recent
أخبار عاجلة

خطبة الجمعة عن أسباب الانتحار وعلاجه الشيخ أحمد أبو اسلام

  أسباب الانتحار وعلاجه

 



نفسك وديعة أودعك الله إياها للحفاظ عليها


الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد:

أيها المقبل على الانتحار :

اعلم أن النفس هي  إحدى الضرورات الخمس التي أوجب الشارع حفظها؛ يقول الإمام الشاطبي في الموافقات: "ومجموع الضرورات خمس هي: حفظ الدين، والنفس، والنسل، والمال، والعقل، هذه الضرورات إن فقدت لم تجر مصالح الدنيا على استقامة، بل على فساد وتهارج، وفوت حياة، وفي الآخرة فوت النجاة والنعمة، والرجوع بالخسران المبين".

أيها المقبل على الانتحار :

أنت عند الله عالٍ :

إن الكعبة المشرفة دون حرمة نفسك، فنفسك عند الله أعلى وأغلى، فلماذا تضيق بك الدنيا وأنت عند الله غال!!

فعَن سيدنا عبد الله بن عَمْرو قَالَ: رَأَيْت رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم يطوف بِالْكَعْبَةِ وَيَقُول: مَا أطيَبَكِ وَمَا أطيبَ رِيحك! مَا أعظمك وَمَا أعظم حرمتك! وَالَّذِي نفسُ مُحَمَّد بِيَدِهِ لحُرْمَة الْمُؤمن عِنْد الله أعظم من حرمتك مَاله وَدَمه"، والحديث حسن وله شواهد.

ليكن شعارنا لأنفسنا ولشبابنا ولأولادنا وأهلينا: أنت عند الله غالٍ، فعَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، أَنَّ رَجُلًا مِنْ أَهْلِ الْبَادِيَةِ يُقَالُ لَهُ: زَاهِرُ بْنُ حَرَامٍ، كَانَ يُهْدِي إِلَى النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم الْهَدِيَّةَ، فَيُجَهِّزُهُ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم إِذَا أَرَادَ أَنْ يَخْرُجَ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: «إِنَّ زَاهِرًا بَادِينَا، وَنَحْنُ حَاضِرُوهُ»، قَالَ: فَأَتَاهُ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم وَهُوَ يَبِيعُ مَتَاعَهُ، فَاحْتَضَنَهُ مِنْ خَلْفِهِ وَالرَّجُلُ لَا يُبْصِرُهُ، فَقَالَ: أَرْسِلْنِي مَنْ هَذَا؟ فَالْتَفَتَ إِلَيْهِ، فَلَمَّا عَرَفَ أَنَّهُ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم جَعَلَ يُلْزِقُ ظَهْرَهُ بِصَدْرِهِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: «مَنْ يَشْتَرِي هَذَا الْعَبْدَ»؟ فَقَالَ زَاهِرٌ: تَجِدُنِي يَا رَسُولَ اللَّهِ كَاسِدًا، قَالَ: «لَكِنَّكَ عِنْدَ اللَّهِ لَسْتَ بِكَاسِدٍ»، أَوْ قَالَ صلى الله عليه وسلم: «بَلْ أَنْتَ عِنْدَ اللَّهِ غَالٍ». [رواه ابن ماجه].

أيها المقبل على الانتحار اعلم :

أن قتل النفس جريمة:

لذلك أمرنا الإسلام بحفظ النفس وعدم الاعتداء عليها فقال: (وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ)[البقرة:195]؛ وقال: (وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا)[النساء:29]؛ وقد عد رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قتل النفس من الموبقات حيث قَالَ: "اجْتَنِبُوا السَّبْعَ الْمُوبِقَاتِ قِيلَ يَا رَسُولَ اللَّهِ وَمَا هُنَّ؟ قَال: الشِّرْكُ بِاللَّهِ وَالسِّحْرُ وَقَتْلُ النَّفْسِ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَأَكْلُ مَالِ الْيَتِيمِ وَأَكْلُ الرِّبَا وَالتَّوَلِّي يَوْمَ الزَّحْفِ وَقَذْفُ الْمُحْصِنَاتِ الْغَافِلَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ"(صحيح البخاري).

قال عبد الله قادري: "وقد سمى الاعتداء على هذه الأمور موبقًا أي: مهلكًا، ولا يكون مهلكًا إلا إذا كان حفظ الأمر المعتدى عليه ضرورة من ضرورات الحياة".

