recent
أخبار عاجلة

التوسل بالنبي صلى الله عليه وسلم بعد انتقاله من الحياة الدنيا

التوسل بالنبي صلى الله عليه وسلم  بعد انتقاله من الحياة الدنيا


- عن بكر بن عبدالله المزني قال صلي الله عليه وسلم:" حياتي خيرٌ لكم، ووفاتي لكم خيرٌ، تُحْدِثون فيحدثُ لكم، فإذا أنا متُّ عُرِضَتْ عليَّ أعمالُكم، فإن رأيتُ خيرًا حمدتُ اللهَ، وإن رأيتُ شرًّا استغفرتُ اللهَ لكم"( رجالها رجال مسلم الألباني  فضل الصلاة الصفحة أو الرقم : 26أخرجه ابن سعد في الطبقات الكبرى  والحارث في ((مسنده).

وروى الإمامُ النَّسائيُّ: أخبرنا زكريَّا بن يحيى قال: حدَّثنا محمَّد بن المثنى قال: حدَّثنا معاذ بن هشام قال: حدَّثني أبي عن أبي جعفر عن أبي أُمامة بن سهل بن حُنَيف عن عمِّه: أنَّ أعمى أتى النَّبيَّ فقال: يا رسولَ الله إنَّه شقَّ عليَّ ذهابُ بصري، قال: «فانْطلِقْ وتوضَّأ ثم صَلِّ ركعتيْنِ ثمَّ قل: اللَّهمَّ إني أسألُكَ وأتوجَّه إليكَ بنبيِّي محمَّد نبيِّ الرَّحمةِ، يا محمَّدُ إنِّي أتوجَّه بكَ إلى ربِّكَ أن تكشفَ لي عَنْ بصري، شَفِّعه فيَّ وشَفِّعني في نَفسِي» فرجعَ وقد كُشِفَ له عن بصرِه.أخرجه النَّسائيُّ في الكبرى (10421).

روى الإمامُ الطَّبرانيُّ في المعجم الصَّغيرِ الحديثَ مُشتملًا على إرشادِ الصَّحابيِّ راوِي الحديثِ لأحد التَّابعين في زمان سيدنا عثمان بن عفَّان وقتَ خلافته إلى أن يفعل مثلَ فعلِ الضَّرير؛ فقد روى الإمامُ الطَّبرانيُّ بسنده عن رَوْحِ بن القاسم عن أبي جعفر الخَطْمي المدني عن أبي أمامةَ بن سهل بن حُنيف عن عمِّه عثمان بن حُنيف أنَّ رجلًا كان يختلفُ إلى عثمان بن عفان  في حاجةٍ له، فكان عثمانُ لا يلتفتُ إليه ولا ينظرُ في حاجته، فلَقِيَ عثمانَ بن حُنيف فشكَا ذلك إليه، فقال له عثمانُ بن حُنيف: ائتِ الميضأةَ فتوضَّأ ثمَّ ائتِ المسجدَ فصَلِّ فيه ركعتيْنِ ثمَّ قل: اللَّهمَّ إنِّي أسألُكَ وأتوجَّه إليكَ بنبيِّنا محمَّدٍ نبيِّ الرَّحمة، يا محمَّدُ إنِّي أتوجَّه بكَ إلى ربِّكَ جلَّ وعزَّ، فيقضي لي حاجتِي وتذكرُ حاجتَك، ورُحْ إليَّ حتَّى أروحَ معكَ، فانطلقَ الرَّجلُ فصنع ما قال له عثمانُ ثمَّ أتى بابَ عثمان- أي عثمان بن عفَّان- فجاء البوَّابُ حتَّى أخذ بيدِه فأدخلَه على عثمانَ بن عفَّان فأجلسه معه على الطِّنفِسة، وقال: حاجتك؟ فذكر حاجتَه فقضاها له، ثمَّ قال: ما ذكرتُ حاجتَك حتَّى كانتْ هذه السَّاعة، وقال: ما كانت لك من حاجةٍ فأْتنا، ثمَّ إنَّ الرَّجل خرج من عنده فلَقِيَ عثمانَ بن حُنيف فقال: جزاكَ الله خيرًا ما كان ينظرُ في حاجتي ولا يلتفتُ إليَّ حتَّى كلَّمْتَه فيَّ، فقال عثمانُ بن حنيف: والله ما كلَّمتُه ولكن شهدتُ رسولَ الله وأتاه ضريرٌ فشكا عليه ذهابَ بَصْرِه فقال له النَّبيُّ : «أفتصبرُ؟» فقال: يا رسُولَ الله إنَّه ليس لي قائدٌ وقد شقَّ عليَّ، فقال له النَّبيُّ : «ائْتِ الميضأةَ فتوضَّأْ ثُمَّ صلِّ ركعتَيْنِ ثم ادعُ بهذه الدَّعواتِ» قال عثمانُ: فوالله ما تفرَّقنا، وطال بنا الحديثُ حتَّى دخل علينا الرَّجلُ كأنَّه لم يكنْ به ضررٌ قطُّ.أخرجه الطَّبراني في الصَّغير (1/306).

