recent
أخبار عاجلة

المطلقة حياتها وحقوقها في ضوء القرآن الكريم والسنة النبويةوتحديات الواقع . ️ محمد أبوالنصر

 المطلقة حياتها وحقوقها في ضوء القرآن الكريم والسنة النبوية وتحديات الواقع .

 ️ 


 الطلاق من الأحكام  التي شرَّعها الإسلام كحلٍّ أخير للحياة الزوجية إذا استحالت العشرة بين الزوجين، وقد أحاطه الله بسياج من الأحكام التي تحفظ حقوق المرأة المطلقة وتصون كرامتها. في هذا البحث، سنتناول تعريف الطلاق وانواعه وحياة المرأة المطلقة، التحديات التي تواجهها، وحقوقها كما أقرها القرآن الكريم والسنة النبوية المطهرة.

إن رَابِطَةَ الزَّوَاجِ قَدْ تَتَعَرَّضُ لِبَعْضِ عَوَامِلِ إِنْهَاءِ هَذِهِ الْعَلَاقَةِ الْمَشْرُوعَةِ، وَتَضِيقِ الْحَيَاةِ الزَّوْجِيَّةِ مَعَهَا، فَكَانَ الطَّلَاقُ حَلًّا لِتِلْكَ الرَّابِطَةِ الَّتِي تَكَدَّرَتِ الْحَيَاةُ فِي ظِلِّهَا، وَسَاءَتِ الْعِشْرَةُ تَحْتَ سَمَائِهَا الْمُلَبَّدَةِ بِالْمُشْكِلَاتِ الَّتِي لَا حَلَّ لَهَا إِلَّا الْفِرَاقُ بِإِحْسَانٍ.

  تعريف الطلاق وحكمه في الإسلام

 ️الطلاق في اللغة هو "التحلل والإطلاق"،

  وفي الاصطلاح الشرعي هو "حل عقد النكاح بلفظ صريح أو كناية مع النية".((إِنَّ الطَّلَاقَ فِي شَرِيعَتِنَا الْإِسْلَامِيَّةِ هُوَ فَكٌّ لِتِلْكَ الرَّابِطَةِ الِاجْتِمَاعِيَّةِ النَّقِيَّةِ الَّتِي قَامَتْ عَلَى الْإِمْسَاكِ بِالْمَعْرُوفِ بَعْدَ أَنِ انْسَدَّتْ كُلُّ الطُّرُقِ لِمُدَاوَاةِ مَا طَرَأَ عَلَيْهَا مِنْ عِلَلٍ يَصْعُبُ عَلَى الْحَيَاةِ الزَّوْجِيَّةِ التَّعَايُشُ مَعَهَا؛ وَالنِّكَاحُ الَّذِي يُنْهَى بِالطَّلَاقِ إِنَّمَا هُوَ النِّكَاحُ الصَّحِيحُ، أَمَّا النِّكَاحُ الْفَاسِدُ فَإِنَّمَا يُنْهَى بِالْمُتَارَكَةِ أَوِ الْفَسْخِ.

 ان الإسلام قد جعل )) الطلاق  حلاً استثنائيًا عند استحالة الحياة الزوجية، قال تعالى: ﴿وَإِن يَتَفَرَّقَا يُغْنِ اللَّهُ كُلًّا مِّن سَعَتِهِ﴾ (النساء: 130).

أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ: إِنَّ الطَّلَاقَ فِي دِينِنَا الْإِسْلَامِيِّ أَمْرٌ مَشْرُوعٌ إِذَا دَعَتْ إِلَيْهِ أَسْبَابٌ صَحِيحَةٌ، بَلْ قَدْ يَكُونُ فِي بَعْضِ الْأَحْوَالِ هُوَ أَحْسَنَ الْوَسَائِلِ لِلْخُرُوجِ مِنْ نَارٍ يُشَبُّ ضِرَامُهَا، وَلَمْ يَنْطَفِئْ وَهَجُهَا بِكُلِّ الْوَسَائِلِ إِلَّا بِهِ، فَلَا خَيْرَ فِي حَيَاةٍ تُصْبِحُ فِيهَا الزَّوْجَةُ غُلًّا فِي عُنُقِ زَوْجِهَا لَا يَسْتَطِيعُ الْخَلَاصَ مِنْهَا؛ لِوُجُودِ قَانُونٍ يَمْنَعُهُ مِنْ ذَلِكَ؛ وَقَدْ دَلَّ عَلَى مَشْرُوعِيَّةِ الطَّلَاقِ فِي شَرِيعَتِنَا الْإِسْلَامِيَّةِ: كِتَابُ اللَّهِ -تَعَالَى-، وَسُنَّةُ رَسُولِهِ مُحَمَّدٍ -عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ-؛ قَالَ اللَّهُ -تَعَالَى-: (الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ)[الْبَقَرَةِ: 229]، وَقَالَ -جَلَّ وَعَلَا-: (لَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ أَوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً وَمَتِّعُوهُنَّ عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى الْمُقْتِرِ قَدَرُهُ مَتَاعًا بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُحْسِنِينَ * وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ إِلَّا أَنْ يَعْفُونَ أَوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ وَأَنْ تَعْفُوا أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَلَا تَنْسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ إِنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ)[الْبَقَرَةِ:236-237].

فَفِي هَذِهِ الْآيَاتِ مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الطَّلَاقَ مَشْرُوعٌ؛ فَقَدْ ذَكَرَ اللَّهُ -تَعَالَى- فِي الْآيَةِ الْأُولَى أَنَّ الطَّلَاقَ الَّذِي تَحْصُلُ بِهِ الرَّجْعَةُ مَرَّتَانِ؛ وَاحِدَةٌ بَعْدَ الْأُخْرَى، فَحُكْمُ اللَّهِ بَعْدَ كُلِّ طَلْقَةٍ هُوَ: إِمْسَاكُ الْمَرْأَةِ بِالْمَعْرُوفِ، وَحُسْنُ الْعِشْرَةِ بَعْدَ مُرَاجَعَتِهَا، أَوْ تَخْلِيَةُ سَبِيلِهَا مَعَ حُسْنِ مُعَامَلَتِهَا بِأَدَاءِ حُقُوقِهَا، وَأَلَّا يَذْكُرَهَا مُطَلِّقُهَا بِسُوءٍ.

وَذَكَرَ اللَّهُ -تَعَالَى- فِي الْآيَةِ الثَّانِيَةِ بِأَنَّهُ لَا جُنَاحَ عَلَى الْأَزْوَاجِ فِي تَطْلِيقِ زَوْجَاتِهِمْ.

وَفِي الْآيَةِ الثَّالِثَةِ أَشَارَ اللَّهُ -تَعَالَى- إِلَى مَشْرُوعِيَّةِ الطَّلَاقِ بَعْدَ الْعَقْدِ عَلَى النِّسَاءِ، وَذَكَرَ بَعْضَ الْأَحْكَامِ الْمُتَعَلِّقَةِ بِهِ، وَهَذَا دَلِيلٌ عَلَى إِبَاحَتِهِ.

وَفِي سُنَنِ أَبِي دَاوُدَ وَغَيْرِهَا بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ- "أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- طَلَّقَ حَفْصَةَ ثُمَّ رَاجَعَهَا"، وَهَذَا بُرْهَانٌ عَمَلِيٌّ عَلَى مَشْرُوعِيَّةِ الطَّلَاقِ، مِنْ عَمَلِ النَّبِيِّ الْمُشَرِّعِ -عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ-، وَهُوَ طَلَاقٌ رَجْعِيٌّ قَامَ بِهِ النَّبِيُّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-.

وَفِي مُسْنَدِ أَحْمَدَ بِسَنَدٍ قَوِيٍّ عَنِ ابْنِ عُمَرَ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا- قَالَ: "كَانَتْ تَحْتِي امْرَأَةٌ أُحِبُّهَا، وَكَانَ عُمَرُ يَكْرَهُهَا، فَقَالَ لِي: طَلِّقْهَا فَأَبَيْتُ، فَأَتَى عُمَرُ النَّبِيَّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- فَذَكَرَ ذَلِكَ لَهُ، فَقَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: "يَا عَبْدَ اللَّهِ، طَلِّقِ امْرَأَتَكَ" وَفِي رِوَايَةٍ: "أَطِعْ أَبَاكَ" قَالَ: فَطَلَّقْتُهَا".