 لذلك توعد الله من قتل نفسه بعظيم العقوبة في الآخرة؛ فعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم-: "مَنْ قَتَلَ نَفْسَهُ بِحَدِيدَةٍ فَحَدِيدَتُهُ فِي يَدِهِ يَتَوَجَّأُ أي يطعن  بِهَا فِي بَطْنِهِ فِي نَارِ جَهَنَّمَ خَالِدًا مُخَلَّدًا فِيهَا أَبَدًا؛ وَمَنْ شَرِبَ سَمًّا فَقَتَلَ نَفْسَهُ فَهُوَ يَتَحَسَّاهُ فِي نَارِ جَهَنَّمَ خَالِدًا مُخَلَّدًا فِيهَا أَبَدًا؛ وَمَنْ تَرَدَّى مِنْ جَبَلٍ فَقَتَلَ نَفْسَهُ فَهُوَ يَتَرَدَّى فِي نَارِ جَهَنَّمَ خَالِدًا مُخَلَّدًا فِيهَا أَبَدًا"(متفق عليه)؛ فدل هذا الحديث على أن من أقدم على قتل نفسه بارتكاب أحد الأفعال الواردة في هذا الحديث أو ما كان في معناها فإن عقوبته العذاب في جهنم بنفس الفعل الذي أجهز به على نفسه، فمن ألقى نفسه من مكان عال مرتفع أو موقع شاهق، أو ضرب نفسه بحديدة كالسيف أو السكين أو المسدس أو نحو ذلك، أو تناول مادة من المواد السامة القاتلة فأدى ذلك كله إلى موته؛ فإنه يعذب في النار بفعلته الشنعاء التي أقدم عليها.

وقد أجمع أهل السنة على أن من قتل نفسه بأي طريقة كانت أنه مؤمن عاصٍ، ارتكب ذنبًا عظيمًا حين فقد الثقة بخالقه وبنفسه، وفقد ميزان فكره وعقله فأقدم على هذه الفعلة النكراء، ولكن ربما أقدم عليها وهو في غياب عقل، أو حالة يأس سقط معها الإدراك والوعي والتكليف، ولذا أمره إلى مولاه أرحم الراحمين.

وحملوا الحديث على واحد من أمرين:

الأول: أنه عقاب محمول على التغليظ والتشديد والتحذير كما جاء في كثير من الشرعيات، كحديث: "العهد الذي بيننا وبينهم الصلاة فقد كفر"، واتفقوا على أنه لا يكفر إذا تركها تكاسلًا أو تشاغلًا، وكذا حديث: من حلف بغير الله فقد كفر أو أشرك"، وأجمعوا على أنه لا يكفر إذا حلف بغير الله ما دام تعظيم الله تعالى يملأ قلبه، ولكن الحلف حرام أو مكروه على قولين.

الثاني: أن الزيادة الواردة في الحديث وهي : خَالِدًا مُخَلَّدًا فِيهَا أَبَدًا ـ  من وهم أحد الرواة، فقد جاءت من طريق واحد، بينما روى الحديث غير واحد فلم يذكر فيها خلوده في النار، قال ابن الجوزي: "ذِكْرُ الخلود إنما هو في رواية أبي صالح عن أبي هريرة، وقد رواه سعيد المقبُري والأعرج عن أبي هريرة، ولم يذكرا فيه "خالدًا مخلدًا أبدًا" قال الترمذي: وهذا أصح، وقال القاضي أبو يعلى: هذا محمول على من فعل ذلك مستحلا لقتله ومكذبا بتحريم ذلك بدليل الأحاديث المروية في أن المسلمين لا يخلدون" [كشف المشكل من أحاديث الصحيحين].

إباحة الصلاة على المنتحر

مع أن قتل النفس (الانتحار) من كبائر الذنوب إلا أن العلماء قد اتفقوا على أنه يصلى عليهم ويدعى لهم، وشدد بعض أفراد العلماء فمنعوا أنفسهم من الصلاة عليهم ولم يمنعوا غيرهم تغليظًا، وقد اتفق علماء المذاهب الأربعة على أنه يغسل ويكفن ويصلى عليه، قال ابن بطال: "أجمع الفقهاء وأهل السُّنَّة أن من قتل نفسه أنه لا يخرج بذلك عن الإسلام، وأنه يصلى عليه، وإثمه عليه كما قال مالك، ويدفن في مقابر المسلمين" [شرح البخاري].