ويُستفاد من هذا الحديثِ الشَّريفِ:

1- جوازُ واستحبابُ التَّوسُّل برسُولِ الله .

2- التَّوسُّل هنا بالنَّبيِّ أي بذاتِه النَّبويَّة الشَّريفةِ الجامعةِ لنبوَّته ورسالتِه ومكانتِه عند الله.

3- فَهمُ الصَّحابيِّ الجليل عثمان بن حنيف أن التَّوسلَ بالنَّبيِّ ليسَ مُقتصرًا حالَ حياتِه؛ ولذلك أرشدَ الرَّجلَ أن يتوسلَ بالنَّبيِّ ، وكان ذلك بعد وفاةِ النَّبي .

-  1- قال الله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِن رَّسُولٍ إِلَّا لِيُطَاعَ بِإِذْنِ اللّهِ وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذ ظَّلَمُواْ أَنفُسَهُمْ جَآؤُوكَ فَاسْتَغْفَرُواْ اللّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُواْ اللّهَ تَوَّابًا رَّحِيمًا﴾ [النساء: 64].

أوردَ كثيرٌ من الحفَّاظِ وأئمَّة المسلمينَ والمفسِّرين في الحديث عن هذه الآية الكريمة روايةً توضِّح مثالًا تطبيقيًّا لما فَهِمَه المسلمونَ من هذه الآية وكيف قامُوا بالعمل بما ترشد إليه.

ونذكرُ في هذا المقامِ الحافظَ ابنَ كثير رحمه الله؛ لأنَّه من أكثر المفسرين التزامًا بالآثارِ؛ فعند حديثه عن هذِه الآية الكريمةِ قال: وقد ذكر جماعةٌ منهم الشَّيخ أبو النَّصر الصَّباغ في كتابه الشَّامل هذه القصَّةَ المشهورة عن العُتبيِّ قال: «كنتُ جالسًا عند روضةِ النَّبيِّ فجاء أعرابيٌّ فقال: السَّلامُ عليكَ يا رسولَ الله سمعتُ الله يقول: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذ ظَّلَمُواْ أَنفُسَهُمْ جَآؤُوكَ فَاسْتَغْفَرُواْ اللّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُواْ اللّهَ تَوَّابًا رَّحِيمًا﴾ وقد جئتُكَ مُستغفرًا لذنبي مُستشفعًا بكَ إلى ربِّي ثمَّ أخذَ يقولُ:

ثمَّ انصرفَ الأعرابيُّ، فغلبتْني عيني، فرأيتُ النَّبيَّ في النَّوم فقال: «يا عُتْبيُّ، الحقِ الأعرابيَّ فبشِّره بأنَّ اللهَ قد غَفَرَ له». وقد عَدَّ الإمام النوويُّ رضي الله عنه أنَّ هذا القولَ من أحسنِ ما يقولُه الزائر عند زيارتِه لقبر النَّبيِّ .

ذكرها النووي في المجموع (8/274)، وابن كثير في تفسيره (4/140) بدون إسنادٍ.

وأخرج البَيهقيُّ في شعب الإيمان (3880) من طريق أبي علي الروذباري حدثنا عمرو بن محمد بن عمرو بن الحسين بن بقية- إملاءً- حدثنا شكر الهروي حدثنا يزيد الرقاشي عن محمد بن روح بن يزيد البصري حدَّثني أبو حرب الهلالي قال... فذكر نحوها

-  وقد ذَكرَ الإمامُ النَّوويُّ القصَّة في المجموعِ عند الحديثِ عن آدابِ زيارةِ النَّبيِّ مُستحسِنًا لها ومُحبِّذًا صيغتَها عند الزِّيارةِ.