وَفِي هَذَا النَّصِّ الشَّرِيفِ بُرْهَانٌ قَوْلِيٌّ عَنِ النَّبِيِّ -عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ- عَلَى إِبَاحَةِ الطَّلَاقِ، وَذَلِكَ بِأَمْرِهِ ابْنَ عُمَرَ بِطَاعَةِ أَبِيهِ فِي تَطْلِيقِ زَوْجَتِهِ.

  أقسام الطلاق.

أَيُّهَا الْإِخْوَةُ الْكِرَامُ: إِنَّ الطَّلَاقَ فِي شَرِيعَتِنَا الْغَرَّاءِ -بِاعْتِبَارِ إِيقَاعِهِ- قَسَّمَهُ الْعُلَمَاءُ -بِالنَّظَرِ إِلَى مُوَافَقَتِهِ سُنَّةَ رَسُولِ اللَّهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ وَمُعَارَضَتِهِ لَهَا- إِلَى قِسْمَيْنِ:

الطَّلَاقُ السُّنِّيُّ، وَالطَّلَاقُ الْبِدْعِيُّ؛ فَالطَّلَاقُ السُّنِّيُّ: هُوَ مَا وَافَقَ سُنَّةَ رَسُولِ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- وَهُوَ طَلَاقُ الرَّجُلِ امْرَأَتَهُ طَلْقَةً وَاحِدَةً فِي طُهْرٍ لَمْ يُصِبْهَا فِيهِ، ثُمَّ يَتْرُكُهَا حَتَّى تَنْقَضِيَ عِدَّتُهَا. وَدَلِيلُ هَذَا قَوْلُهُ -تَعَالَى-: (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ وَأَحْصُوا الْعِدَّةَ)[الطَّلَاقِ:1].

وَفِي الصَّحِيحَيْنِ أَنَّ ابْنَ عُمَرَ لَمَّا طَلَّقَ امْرَأَتَهُ وَهِيَ حَائِضٌ سَأَلَ عُمَرُ رَسُولَ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- عَنْ ذَلِكَ فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: "مُرْهُ فَلْيُرَاجِعْهَا، ثُمَّ لِيَتْرُكْهَا حَتَّى تَطْهُرَ، ثُمَّ تَحِيضَ، ثُمَّ تَطْهُرَ، ثُمَّ إِنْ شَاءَ أَمْسَكَ بَعْدُ، وَإِنْ شَاءَ طَلَّقَ قَبْلَ أَنْ يَمَسَّ، فَتِلْكَ الْعِدَّةُ الَّتِي أَمَرَ اللَّهُ أَنْ يُطَلَّقَ لَهَا النِّسَاءُ".

وَأَمَّا الطَّلَاقُ الْبِدْعِيُّ فَهُوَ: مَا خَالَفَ شَرْعَ اللَّهِ وَسُنَّةَ نَبِيِّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، وَمِنْ صُوَرِهِ: أَنْ يُطَلِّقَ الرَّجُلُ امْرَأَتَهُ حَالَ حَيْضِهَا أَوْ نِفَاسِهَا، وَهَذَا سَيُؤَدِّي إِلَى تَطْوِيلِ الْعِدَّةِ عَلَيْهَا، كَمَا أَنَّ الْمَرْأَةَ حَالَ حَيْضِهَا تَكُونُ مُتَغَيِّرَةَ الْأَخْلَاقِ، وَهَذَا قَدْ يَدْفَعُ الزَّوْجَ إِلَى تَطْلِيقِهَا، فَكَانَ مِنَ الْحِكْمَةِ الشَّرْعِيَّةِ: مَنْعُ الطَّلَاقِ فِي هَذِهِ الْحَالِ، فَمَا أَحْكَمَ هَذِهِ الشَّرِيعَةَ يَا عِبَادَ اللَّهِ!.