الإسلام والحفاظ على النفس :

 

إن الإسلام -في أمره بالدعوة إلى حفظ النفس- يذهب إلى أدق من ذلك؛ فنهى حتى عن تمني الموت؛ ولا شك أن النهي عن الأدنى من باب الترقي في النهي؛ وفيه دلالة على جرم وعظم الجريمة العليا وهي إزهاق النفس بأي صورة. فعَنْ أَنَسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم-: "لَا يَتَمَنَّيَنَّ أَحَدُكُمْ الْمَوْتَ لِضُرٍّ نَزَلَ بِهِ؛ فَإِنْ كَانَ لَا بُدَّ مُتَمَنِّيًا فَلْيَقُلْ: اللَّهُمَّ أَحْيِنِي مَا كَانَتْ الْحَيَاةُ خَيْرًا لِي وَتَوَفَّنِي إِذَا كَانَتْ الْوَفَاةُ خَيْرًا لِي"(متفق عليه)؛ وإذا كان الرسول -عليه الصلاة والسلام- نهى أن يتمنى الإنسان الموت للضر الذي نزل به فكيف بمن يقتل نفسه إذا نزل به الضر؟!

أيها المسلمون: إن الإسلام في دعوته إلى حفظ النفس حرّم كل الطرق المؤدية إلى هلاك النفس وقتلها؛ فحرَّم الاعتداء على الآخرين وإتلاف أنفسهم، أو بعضها، وأوجب القصاص وبيَّن أن فيه حياةً للناس، وأوجب الدية لمن لا يريد القصاص، وأوجب الدية في قتل شبه العمد والخطأ، وهي كفارة مغلظة.

بل نهى عن الإشارة بحديدة أو بسلاح أمام المسلم ولو كان مزاحًا، وحرم الاعتداء على النفوس المعصومة من غير المسلمين كالذمي والمستأنس والمعاهد، وأوجب في قتلها القصاص والدية والكفارة بل حتى الاعتداء على أطراف الميت بتقطيعها وسلبها، أو بيعها، وربط الشرع إقامة القصاص بالحاكم؛ لئلا يتلاعب الناس بالقصاص، وأمر الشرع بالإصلاح بين المتخاصمين والمتقاتلين؛ لئلا تزهق النفوس وتراق الدماء، ودرأ الحدود بالشبهات، وكل هذه الأحكام لو فصلت وترجمت للكفار لحصل فيها خير كثير ليعلموا أن دين الله كامل حق واضح يحفظ الأنفس ويراعي مصالح الناس في كل زمان ومكان.

عباد الله: إن الإسلام في رعايته للنفس وحفظها من الهلاك يذهب إلى أبعد من ذلك؛ فأمر بحفظ أنفس البهائم المعجمة والدواب والطيور؛ وأمر بالرفق بها؛ وتوعد من قتل عصفوراً عبثا بعذابٍ أليمٍ؛ وأمر بإحسان الذبح والقتل.

أسباب الانتحار :

 

عباد الله: هناك عدة أسباب في واقعنا المعاصر تدفع الأشخاص إلى عملية الانتحار، وتتلخص هذه الأسباب فيما يلي:

أولاً: ضعف الوازع الديني عند الإنسان، وعدم إدراك خطورة هذا الفعل الشنيع والجريمة الكُبرى التي يترتب عليها حرمان النفس من حقها في الحياة؛ وهذا نتيجة عدم اكتمال معالم الإيمان في النفس البشرية؛ إذ إن الإيمان الكامل الصحيح يفرض على الإنسان الرضا بقضاء الله -تعالى- وقدره، وعدم الاعتراض على ذلك القدر مهما بدأ للإنسان أنه سيءٌ أو غير مرضِ ؛ ولا شك أن الانتحار لا يخرج عن كونه اعتراضاً على واقع الحال ودليلاً على عدم الرضا به.