ووردتْ أيضًا في كتبِ الأحكام الفقهيِّةِ والمناسكِ عند الحديثِ عن زيارةِ قبر النَّبيِّ عند أئمَّة المذاهبِ الأربعة- كما سيأتِي- مستدلِّينَ بهذه القصَّة الجميلةِ على الاستشفاعِ بنفسِ الصورة التي توسَّل بها الأعرابيُّ برسول الله، بالإضافةِ إلى ثُبُوتِ الاستشفاعِ والتَّوسل بدايةً بالآية الكريمة، والَّتي هي آيةٌ عامَّةٌ مطلقةٌ ثابتةُ الحُكمِ إلى يوم القيامة تحضُّ على إتيانِ رسول الله سواءٌ في حياته أو بعد وفاتِه والتَّوسل به إلى الله تعالى والاستشفاع به إلى ربِّه سبحانَه في مغفرة الذُّنوب وقضاء الحاجات، وعدم تفرقة العلماءِ بين حياتِه أو وفاته، فالآيةُ الكريمةُ آيةٌ مُطلَقةٌ ليس لها مقيِّدٌ نصيٌّ أو مقيِّدٌ عقليٌّ، وليس هناك ما يقيِّد معناها بحياة النَّبي الدُّنيويُّة فهي باقيةٌ إلى يوم القيامة، ومَن زعم غيرَ ذلك من تخصيصِ الآية الكريمة بحياتِه الدُّنيويَّةِ فقط فعليه أن يأتيَ بدليلِ التَّخصيصِ، فالإطلاقُ لا يحتاج إلى دليلٍ ولكنَّ التخصيص هو الَّذي يحتاجُ إلى دليلٍ.

2- فعلُ الصَّحابة والسَّلف رضوان الله عليهم في الاستسقاء بقبر النَّبيِّ ؛ فقد رَوى الدَّارميُّ في سننه عن أبي الجوزاء أوس بن عبدالله قال: قَحِطَ أهلُ المدينة قحطًا شديدًا فشكوا إلى عائشةَ رضي الله عنها، فقالتْ: انظُروا قبرَ النَّبيِّ فاجعلوا منه كُوًى إلى السَّماء حتَّى لا يكونَ بينه وبين السَّماء سقفٌ، قال: ففعلُوا فمُطرنا مطرًا حتَّى نبت العشبُ وسَمنتِ الإبل حتَّى تفتَّقتْ من الشَّحم فسُمِّي ذلك العام بعام الفَتْقِ.أخرجه الدارميُّ في سننه (93) من طريق أبي النعمان حدَّثنا سعيد بن زيد حدَّثنا عمرو بن مالك النكري حدثنا أبو الجوزاء أوس بن عبد الله به موقوفًا على عائشةَ رضي الله عنها، ورجالُه ثِقاتٌ

من أقوال أهل العلم في استحباب التوسل برسول الله:

- المذهب الحنفي:

- الإمام كمالُ الدِّين ابنُ الهمام الحنفي (ت 861 هـ) في كتابه فتح القديرِ في كتاب الحج، باب زيارة النَّبي قال رحمه الله: «ويسألُ الله حاجتَه متوسِّلًا إلى الله بحضرة نبيِّه» ثمَّ قال: «يسألُ النَّبيَّ الشَّفاعةَ فيقول: يا رسولَ الله، أسألُك الشَّفاعةَ، يا رسولَ الله أتوسَّل بكَ إلى الله». انظر: فتح القدير (2 /339) المطبعة الأميرية- 1315هـ.

