْقَلَمَ قَدْ جَرَى بِمَا هُوَ كَائِنٌ.”( الطبراني والحاكم بسند صحيح).

دعْ المقاديرَ تجرِي في أعنتِهَا….. ولا تبيتنَّ إلّا خالِيَ البالِ

ما بينَ غمضةِ عينٍ وانتباهتِهَا….. يغيرُ اللهُ مِن حالٍ إلى حالِ

إنَّ الشدائدَ – مهما تعاظمتْ وامتدتْ- لا تدومُ على أصحابِهَا، ولا تخلدُ على مصابِهَا، بل إنّهَا أقوَى ما تكونُ اشتدادًا وامتدادًا واسودادًا، أقربُ ما تكونُ انقشاعًا وانفراجًا وانبلاجًا، فيأتِي العونُ مِن اللهِ والإحسانُ عندَ ذروةِ الشدةِ والامتحانِ، وهكذا نهايةُ كلِّ ليلٍ غاسقٍ فجرٌ صادقٌ.

إنَّ هذه الأيامَ أيامُ الصبرِ، تحتاجُ منكُم الصبرَ على الشدائدِ، يقولُ :”إِنَّ مِنْ وَرَائِكُمْ أَيَّامَ الصَّبْرِ، الْمُتَمَسِّكُ فِيهِنَّ يَوْمَئِذٍ بِمِثْلِ مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ لَهُ كَأَجْرِ خَمْسِينَ مِنْكُمْ”قَالُوا: يَا نَبِيَّ اللَّهِ، أَوْ مِنْهُمْ؟ قَالَ:”بَلْ مِنْكُمْ”قَالُوا: يَا نَبِيَّ اللَّهِ، أَوْ مِنْهُمْ؟ قَالَ:”لا، بَلْ مِنْكُمْ”ثَلاثَ مَرَّاتٍ أَوْ أَرْبَعًا . (الطبراني).

 فإذَا داهمتْكَ داهيةٌ فانظرْ في الجانبِ المشرقِ منهَا، وإذا ناولَكَ أحدُهُم كوبَ ليمونٍ فأضفْ إليهِ حفنةً مِن سكرٍ، وإذا أهدَى لكَ ثعبانًا فخذْ جلدَهُ الثمينَ واتركْ باقيَهُ، وإذا لدغتْكَ عقربٌ فاعلمْ أنّهُ مصلٌ واقِ ومناعةٌ حصينةٌ ضدَّ سمِّ الحياتِ، تكيفْ في ظرفِكَ القاسِي، لتخرجَ لنَا منهُ زهرًا ووردًا وياسمينًا، { فَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا} (النساء: 19).

ثالثًا: جريمة الانتحار (الأسباب والعلاج) – مبادرة صحح مفاهيمك.

لقد انتشرتْ في الآونةِ الأخيرةِ جريمةٌ من أبشعِ الجرائمِ الاجتماعيةِ أولًا وهي (جريمةُ الانتحارِ)، وفي هذه المبادرةِ نقفُ مع أسبابِ وعلاجِ هذه الظاهرةِ المشينةِ. أمَّا الأسبابُ فإنها تتلخَّصُ فيما يلي:

أولًا: ضعفُ الوازعِ الدينيِّ عند الإنسانِ، وعدمُ إدراكِ خطورةِ هذا الفعلِ الشنيعِ والجريمةِ الكبرى التي يترتبُ عليها حرمانُ النفسِ من حقِّها في الحياةِ؛ وهذا نتيجةُ عدمِ اكتمالِ المعنى الإيمانيِّ في النفسِ البشريةِ؛ ولا شكَّ أنَّ الانتحارَ لا يخرجُ عن كونِهِ اعتراضًا على واقعِ الحالِ ودليلًا على عدمِ الرضا بهِ.

ثانيًا: اشتغالُ النفسِ بحالِ الآخرينَ ومراقبتِهِمْ والغفلةُ عن نفسِهِ، والصوابُ والسنةُ والخيرُ والراحةُ في تركِهِ ما لا يعنيهِ، فعن أبي هريرةَ قالَ قالَ رسولُ اللهِ : «من حسنِ إسلامِ المرءِ تركُهُ ما لا يعنيهِ» (الترمذيُّ وابنُ ماجةَ)؛ فينبغي على الإنسانِ أن ينظرَ إلى من هو دونَهُ في أمرِ دنياهُ، وإلى من هو فوقَهُ في أمرِ دينهِ؛ فإن فعلَ ذلكَ نالَ القناعةَ ورضا مولاهُ.

ثالثًا: الفهمُ الخاطئُ عند المنتحرِ؛ فيظنُّ المنتحرُ أنه سيتركُ الشقاءَ والتعبَ، وسيجدُ الراحةَ بعدَ قتلِ نفسِهِ، ولم يدرِ ماذا وراءَ القبرِ، والمرحلةَ التي هو مقبلٌ عليها، إنها الشقاءُ الطويلُ والعذابُ الأليمُ الذي يهونُ أمامَهُ كبدُ الدنيا ونصبُها؛ وهذا الظنُّ مفهومٌ خاطئٌ ومغلوطٌ وبعيدٌ كلَّ البعدِ عن الحقيقةِ.