ثانيًا: اشتغال النفس بحال الآخرين ومراقبتهم والغفلةُ عن نفسه، وانشغالهُ بالآخرين يوقعه في محاذير ومخاطر كثيرة، منها تركه نفع نفسه والوقوع فيما لا يعنيه، والصواب والسنة والخير والراحة في تركه ما لا يعنيه، فعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم-: "مِنْ حُسْنِ إِسْلَامِ الْمَرْءِ تَرْكُهُ مَا لَا يَعْنِيهِ"(الترمذي وابن ماجه)؛ وليس تركه ما لا يعنيه فحسب؛ بل عليه أن يحرص على كل ما ينفعه؛ فعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم-: "الْمُؤْمِنُ الْقَوِيُّ خَيْرٌ وَأَحَبُّ إِلَى اللَّهِ مِنْ الْمُؤْمِنِ الضَّعِيفِ وَفِي كُلٍّ خَيْرٌ؛ احْرِصْ عَلَى مَا يَنْفَعُكَ وَاسْتَعِنْ بِاللَّهِ وَلَا تَعْجَزْ؛ وَإِنْ أَصَابَكَ شَيْءٌ فَلَا تَقُلْ لَوْ أَنِّي فَعَلْتُ كَانَ كَذَا وَكَذَا؛ وَلَكِنْ قُلْ قَدَرُ اللَّهِ وَمَا شَاءَ فَعَلَ؛ فَإِنَّ لَوْ تَفْتَحُ عَمَلَ الشَّيْطَانِ"(صحيح مسلم)؛ فينبغي على الإنسان أن ينظر إلى من هو دونه في أمر دنياه؛ وإلى من هو فوقه في أمر دينه؛ فإن فعل ذلك نال القناعة ورضا مولاه.

ثالثًا: غلبة الظن الخاطئ عند المنتحر أنه سيضع بانتحاره وإزهاقه لنفسه حدّاً لما يعيشه أو يُعانيه من مشكلاتٍ أو ضغوطٍ أو ظروف سيئةلكن الحقيقة التي يجب أن تُقال بوضوح:

الانتحار لا يُنهي الألم… بل ينقله إلى قلوبٍ أخرى تحبك، ويترك خلفه جرحًا لا يندمل وفوق ذلك أنه ارتكب ذنباً كبيرا يجعله تحت المشيئة الإلهية إن شاء عذبه أو تركه فالمنتحر على خطر لا يدركه .

نعم… قد تضيق الدنيا، وقد يشتد البلاء، وقد تشعر أنك وحدك، لكنك لست كذلك.

ربك أقرب إليك من كل شيء، يسمع أنينك، ويرى ضعفك، ويعلم ما في صدرك.

قال الله تعالى:

﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَنفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا﴾

ليذكّرك أن حياتك غالية، وأنك لست مُهمَلًا، بل محفوظٌ بعين رحمته.

رابعاً : إن بعض الشباب له طموحاتٌ تعانق السحاب؛ لكنه في الوقت نفسه لا يقدّم عملاً، أو أنه يكدّ ويكدح ويلهث ولكن دون المستوى الذي يؤمله، فيصاب هو الآخر بإحباط، فيوحي إليه الشيطان أن الحل الأفضل له التخلص وسرعة الخروج من هذه الدنيا.

 علاج ظاهرة الانتحار

 

عباد الله: إن علاج ظاهرة الانتحار لا يمكن أن يتم إلا بالعودة الصادقة إلى الله -تعالى- والالتزام الصادق بما أمر الله به من أقوالٍ وأعمالٍ وأوامر ونواهٍ جاءت في مجموعها مُمثلةً لدور التربية الإسلامية ومؤسساتها الاجتماعية المختلفة في تحصين الفرد وحمايته من هذا الانحراف السلوكي الخطير عن طريق الوسائل التالية:

أولاً: محاولة تفهم الظروف والأسباب التي قد تدفع بعض أفراد المجتمع إلى محاولة الانتحار، ومن ثم العمل على مد يد العون لهم، ومساعدتهم في حلها؛ فلو أن كل المؤسسات والهيئات المعنية عملت على حل المشاكل التي بداخلها لقُضِيَ على هذه الظاهرة؛ لأن العلاج هو معرفة الداء واستئصاله من جذوره؛ وبذلك يتم القضاء على أسباب هذه الظاهرة ودواعيها بإذن الله؛ أما أن نترك أصحاب المشاكل والمصائب والهموم دون أن نضع لهم حلاً وعلاجًا؛ فكأنما ألقيناهم في اليمّ مكتوفين وقلنا لهم: إياكم إياكم أن تبتلوا بالماء!!