- جاء في الفتاوى الهنديَّة، كتاب المناسك، باب: خاتمة في زيارة قبرِ النَّبيِّ . وهو يذكرُ كيفيَّةَ وآداب زيارة قبر النَّبي والأدعيةَ التي يقولها الزَّائر، قال: «يُبلِّغه سلام مَن أوصاه فيقول: السَّلامُ عليكَ يا رسولَ الله من فلان بن فلان يَستشفعُ بكَ إلى ربِّكَ فاشفعْ له ولجميعِ المُسلمينَ». ثم قال بعد ذلك: «ثمَّ يقف- أي الزَّائر- عند رأسه كالأوَّل ويقول: اللَّهمَّ إنَّك قلتَ وقولك الحقُّ: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذ ظَّلَمُواْ أَنفُسَهُمْ جَآؤُوكَ فَاسْتَغْفَرُواْ اللّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُواْ اللّهَ تَوَّابًا رَّحِيمًا ﴾ وقد جِئناكَ سامِعينَ قولك طائعينَ أمرك مُسْتشفِعينَ بِنبيِّكَ إليكَ». انظر: الفتاوى الهندية (1/292- 293) تأليف: الشيخ نظام وجماعة من علماء الهند- ضبط وتصحيح: عبد اللطيف حسن عبدالرحمن- دار الكتب العلمية- بيروت- الطبعة الأولى- 2000م.

- المذهب المالكي:

- قصَّة الخليفة المنصور مع الإمام مالك بن أنس إمام دار الهجرة، وهي أنَّ أبا جعفر المنصور ثاني خلفاء بني العبَّاس- كان في زيارةٍ لقبر النَّبيِّ في حجَّته- سألَ الإمامَ مالكًا فقال له: يا أبا عبدالله أأسْتقبل رسولَ الله وأدعو أم أستقبل القبلة وأدعو؟ فقال له مالك: ولِـمَ تَصرِفُ وجهَك عنه وهو وسيلتُك ووسيلةُ أبيك آدم عليه السَّلام إلى الله عزَّ وجلَّ يوم القيامة، بل استقبلْه واستشفعْ به فيشفِّعه اللهُ.

أخرج هذه القصَّة القاضي عياض في الشِّفا بتعريف حُقوقِ المُصطفى (2/40- 41) من طريق محمد بن عبد الرحمن الأشعري وأبي القاسم أحمد بن بقي الحاكم وغير واحد فيما أجازونيه قالوا: أخبرنا أبو العباس أحمد بن عمر بن دِلهاث قال: حدثنا أبو الحسن علي بن فهر حدَّثنا أبو بكر محمد بن أحمد بن الفرج حدَّثنا أبو الحسن عبد الله بن المنتاب حدَّثنا يعقوب بن إسحاق بن أبي إسرائيل حدَّثنا ابن حميد فذكرها.وجوَّد إسناده الصَّالحيُّ في سُبل الهدى والرشاد (12/395)

- قال الشَّيخُ الإمام أبو عبد الله محمد بن محمد بنُ الحاج المالكيُّ (737 هـ): «فالتَّوسُّلُ به عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ هو محلُّ ومحطُّ أحمال الأوزار وأثقال الذُّنوبِ والخطايا؛ لأنَّ بركةَ شفاعتِه عليه الصَّلاة والسَّلام عند ربِّه لا يتعاظمُها ذنبٌ، فليستبشرْ مَنْ زاره ويلجأ إلى الله بشفاعتِه عليه الصَّلاة والسَّلام، ومَن لم يزرْه فليقل: اللَّهمَّ لا تحرمنا شفاعتَه بحُرمتِه عندك آمينَ يا ربَّ العالمين.

ومَنِ اعتقدَ غيرَ ذلك فهو المحرومُ، ألم يسمعْ قولَ الله عزَّ وجلَّ: ﴿ وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذ ظَّلَمُواْ أَنفُسَهُمْ جَآؤُوكَ فَاسْتَغْفَرُواْ اللّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُواْ اللّهَ تَوَّابًا رَّحِيمًا ﴾ فمَنْ جاءَه ووقفَ ببابه وتوسَّل به وجدَ الله توَّابًا رحيمًا؛ لأنَّ الله عزَّ وجلَّ مُنزَّهٌ عن خلفِ الميعادِ، وقد وعدَ سبحانَه وتعالَى بالتَّوبةِ لمَنْ جاءَه ووقفَ ببابِه وسألَه واستغفرَ ربَّه، فهذا لا يَشُكُّ فيه ولا يرتابُ إلَّا جاحدٌ للدِّين معاندٌ لله ولرسولِه نعوذُ بالله من الحرمانِ». انظر: المدخل (1/259)  لابن الحاج- مكتبة دار التراث- القاهرة.