رابعًا: المشاكلُ والهمومُ والغمومُ بجميعِ صورِها: من كثرةِ الديونِ والمشاكلِ الاقتصاديةِ والزوجيةِ والجهلِ والجزعِ وعدمِ الصبرِ، والاستسلامِ لليأسِ والقنوطِ وما يؤدي إلى ذلكَ من الهواجسِ والأفكارِ والوساوسِ.

خامسًا: الأحلامُ والأوهامُ الواهيةُ؛ حيثُ إنَّ بعضَ الشبابِ لهُ طموحاتٌ تعانقُ السحابَ؛ لكنهُ في الوقتِ نفسِهِ لا يقدِّمُ عملًا، أو أنهُ يكدُّ ويكدحُ ويلهثُ ولكن دونَ المستوى الذي يؤمِّلُهُ، فيصابُ هو الآخرُ بإحباطٍ، فيوحي إليهِ الشيطانُ أنَّ الحلَّ الأفضلَ لهُ التخلصُ وسرعةُ الخروجِ من هذهِ الدنيا.

إنَّ الانتحارَ لا يحدثُ إلا من نفسٍ مريضةٍ بعيدةٍ عن فعلِ الطاعاتِ، غارقةٍ في فعلِ المعاصي والمنكراتِ، موحلةٍ في اقترافِ الشبهِ والمخالفاتِ، آيسةٍ مما عندَ خالقِها من الرحمةِ والخيراتِ، وإنَّ قلبَ المنتحرِ فارغٌ من الإيمانِ الذي يحيي القلوبَ ويوقظُها من غفلتِها ويعيدُها إلى طريقِ الصوابِ وجادةِ الحقِّ للتزوُّدِ من الأجرِ والثوابِ.

أمَّا علاجُ ظاهرةِ الانتحارِ في المجتمعِ المعاصرِ فيتمُّ عن طريقِ الوسائلِ التاليةِ

أولًا: محاولةُ تفهُّمِ الأسبابِ التي تدفعُ بعضَ أفرادِ المجتمعِ إلى محاولةِ الانتحارِ، ومن ثمَّ العملُ على مدِّ يدِ العونِ لهمْ، ومساعدتِهِمْ في حلِّها؛ فلو أنَّ كلَّ المؤسساتِ والهيئاتِ المعنيةِ عملتْ على حلِّ المشاكلِ التي بداخلِها لقُضِيَ على هذهِ الظاهرةِ؛ لأنَّ العلاجَ هو معرفةُ الداءِ واستئصالُهُ من جذورِهِ؛ وبذلكَ يتمُّ القضاءُ على أسبابِ هذهِ الظاهرةِ ودواعيها بإذنِ اللهِ؛ أمَّا أن نتركَ أصحابَ المشاكلِ والمصائبِ والهمومِ دونَ أن نضعَ لهمْ حلًّا وعلاجًا؛ فكأنَّما ألقيناهُمْ في اليمِّ مكتوفينَ وقلنا لهمْ إياكمْ إياكمْ أن تبتلوا بالماءِ!!

ثانيًا: مراقبةُ اللهِ تعالى في مختلفِ الأعمالِ والأقوالِ، وفي كلِّ شأنٍ من شئونِ الحياةِ عندَ الإنسانِ؛ إذ إنَّ من راقبَ اللهَ تعالى وخافَهُ واتقاهُ لن يستحوذَ عليهِ الشيطانُ، ولن يُلقيَ بنفسِهِ إلى التهلكةِ.

ثالثًا: زيادةُ جرعاتِ التوعيةِ اللازمةِ لأفرادِ وفئاتِ المجتمعِ عن طريقِ مختلفِ الوسائلِ الإعلاميةِ والتعليميةِ؛ لبيانِ خطرِ جريمةِ الانتحارِ وبشاعتِها، وما يترتبُ عليها من عواقبَ وخيمةٍ على الفردِ والمجتمعِ.

رابعًا: التحلِّي بالصبرِ؛ فليسَ كلُّ ما يصيبُ الإنسانَ من شوكةٍ يهرعُ إلى إزهاقِ روحِهِ؛ وليعلمِ المؤمنُ أنَّ حالَهُ كلَّهُ خيرٌ في سرَّائِهِ وضرَّائِهِ فهو إمَّا صابرٌ وإمَّا شاكرٌ؛ فقد جمعَ الإيمانُ بنصفَيْهِ الصبرَ والشكرَ؛ فعن صهيبٍ قالَ: قالَ رسولُ اللهِ :”عَجَبًا لِأَمْرِ الْمُؤْمِنِ إِنَّ أَمْرَهُ كُلَّهُ خَيْرٌ ؛ وَلَيْسَ ذَاكَ لِأَحَدٍ إِلَّا لِلْمُؤْمِنِ؛ إِنْ أَصَابَتْهُ سَرَّاءُ شَكَرَ فَكَانَ خَيْرًا لَهُ؛ وَإِنْ أَصَابَتْهُ ضَرَّاءُ صَبَرَ فَكَانَ خَيْرًا لَهُ”(مسلم).