ثانيًا: مراقبة الله -تعالى- في مختلف الأعمال والأقوال، وفي كل شأنٍ من شئون الحياة عند الإنسان؛ إذ إن من راقب الله -تعالى- وخافه واتقاه لن يستحوذ عليه الشيطان، ولن يلقي بنفسه إلى التهلكة؛ لأنه يعلم أنه سيُسأل عن ذلك أمام الله -تعالى-؛ فالإيمان يجعل صاحبه شديد التعلق بخالقه، يلجأ إليه في الشدائد والملمات، فإذا ما أحسَّ بضائقة أو وقعت عليه مصيبة أو نزلت به مشكلة تؤرقه فإنه يعلم ويدرك أن ربّه مُفرِّجٌ ما هو فيه من الكربات، وميسِّرٌ ما يمر به من المعسرات، ومسهّل ما يعيشه من الصعوبات. (وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا * وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ)[الطلاق:2،3]؛ أما إذا أعرض عن أوامره واتبع سبل الشيطان فإنه يعيش في ضنك من العيش: (وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى؛ قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنْتُ بَصِيرًا ؛ قَالَ كَذَلِكَ أَتَتْكَ آَيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنْسَى؛ وَكَذَلِكَ نَجْزِي مَنْ أَسْرَفَ وَلَمْ يُؤْمِنْ بِآَيَاتِ رَبِّهِ وَلَعَذَابُ الْآَخِرَةِ أَشَدُّ وَأَبْقَى)[طه:124- 127].

ثالثاً : التحلي بالصبر؛ فليس كل ما يصيب الإنسان من شوكة يهرع إلى إزهاق روحه؛ فالدنيا دار اختبار وابتلاء وامتحان؛ ولقد أوذي الأنبياء والصالحون وعاشوا في ضيقٍ من العيش حتى شدوا على الحجارة على بطونهم وما صرفهم عن دينهم شيئا؛ فعن خَبّاب بن الأرت -رضي الله عنه- قال: شَكَوْنَا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- وَهُوَ مُتَوَسِّدٌ بُرْدَةً لَهُ فِي ظِلِّ الْكَعْبَةِ، فَقُلْنَا: أَلَا تَسْتَنْصِرُ لَنَا، أَلَا تَدْعُو لَنَا، فَقَال -صلى الله عليه وسلم-: "قَدْ كَانَ مَنْ قَبْلَكُمْ يُؤْخَذُ الرَّجُلُ فَيُحْفَرُ لَهُ فِي الْأَرْضِ فَيُجْعَلُ فِيهَا فَيُجَاءُ بِالْمِنْشَارِ فَيُوضَعُ عَلَى رَأْسِهِ فَيُجْعَلُ نِصْفَيْنِ، وَيُمْشَطُ بِأَمْشَاطِ الْحَدِيدِ مَا دُونَ لَحْمِهِ وَعَظْمِهِ فَمَا يَصُدُّهُ ذَلِكَ عَنْ دِينِهِ، وَاللَّهِ لَيَتِمَّنَّ هَذَا الْأَمْرُ، حَتَّى يَسِيرَ الرَّاكِبُ مِنْ صَنْعَاءَ إِلَى حَضْرَمَوْتَ لَا يَخَافُ إِلَّا اللَّهَ وَالذِّئْبَ عَلَى غَنَمِهِ، وَلَكِنَّكُمْ تَسْتَعْجِلُونَ"(صحيح البخاري)؛ وليعلم المؤمن أن حاله كله خيرٌ في سرائه وضرائه فهو إما صابر وإما شاكر؛ فقد جمع الإيمان بنصفيه الصبر والشكر؛ فعَنْ صُهَيْبٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم-: "عَجَبًا لِأَمْرِ الْمُؤْمِنِ إِنَّ أَمْرَهُ كُلَّهُ خَيْرٌ؛ وَلَيْسَ ذَاكَ لِأَحَدٍ إِلَّا لِلْمُؤْمِنِ؛ إِنْ أَصَابَتْهُ سَرَّاءُ شَكَرَ فَكَانَ خَيْرًا لَهُ؛ وَإِنْ أَصَابَتْهُ ضَرَّاءُ صَبَرَ فَكَانَ خَيْرًا لَهُ"(صحيح مسلم)؛ وأنت ترى في الراويين لهذين الحديثين –خباب وصهيب- صبرًا وشكرًا؛ فهما مِن أول مَن أظهر الإسلام وتحملا ألوان التعذيب حتى أوصلا إلينا الرسالة؛ فلنقارن حالنا بأحوالهم!