وقال الإمام أبو القاسم محمد بن أحمد بن جزي الكلبيُّ المالكيُّ الغرناطيُّ (ت 757 هـ): «ينبغي لمن حجَّ أن يقصدَ المدينةَ فيدخل مسجدَ النَّبي فيصلِّي فيه ويُسلِّم على النَّبيِّ وعلى صَحبيْه أبي بكر وعمر رضي الله عنهما، ويَسْتشفعُ به إلى الله ويصلِّي بين القبرِ والمنبرِ ويودِّعُ النَّبيَّ إذا خرجَ من المدينة». انظر: القوانين الفقهية في تلخيص مذهب المالكية (ص257) لابن جزي- تحقيق: د. محمد بن محمد مولاي

وقال الشيخ العلامة الكبير إبراهيم اللَّقاني المالكي صاحب جوهرة التَّوحيد: «ليس للشَّدائد مثلُ التَّوسل به ». انظر: خلاصة الأثر في أعيان القرن الحادي عشر (1/8) لمحمد أمين المحبي- دار صادر- بيروت.

- المذهبُ الشَّافعيُّ:

قال الإمام أبو حامد الغزالي (ت 505 هـ) في إحياء عُلوم الدِّين في باب زيارة المدينة وآدابِها: «يقول الزَّائر: اللَّهم قصدنا نبيَّك مُستشفعينَ به إليكَ في ذنوبِنا... وشفِّع نبيَّكَ هذا فينا وارفعنا بمنزلتِه عندكَ وحقِّه عليكَ»().

وقال الإمام محيي الدين النَّوويُّ في المجمُوعِ في كتاب صفة الحجِّ، باب زيارة النَّبيِّ : «ثمَّ يرجعُ إلى موقفِه الأوَّل قُبالة وجه رسول الله ويتوسَّل به في حقِّ نفسِه، ويَستشفعُ به إلى ربِّه...». انظر: المجموع للنووي (8/274).

وقال الإمام تقيُّ الدِّين علي بن عبد الكافي السُّبكيُّ في كتابه شفاء السِّقام (ت 756 هـ) ما نصُّه: «اعلمْ أنَّه يجوز ويحسُنُ التَّوسل والاستعانةُ والتَّشفُّع بالنَّبي إلى ربِّه سبحانه وتعالَى، وجوازُ ذلك وحسنُه من الأمورِ المعلومةِ لكلِّ ذي دِين، المعروفةِ من فعلِ الأنبياءِ والمُرسلينَ وسير السَّلفِ الصَّالحين للأمَّة والعلماء والعوامِّ من المسلمين، ولم ينكرْ ذلك من أهل الأديانِ ولا سمع به في زمنٍ من الأزمانِ». انظر: شفاء السقام في زيارة خير الأنام (ص 160)

- وقال الإمامُ الفَقيه أبو بكر تقي الدين الحصنيُّ (ت 829 هـ) قال في كتابِه دفع شبه من شَبَّه وتمرَّدَ: «والمرادُ أنَّ الاستغاثةَ بالنَّبيِّ واللَّواذَ بقبرِه مع الاستغاثةِ بهِ كثيرٌ على اختلافِ الحاجاتِ، وقد عقدَ الأئمَّةُ لذلك بابًا وقالوا: إنَّ استغاثةَ مَنْ لاذَ بقبرِه وشكَى إليه فقرَه وضُرَّه توجبُ كَشْفَ ذلك الضُّرِّ بإذنِ الله تَعالى». انظر: دفع شبه من شبه وتمرَّد (ص 133) تحقيق: محمد زاهد الكوثري- المكتبة الأزهرية للتراث- القاهرة- 2010م

وقال الإمام أبو العبَّاس أحمد بن محمد بن عبد الملك القسطلَّانيُّ (ت 923 هـ) في المواهب اللَّدنيَّة: «ويَنبغِي للزَّائرِ له أن يُكثرَ من الدُّعاءِ والتَّضرُّعِ والاستغاثةِ والتَّوسُّل به فجديرٌ بمَنِ استشفعَ أن يشفِّعَه اللهُ فيه» انظر: المواهبُ اللدنية بالمنح المحمديَّة (3/413) تعليق: مأمون محيي الدين- دار الكتب العلمية- الطبعة الأولى- بيروت- 1996م