وَمِنْ صُوَرِهِ أَيْضًا: أَنْ يُطَلِّقَهَا فِي طُهْرٍ جَامَعَهَا فِيهِ، وَالطَّلَاقُ فِي هَذِهِ الْحَالِ قَدْ يُؤَدِّي إِلَى النَّدَمِ الشَّدِيدِ؛ وَذَلِكَ أَنَّهَا قَدْ تَحْمِلُ فِي ذَلِكَ الطُّهْرِ فَتَطُولُ عَلَيْهَا الْعِدَّةُ وَتُمْنَعُ بِهِ مِنَ الزَّوَاجِ، وَالزَّوْجُ قَدْ يَتَحَمَّلُ نَفَقَاتٍ كَثِيرَةً، وَيَنْدَمُ عَلَى وَلَدِهِ الَّذِي طَلَّقَ أُمَّهُ، وَصَدَقَ اللَّهُ: (يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ وَيَهْدِيَكُمْ سُنَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَيَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ)[النِّسَاءِ:26].

أما حكمه، فقد يكون واجبًا، مستحبًا، او مباحا مكروهًا، أو حرامًا بحسب حال الزوجين،

ان الطلاق (( تَجْرِي عَلَيْهِ الْأَحْكَامُ الْخَمْسَةُ، كَمَا يَقُولُ فُقَهَاءُ الْإِسْلَامِ؛ فَقَدْ يَكُونُ وَاجِبًا، وَقَدْ يَكُونُ مَنْدُوبًا، وَقَدْ يَكُونُ مُحَرَّمًا، وَقَدْ يَكُونُ مَكْرُوهًا، وَقَدْ يَكُونُ مُبَاحًا.

فَالطَّلَاقُ الَّذِي يَكُونُ وَاجِبًا كَطَلَاقِ الْحَكَمَيْنِ –الْعَدْلَيْنِ- بَيْنَ الزَّوْجَيْنِ إِنْ رَأَيَا أَنَّ الطَّلَاقَ هُوَ الْوَسِيلَةُ الْوَحِيدَةُ لِفَضِّ النِّزَاعِ، قَالَ -تَعَالَى-: (وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَابْعَثُوا حَكَمًا مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِنْ أَهْلِهَا إِنْ يُرِيدَا إِصْلَاحًا يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُمَا إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا خَبِيرًا)[النِّسَاءِ:35].

وَمِنْ صُوَرِ الطَّلَاقِ الْوَاجِبِ: طَلَاقُ الْمُولِي وَهُوَ: الَّذِي حَلَفَ عَلَى عَدَمِ وَطْءِ زَوْجَتِهِ فَيُتَرَبَّصُ بِهِ مُدَّةَ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ ثُمَّ يُطَلِّقُ إِذَا لَمْ يَعُدْ إِلَى مُعَاشَرَتِهَا، قَالَ -تَعَالَى-: (لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ فَإِنْ فَاءُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ * وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلَاقَ فَإِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ)[الْبَقَرَةِ:226-227].

وَالطَّلَاقُ قَدْ يَكُونُ مَنْدُوبًا كَالطَّلَاقِ فِي حَالِ اشْتِدَادِ الْخِلَافِ مُدَّةً طَوِيلَةً، وَلَيْسَ هُنَاكَ حَلٌّ إِلَّا زِيَادَةُ الْمُشْكِلَاتِ، وَكَثْرَةُ الْمُعْضِلَاتِ، وَكَطَلَاقِ الْمَرْأَةِ الْمُقَصِّرَةِ فِي حُقُوقِ اللَّهِ الْوَاجِبَةِ، بَعْدَ اسْتِمْرَارِ نَصِيحَتِهَا وَتَأْدِيبِهَا، فَلَمْ تَزْدَدْ إِلَّا اسْتِمْرَارًا عَلَى تَقْصِيرِهَا.