أما إذا لم يصبر الإنسان على ما فيه من شدة وألم ونوائب فإنه يجتمع عليه أمران: أولهما: الشدة والألم والتعب والنصب في الدنيا؛ وثانيهما: العذاب الشديد في الآخرة؛ وبذلك خسر دنياه وأخراه؛ فعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: "شَهِدْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- حُنَيْنًا فَقَالَ لِرَجُلٍ مِمَّنْ يُدْعَى بِالْإِسْلَامِ "هَذَا مِنْ أَهْلِ النَّارِ" فَلَمَّا حَضَرْنَا الْقِتَالَ قَاتَلَ الرَّجُلُ قِتَالًا شَدِيدًا فَأَصَابَتْهُ جِرَاحَةٌ فَقِيلَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ الرَّجُلُ الَّذِي قُلْتَ لَهُ آنِفًا إِنَّهُ مِنْ أَهْلِ النَّارِ فَإِنَّهُ قَاتَلَ الْيَوْمَ قِتَالًا شَدِيدًا وَقَدْ مَاتَ؛ فَقَالَ النَّبِيُّ -صلى الله عليه وسلم-: "إِلَى النَّارِ"؛ فَكَادَ بَعْضُ الْمُسْلِمِينَ أَنْ يَرْتَابَ؛ فَبَيْنَمَا هُمْ عَلَى ذَلِكَ إِذْ قِيلَ: إِنَّهُ لَمْ يَمُتْ وَلَكِنَّ بِهِ جِرَاحًا شَدِيدًا فَلَمَّا كَانَ مِنْ اللَّيْلِ لَمْ يَصْبِرْ عَلَى الْجِرَاحِ فَقَتَلَ نَفْسَهُ؛ فَأُخْبِرَ النَّبِيُّ -صلى الله عليه وسلم- بِذَلِكَ فَقَالَ: "اللَّهُ أَكْبَرُ أَشْهَدُ أَنِّي عَبْدُ اللَّهِ وَرَسُولُهُ"، ثُمَّ أَمَرَ بِلَالًا فَنَادَى فِي النَّاسِ: "أَنَّهُ لَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ إِلَّا نَفْسٌ مُسْلِمَةٌ وَأَنَّ اللَّهَ يُؤَيِّدُ هَذَا الدِّينَ بِالرَّجُلِ الْفَاجِرِ" (متفق عليه) .

رابعاً: احتساب الأجر عند الله؛ فينبغي على صاحب الأقدار والمصائب أن يحتسب ما هو فيه عند الله؛ فعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ النَّبِيِّ -صلى الله عليه وسلم- قَالَ: "مَا يُصِيبُ الْمُسْلِمَ مِنْ نَصَبٍ وَلَا وَصَبٍ وَلَا هَمٍّ وَلَا حُزْنٍ وَلَا أَذًى وَلَا غَمٍّ حَتَّى الشَّوْكَةِ يُشَاكُهَا إِلَّا كَفَّرَ اللَّهُ بِهَا مِنْ خَطَايَاهُ"(صحيح البخاري)؛ وعن أبي بكر الصديق -رضي الله عنه- قال: قلت: يا رسول الله، كيف الصلاح بعد هذه الآية: (مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ)[النساء:123]؛ فكل سوء عملناه جزينا به؟! قال: "غفر الله لك يا أبا بكر"، قاله ثلاثا، "يا أبا بكر، ألست تمرض، ألست تحزن، ألست تنصب، ألست تصيبك اللأواء؟" قلت: نعم، قال: "فهو ما تجزون به في الدنيا"(رواه أحمد والحاكم وصححه).

خامساً : القناعة والرضا: فلو أن الإنسان قنع ورضي بما قسم وقدّر له؛ لعاش في سعادة ورخاء؛ وإلا عاش في سخط؛ فعَنْ أَنَسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم-: "إِنَّ عِظَمَ الْجَزَاءِ مَعَ عِظَمِ الْبَلَاءِ؛ وَإِنَّ اللَّهَ إِذَا أَحَبَّ قَوْمًا ابْتَلَاهُمْ؛ فَمَنْ رَضِيَ فَلَهُ الرِّضَا وَمَنْ سَخِطَ فَلَهُ السَّخَطُ"(رواه الترمذي وابن ماجه)؛ وكما قيل: "القناعة كنز لا يفنى".

هذه أهم سبل العلاج لظاهرة الانتحار؛ وإننا لو طبقنا هذه الحلول على أرض الواقع لاقتلعنا جذور هذه الظاهرة من أساسها؛ وعشنا في سلام وأمان واطمئنان وسعدنا برضا الرحمن.

نسأل الله -تعالى- أن يحفظنا جميعاً من كل شر، وأن يوفقنا إلى طاعته، وأن يرزقنا حياةً طيبةً، وأن يحفظنا وبلادنا وشبابنا من كل مكروه وسوء؛ وأن يرزقنا وإياكم حسن الخاتمة.

google-playkhamsatmostaqltradent