المذهبُ الحنبليُّ:

أجازَ الإمامُ أحمد بن حنبل التَّوسلَ بالنَّبي كما نقلَه عنه الإمام أبو الحسن علي بن سليمان المرداويُّ الحنبليُّ في الإنصاف في كتاب صلاة الاستسقاء: «ومنها- أي من الفوائدِ- يجوزُ التَّوسُّلُ بالرَّجُلِ الصَّالحِ على الصَّحيحِ من المذهبِ، وقيل: يستحبُّ، وقال الإمامُ أحمد بن حنبل للمروذي: يتوسل بالنبي في دعائه...» ثمَّ قال: «والتوسُّل بالإيمانِ به وطاعته ومحبَّته والصلاة والسلام عليه، وبدعائه وشفاعتِه، ونحوه مما هو من فِعله أو أفعال العباد المأمور بها في حقِّه مشروع إجماعًا»().

انظر: الإنصاف في معرفة الراجح من الخلاف (2/456) للمرداوي- تحقيق: حامد الفقي- الطبعة الأولى- 1956م. وانظر: المبدع في شرح المقنع (2/204) تأليف: إبراهيم بن محمد بن مفلح- المكتب الإسلامي- بيروت- 1400 هـ.

- وأرشدَ الإمام أبو محمد عبد الله بن أحمد بنُ قدامةَ (ت 620 هـ) إلى تلاوةِ آية: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذ ظَّلَمُواْ أَنفُسَهُمْ جَآؤُوكَ فَاسْتَغْفَرُواْ اللّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُواْ اللّهَ تَوَّابًا رَّحِيمًا﴾ وذلك عند حديثِه عن آدابِ زيارة القبرِ الشَّريفِ حيث قال في كتابِه المغني ما نصُّه: «ثُمَّ تأتي القبرَ فتولِّي ظهركَ القِبلةَ وتستقبل وسطَه وتقول: السَّلام عليكَ أيُّها النَّبي ورحمةُ الله وبركاته، السَّلام عليكَ يا نبيَّ الله وخيرته من خلقِه وعباده، أشهدُ أن لا إلَه إلا الله وحدَه لا شريكَ له، وأشهدُ أنَّ محمَّدًا عبدُه ورسولُه، أشهدُ أنَّكَ قد بلغَّتَ رسالاتِ ربِّكَ ونصحتَ لأمَّتك ودعوتَ إلى سبيلِ ربِّك بالحكمةِ والموعظة الحسنةِ، وعبدتَ الله حتَّى أتاكَ اليقينَ، فصلَّى اللهُ عليك كثيرًا كما يحبُّ ربُّنا ويَرضى، اللَّهمَّ اجزِ عنَّا نبيَّنا أفضل ما جزيتَ أحدًا من النَّبيينَ والمرسلينَ، وابعثه المقامَ المحمود الَّذي وعدتَه، يغبطه به الأوَّلون والآخرون. اللهمَّ صلِّ على محمَّدٍ وعلى آل محمَّدٍ كما صلَّيتَ على إبراهيمَ وآل إبراهيمَ إنَّك حميدٌ مجيدٌ، وبارك على محمَّدٍ وعلى آل محمَّدٍ كما باركتَ على إبراهيمَ وآل إبراهيمَ إنَّك حميدٌ مجيدٌ، اللَّهم إنَّكَ قلتَ وقولُك الحقُّ: ﴿ وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذ ظَّلَمُواْ أَنفُسَهُمْ جَآؤُوكَ فَاسْتَغْفَرُواْ اللّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُواْ اللّهَ تَوَّابًا رَّحِيمًا ﴾ وقد أتيتُك مُستغفرًا من ذنوبي مُستشفعًا بكَ إلى ربِّي فأسألُك يا ربِّ أن تُوجبَ لي المغفرةَ كما أوجبتَها لمَنْ أتاه في حياتِه، اللَّهمَّ اجعلْه أوَّل الشَّافِعينَ وأنجحَ السَّائلينَ وأكرمَ الآخرينَ والأوَّلينَ برحمتِك يا أرحمَ الرَّاحمين، ثمَّ يدعُو لوالدَيْه ولإخوانِه وللمُسلمينَ أجمعينَ». انظر:  المغني (3/298) دار إحياء التراث العربي- الطبعة الأولى- 1405 هـ. والشرح الكبير (3/495) دار الكتاب العربي