وَالطَّلَاقُ قَدْ يَكُونُ مُحَرَّمًا كَطَلَاقِ الرَّجُلِ الَّذِي لَا يَسْتَطِيعُ الزَّوَاجَ بَعْدَ طَلَاقِهِ، وَيَخَافُ أَنْ يَقَعَ فِي الزِّنَا، وَكَالطَّلَاقِ مِنْ غَيْرِ حَاجَةٍ، وَإِنَّمَا يُرَادُ بِهِ الْإِضْرَارُ بِالزَّوْجَةِ فَقَطْ، وَلَمْ تَأْتِ بِمَا يَسْتَوْجِبُ طَلَاقَهَا. فَعَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ- "أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- قَضَى أَنْ لَا ضَرَرَ وَلَا ضِرَارَ"(رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ).

وَالطَّلَاقُ قَدْ يَكُونُ مَكْرُوهًا؛ كَطَلَاقِ امْرَأَةٍ بَيْنَهَا وَبَيْنَ زَوْجِهَا مَوَدَّةٌ وَوِئَامٌ وَوَفَاءٌ بِحُقُوقِ اللَّهِ وَحُقُوقِ الزَّوْجِ، مَعَ التَّقْصِيرِ فِي بَعْضِ الْوُجُوهِ الَّتِي يُمْكِنُ عِلَاجُهَا بِغَيْرِ الطَّلَاقِ.

وَالطَّلَاقُ قَدْ يَصِيرُ مُبَاحًا؛ وَيَكُونُ ذَلِكَ عِنْدَ الْحَاجَةِ إِلَيْهِ؛ لِسُوءِ خُلُقِ الْمَرْأَةِ، وَسُوءِ عِشْرَتِهَا، وَالتَّضَرُّرِ بِهَا، مِنْ غَيْرِ حُصُولِ الْغَرَضِ مِنْهَا.

فَاتَّقُوا اللَّهَ -مَعْشَرَ الْأَزْوَاجِ- وَاعْرِفُوا هَذِهِ الْأَحْكَامَ؛ حَتَّى لَا تَقَعُوا فِي الْمَكْرُوهِ أَوِ الْحَرَامِ، أَوْ مَا يُوجِبُ النَّدَامَةَ وَالْمَلَامَ، حِينَ يَقَعُ الطَّلَاقُ بِغَيْرِ سَبَبٍ صَحِيحٍ يَدْعُو إِلَيْهِ، وَلَا مُوجِبٍ لِلْفِرَاقِ يُعْتَمَدُ عَلَيْهِ.

فَقَدْ طَلَّقَ الْفَرَزْدَقُ الشَّاعِرُ امْرَأَتَهُ فَتَبِعَتْهَا نَفْسُهُ وَنَدِمَ عَلَى طَلَاقِهَا. فَقَالَ:

نَدِمْتُ نَدَامَةَ الْكُسَعِّي لَمَّا ** غَدَتْ مِنِّي مُطَلَّقَةً نَوَارُ

وَكَانَتْ جَنَّتِي فَخَرَجْتُ مِنْهَا ** كَآدَمَ حِيْنَ أَخْرَجَهُ الضِّرَارُ

فَكُنْتُ كَفَاقِئٍ عَيْنَيِهْ عَمْدًا ** فَأَصْبَحَ مَا يُضِئُ لَهُ النَّهَارُ

وَلَوْ أَنِّي مَلَكْتُ يَدِي وَقَلْبِي ** لَكَانَ عَلَيَّ لِلْقَدَرِ الْخِيَارُ

وَمَا طَلَّقْتُهَا شِبَعًا، وَلَكِنْ ** رَأَيْتُ الدَّهْرَ يَأْخُذُ مَا يُعَارُ

أَيُّهَا الْمُسْلِمُونَ: إِنَّ الطَّلَاقَ مَشْرُوعٌ لِلْحَاجَةِ إِلَيْهِ، وَمَدْعُوٌّ إِلَى اتِّخَاذِ قَرَارِهِ إِذَا لَمْ يَكُنِ الْحِلُّ إِلَّا بِهِ، وَهُوَ مُبَاحٌ وَلَكِنْ عَبْرَ التَّعَقُّلِ وَالتَّرَيُّثِ، وَلَيْسَ عَبْرَ الْهَوَى وَالتَّعَجُّلِ، وَهُوَ لِلزَّوْجِ إِذَا كَانَ حَلًّا لِمُشْكِلَةٍ، وَلَيْسَ سَبَبًا لِابْتِدَاءِ مُشْكِلَاتٍ، وَهُوَ مُبَاحٌ إِذَا كَانَ بِالْعَدْلِ لَا بِالظُّلْمِ، وَلِإِعَادَةِ الْبِنَاءِ وَلَيْسَ لِهَدْمٍ لَا يَقُومُ بَعْدَهُ بِنَاءٌ؛ وَلِهَذَا فَإِنَّ الطَّلَاقَ فِي شَرِيعَتِنَا الْإِسْلَامِيَّةِ لَهُ مَقَاصِدُ يَقُومُ عَلَيْهَا، وَغَايَاتٌ حَمِيدَةٌ يَرْمِي إِلَيْهَا.

  مقاصد الطلاق

فَمِنْ تِلْكَ الْمَقَاصِدِ الْحَكِيمَةِ:

 ️رَفْعُ الْمَشَقَّةِ عَنْ أَحَدِ الزَّوْجَيْنِ؛ فَقَدْ يَبْقَى أَحَدُهُمَا فِي رَابِطَةٍ تَخْنُقُهُ، وَعِشْرَةٍ حَيَاتِيَّةٍ تُوجِعُهُ، وَيُدَافِعُ ذَلِكَ الشُّعُورَ الْكَارِهَ زَمَنًا وَلَكِنَّهُ يُعَاوِدُهُ وَيُلِحُّ عَلَيْهِ بِالْفِرَاقِ، فَكَانَ مِنْ تَيْسِيرِ شَرِيعَةِ الْإِسْلَامِ دَفْعُ هَذِهِ الْمَشَقَّةِ، كَمَا دَفَعَهَا رَسُولُ اللَّهِ -عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ- عَنِ امْرَأَةِ ثَابِتِ بْنِ قَيْسٍ، فَقَدْ رَوَى الْبُخَارِيُّ وَغَيْرُهُ عَنْ عَائِشَةَ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا- "أَنَّ حَبِيبَةَ بِنْتَ سَهْلٍ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا- كَانَتْ عِنْدَ ثَابِتِ بْنِ قَيْسِ بْنِ شَمَّاسٍ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ-، فَأَتَتِ النَّبِيَّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، ثَابِتُ بْنُ قَيْسٍ، مَا أَعْتِبُ عَلَيْهِ فِي خُلُقٍ وَلَا دِينٍ، وَلَكِنِّي أَكْرَهُ الْكُفْرَ فِي الْإِسْلَامِ" وَفِي رِوَايَةٍ: "وَلَكِنِّي لَا أُطِيقُهُ بُغْضًا"، فَدَعَا النَّبِيُّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- ثَابِتًا، فَقَالَ: خُذْ بَعْضَ مَالِهَا وَفَارِقْهَا"، فَقَالَ: وَيَصْلُحُ ذَلِكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟، قَالَ: "نَعَمْ"، قَالَ: فَإِنِّي أَصْدَقْتُهَا حَدِيقَتَيْنِ وَهُمَا بِيَدِهَا، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: "أَتَرُدِّينَ عَلَيْهِ حَدِيقَتَهُ؟"، قَالَتْ: نَعَمْ".

وَمِنْ مَقَاصِدِ الطَّلَاقِ فِي الْإِسْلَامِ: الْإِبْعَادُ عَنِ الْأَضْرَارِ النَّفْسِيَّةِ وَالصِّحِّيَّةِ؛ فَكَمْ مِنْ حَيَاةٍ زَوْجِيَّةٍ مُكَدَّرَةٍ كَثُرَتْ فِيهَا الْأَمْرَاضُ النَّفْسِيَّةُ، وَتَعَمَّقَتْ فِيهَا الْأَسْقَامُ الْجَسَدِيَّةُ، فَلَا يَزِيدُ الزَّمَانُ تِلْكَ الْآلَامَ إِلَّا امْتِدَادًا، وَلَيْسَ مِنْ دَوَاءٍ لِهَذَا الدَّاءِ إِلَّا الْفِرَاقُ بِمَعْرُوفٍ، فَكَانَ هَذَا مِنْ مَقَاصِدِ الطَّلَاقِ فِي الْإِسْلَامِ.