 أما إذا لم يصبر الإنسان على ما فيه من شدة وألم ونوائب فإنه يجتمع عليه أمران: أولهما: الشدة والألم والتعب والنصب في الدنيا؛ وثانيهما: العذاب الشديد في الآخرة؛ وبذلك خسر دنياه وأخراه؛ فعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ:”شَهِدْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ   حُنَيْنًا فَقَالَ لِرَجُلٍ مِمَّنْ يُدْعَى بِالْإِسْلَامِ ” هَذَا مِنْ أَهْلِ النَّارِ” فَلَمَّا حَضَرْنَا الْقِتَالَ قَاتَلَ الرَّجُلُ قِتَالًا شَدِيدًا فَأَصَابَتْهُ جِرَاحَةٌ فَقِيلَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ الرَّجُلُ الَّذِي قُلْتَ لَهُ آنِفًا إِنَّهُ مِنْ أَهْلِ النَّارِ فَإِنَّهُ قَاتَلَ الْيَوْمَ قِتَالًا شَدِيدًا وَقَدْ مَاتَ؛ فَقَالَ النَّبِيُّ :” إِلَى النَّارِ” فَكَادَ بَعْضُ الْمُسْلِمِينَ أَنْ يَرْتَابَ؛ فَبَيْنَمَا هُمْ عَلَى ذَلِكَ إِذْ قِيلَ: إِنَّهُ لَمْ يَمُتْ وَلَكِنَّ بِهِ جِرَاحًا شَدِيدًا فَلَمَّا كَانَ مِنْ اللَّيْلِ لَمْ يَصْبِرْ عَلَى الْجِرَاحِ فَقَتَلَ نَفْسَهُ؛ فَأُخْبِرَ النَّبِيُّ   بِذَلِكَ فَقَالَ:” اللَّهُ أَكْبَرُ أَشْهَدُ أَنِّي عَبْدُ اللَّهِ وَرَسُولُهُ” ثُمَّ أَمَرَ بِلَالًا فَنَادَى فِي النَّاسِ: أَنَّهُ لَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ إِلَّا نَفْسٌ مُسْلِمَةٌ وَأَنَّ اللَّهَ يُؤَيِّدُ هَذَا الدِّينَ بِالرَّجُلِ الْفَاجِرِ" ( البخاري ومسلم).

خامسًا: احتسابُ الأجرِ عندَ اللهِ؛ فينبغي على صاحبِ الأقدارِ والمصائبِ أن يحتسبَ ما هو فيهِ عندَ اللهِ؛ فعن أبي سعيدٍ الخدريِّ وعن أبي هريرةَ عن النبيِّ قالَ: «ما يُصيبُ المسلمَ من نصبٍ ولا وصبٍ ولا همٍّ ولا حزنٍ ولا أذًى ولا غمٍّ حتى الشوكةِ يُشاكُها إلا كفَّرَ اللهُ بها من خطاياهُ» (البخاريُّ)؛ وعن أبي بكرٍ الصديقِ رضيَ اللهُ عنهُ قالَ: قلتُ: يا رسولَ اللهِ، كيفَ الصلاحُ بعدَ هذهِ الآيةِ: {من يعملْ سوءًا يُجزَ بهِ} (النساءِ: 123)؛

فكلُّ سوءٍ عملناهُ جُزينا بهِ؟! قالَ: «غفرَ اللهُ لكَ يا أبا بكرٍ»، قالها ثلاثًا، «يا أبا بكرٍ، ألستَ تمرضُ، ألستَ تحزنُ، ألستَ تنصبُ، ألستَ تصيبُكَ اللأواءُ؟» قلتُ: نعم، قالَ: «فهو ما تُجزونَ بهِ في الدنيا» (أحمدُ والحاكمُ وصحَّحَهُ).

سادسًا: القناعةُ والرضا؛ فلو أنَّ الإنسانَ قنعَ ورضيَ بما قُسمَ وقدِّرَ لهُ؛ لعاشَ في سعادةٍ ورخاءٍ؛ وإلا عاشَ في سخطٍ؛ فعن أنسٍ قالَ قالَ رسولُ اللهِ : «إنَّ عِظَمَ الجزاءِ معَ عِظَمِ البلاءِ؛ وإنَّ اللهَ إذا أحبَّ قومًا ابتلاهمْ فمن رضيَ فلهُ الرضا ومن سخطَ فلهُ السخطُ» (الترمذيُّ وابنُ ماجةَ)؛ وكما قيلَ: القناعةُ كنزٌ لا يفنى.

هذهِ هي سبلُ العلاجِ لظاهرةِ الانتحارِ؛ وإننا لو طبَّقنا هذهِ الحلولَ على أرضِ الواقعِ لاقتلعنا جذورَ هذهِ الظاهرةِ من أساسِها؛ وعشنا في سلامٍ وأمانٍ واطمئنانٍ وسعدنا برضا الرحمنِ!!

نسأل الله أن يحفظنا وبلادنا وشبابنا من كل مكروه وسوء؛ وأن يرزقنا حسن الخاتمة.أدعية ومناجاة

 

google-playkhamsatmostaqltradent