- تطبيقات العلماء للتوسل:

ونَعرِضُ فيما يأتي أدعيةَ علماء السَّلف والخلفِ من أئمَّة الدِّين وحملةِ الشَّريعةِ والعلماء الرَّبانيينَ في مصنفاتِهم التي تدلُّ على توسُّلهم بجاهِ النبيِّ فمنها:

ما جاء في وصيَّة الإمام ابن قُدامة المقدسي الحنبلي ما يلي: «وإذا كانَت لك حاجةٌ إلى الله تعالى تريدُ طلبَها منه فتوضَّأ، وأحسِن وُضوءَك واركع ركعتَين وأثنِ على الله عزَّ وجلَّ وصلِّ على النَّبي ثمَّ قُل: لا إلهَ إلَّا الله الحليم الكريم سبحان رب العرشِ العظيم الحمدُ لله ربِّ العالمين، أسألك موجباتِ رحمتكَ وعزائمَ مغفرتكَ والغنيمةَ من كل برٍّ والسَّلامةَ من كلِّ إثم لا تدع لي ذنبًا إلَّا غفرته ولا همًّا إلا فرجته ولا حاجةً هي لك رضًا إلَّا قضيتَها يا أرحمَ الرَّاحمين، وتقولُ: اللَّهم إنِّي أسألُكَ وأتوجَّه إليكَ بنبيِّكَ محمَّدٍ نبيِّ الرَّحمة، يا محمَّد إنِّي أتوجَّه بكَ إلى ربي فيقضي لي حاجتي، ويذكر حاجتَه». انظر: وصيَّة الإمام ابن قدامة المقدسي الحنبلي (ص 95) تحقيق: أم عبد الله محروس العسيلي- دار تيسير- الطبعة الأولى- 1411هـ

- ودعاء الإمام الكبير أبي عبدالله القرطبيِّ صاحب التَّفسير الشَّهير (ت 671 هـ) في كتابه التَّذكرة في أحوال الموتى وأمور الآخرة حيث قال: «نجَّانا اللهُ من أهوالِ هذا اليوم بحقِّ محمَّدٍ نبيِّ الرَّحمةِ وصحبِه البررة، وجعلنا ممَّن حُشر في زمرتِهم». انظر: التذكرة في أحوال الموتى وأمور الآخرة (1/ 269) تحقيق: أبي عبد الله الداني- المكتبة العصرية- بيروت- 1423هـ

قال الحافظُ أبو عمرو عثمان بن عبدالرحمن بنُ الصَّلاح الشَّافعيُّ (ت 643 هـ) في فتاويه وهو يتكلَّم عن معجزاتِ النَّبي حيث قال: «فإنَّها ليستْ محصُورةً على ما وجد منها في عصره بل لم تزل تتجدَّدُ بعده على تعاقُبِ العصورِ، وذلك أنَّ كراماتِ الأولياء من أمَّته وإجابات المتوسِّلينَ في حوائجِهم عقيب توسُّلهم به في شدائدهم براهينُ له قواطعُ ومعجزاتٌ له سواطعُ ولا يعدُّها عدٌّ ولا يحصرها حدٌّ، أعاذنا الله مِنَ الزَّيغ عن ملَّته، وجعلنا من المهتدينَ الهادين بهديه وسُنَّته» انظر: فتاوى ومسائل ابن الصلاح (2/210) تحقيق: عبد المعطي أمين قلعجي- دار المعرفة-بيروت- الطبعة الأولى- 1986م

وقالَ الإمامُ أبو العبَّاس أحمد بن أحمد بن عبد اللَّطيف الزَّبيدي (ت 893 هـ) في كتابه التَّجريد الصَّريح لأحاديثِ الصَّحيح في دعاءٍ له يقولُ: «وأن يُصلحَ المقاصدَ والأعمالَ بجاه سيِّدنا محمَّدٍ وآله» انظر: التَّجريد الصَّريح (1/15) اعتنى به: حسن شلبي وكسرى علي- مؤسسة الرسالة ناشرون- الطبعة الأولى- 2009م