 حياة المرأة المطلقة: التحديات والواقع الاجتماعي

 ️ التحديات النفسية والعاطفية:

تعاني المرأة المطلقة من مشاعر الإحباط، الفشل، والوحدة، خاصةً إذا كانت التجربة مليئة بالخلافات والمشاكل.

 ️ التحديات الاجتماعية ونظرة المجتمع:

في بعض المجتمعات، تواجه المطلقة نظرة سلبية، مما يزيد من معاناتها ويؤثر على فرصها في الزواج مرة أخرى أو في الاندماج المجتمعي.

 ️ التحديات الاقتصادية والمعيشية:

قد تجد المطلقة صعوبة في توفير احتياجاتها الأساسية، خصوصًا إذا كانت بلا دخل ثابت.

 ️ التحديات المتعلقة بالأبناء وحضانتهم:

تقع على المطلقة مسؤولية تربية الأبناء وحدها، وقد تواجه عراقيل في تحصيل حقوقهم من الأب.

  حقوق المرأة المطلقة في ضوء القرآن الكريم

 ️ حقها في المتعة والنفقة:

 أمر الله تعالى بالإنفاق على المطلقة وعدم الإضرار بها، قال سبحانه: ﴿وَلِلْمُطَلَّقَاتِ مَتَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ﴾ (البقرة: 241).

 ️ حقها في السكن خلال العدة:

قال الله تعالى: ﴿أَسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنْتُم مِّن وُجْدِكُمْ﴾ (الطلاق: 6).

 ️ حقها في الحضانة ورعاية الأبناء:

أعطى الإسلام الأم حق الحضانة ما دامت قادرة على تربية الأطفال تربية صالحة.

 ️ تكريم القرآن للمرأة المطلقة ومنع ظلمها: دعا الإسلام إلى معاملة المطلقة بإحسان وعدم الإساءة إليها بعد الطلاق، قال تعالى: ﴿فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ﴾ (البقرة: 229).

  حقوق المرأة المطلقة في السنة النبوية

 ️ معاملة النبي للمطلقات وتقديره لهن: تزوج النبي من مطلقات مثل حفصة بنت عمر والتى  كانت متزوجة من الصحابي خُنيس بن حُذافة ، الذي كان من السابقين إلى الإسلام وهاجر إلى الحبشة ثم إلى المدينة المنورة.

وكان بدرياً شهد بدراً

كما تزوج زينب بنت جحش، مما يؤكد مكانتهن.

 ️ توجيهاته في حفظ حقوق المطلقة: قال النبي : "اتقوا الله في النساء" (رواه مسلم)، مما يشمل حسن معاملتهن حتى بعد الطلاق .

  كيفية دعم المجتمع للمرأة المطلقة

 ️ دور الأسرة في دعم المطلقة:

 يجب أن تكون العائلة سندًا للمطلقة، بدلًا من تحميلها اللوم.

 ️ دور المؤسسات الدينية والاجتماعية: يجب أن تساهم هذه المؤسسات في تأمين فرص عمل ودعم نفسي للمطلقات.

 ️ تعزيز الوعي المجتمعي حول حقوق المطلقة: وذلك  عبر حملات توعوية تؤكد على احترام المطلقة وصون حقوقها.

 الخاتمة

يتضح مما سبق  أن الإسلام أرسى حقوقًا واضحة للمرأة المطلقة، تكفل لها حياة كريمة بعد الطلاق. ومع ذلك، يبقى دور المجتمع ضروريًا في دعمها نفسيًا واقتصاديًا، والتخفيف من الضغوط الاجتماعية التي قد تواجهها. لذا، من الواجب نشر الوعي حول حقوق المطلقة وحمايتها من أي ظلم أو تمييز.

 

 

 

google-playkhamsatmostaqltradent