وقال الحافظُ أبو الخير شمس الدين محمد بن عبد الرحمن السَّخاويُّ (ت 902 هـ): في نهاية شرحِه لألفيَّةِ العراقيِّ في الحديث: «سيِّدنا محمَّد سيِّد الأنام كلهم، ووسيلتُنا وسندُنا في الشَّدائد والنَّوازلِ ». انظر: شرح ألفيَّة العراقي في الحديث (4/410) تحقيق: علي حسين علي- دار الإمام الطبري- الطبعة الثانية- 1992م

قال الإمام جلال الدين عبد الرحمن بن أبي بكر السُّيوطي (ت 911 هـ) في نهاية كتابه تاريخ الخلفاء: «وأسأل الله أن يقبضنا إلى رحمته قبل وقوع فتنة المائة التاسعة بجاه محمَّد وصحبه أجمعين آمين». انظر: تاريخ الخلفاء (ص 452) تحقيق: محمد محيي الدين عبد الحميد- دار السعادة.

وما ذكرَه الإمام أبو الفضْلِ محمد خليل بن علي المُرادي الحنفي (ت 1206هـ) في كتابِه: «سلك الدُّرر في أعيان القرن الثاني عشر» حيث قال: «فنتوجَّه اللَّهمَّ إليكَ به إذ هو الوسيلة العُظمى». انظر: سلك الدُّرر في أعيان القرن الثاني عشر (1/2) دار البشائر الإسلامية ودار ابن حزم- الطبعة الثالثة- 1988م

وقال الشَّيخ أبو عبد الله محمد بن عليش المالكي (ت 1299 هـ) في كتابه مِنح الجليل شرح مختصر خليل قال: «ونسألُ الله تعالى التَّوفيقَ للصَّوابِ وأنْ يسلك بنا الزُّلفى وحُسن مآب بجاهِ سيِّدنا محمَّد وعلى آلِه والأصحابِ». انظر: منح الجليل شرح مختصر خليل (3/705) مكتبة النجاح- ليبيا

وقالَ الإمام علي العدوي المالكي في حاشيتِه على شرح مختصر خليل للإمام محمد بن عبد الله الخرشي: «نتوسَّلُ إليكَ بجاه الحبيب أن تُبلِّغَ المقاصدَ عن قريب فإنَّك قريبٌ مجيبٌ». انظر: شرح مختصر خليل للخرشي وبهامشه حاشية العدوي (1/58) المطبعة الأميرية- 1317 هـ

وقال الإمام أحمد بن محمد المقري التِّلمسانيُّ (ت 1041 هـ) في كتابه نفح الطيب: «نعوذُ بالله من شرِّ أنفسنا ومن شرِّ كل ذي شرٍّ، بجاه نبيِّنا عليه أزكى صلوات الله وأفضلُ سلامه». انظر: نفح الطيب من غصن الأندلس الرطيب (1/603) تحقيق: إحسان عباس- دار صادر- بيروت

وقال الإمام عبد الرحمن بن حسن الجبرتي (ت 1237 هـ): «ويتوسَّل إليه في ذلك بمحمَّدٍ ». انظر: عجائب الآثار في التَّراجم والأخبار (1/470) دار الكتب المصرية- 1997

فهذه أخي الفاضِل والمحبُّ لرسولِ الله بعض ممَّا ذكرَه العلماءُ والأئمَّةُ في أدعيتِهم في بعض مصنَّفاتهم، ولو ذهبنا كي نجمعَ لك كلَّ ما ذَكرُوه غيرَ هذه الأدعية التي تدلُّ على توسُّلِهم بالنَّبيِّ ومقامِه عند الله ما وَسِعتْنا هذه الصَّفحاتُ ولا انتهى الكلامُ من جميلِ هذه المعلومات

يا خيرَ مَن دُفنتْ بالقاعِ أعظمُه
 
فطابَ من طِيبهنَّ القاعُ والأكمُ

نَفْسِي الفِداءُ لقَبرٍ أنتَ سَاكنُه
 
فِيهِ الْعَفَافُ وفِيهِ الجُودُ والكَرَمُ

وصلي اللهم علي سيدنا محمد وعلي آله وصحبه وسلم 

google-playkhamsatmostaqltradent